رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الثالث
"قـــبـــل يـــومـــيـــن"
نظرت إليه وقالت بنبرة تحمل الحيرة والتعجب:
- بس غريبة إنك جيت فعلا تنقذني، المكالمة اللي عملتها دي كنت متأكدة إنها مش هتقدم ولا هتأخر بس أنت عارف الغريق اللي بيتعلق بقشاية؟ هو عارف إنها مش هتنقذه وإنه هيموت لكن بيعمل أي حاجة علشان يفضل عايش حتى لو متأكد إنها مش هتساعد.. هو ده اللي أنا عملته بالظبط وأنا متأكدة إن مفيش حد هيجي يساعدني لكن حصل عكس كدا تمامًا، أنت إزاي خاطرت بحياتك وجيت وأنت عارف إن الموضوع خطر بالشكل ده؟! أنت مين؟
ابتسم وتابع نظره للطريق أمامه قبل أن يُطلق تنهيدة تبعها إجابته على سؤالها:
- أنا واحد زي أي حد، يمكن مكالمتك دي فعلا مكانتش هتحركني من مكاني وأي حد كان هيقول أنا مالي لأن الموضوع خطير وممكن كمان يبقى كمين أو أي حاجة من دي لكن حاجة جوايا حركتني الصراحة.. من بعد موت ماما الله يرحمها وأنا عايش لوحدي في حالي ولا بسأل على حد ولا حد بيسأل عليا.. من البيت للشغل ومن الشغل للبيت.. حياة مملة ملهاش أي معنى ومفيهاش أي دافع يخلي الواحد يكمل، أنا خدت مكالمتك دي حجة علشان أغير من الحياة دي حتى لو اللي هعمله ده خطر.. أينعم جيت لقيتك ظبطتي أمورك وخلصتي من الناس دي لكن من جوايا حاسس إني عملت حاجة صح وفي نفس الوقت حاجة مختلفة
تابعت حديثه باهتمام وما إن صمت حتى قالت متسائلة:
- أنت بتقول إنك عايش لوحدك من بعد موت مامتك طيب فين باباك وفين عيلتك.. أكيد ليك حد
ضغط على الفرامل تدريجيًا، وحرك إطار السيارة يمينًا حتى توقفت السيارة على جانب الطريق، ثم نظر لها وهتف:
- بابا معرفش عنه حاجة غير إنه سافر وسابنا لوحدنا علشان ماما هي اللي تقوم بالدورين.. دور الأب ودور الأم، الصراحة عيلتي كانوا واقفين جنب ماما بس هي محبتش تتقل عليهم واختفت من حياتهم لما كنت طفل واشتغلت وتعبت علشان تعلمني وتكبرني وأول ما وقفت على رجلي واشتغلت قولت خلاص هعوضها عن التعب اللي عاشته لكنها للأسف مستنتش وكأنها كانت مستنياني أبقى راجل وشايل مسؤولية علشان تودعني وتسيبني.. ساعتها قررت أتواصل مع عيلتي علشان يدفنوها ويعرفوا على الأقل مصيرها ايه لأن ده حقهم وبمجرد ما العزاء انتهى اختفيت تاني ومحدش منهم بقى عارف ليا طريق
ضيقت نظراتها بحيرة بعد أن استمعت لتلك الكلمات، وقالت بتعجب:
- ليه اختفيت؟ دول عيلتك ووجودهم جنبك قوة ليك.. ليه عملت زي ما مامتك عملت وسيبتهم رغم إنهم كويسين زي ما بتقول
شرد في نقطة ما بالفراغ وأجاب بعدم اقتناع:
- مش عارف.. يمكن كررت اللي عملته ماما علشان أبقى زيها، ماما كانت قدوتي الصراحة وكانت زي ما كله بيقول سوبر ماما بالنسبة ليا، يمكن غلطت لما بعدت عنهم بس حاجة جوايا قالتلي ابعد.. أنا مبحبش أشوف نظرة عطف في عين حد ليا
عقدت ذراعيها وعادت بظهرها إلى الخلف ناظرة له وهي تقول:
- هو فعلا اللي عملته ده غلط، الواحد بيلوم اللي بيبيع حد منه زي العيلة مثلا اللي تبيع حد منها ومتساعدش وقت المصايب لكن دول زي ما بتقول عيلة كويسة وقفت جنب مامتك وأكيد جنبك أنت كمان.. مفيش مبرر إنك تختفي من حياتهم.. الواحد ما بيصدق يلاقي عيلة تحبه حب صافي بدون مصالح، أنا شايفة إنك ترجعلهم تاني وممكن ترفض مساعدتهم لو عرضوا المساعدة لكن متبعدش لأن دول اللي وقت تعبك هيسندوك وهيتمنولك الخير
ابتسم ابتسامة هادئة وكأنه يريد إنهاء هذا الحوار وردد بجدية:
- سيبك مني خلينا في مشكلتك، هتعملي ايه وأوصلك فين.. هل ليكي حد تروحيله بعد اللي حصل ده؟
حركت رأسها بـ "لا" وسيطرت ملامح الحزن على وجهها وهي تقول:
- لو كان ليا حد مكنتش اتجوزت الشخص ده.. حالي زي حالك بس الفرق بقى إن معنديش عيلة تقف جنبي، أو بمعنى أصح فيه لكن لو شافوني بغرق قصادهم محدش هيحاول حتى ينقذني.. يمكن أنا طلعت زيهم أنانية وبحب نفسي بس وده اللي خلاني اتجوز راشد علشان فلوسه
صمتت للحظات وقبل أن يتحدث أردفت بلطف:
- وصلني أي فندق وأنا هتابع أموري، معلش تعبتك معايا ولخبطت الدنيا عندك
أدار محرك السيارة مرة وهتف بابتسامة:
- لا أبدا مفيش حاجة، حاضر هوصلك
توقف عن الحديث، ثم مد يده إلى الراديو وضغط على أزراره، يعبث بالموجات بحثًا عن شيء ما. راقبته باستغراب قبل أن تسأله بتعجب:
- بتعمل إيه؟
لم يرفع عينيه عنها، بل تابع ما يفعله بتركيز وهو يجيب بجدية:
- هشوف رؤية الهلال
في تلك اللحظة انبعث الصوت من إذاعة القرآن الكريم فتراجع إلى الخلف مستندًا إلى مقعده، وأصغى باهتمام للكلمات التي صدرت بوضوح:
- "أعلنت دار الإفتاء المصرية أن اليوم الجمعة هو المتمم لشهر شعبان، وأن غدًا السبت هو أول أيام شهر رمضان المبارك"
ساد صمت قصير، لكنه كان ممتلئًا بشعور خاص، ذلك الشعور الذي يرافق دائمًا الإعلان عن حلول الشهر الكريم.
****
"الـــوقـــت الـــحـــالـــي"
ابتسمت وهزت رأسها بالإيجاب وهي تقول:
- تمام هقولك اسمي، أنا فاطمة ...
رفع أحد حاجبيه وقال بنبرة تعبر عن عدم اندهاشه:
- كدا أنا عرفتك يعني؟
ابتسمت ورددت:
- قولتلك مش هتعرفني وطلبت اسمي فقولت اسمي
- اممم طيب وأنتي عايزة مني ايه بقى يا ست فاطمة؟
اقتربت أكثر وهمست قائلة:
- عايزة أنقذك من اللي عايزين يغتالوك
ضحك وقال بنبرة تعبر عن عدم اهتمامه:
- ومين بقى عايز يغتالني؟
هنا أجابت على سؤاله بجدية تنافي طريقته:
- حد أقرب ليك مما تتوقع
مثل عدم اهتمامه وردد بسخرية مصطنعة:
- طيب يا ستي شكرا على مساعدتك، بطلي تمشي ورايا بقى زي العفاريت
وقبل أن يرحل من أمامها رددت بجدية:
- طيف أنا مش بهزر، أنا أعرفك وأنت قبل ما تفقد الذاكرة كنت تعرفني كويس أوي
ابتسم وعقد ذراعيه أمام صدره وهو يقول:
- وأنا ايه يضمنلي؟ مش يمكن نصابة ولا حد باعتك تقولي الكلمتين دول، أنا زي ما قولتي فاقد الذاكرة ومش فاكر أي حاجة خالص
أخرجت هاتفها وعرضت صورة قبل أن ترفع الهاتف أمام عينيه ثم بدأت في عرض الكثير من الصور التي تجمعها هي وهو والكثير من أعضاء الفريق في الماضي وأردفت أثناء ذلك قائلة:
- كنت من أعضاء فريق اللواء أيمن معاكم وكنت خطيبة رماح وكنا هنتجوز لولا اللي حصل، اضطريت أزور موتي علشان مهمة سرية
كان ينظر إلى الصور باهتمام قبل أن يعود ببصره لها ليقول:
- تزوري موتك إزاي يعني؟ بابا عارف بده؟
حركت رأسها بمعنى "لا" وأردفت:
- مفيش حد من الفريق يعرف ده، المهمة كانت من جهة منصبها أعلى من اللواء أيمن، كل اللي حصل كان متدبر ولغاية دلوقتي كلهم فاكرين إني ميتة
رسم «طيف» ابتسامة على وجهه وقال بجدية:
- أنا فقدت الذاكرة لكن مفقدتش ذكائي، الكلام اللي بتقوليه ده ميصدقهوش عيل صغير مش حد زيي وبعدين مش يمكن أنتي معاهم، مازن صاحبي اللي مش فاكره طلع معاهم مش هتفرق يعني
حركت رأسها بالإيجاب وقالت:
- ليك حق تقول كل ده لأنك مش فاكر أي حاجة من الماضي بتاعك خالص ولا فاكر اللي حصل ساعة التنفيذ، على العموم أنا همشي ووقت ما تعوزني هتلاقيني
تركته ورحلت في الحال، ود لو يوقفها ليعرف المزيد لكنه تركها في النهاية ظنًا منه أنها هنا لتنفيذ مخطط ما؛ فهو مؤخرا أصبح لا يخاف ولا يضع في حسبانه أي خطر قد يحدث.
تابع تحركه إلى المسجد وقام بأداء الصلاة وما إن انتهوا جميعهم حتى رحلوا وأثناء سيرهم ردد «طيف» قائلا:
- بابا كلمني عن فاطمة
ضيق والده ما بين حاجبيه وقال بتعجب:
- فاطمة؟! هو حد حكالك عنها؟
كذب عليه وقال بمراوغة:
- آه كان رماح جاب سيرتها بس مرضتش اسأله عنها يعني
شك «ايمن» في حديثه لكنه قال في النهاية:
- عادي كانت معانا في التيم وكانت شاطرة جدا ومجتهدة وفيه بينها وبين رماح قصة حب كبيرة لكن ربنا مأرادش إنها تكمل، في يوم من الأيام رماح رجع البيت لقاها مقتـ..ـولة أو بمعنى أصح مد..بـ..وحة
هز رأسه بالإيجاب وأردف:
- مش يمكن كل ده مش صح وهي عايشة؟
نظر له والده بتعجب قبل أن يقول:
- عايشة إزاي يا طيف بقولك كانت مد..بـ..وحة وبعدين أنت نسيت إحنا نبقى مين؟ إحنا اللي بنعمل الخدع دي
رفع كتفيه وقال بتبرير:
- ما يمكن حد له منصب أعلى هو اللي دبر ده لمهمة مثلا أو شيء من هذا القبيل
توقف «أيمن» عن السير ونظر له وهو يقول بتعجب:
- أنت بتقول كلام غريب من ساعة ما خرجنا من المسجد يا طيف، حاسس الحوار كدا مش طبيعي، ليه مقتنع إنها عايشة وأنت أصلا مش فاكرها ولا فاكر اللي حصل، أصل مش طبيعي تبرر وجهة نظر من الفراغ كدا
وتابع «بارق» ليؤكد ما قاله «ايمن»:
- بالظبط يا طيف، هو حاجة من اتنين يا أنت تعرف حاجة يا حد قالك حاجة وأنت بتسأل علشان كدا
قرر أخيرا قول الحقيقة لذلك نظر لهما بجدية قبل أن يقول:
- آه أعرف حاجة
انتبه «أيمن» وقال باهتمام شديد:
- حاجة ايه اللي تعرفها؟
تحدث «طيف» وأجاب على سؤاله قائلا:
- فاكرين أصوات الهمس اللي كنت بسمعها؟
حرك «بارق» رأسه بالإيجاب وهو يقول:
- آه فاكريين، ده ماله باللي بتقوله؟
هنا تحدث «طيف» وقال بجدية:
- ياعم سيبني أكمل، النهاردة وأنا جاي لصلاة العشاء سمعت نفس الصوت بس المرة دي كان بجد التفت لقيت واحدة حسيت إني شوفتها قبل كدا لكن مش فاكرها ولما سألتها هي مين قالت إنها تعرفني كويس أوي وورتني صور كتير فيها أنا وهي والفريق كله وقالت إنها تبقى فاطمة
اتسعت حدقتا «أيمن» بصدمة وردد قائلا بنبرة غير مصدقة:
- استحالة، فاطمة ماتت وكلنا شوفنا ده بعنينا
تابع «طيف» وكأنه لم يسمع لحديث والده:
- قالت إن حادثة موتها متدبرة من منصب أعلى منك يا بابا علشان مهمة هي هتعملها، مقالتش تفاصيل أوي بس يكفي الصور اللي ورتهالي أكيد مش فوتوشوب لأني بعرف كويس الصورة دي حقيقية ولا لا، أنا مصدقتهاش واديتها وش وحش ومشيت بس مش عارف من ساعتها أبطل افكر في اللي حصل ده
حرك «أيمن» رأسه بمعنى لا وقال بعدم تصديق:
- استحالة، استحالة يا طيف، الموضوع ده فيه إن وأكيد اللي قابلتها دي مش فاطمة
- معاك صورة ليها؟
حرك رأسه بالإيجاب وأخرج هاتفه وقرر اختباره وجلب صورة لفتاة أخرى وهو يقول:
- هي دي فاطمة، هي دي اللي شوفتها؟
ضيق «طيف» ما بين حاجبيه وقال:
- لا مش هي، مش دي خالص
في تلك اللحظة جلب والده الصورة الحقيقية لها وقبل أن ينطق بكلمة واحدة:
- هي دي، هي دي اللي قابلتها من ساعة بالظبط، معاك صور جماعية؟
جلب «أيمن» الصور الجماعية للفريق فصرخ «طيف» قائلا:
- هي دي الصور اللي ورتهالي، والله هي دي، أنا قابلت فاطمة اللي في الصورة
نظر «أيمن» إلى «بارق» ثم عاد ببصره إلى «طيف» ليقول:
- مستحيل، طب اشمعنا ظهرتلك أنت؟
هنا أجاب على سؤاله قائلا:
- قالتلي إنها عايزة تنقذني من اللي هيغتالوني ولما سألتها مين دول قالتلي حد قريب ليك أكتر مما تتوقع
في تلك اللحظة ردد «بارق» وقال بابتسامة:
- كبرتوا الموضوع يا جدعان، هو منين بيودي على فين، هو استيقاظ الموتى ده متعودين عليه هنا ولا ايه؟
ظل «أيمن» صامتًا يفكر في الوضع الحالي إلى أن تحدث «طيف» قائلا:
- موضوع الذاكرة ده بوخ أوي، حاسس إن فيه حاجات كتير فاتتني ولسة هتفوتني وأنا محلك سر مش فاكر ولا عارف أي حاجة
قطع «أيمن» صمته أخيرا وقال بهدوء:
- ما يمكن حد شبهها يا طيف، فيه ناس بتبقى شبه بعض بصورة مش طبيعية
لوى ثغره ورفع كتفيه وهو يقول:
- هي نفس الشخص اللي في الصورة بالظبط وحتى لو شبهها فهي جاية ليه دلوقتي، أنا أصلا مبقاش مني أهمية لأني سيبت شغلي كظابط، هيعوزوا مني ايه أصلا؟!
وضع «بارق» يده على كتف «طيف» وردد بجدية:
- مهما كان الوضع فأنت لازم الفترة الجاية تخلي بالك من نفسك، لازم تحرص من أي حاجة، كلامها لو صح يبقى أنت في خطر
ضحك «طيف» ورفع يديه في الهواء وهو يقول:
- لا شغل خلي بالك وخد حظرك وأوعى الفحت ياخدك وينزل تحت والشغل ده مش بحبه، أنا هعيش طبيعي مش هجرب التجربة بتاعة الخوف دي تاني، العمر واحد يابا
رفع «بارق» أحد حاجبيه وقال مازحًا:
- ايه يابني قلبت من حواري كوم البط مرة واحدة كدا ليه ده أنا كنت مستني اللحظة اللي هتطلع فيه الموس من بؤك
في تلك اللحظة تحدث «أيمن» الذي قال بجدية:
- مش عايز حد يعرف حوار فاطمة ده يا طيف لغاية ما اتأكد منه
حرك رأسه بالإيجاب وقال:
- تمام محدش هيعرف بس لو قابلتني تاني؟
- لو قابلتك تاني اتعامل معاها عادي خالص وحاول تعرف معلومات أكتر، اسمع يا طيف أكتر ما تتكلم، طول ما أنت بتتكلم فأنت بتضيع فرصة تعرف فيها معلومة مهمة وأنا الفترة الجاية هدور ورا الحوار ده لغاية ما أفهم ايه اللي بيحصل
انتهى الحوار عند هذا الحد وعادوا جميعهم إلى المنزل ليجدوا «اسماء» ترفع صوتها أمام ابنتها قائلة:
- يابنتي بطلي العك ده بقى، هتبوظيه ومش هتاكليه
لترد «رنة» بإصرار:
- هاكله يا ماما ده أصلا معروف والناس كلها بتاكله اسمه المتشقلبة
- بلا متشقلبة بلا معدولة قولت العك ده مش هتاكليه
تدخل «طيف» الذي قال بصوت مرتفع ليلفت انتباه الجميع قائلا:
- فيه ايه يا جدعان صوتكم جايب لآخر الشارع
هنا ردت والدته وقالت بنبرة تحمل الغضب:
- شوف اختك المجنونة دي، حاطة على الرز بلبن كنافة وقطع قطايف وقشطة وأيس كريم وبتقول هتاكله كدا وقال ايه اسمها متشقلبة
رفع أحد حاجبيه ونظر إلى الطبق الذي كان بيد شقيقته وقال بعفوية:
- ممكن أشقلب، أقصد أدوق
أعطته الطبق الذي كان بيدها فتناول ملعقة بها جميع المحتويات قبل أن تتسع حدقتاه وهو يقول:
- أيه الاختراع الجامد ده، اعمليلك طبق بقى يا رنة أنا هاخد أنا الطبق ده
ضيقت «رنة» ما بين حاجبيها وقالت بعدم رضا:
- عاجبك ابنك واللي بيعمله أهو خد الطبق بتاعي
نظرت له والدته وأشارت إلى الطبق الذي كان بيده وقالت:
- أنت هتاكل العك ده؟
ابتسم وهو يحرك رأسه بالإيجاب وهو يقول:
- آه، وبعدين ده رز بلبن على حلويات وقشطة وأيس كريم مفيش فيه فضلات حمام يعني يا ماما، روقي وخديلك معلقة ده طعمه تحفة
- أنتوا هتجننوني، الاختراعات دي هتجيبلكم تلبك معوي
نظر «بارق» إلى «رنة» وأردف مازحًا:
- واحد تلبك معوي معاكي يا رنة معلش
ارتفع صوت ضحك الجميع وضحكت «اسماء» رغمًا عنها ليقول «بارق»:
- أيوة كدا اضحكي يا حماتي، ده شمس الدنيا تطلع لما تطلع ضحكة منك
نظرت له وقالت مازحة:
- بس يا بكاش أنت
ضحكوا لتقول «رنة» في النهاية:
- حد تاني هياكل متشقلبة غير بارق أعمله معايا؟
هنا ردت «اسماء» بعدم رضا:
- شقلبوكي في جهنم يا بعيدة أنتي بتشجعيهم على العك ده
رفعت لها حاجبيها عدة مرات وهي تقول:
- القلب وما يريد يا سوسو
في تلك اللحظة خلعت حذائها وقامت بإلقائه نحوها فتفادته وهي تقول:
- مجتش فيا مجتش فيا
ضحك «أيمن» وردد بصوت مسموع:
- قط وفار، بيتنا فيه قط وفار بجد
استمر الحديث بينهم لوقت طويل وأخيرا عاد «طيف» وزوجته وأبنائه إلى شقتهم بالأعلى، اتجه هو إلى غرفته بينما توجهت «نيران» إلى غرفة أطفالها لمساعدتهم على النوم وبعد وقت قصير عادت إليه وهي تقول:
- ها طمني عليك حاسس بأي تعب أو إرهاق
حرك رأسه بمعنى "لا" وقال:
- لا بس متضايق علشان ملقتش شغل
جلست بجواره وربتت على كتفه وهي تقول بهدوء:
- متستعجلش، لما ربنا يأذن كل الأبواب هتتفتح قصادك بإذن الله
ابتسم وقال بهدوء:
- إن شاء الله
صمتت للحظات ثم جلست على ركبتيها أمامه وقالت بحماس شديد:
- طيف تعالى أعالجك بنفس الطريقة اللي عالجتني بيها
ضم ما بين حاجبيه بعدم فهم لتوضح له:
- مش أنا قولتلك إني فقدت الذاكرة وأنت عالجتني
ابتسم وقال مازحًا:
- آه ساعتها قولتلك إن الأسرة دي تقريبا من نسل سمكة علشان الذاكرة اللي بتروح وتيجي دي
ضحكت بصوت مرتفع وقالت:
- أيوة بالظبط، بص أنا فاكرة أنت عالجتني إزاي تعالى نجرب نفس العلاج ده عليك يمكن تفتكر والذاكرة ترجعلك
رفع كتفيه وجلس أمامها هو الآخر بنفس الطريقة وهو يقول:
- ماشي يا ستي مع إني مش مقتنع بس يلا نجرب ادينا بنتسلى
تحمست وقالت بابتسامة:
- بص يا سيدي عايزاك تغمض عينك وترمي أي أفكار في دماغك، تخيل دماغك دي أوضة مكركبة والكركبة دي هي الأفكار اللي في دماغك وبعدين ابدأ طلع كل الحاجات اللي مكركبة دي وفضي الأوضة خالص بحيث تبقى دماغك فاضية من كل المشاكل والأفكار وذهنك صافي تماما
في تلك اللحظة ابتسم هو وردد مازحًا:
- لا الجملة دي حسستني إني قاعد قصاد دكتورة بجد، أنتي لو اشتغلتي نصابة هتاكلي عيش زي الفل
ضحكت وضربته بخفة في كتفه وهي تقول:
- بس بقى متهزرش واعمل اللي بقولك عليه
- حاضر يا ستي، اديني بفضي الأوضة من الكركبة، بقولك ايه تعالي ساعديني الأوضة مكركبة على الآخر
عبرت عن ضيقها وقالت بعدم رضا:
- يوووه ما تسمع بقى الكلام يا طيف متبقاش رخم
- حاضر يا ستي متزوقيش بس
بدأ في الارتخاء وفعل ما قالته بالضبط ليتحدث بصوت منخفض:
- تمام
نظرت له باهتمام وقالت:
- تخيل نفسك في مكان ضلمة خالص مفيش أي نور فيه، حس بالهوا أكنك جزء من المكان ده وواقع أنت عايشه
- تمام
- ابدأ اتحرك واحدة واحدة يا طيف، اتحرك لغاية ما تلاقي ضوء حتى لو بسيط
نفذ ما قاله في مخيلته وتحرك بحثًا عن الضوء لكنه لم يجد فردد بصوت مسموع:
- مفيش ضوء خالص
- كمل مشي يا طيف، هتلاقي ضوء بس أنت كمل ودور
نفذ ما قالته وبعد وقت قصير ردد:
- فيه ضوء بس ضوء غريب، ضوء أحمر خافت أوي
نظرت له باهتمام شديد ورددت:
- امشي ناحيته يا طيف، امشي لغاية ما توصل لمصدر الضوء ده
بدأ في التحرك وهو يشعر بالقلق إلى أن وصل أخيرا لكن تبدل الحال وظهر ضوء كثيف وظهرت «نيران» من العدم ووجهت سلاحها تجاهه وهي تقول بكامل غضبها:
- أي حاجة هتقف قصادي في إني انتقم لولادي هعملها يا طيف حتى لو هقتلك أنت
ردد بنبرة تحمل القلق:
- أنتي ظاهرة قدامي يا نيران، ماسكة مسدس وعايزة تضربيني بيه، بتهدديني ...
شعرت بالخوف هي الأخرى ورددت بجدية:
- طيف اللي أنت شايفه ده مش حقيقي، دي الذكريات الوهمية اللي زرعوها في دماغك، اللي قدامك ده مش حقيقي سيبه وامشي دور على الحقيقة
كان وكأنه لم يسمع لها وردد قائلا:
- أنا عملتلك ايه يا نيران، أنا مليش ذنب في كل اللي حصل، هتقتلي جوزك حبيبك
جاء الرد في مخيلته:
- آه هقتلك يا طيف لأني مبقتش أحبك، أنا بكرهك وبكره أشوفك، ولو طولت أقتلك ألف مرة هقتلك
- لا أنتي مش كدا يا نيران، مش كدا خالص، متعمليش حاجة تندمي عليها
كانت نيران تشاهد العرق يتصبب من وجهه والخوف يسيطر على كامل أجزاء وجهه وصراخها أمامه لا يُفيقه وكأنه انغمس في تلك الذكريات الكاذبة ولا يستطيع سماعها فحركت رأسها بتوتر شديد وصرخت قائلة:
- طيف فوق يا طيف، طيف أنا قصادك أهو، اللي بتفكر فيه مش حقيقي
بدأ جسده يرتجف بشدة وقال بخوف واضح:
- ليه يا نيران، ليه تعملي فيا كدا، ليه...
كانت تشاهد كل هذا ولا تعلم ماذا تفعل، زوجها يرتجف بشدة أمام عينيها بصورة مرعبة وهي من تسبب في وجوده بهذا الموقف الآن...
