رواية سجين الوهم الفصل الثاني 2 بقلم فاتن أسامة

  

رواية سجين الوهم الفصل الثاني بقلم فاتن أسامة

|الإسكندريــة|
الساعة السادسة مساءًا

وصلنا بعد طريق طويل
كله سين وجيم
والحقيقة مكانش فيه جيم ولا حاجة 

عقلي مفصلش، وقلبي منبضش لثانية بـ إرتياح
كان قلقان بشكل غير طبيعي 

وقبل وصولنا بربع ساعة 
كان تليفون ر'حيل رن بـخبر وصول سِتي البيت
لما عرفت إني جاي طلبت تمشي
عشان تشوفني براحتها بعيد عن تعب المستشفي وجوها الكئيب

ركنت العربية
بَقَدّم رِجل وبأخّر التانية
عايز أهرب، مش قادر علي المواجهة

= يلا!
_ متأكدة!

ر'حيل مسكت إيدي وتبتت 
الحركة إللي علمتهالها من وهي صغيرة
_ لما تقلقي إمسكي إيدي
= ولو أنت قلقت يا إبراهيم!
_ إمسكي إيدي برضو

كان دا إتفاقنا من لحظة ولادتها

ـ اللهم صلي على النبي
اللهم صلي علي نبي الأمة وخاتم الأنبياء والمرسلين

'بصينا لـ سُمَية إحنا الإتنين وبعدين قولت'
_ مالك!
ـ دا قصر دا ولا..
أقولك! دي بلد بحالها، دا قد منطقتنا يا إبراهيم 

ر'حيل ضحكت علي زهولها من كُبر البيت إللي أشبه فعلا بالقصر

دخلنا بالتدريج 
خطواتهم سريعة علي عكسي
كنت وراهم بٓكام خطوة بتفحص المكان
مفتقده بقالي كتير

ـ إسمعو يا سكان الدوار، إسمعو يا عالم
حفيدي جه، حفيدي إبراهيم وصل

كل زاوية في الدوار بدأت تتنفس 
أنا حاسس بـ دا، وكأني أنا روحها

غريب! وليه هما سلبو مني روحي

وبخطوات بطيئة بدأت أقرب من سِتي
إللي واقفة في نص سلم الدوار
وإللي بنسميه قلب الدوار، عشان رابط كل ركن بكل زاوية

فاتحالي حضنها 
وبرغم تخطيطي الكامل إني محنش، إلا أني حنيت
ولاقيتني في حضنها ببكي

ـ بَس يا حبيبي بَس، خلاص بقيت في حضن سِتك 

طلعت من حضنها وهي بتفحص ملامحي
بتلمس وشي وشعري، بتتأكد إني بخير
لكني مش كدا
إلمسي قلبي يا سِتي وشوفيه
مكسور من ساعتها وأنتو السبب 

عيوني بدأت تمر علي إللي حوالينا 
وهنا أحب أعرفكو علي العيلة
عيلة الرشيدي 

أكبرهم بابا 'بدر الرشيدي'
الراجل إللي كلمته سيف، مفيش حاجة تقدر تخالفها 
وأكبر دليل قصة حُبي، إللي محدش قدر يخالف قراره بـنهايتها
وأصغرهم 'حسن الرشيدي 'أبو ليلي ور'حيل'

الوسطاني بقا مبحبش أجيب سيرته
ولا هو ولا نسله كله
من أول مراته لـ أصغر عيل من عياله 
'رزق الرشيدي' أبو يوسف إبن عمي وأنتيمي
إللي قِبّل علي نفسه يتجوز ليلي برغم معرفته بـ قصة حُبنا

ـ نورت بيتك يا أمير

بصيت لـ بابا إللي كان بيبادلني نفس النظرة
كلها لوم وعتاب
إنما ماما جت وأخدتني في حضنها

ـ أنت كويس
_ متقلقيش
ـ وحشتني ياحبيبي

'هزيت راسي بـ تفهم 
وعيوني بتدور عليها
هي أكيد موجودة، هتروح فين غير هنا'

ـ ترتاح شوية!

بصيت لماما ولفيت ناحية سُمَية ور'حيل
أخدت سُمية من إيدها وقدمتها للعيلة 

_ الست سُمَية أمي التانية، وإللي هتفضل هنا لغايت ما أرجع معاها بإذن الله 

'سِتي شهقت بصوت عالي وهي بتحاول تتمالك أعصابها'
ـ ترجع معاها؟ طَب وإحنا؟ طَب وأنا؟ سِتك حبيبتك يا أمير
ـ مالوش لزوم الكلام دا دلوقتي يا ماما، سيبيه، مش أنت جيت وإطمنت علي سِتك! الباب كبير ما شاء الله زي مانت شايف كدا

قسوة ماما وردها المُرّ خلاني أقسي منها
وبنبرة حادة قولت
_ ومين قالك إني جاي أطمن علي سِتي!
أنا جاي مع أمي إللي جاي تطمن علي سِتي مش أكتر

كلهم بصو لـ سُمية بنظرة مليانة غضب
وكأنها خطفتني منهم

ـ إستهدا بالله يا إبراهيم، إستهدا بالله يابني

سُمية بدأت تهديني من جهة
ومن جهة بابا وماما وسِتي
ور'حيل في النص ماسكة إيدي بتمنعني من الخروج

وكل دا أصبح في كفة
وحضور ليلي في كفة تانية 

ـ إبراهيم! 

وقفت في مكاني، متسمر، متشتت، فيه برودة بتمشي في كل جسمي 
لسه زي ما هي متغيرتش، لسه حلوة لكن عيونها دبلانة

قربت خطوة وعلي لساني 'وحشتيني'
لكنها إختفت مع يوسف إللي جه من وراها 

ـ إيه دا؟ أبو علي عامل إيه!
_ إزيك يا يوسف

أخدني بالحضن
وكأن إللي حصل من ٣ سنين محصلش

ـ سامع صوت زعيقكو من عند البوابة برا، في إيه!
= متشغلش بالك يا يوسف، إبراهيم بس كان طالع يجيب شنطته من برا 

'ردت ليلي بـ إندفاع'
ـ بجد! رجعت البيت خلاص!

'متكلمتش
برغم كل الكلام إللي جوايا ليها'

= يلا يا إبراهيم!

وقبل ما أرد علي ر'حيل.. سِتي جَت
دخلت جوا حضني وهي متبتة، وعلي لسانها:
ـ متمشيش

'بادلتها نفس الحضن
ودا كان جوابي بِعَدم رُوحتِي من هنا'
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= الجو حلو!

'رجعت من شرودي، وبصيتلها
قاعدة جنبي بـ طبق الفشار والمكسرات'

_ الجنينة كانت واحشاني أوي 
= الجنينة بس!

'ضحكت'
_ وأنتي كمان ياستي

'بَصّت للفراغ وبعدين رجعت بَصَّتلي تاني'
= حياتك ماشية إزاي!
_ زي مانتي شايفة، الحمد لله 
= وقلبك! لسه زي ما هو

'سألت السؤال بتلعثم شوية
وكأنها خايفة من سماع الإجابة'

الإجابة كانت علي طرف لساني
لكن نسمة الهوا إللي جَت كان ليها رأي تاني

شعرها إتفك لكن بشكل مختلف
مش دي ر'حيل أم ضفاير إللي ربيتها علي إيدي

قدامي ست تانية
ست حلوة، ومختلفة، لكن بنفس البراءة

= فاكر أخر مرة ضفرتلي شعري إمتي!

'إبتسمت وأنا بقول'
_ قبل ما أمشي من البيت بدقايق 
= كنت جايالك متلخبطة، أول يوم كلية ومن فرحتي مش عارفة أسرح شعري 
_ جيتيلي وأنتي بتقولي بصوت عالي ومتعصبة:
إبراهيم، ضفرلي شعري حالًا

'ضحكت علي طريقة تقليدي ليها'
= كنت متعصبة كدا بجد!
_ أهه والله، تخيلي راجل طول بعرض الدنيا جاية عليه ومقرر يمشي في الدنيا، وحتة بنت شبر ونص تيجي توقف حياته وتخطيطاته عشان بس يضفر شعرها

'ضحكت
ضحكت أوي 
وهنا عرفت إن ر'حيل من زمان مضحكتش بالشكل دا'

_ بحيث كدا، خُد

'مسكت إيدي وفتحتها
حطت فيها توكة شعرها، وقالت بـ توسل متخبي ورا إبتسامتها'
= ضفرلي شعري يا إبراهيم 

مقدرتش أرفض قصاد زنها 
وبالفعل عملت زي ما طلبت

_ مبسوطة!

'هزت راسها بـ آه، وهي بتلمس الضفيرة
بتضحك، بتتنطط في كل حتة من الفرحة
وبدأت تحكيلي عن كل أيامها إللي فاتت'

_ ملاحظ أنك معملتيش صحاب في الجامعة!
= بقيت موسوسة

'ضحكت علي الكلمة فـ قابلتني بجاوب حزين'
= طبيعي أكون موسوسة من ناحية الصحاب والعلاقات بـشكل عام
طبيعي أخاف حد يقرب مني
وطبيعي برضو أرفض أي إنسان ممكن يتخطي الرسمية بينا
أنا إتغدر بيا من أعز صاحبة ليا
إللي بيني وبينها كان كتير مش مجرد موقف ولا إتنين
أمَلِّي في الصحاب خاب من ساعتها 
ومش عارفة أرجعه تاني

_ النونو بتاعتي شايلة كل دا جواها
= كنت مستنياك ترجع عشان أحكي
_ وثقتك إني هرجع، جبتيها منين
= عشانك حبيبي إبراهيم

'قالت الجملة وبدأت تاكل في الحاجات إللي قدامها وهي بتشغل في فيلم، وأنا دماغي واقفة عندها 
هي أكيد قصدها إني أخوها الكبير زي مانا معتبرها أختي الصغيرة'
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يوم والتاني والتالت
وأخيرًا فات إسبوعين
كانت الأيام هادية وحلوة بوجود إبراهيم وسطنا 
وكمان طنط سُمية إللي بقت خلاص فرد من العيلة

معرفش بصراحة كل دا إتحول إزاي
من رفض إبراهيم إنه يرجع لـ حُبه لينا من تاني

قلبي كان بيطمني، أكيد نظرته ليا إتغيرت
ويمكن بدأ يحس ناحيتي بـ شئ
ويرجع عقلي يخوفني ويقول بصوت خشن:
ما يمكن رجع من شوقه لـ أهله مش أكتر

كل حاجة كويسة
لحد ما ليلي ويوسف رجعه الدوار تاني 
في الأساس شقتهم في بلد تانية جنبنا 
لكن يوسف معرفش قرر يقضي معانا كام يوم ليه 

وحجته إللي كان بيرددها إن:
إبراهيم وحَشُه فـ عايز يقعد معاه

وعلي الجانب التاني كل وقت إبراهيم مع سِتي أساسا
أو الورشة إللي علي أول الشارع 
إللي قرر يروحها بِحُكم موهبته الجديدة وشغفه بِصَنعته

وفي يوم ليلي جَت من برا 
الكحل سايح، مالي وشها، وشعرها متبهدل 
المفروض إنها راحت بيتها تاني هي ويوسف 
لكنها رجعتلنا بـ الهيئة المخيفة دي

ـ إيه جرالك يا ليلي! ليلي؟

'مكانتش بتنطق، وكل ردها عبارة عن دموع في حضن ماما
وباقي ستات العيلة حواليها'

وأنا واقفة بعيد
معايا كل الكُره إللي جوايا ليها من زمان
هو دا رجوع الحق
وهو دا تمن كل اللي عملته من رُخص وقلة قيمة

ـ يوسف.. يوسف.. هو...

الساعة كانت عشرة بالليل 
ودا معاد رجوع بابا وعمامي من الشغل
وكمان إبراهيم، ساعات بيجي قبلهم وساعات في نفس الوقت

ـ هو في إيه؟

'إتكلم بابا بـ خوف عليها
جريت عليه، وأخيرًا بدأت تجمع شوية حروف'

ـ يوسف يا بابا، ضربني وبهدلني
يو... يوسـ.. يوسف طلقني يا بابا وطردني من البيت

'طبطب عليها وهو بيبص لـ عمي رزق 'أبو يوسف' 
والغضب ماليه
وعمي رزق واقف مزهول ومش مصدق إللي بيحصل قدام عينيه'

لحد ما جه إبراهيم 
ويادوب وصل، كان يوسف جه بعده وهو بيزعق 

كنت مفكرة هيهرب بعد عملته دي
لكن مجيئه أثبت لقلبي إحساسه، وإن ليلي أكيد السبب

ـ لو سمحت يا عمي

'بابا إتهجم عليه، كان هيضربه لولا إبراهيم والباقي منعوه
وفصلوهم عن بعض'

ـ قبل ما تزعق وتتكلم، إسألها هي عملت إيه 
ـ بنتي مهما حصل، دا مش يديك الحق إنك تمد إيدك عليها بالشكل دا 

'يوسف أخد نَفَس وهو بيبعد إيدين إبراهيم إللي مكتفاه عنه وبعدين قال'

ـ بنتك حبيبتك، وردة العيلة، من ساعة ظهور البيه وهي عاملة حاجز بينا

'إتكلم وهو بيشاور علي إبراهيم'

ماما شهقت وهي بتحط إيدها علي قلبها 
وسِتي قعدت علي الركنية مستحملتش الجملة

ـ يوسف أنت..
ـ لا لا يا عم حسن ياللي عرفت تربي
بنتك بكل بجاحة بتقولي إنها بتحب إبراهيم، وإتغصبت عليا
تاخد الكبيرة بقا؟

'فتح موبايله ووراه المصيبة'
ـ دي تحاليل حملها 
ليلي بنتك سقطت إبني إمبارح من غير ما تعرفني أنها حامل حتي
عشان ناوية ترجع لـ إبراهيم
ـ إخرس يا كلـ ـب

'كانت إيد بابا معَلّمة علي وشه
ومن قوة القلم كان بيرن في كل زاوية 
لكنه مكانش أقوي من صوت يوسف إللي بينهار من قهرته'

ـ أعمل إيه، قولي كدا يا عمي أعمل إيه
إبني إللي بترجاه من الدنيا ٣ سنين، موتته بكل دم بارد 
حياتي إتقلبت لجحيم بسبب دا، بسبب روميو بتاع بنتك

'كلهم بينقلو نظراتهم ما بين إبراهيم وليلي
وأنا واقفة بعيد ودموعي معايا'

- عندك رَد يا إبراهيم، أنت اللي شجعتها صح!
إتفقت معاها تقتلو إبني!

'كان بيتكلم بـغضب قصاد إبراهيم
إللي كان واقف مصدوم لكنه بيمثل اللامبالاة'

_ إستهدا بالله يا يوسف، مفيش حاجة هتتحل طول مانت في الحالة دي
ـ ما تنطق، رد عليا، أنت عملتلها إيه؟ أنت عملت إيه من ساعة ما جيت ودخلت وسطينا تاني

'كان بيتكلم وإيديه بتزق إبراهيم بالتدريج
وعلي عكس توقعي إبراهيم كان هادي'
_ قولتلك إهدا عشان نشوف حل
ـ حل؟ حل لـ إيه؟ لِمُوت إبني؟ 

'مسح دموعه وهو بيتكلم بـ كيد'
ـ ولو هي بتحبك أوي كدا ليه جَتلي أنا الأول؟
مكنتش مالي عينها!

'ضربه بالقلم
وكان رَد يوسف عبارة عن عيون مبرقة من الصدمة
وبعد ثانية من سكوتهم وصريخ ستات العيلة
إبراهيم قرب من ليلي 
مسك إيدها وبنظرة كيد أكبر قال..'

_ أيوا يا يوسف، أنا بحب ليلي وهتجوزها

تعليقات