رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثاني والثلاثون
في صباح يوم جديد...
ظلت رنيم مستيقظة طوال الليل، تقف بشرفتها وعيناها معلقتان بالطريق أسفل البناية، تنتظر عودة شاهين بقلق ينهش قلبها بلا رحمة. منذ أن غادر وهو بتلك الحالة المضطربة، وعقلها يرفض أن يهدأ أو يتوقف عن تخيل الأسوأ. كانت تحاول إقناع نفسها أنه بخير، لكنه كلما تأخر أكثر، ازداد الاختناق داخل صدرها.
زفرت بضيق عندما بدأ ضوء النهار يفرض سيطرته على السماء تدريجيًا، وكأن الليل انسحب تاركًا خلفه إرهاقًا ثقيلاً فوق روحها. دلفت إلى الداخل بخطوات بطيئة، ثم نظرت إلى هاتفها بتوتر قبل أن تلتقطه سريعًا وتجري اتصالًا به.
انتظرت الرد بلهفة واضحة، لكن الهاتف ظل يرن دون إجابة.
قبضت على الهاتف بقوة حتى شحب لون أصابعها، بينما القلق بدأ يلتهمها من الداخل بصمت موجع، لكنها رغم كل شيء كانت مجبرة على الخروج لموعد ذلك العميل.
تحركت نحو خزانتها وبدأت تبدل ملابسها ببطء، بينما عقلها بالكامل كان عالقًا عند شاهين، تتساءل أين ذهب؟ وهل عاد أصلًا إلى منزله أم لا؟
وما إن انتهت حتى خرجت من غرفتها واتجهت نحو باب الشقة وغادرت المكان. دخلت المصعد الكهربائي وهبطت به إلى الأسفل، ثم تحركت خارج البناية بخطوات سريعة، لكنها توقفت فجأة عندما لمحته.
كان يجلس على أحد المقاعد الجانبية في الشارع، شاردًا تمامًا، ينظر أمامه بثبات غريب وكأن العالم من حوله لا يعنيه بشيء.
تسارعت دقات قلبها دون إرادة منها، وتحركت نحوه مباشرة وكأن قدميها قادتاها إليه وحدهما، ثم جلست بجواره وقالت:
"أنا اتصلت عليك ومردتش عليا."
تكلم وهو مازال ينظر أمامه بثبات وقال:
"محروج منك بعد ما شفتيني بالحالة دي."
حركت رأسها بأحراج وقالت:
"و وانت كان غصب عنك، مكنتش واخد الحاجه دي برضاك، علشان يكون فيه احراج."
أغمض عينيه للحظة، وكأن كلماتها أزاحت عن صدره حملًا ثقيلًا، ثم تكلم بصوت مختنق يحمل قدرًا واضحًا من الخوف:
"النهارده اليوم كله مواقف مش ظريفه معاكي، يعني اللي حصل الصبح في الاسانسير، واللي حصل بليل، خايف تكرهيني، وتشفيني بنظره مش كويسه، تخدي فكره عني اني راجل شهواني، بس انا مش كده والله."
تنحنحت بإحراج واضح، وشعرت بحرارة تسري بوجهها كلما تذكرت حالته بالأمس، ثم قالت بخجل:
"ب بس ا أنا مش شيفاك كده ع على فكرة، ومتأكدة أن اللي حصل ده خارج عن إردتك."
رفع رأسه إليها سريعًا، وكأن روحًا جديدة دبت بداخله للتو، ثم نظر لها بعدم تصديق وقال بسعادة حقيقية:
"بجد يا رنيم، يعني نظرتك متغيرتش ليا بعد اللي حصل ده؟"
حركت رأسها بالرفض وقالت بتوتر:
"ل لا يا شاهين، ن نظرتي ليك زي ما هي."
ابتسم دون أن يشعر، ومد يده يمسك يدها بحنان وكأنه يتمسك بالأمان داخلها، ثم قال:
"ونظرتك ليا دي عامله ازاي؟"
شعرت بارتباكها يزداد، فسحبت يدها سريعًا وقالت:
"ا أنا اتأخرت ولازم امشي."
نظر لها باستغراب واضح وقال بتساءل:
"انتي رايحه فين في وقت زي ده؟"
اجابته وهي تقف وقالت بأقتضاب:
"شغل."
عقد حاجبيه بعدم فهم وقال:
"شغل! اللي هو ازاي؟ احنا لسه بدري اوي."
اومأت برأسها وقالت بتوضيح:
"شغل، بس بعيد شويه يدوب على ما أوصل هيكون الضهر قرب يآذن."
شعر بانقباض حاد في صدره فور سماعه لكلمة "بعيد"، فوقف أمامها مباشرة وقال بعدم ارتياح:
"يعني ايه بعيد شويه؟"
زفرت بضيق من نبرته التي بدت وكأنها تحقيق حقيقي معها، ثم قالت بنفاذ صبر:
"يعني المنطقه اللي فيها الشغل بعيد عن هنا بكتير، مش تحقيق هو يا شاهين، عن اذنك."
تحركت باتجاه سيارتها، لكنه أمسك ذراعها سريعًا يوقفها قبل أن تبتعد وقال:
"استني تعالي أنا هوصلك."
رفعت عينيها للأعلى بملل واضح وقالت:
"توصلني فين؟ شاهين متعملش عليا واصي، ملكش دعوة باللي بعمله ومتدخلش في اللي ملكش فيه."
تألم من كلماتها أكثر مما أظهر، لكنه ظل متمسكًا بها وبقلقه عليها، ثم قال بصوت مختنق:
"يعني ايه مليش دعوه بيكي؟ انا عايش في الدنيا علشانك وعلشان حمايتك يا رنيم، وانا مش مرتاح للمكان ده، ومش هقدر اسيبك تروحي لوحدك."
كلماته هزت شيئًا داخلها، لكنها أجبرت نفسها على التماسك، وضغطت على أسنانها بغضب ثم قالت بحدة:
"بناتك اولى انك تعيش ليهم، هما اولى بيك اكتر مني، أنا مش أول مرة اروح شغل فى أماكن بعيدة، ركز في حياتك، وملكش دعوة بيا وباللي بعمله ارجوك."
ثم فتحت باب سيارتها وجلست خلف المقود، قبل أن تنظر له بتحذير واضح: "حسك عينك تيجي ورايا يا شاهين."
وبدون أن تمنحه فرصة للرد، أدارت السيارة وتحركت بها سريعًا مبتعدة عن المكان.
أما شاهين فظل واقفًا مكانه يتابع اختفاء سيارتها بعينين ممتلئتين بالقلق. كان هناك شعور ثقيل يضغط فوق صدره، إحساس غامض بأن شيئًا سيئًا يقترب منها، لكنه يعرفها جيدًا.. عنادها قد يدفعها للمخاطرة بنفسها فقط حتى تثبت أنها لا تحتاج أحدًا.
زفر بضيق ومسح وجهه بإرهاق، ثم استدار وتحرك ببطء إلى داخل البناية، وصعد بالمصعد إلى شقته وعقله مازال عالقًا عندها.
*****************************
فتحت ترنيم عينيها بصعوبة بعدما شعرت بحركة غريب المستمرة بجوارها طوال الليل. رمشت عدة مرات بنعاس، ثم رفعت وجهها تنظر إليه، فوجدته جالسًا يستند إلى ظهر الفراش، ملامحه جامدة على غير عادته، وعينيه معلقتين أمامه بشرود ثقيل، بينما بدا الضيق واضحًا فوق وجهه بشكل أقلقها فورًا.
اعتدلت بجلستها ببطء، ثم اقتربت منه وأسندت رأسها على صدره بحب، محاولة أن تسحبه من دوامة أفكاره، وقالت بصوت ناعس مليء بالحنان:
"مالك يا غريب؟ فيه ايه شاغل بالك مخليك تتقلب طول الليل ومش عارف تنام؟"
تنهد بهدوء، ثم أحاطها بذراعه وكأنه وجد راحته أخيرًا داخل قربها، وانحنى يقبل رأسها بحب عميق وقال:
"مافيش يا قلب وعمر غريب، شوية أرق مش اكتر."
رفعت رأسها تنظر إليه بعدم اقتناع، كانت تعرفه أكثر من أي شخص آخر، وتدرك جيدًا أن الرجل الذي أمامها لا يسهر الليل كله بسبب "أرق" عابر. لذلك قالت باستغراب وقلق واضح:
"الموضوع مش موضوع أرق يا غريب، أنا أول مره اشوفك بالحالة دي، اتكلم يا غريب هسمعك ومش هقطعك والله، بس خرج كل اللي جواك علشان ترتاح."
نظر إليها للحظات طويلة، وكأن ملامحها وحدها قادرة على تهدئة كل الفوضى التي بداخله، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة عاشقة وقال بنبرة هامسة دافئة:
"حد يبقى معاه الجمال ده كله، ويشيل هم ويضايق؟ كفايه أن أول حاجه بفتح عيوني عليها هو أنتي، وريحتك اللي طول الليل اشمها وتريح قلبي، انا اسعد راجل في العالم، علشان انتي معايا يا توته."
ابتسمت بخجل وسعادة، وشعرت كعادتها أن كلماته تذيب أي توتر داخلها، ثم قالت وهي تهز رأسها بدلال:
"هتفضل زي ما انت مهما كبرت، كلامك الجميل اللي بيدوب قلبي ويسحرني، وينسيني كنا بنقول ايه اصلا."
انطلقت ضحكته الرجولية القوية داخل الغرفة، لتكسر جزءًا من ذلك الثقل الجاثم فوق صدره، ثم مال نحوها وقال بمزاح وقح مع غمزة خبيثة:
"أنا بقول شكلنا كده رايقين ومزاجنا عالي على الصبح، وابنك البغل زمانه لسه نايم، ما تيجي."
ضحكت رغماً عنها، ثم ابتعدت قليلًا عن حضنه وهي تضربه بخفة على صدره وقالت:
"تصدق أنا اللي غلطانه أن سألتك مالك، اتاريه كمين منك يا ابن ضرغام، مش سهل انت برضه."
لكن قبل أن تبتعد أكثر، أمسك ذراعها سريعًا وأسقطها داخل حضنه من جديد، ثم ضمها إليه بقوة وكأنه يخشى أن يتركها للحظة، وقال بعشق خالص:
"جننتي ابن ضرغام معاكي، بعشق كل حاجه فيكي."
أغمضت عينيها بسعادة وتمسكت به أكثر، ثم قالت بصوت مليء بالحب الصادق:
"وانا بحبك اوي، ربنا يخليك ليا وميحرمنيش من طيبتك وحنيتك وحبك ليا."
قبل رأسها بحنان شديد، لكن عينيه عادت تنظر أمامه بشرود مؤلم، بينما قلبه ينتفض رعبًا كلما تذكر تهديد مريم، وفكرة أن يصل أذاها إلى ترنيم يومًا ما. رغم دفئها بين ذراعيه، كان الخوف ينهش روحه بصمت، خوف رجل يعلم أن الحرب القادمة لن تكون سهلة أبدًا.
****************************
عند أروى...
استيقظت أروى من نومها على صوت رنين هاتفها المتواصل. تحركت بتكاسل فوق الفراش ومدت يدها تبحث عن الهاتف بعينين نصف مغلقتين من أثر النوم، لكن ما إن وقعت عيناها على الاسم المضيء فوق الشاشة حتى انتفض قلبها قبل جسدها، واعتدلت سريعًا وهي تجيب بصوت مختنق بالشوق والعتاب:
"اخيرًا حنيت عليا وأتصلت بيا."
وصلها صوته الهادئ الدافئ، ذلك الصوت الذي كانت تشتاق له رغم مرور أيام قليلة فقط، وقال:
"معلش يا أروى كنت مسافر تبع شغل ولسه داخل البيت حتى مغيرتش هدومي وقولت أكلمك، علشان وحشتيني."
تبدلت ملامحها فورًا، وتحول شوقها إلى ضيق مكتوم. ظلت صامتة لثوانٍ وكأنها تحاول ترتيب غضبها، ثم قالت بنبرة متألمة:
"انت مقولتش ليا ليه انك مسافر قبلها يا أحمد؟ لدرجاتي شيفني صغيره؟ وماليش حق أعرف عنك حاجه؟ طيب طالما أنت شيفني طفله صغيره، ليه حبتني وحببتني فيك؟"
تنهد أحمد بهدوء، وكعادته لم يقابل غضبها بغضب، بل تحدث بصوت عقلاني يحمل احتواءً واضحًا:
"مش موضوع اني شايفك طفله يا أروى، كل الحكايه كنت شايف الظروف عندك عامله ازاي، وكنتي انتي متوترة بسبب الأحداث دي، لو كنت قلتلك اني مسافر هضغط على اعصابك اكتر، وهتزعلي، علشان كده سافرت، من غير ما انتي تعرفي، وبعدين يا حبيبتي، أنا السفريه دي مكنتش عامل حسابها اصلا ولاخر لحظة كان حد تاني هو اللي هيسافر، بس حصلت ليه ظروف، علشان كده روحت أنا مكانه."
استمعت إليه بصمت، ورغم أن جزءًا منها اقتنع بكلامه، إلا أن عنادها الأنثوي جعلها تتمسك بالصمت قليلًا وكأنها تعاقبه به.
زفر أحمد بضيق خفيف، ثم قال بصوت مختنق يحمل رجاءً حقيقيًا:
"اهو انتي بحركاتك دي بتثبتي ليا انك لسه طفله، يا أروى يا حبيبتي مش كل حاجه زعل وقمص، أنا مستعد اصالح فيكي العمر كله واراضيكي، حتى لو مش انا اللي مزعلك، بس خلي الحوار ما بينا دايم، يعني انا شرحتلك الظروف اللي خلتني أعمل كده، ردي عليا وقليلي لا لسه زعلانه أو متعملش كده تاني، قولي أي حاجه، بس متخلنيش افضل اتكلم، وفي الاخر متعبرنيش ولا تردي عليا."
اهتز قلبها مع كلماته، وضعف غضبها تدريجيًا أمام هدوئه واحتوائه المعتاد. تنفست ببطء ثم قالت بصوت مختنق قليلًا:
"ماشي، طيب انا دلوقتي عايزه اشوفك وهنا مانعين خروجي اعمل ايه بقي؟"
ابتسم أحمد على الطرف الآخر، ثم أجابها بنبرة هادئة:
"كمان ساعتين بالكتير خالك تامر هيجي يخدك، أنا اتفقت معاه أنه يجيبك الشركه معاه علشان اشوفك."
تسللت السعادة إلى ملامحها رغماً عنها، لكنها حاولت إخفاءها وقالت بضيق مصطنع:
"ماشي هقوم أنا بقى علشان اجهز."
وقبل أن تغلق الخط، سبقها أحمد بصوته الدافئ:
"أنا بحبك يا أروى ومش بحب ازعلك ولا اشوفك زعلانه، علشان كده بضايق لما الاقيكي زعلانه مني على حاجه متستهلش، حقك عليا يا روحي."
ابتسمت رغماً عنها، وشعرت أن قلبها ذاب تمامًا أمامه، ثم قالت بحب واضح:
"وانا كمان بحبك، ومش زعلانه منك خلاص، باي بقى علشان ألحق اجهز قبل ما خالو يجي يخدني."
أغلقت الخط وهي تبتسم بعشق حقيقي، ثم همست لنفسها بخجل وسعادة:
"يا لهوي على هدوءه ورزانته لما يتكلم بحبه اووي."
نهضت من فوق الفراش بحيوية اختفت معها كل ملامح الضيق السابقة، واتجهت نحو المرحاض بخطوات سريعة، وقلبها يسبقها شوقًا إلى لقائه.
***************************
دخل شاهين الشقة بخطوات سريعة وعنيفة، والغضب يشتعل بداخله بشكل مخيف منذ تذكر ما فعلته أماليا الليلة الماضية. كانت أعصابه مشدودة لأقصى درجة، وعقله يعيد كل ما حدث بتفاصيله، بداية من العصير الذي أصرّت ابنتها أن يشربه، وحتى تلك الحالة التي فقد فيها السيطرة على نفسه.
تحرك مباشرة نحو غرفتها دون تردد، ثم دفع الباب بقوة جعلته يرتطم بالحائط بعنف. كانت أماليا ما تزال نائمة، لكن انتفاضتها المفزوعة جاءت فور اقترابه منها. أمسك شعرها بقوة أجبرتها على فتح عينيها سريعًا، بينما قال بهدوء خطير أخافها أكثر من الصراخ:
"قومي يا حلوة اصحي ده انتي يومك مش هيعدي."
تأوهت بألم وهي تنظر إليه بخوف واضح، ثم قالت بتلعثم:
"ف فيه ايه يا شاهين؟"
اقترب منها أكثر، وعيناه تشتعلان بغضب مكبوت، ثم قال بتساؤل حاد:
"انتي كنتي حطه ايه في العصير اللي خليتي بنتك تصر عليا أن اخده واشربه؟"
تجمدت ملامحها للحظة، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بتوتر:
"م مش حاطه حاجه، ا أنا مش فاهمه حاجة."
ازدادت قبضته فوق شعرها بقوة حتى شهقت بألم، بينما خرج صوته هذه المرة غاضبًا بشكل مرعب:
"وحياة امك، هتصيعي عليا؟ أنا متأكد أن العصير كان فيه منشط، انا مش عبيط، أنا عارف كويس اوي اللي حصلي ده سببه ايه."
حركت رأسها بسرعة بالنفي وقالت بتلعثم أشد:
"م محصلش صدقني، ا أنا معرفش اللي حصلك ده من ايه."
ترك شعرها فجأة بعنف جعلها تسقط فوق الفراش، ثم نظر لها باشمئزاز وغضب وقال:
"وكلامك ليا في ودني؟ ومحاولاتك انك تقربي مني في الوقت ده بالذات؟ كل ده صدفه؟"
تنفست بتوتر، ثم نهضت من فوق الفراش واقتربت منه بخطوات بطيئة، وكأنها تحاول استعادة ثباتها، وقالت بصوت مختنق يحمل مرارة واضحة:
"وفيها ايه لما احاول اقرب منك؟ مش انت جوزي وليا حقوق عليك؟ ولازم تلبي مطلباتي ک أنثى ومراتك."
ما إن أنهت كلماتها حتى دفعها بعيدًا عنه بقوة، وكأن مجرد اقترابها منه يثير غضبه أكثر، ثم قال بتحذير قاسٍ:
"إياكي تقربي مني تاني؟ اللي ما بينا جواز صوري بس انتي اللي طلبتي، وكنتي مصممه أن ده يحصل علشان خاطر البنات ونفسيتهم، وأنا وافقت على أساس كده، متجيش دلوقتي تطلبي مني حقوق ليكي، شايفه نفسك محتاجة، اطلقك ودوري على راجل غيري يلبي ليكي رغباتك، إنما أنا لا، أنا ملك لواحده بس وهي رنيم، ويحرم عليا ألمس واحده غيرها."
كانت كلماته تنغرس داخلها بقسوة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل رفع يده مشيرًا إليها بتحذير حاسم وقال من بين أسنانه:
"أول واخر مرة تعملي كده، أنا هعديها المرادي علشان خاطر البنات، بس لو اتكررت تاني هرميكي في الشارع، فاهمة."
أنهى كلامه واستدار فورًا، ثم خرج من الغرفة بعصبية وترك الباب مفتوحًا خلفه.
أما أماليا فظلت تنظر إلى أثره وعيناها تشتعلان غضبًا وغيرة، بينما راحت أنفاسها تعلو وتهبط بعنف. عقدت ذراعيها أمام صدرها وكأنها تحاول كبت تلك النار المشتعلة داخلها، ثم قالت بتوعد واضح:
"بتحلم يا شاهين انت بتاعي أنا، من حقي انا، ومش هفرط فيك بسهولة كده."
ثم عادت إلى سريرها وجلست على حافته، وأرجعت شعرها إلى الخلف بعصبية، بينما ملامح وجهها امتلأت بالحقد والغضب، وكأنها بدأت تخطط لشيء أخطر مما سبق.
**************************
عند رنيم...
وصلت رنيم أخيرًا إلى الموقع بعدما استغرقت الطريق وقتًا طويلًا أنهك أعصابها. ما إن ترجلت من السيارة حتى شعرت بانقباض غريب يجثم فوق صدرها، فالمكان بدا موحشًا بصورة غير مريحة، أرض واسعة خالية تمامًا، لا صوت بها سوى حركة الهواء الخفيفة، ولا أثر لأي مبانٍ أو أشخاص حولها.
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تجبر نفسها على التماسك، ثم أغلقت باب السيارة وتحركت ببطء نحو منتصف الأرض. أخذت تدور بعينيها في المكان محاولة استيعابه، بينما شعور ثقيل بعدم الارتياح بدأ يتسلل إليها دون سبب واضح.
أخرجت هاتفها سريعًا حتى تتصل بالعميل، لكن قبل أن تضغط على زر الاتصال انتفض جسدها بالكامل عندما سمعت صوتًا قريبًا جدًا من أذنها يقول: "أنا آسف جدا يا باشمهندسه رنيم، اتأخرت عليكي."
استدارت له بسرعة وقد انعكس التوتر فوق ملامحها بوضوح، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
"ل لا متأخرتش ولا حاجه أنا اصلا لسه واصله دلوقتي."
ابتسم عمر بهدوء وكأنه لم يلاحظ ارتباكها وقال:
"تحبي نتكلم هنا ولا نروح نقعد في العربيه، علشان الشمس؟"
هزت رأسها سريعًا بالرفض وكأن فكرة الجلوس معه بمكان مغلق أزعجتها:
"لا نتكلم هنا احسن."
أومأ بتفهم وقال:
"اوك اللي يريحك بس ثواني هروح اجيب حاجه واجي."
تحرك مبتعدًا عنها بينما ظلت تتابعه بعينيها بحذر دون أن تشعر، وبعد لحظات عاد وهو يحمل مقعدًا صغيرًا، اقترب منها ووضعه أمامها بابتسامة هادئة وقال:
"اتفضلي اقعدي يا باشمهندسه رنيم."
ازدادت توترًا من اهتمامه المبالغ بها، فحركت رأسها برفض سريع وقالت:
"لا ش شكرا مش عايزه اقعد خلينا نتكلم في الشغل على طول."
أخذ عمر ينظر حوله وهو يشير بيده إلى المساحة الواسعة وقال:
"ده المكان اللي عايز ابني فيه الشركه."
عقدت حاجبيها بتفكير وهي تتأمل المكان مرة أخرى ثم قالت باستغراب: "مش شايف أن المكان بعيد شويه؟ وغير صالح لشركه كبيره زي اللي عايزها دي؟"
أجابها بهدوء:
"الأرض اصلا كانت ورث من بابا، بس كانت تحت ايد الدولة وبعد سنين من القضايا اخيرا كسبت القضيه، وقولت استفاد بيها، لأني محتاج افتح كذا فرع تاني غير دي."
أومأت بتفهم بينما عقلها بدأ ينشغل بالتفاصيل الهندسية الخاصة بالمشروع وقالت:
"اه تمام انا كده فهمت، طيب فيه تصميم معين فى راسك، ولا تحب أنا اصممها ليك على ذوقي؟ ولا تحب تشوف تصميمات لشركات تانيه خارج مصر، من شغلنا برضه؟"
نظر إليها بثقة واضحة وقال:
"خليها على ذوقك، أنا واثق انك هتعملي شغل فاخر."
استعادت رسميتها سريعًا وقالت بنبرة عملية:
"تمام تقدر حضرتك تتفضل في الشركه ومعاك كل التراخيص اطلع عليها واتأكد من أنها تمام، وبعد كده نمضي العقود، ونبدأ شغل على طول."
رد عليها بترحاب:
"تمام اتفقنا بكره إن شاءالله هجيب الاوراق المطلوبه كلها واكون عندك."
ابتسمت ابتسامة مجاملة وقالت:
"اوك وان شاءالله نكون عند حسن ظن حضرتك، ويعجبك شغلنا."
ابتسم لها بنظرة طويلة أربكتها قليلًا ثم قال بمزاح رجولي:
"ده اكيد هيعجبني، ده مش أول تعامل يا باشمهندسه رنيم، أنا أتعاملت مع باشمهندس حسام كتير اوي، وقلبي حاسس ان هيكون فيه شغل كتير اوي ما بينا مشترك."
تسلل التوتر إليها مجددًا، فابتسمت ابتسامة خفيفة متكلفة وقالت:
"إ إن شاءالله، أنا لازم امشي بقى يادوب ألحق اروح قبل الليل ما يليل."
أومأ لها بهدوء:
"اه طبعا تقدري تتفضلي، وانا هكون وراكي بالعربيه علشان المكان مقطوع شويه."
شعرت بشيء من الارتياح لكلماته رغم قلقها الداخلي وقالت:
"ش شكرا، عن اذنك."
تحركت سريعًا نحو سيارتها وكأنها ترغب بمغادرة المكان بأسرع وقت ممكن. صعدت خلف المقود وأدخلت المفتاح محاولة تشغيل السيارة، لكن المحرك لم يستجب.
أعادت المحاولة مرة تلو الأخرى، وكل مرة كانت النتيجة نفسها.
شعرت بالتوتر يتضاعف داخلها، وفي اللحظة التي اقترب فيها عمر من السيارة شهقت بفزع دون إرادة منها، لكنه نظر إليها باستغراب وقال:
"فيه أيه يا باشمهندسه رنيم؟ متحركتيش ليه؟"
زفرت بضيق وهي تحاول السيطرة على انفعالها:
"العربيه مش عايزة تدور مش عارفه فيه ايه؟ أنا لحد ما نزلت منها كانت شغاله."
نظر إليها باستغراب واضح وقال:
"طيب ناويه تعملي ايه؟"
رفعت كتفيها بعجز وقالت:
"مش عارفه والله."
ظلت تحاول تشغيل السيارة للحظات أخرى لكن دون فائدة، بينما شعورها بالاختناق داخل هذا المكان بدأ يزداد أكثر فأكثر.
تكلم عمر أخيرًا بنبرة هادئة:
"طبعا مش هتقعدي هنا لوحدك، مافيش حل تاني غير انك تيجي معايا في عربيتي."
ترددت لثوانٍ قبل أن تومئ برأسها بالموافقة، ثم نزلت من السيارة وأغلقتها بإحكام وكأنها تتمسك بأي شعور بالأمان.
اتجهت معه نحو سيارته وصعدت إلى المقعد الأمامي، بينما جلس هو بجوارها وأدار السيارة وانطلق بها عبر الطريق الطويل الخالي.
ساد الصمت بينهما لبعض الوقت قبل أن يقطعه عمر فجأة بسؤال أربكها:
"انتي مخطوبه يا انسه رنيم؟"
التفتت إليه بضيق واضح وقالت: "حضرتك دي حياتي الشخصيه، يخصك في ايه السؤال ده."
أسرع يبرر حديثه:
"لا والله مقصدش حاجه أنا بسأل عادي، علشان مش شايف دبله فى ايدك."
ردت عليه بنفاذ صبر وهي تشيح بوجهها نحو النافذة:
"مش مخطوبه، ولو سمحت الكلام ما بينا يكون عن الشغل وبس."
بعدها غرقت في صمتها تراقب الطريق من خلف زجاج النافذة، محاولة تجاهل شعورها بعدم الراحة.
وبعد وقت طويل أخيرًا توقفت السيارة أسفل البناية.
تنفست رنيم براحة واضحة والتفتت إليه قائلة بضيق حاولت إخفاءه:
"شكرا لحضرتك تعبتك معايا."
مدت يدها لتفك حزام الأمان لكنها تفاجأت بأنه عالق، حاولت عدة مرات دون جدوى، ثم نظرت إلى عمر وقالت: "الحزام مش عايز يتفتح هو بايظ؟"
أومأ بأسف وقال:
"أنا آسف فعلا فيه مشكله وكنت لسه رايح اصلحه."
عقدت حاجبيها بعدم فهم وقالت:
"طيب والعمل دلوقتي ايه؟"
مال عمر بجسده محاولًا تحرير الحزام، لكنه اقترب منها أكثر مما يجب، حتى أصبحت أنفاسه قريبة منها بشكل أربكها بشدة.
تراجعت برأسها للخلف تلقائيًا وغيرت اتجاه وجهها بعيدًا عنه بينما ظل يحاول فتحه.
لكن فجأة...
اتسعت عيناها بصدمة مرعبة عندما رأت شاهين يقف أمام السيارة.
كانت عيناه حمراوين بشكل مخيف، والغضب يشتعل داخله بصورة جعلت الدم يتجمد بعروقها.
فتح الباب بعنف شديد، ثم لكم عمر بقوة هائلة أسقطته للخلف، وبعدها جذب الحزام بعصبية حتى تمزق من مكانه.
صرخت رنيم بفزع عندما أمسك ذراعها بقوة وأنزلها من السيارة بعنف، ثم أرغمها على السير معه.
لكن قبل أن يتحرك أكثر شعر بيد تجذبه من الخلف، فاستدار سريعًا ليتلقى لكمة قوية بوجهه.
وضعت رنيم يدها فوق فمها بصدمة بينما جسدها يرتعش خوفًا.
أما شاهين فاندفع نحوه كالإعصار، أمسكه بعنف وانهال عليه بالضرب دون رحمة، حتى بدأت الدماء تسيل بغزارة من عمر قبل أن يفقد وعيه تمامًا.
استقام شاهين أخيرًا بجسده وأنفاسه تشتعل بعنف، ثم التفت نحو رنيم بنظرة مرعبة جعلتها تتراجع خطوة للخلف دون وعي.
اقترب منها سريعًا وأمسك ذراعها بقوة مؤلمة وتحرك بها نحو داخل البناية.
حاولت تخليص ذراعه لكنه كان يقبض عليها بعنف كاد يحطم عظامها، فتأوهت بألم وقالت:
"سيب دراعي يا حيوان انت، سبني يا شاااهين."
لم يرد عليها، فقط دفعها داخل المصعد بعنف ثم ضغط الزر وظل واقفًا بصمت مرعب، بينما صدره يعلو ويهبط بقوة من شدة غضبه.
وما إن توقف المصعد حتى جذبها معه مجددًا واتجه نحو باب شقتها، ثم قال بصوت جهوري مخيف:
"هاتي المفتاح."
تجمدت مكانها ولم تستطع الرد.
فصرخ بغضب أعنف:
"المفتاااااح."
انتفضت بخوف وفتحت حقيبتها المرتجفة وأخرجته بسرعة وأعطته له.
خطفه منها بعنف، فتح الباب ودفعها إلى الداخل ثم أغلقه خلفه بقوة.
استدار إليها بعدها ببطء، وكانت عيناه لا تزالان تقدحان شررًا، ثم قال بهدوء خطير:
"مين ده اللي كنتي معاه؟ وازاي سمحتي ليه يقرب منك بالشكل ده؟"
رفعت رأسها بعناد رغم خوفها وقالت بغضب:
"انت مالك، حاجه متخصكش، خليك في حالك، ومتدخلش في حياتي."
اقترب منها ببطء بينما الغضب يزداد داخل ملامحه وقال:
"أنا كذا مره حذرتك من غضبي، وجربتي مره فى الاسانسير بس شكلك كده حبيتي الموضوع، بتحاولي تعصبيني علشان أعمل نفس اللي عملته معاكي."
بدأت تتراجع للخلف خطوة بعد الأخرى وهي تقول بتحذير:
"انت عارف لو قربت مني، هقتلك يا شاهين، وانت عارف ان عملتها معاك قبل كده."
لكنه وكأنه لم يسمع حرفًا مما قالته.
اقترب حتى أصبح أمامها تمامًا، ثم أمسك يديها وكبلها خلف ظهرها بقوة مؤلمة وقال من بين أسنانه: "أنا هعرفك ازاي تيجي مع راجل في عربيته، وتسمحي ليه يقرب منك بالشكل ده."
صرخت به بغضب وهي تحاول الإفلات منه:
"ابعد عني يا حيوان، ابعد عني بقولك يا شاهين."
ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة بنظرة أربكتها وأخافتها أكثر، ثم فجأة انحنى وحملها من فوق الأرض.
شهقت رنيم بصدمة وهي تضربه بيديها وتحاول مقاومته، لكنه لم يتوقف حتى دخل بها إلى الغرفة وألقاها فوق السرير بقوة.
نظرت إليه بخوف حقيقي بعدما رأت تلك النظرة المظلمة داخل عينيه وقالت بصوت مرتعش:
"ا انت هتعمل ايه؟"
بدأ يفك أزرار قميصه ببطء أثار الرعب داخلها أكثر وقال:
"هوريكي الوش التاني اللي حذرتك منه."
تراجعت بجسدها للخلف فوق السرير وهي تشعر بقلبها يرتجف داخل صدرها وقالت بصوت مهتز:
"شاهين بلاش جنان، صدقني هتندم على اللي عايز تعمله ده."
نزع قميصه وألقاه على الأرض بعصبية، ثم رفع عينيه إليها وقال بنبرة مخيفة:
"انتي بتاعتي أنا، واللي هيحصل ده، هثبت ملكيتي فيكي."
ثم اقترب منها أكثر و...
