رواية اربعة في واحد الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم فاطمه عبد ربه


 رواية اربعة في واحد الفصل الثالث والثلاثون 

وقف احمد وهشام وأدهم أمام القاعة التي سيمتحنون بها اليوم أول امتحان لهم، كان هشام يراجع من المذكرات التي كتبها بخط يده ملخصا لأهم النقاط التي يجب التركيز عليها، والتي حفظها جيدا عن ظهر قلب. أما أدهم فقد كان يمسك بشطيرة يأكل منها بلا مبالاة وكأن ليس امامه بعض الوقت على امتحان يمكن أن يهان فيه واحمد الذي يستند على الحائط وهو يشرب سيجارة بهدوء مراقبا الطلبة هنا وهناك حتى حرك رأسه الإثنيهما متساءلا

"هو قيس اتأخر ليه ؟ "

رفع أدهم كتفيه وأجاب "قالي إنه في السكة. " بينما هشام لم يهتم ولم يرفع عينيه عن الورق الذي في يده.

ظهر قيس بعد قليل بابتسامة واسعة متقدما منهم، اعتدل أحمد وأدهم في استعداد ليرحبا به الله لكنه تجاهلهما وأحتضن هشام فجأة "أبو نسب اللي واحشني "

دفعه هشام بعيدا وسخر وهو يعدل نظارته "وأنت مش واحشني "

لیه پس ده حتى شوف جايبلك إيه .." قال وهو يخرج علبة جلدية بدت ثمينة فنظر لها هشام بدون فهم ثم رفع عيناه لقيس الذي فتحها وأخرج منها قلما غاليا "القلم ده عشان تكتب وتلعلع بيه كدا في ورقة الإجابة."

" واشمعنى أنا ما جيبتليش قلم ؟!" تدخل أدهم بقم مزموم وهو يشبك يداه أمام صدره ويعلق عينيه المتسائلة على قيس وكأنه كالزوجة الثانية التي أشترى زوجها هدية لزوجته الأولى ولم يشتري لها مثلها.

حك قيس عنقه وحمحم "ما هو .. نسيت . "

"نسيت ليه إن شاء الله ؟!"

قيس، مسألك سؤال وتجاوبه بصراحة - " قال بطريقة درامية جعلت قيس يتشتت بشدة ويشعر كما لو أنه يتم استجوابه بواسطة ضابط في قسم الشرطة

طالعه بأعين ضيقة ثم أكمل ببطء وهو يتقدم ليقف أمامه أنت بتحب هشام أكثر مننا ؟!"

عقد قبس حاجبيه وشعر بحلقه يجف وتوقف عقله عن العمل وكأنه لا يستطيع استيعاب ما قد قيل له من الأصل ! وبمواجهة أعين أدهم فقد ابتلع لعابه لينظف حلقه وسارع بالتحدث بتقطع محاولاً تجميع جملة مفيدة لكنه لم يستطع وكل ما تفوه به هو "إيه ؟!"

مد هشام يده بالعلبة لأدهم وأردف "خده يا أدهم مش عايزه أصلا" لكن قبل أن يلتقطه أدهم كان قيس قد دفع بيد هشام "لا، ده ليك أنت، أنا هشتري لأدهم واحد"

حزنت ملامح أدهم وأشاح بوجهه بعيدا فقلب أحمد عيناه ثم ألقى يعقب سيجارته أرضا وهمس له وكأنه يراضي طفلا صغيرا "يا ابني تلاقيه بيعمل كدا عشان عايز هشام بخششه جول"

أخذه هشام على مضض وهو يهمهم "شكرا عموما، سيبني في حالي بقى عشان أكمل مذاكرة"

ابتسم قيس باتساع وأوما "صح، أنا هسكت خالص أهو وهسيبك تكمل مذاكرة، مستقبلنا يعتمد عليك يا بطل."

رفع هشام عينيه عن الورق له بدون فهم "نعم ؟!"

اقترب منه قيس وأحاط عنقه بذراعه وهو يقول ببساطة "لو عوزت منك سؤال ولا حاجة هكحلك برقم السؤال لو كحة واحدة يبقى السؤال الأول، كحتين يبقى الثاني .. وهكذا، فافهم ها .. أنا مقعد جنبك."

أزاح هشام يده عنه وزمجر لا ده عند الست والدتك الكلام ده أنا ما يغشش، الغش حرام ومن غشنا فليس منا !"

"ما هو مش انت اللي هنغش أنت هنغشش .. أنا اللي هغش مالكش دعوة" برر فنفى هشام برأسه "لا"

"شومة ... ده أنا خطيب أختك وأبو نسب وكدا .. يرضيك ولاد أختك يبقى أبوهم خارج بملحق ؟" حاول استعطافه فسخر هشام طب عشان أبو نسب دي وربنا ما هفششك."

"لو سقطت أختك هتفضل مخطوبالي سنة كمان من غير جوان ده مش من مصلحتك على فكرة " قال بنبرة لئيمة جعلت أعين الآخر تتسع ويتقدم منه بجنون "قصدك إيه ياض؟"

"ما قصديش ... بس راعي العيش والملح اللي بينا !"

طب قسما عظما ما هفششك، وهي كبرت في دماغي بقى صاح هشام وحينها تدخل أحمد ليقف بينهما ويدفع بقيس بعيدا وهو يقول "خلاص هغششك أنا ارحموا ميتين أمي، مش هنتخانقوا قبل الامتحان كمان"

قلب قيس عينيه وتهكم "هفش منك أنت؟ شوفلنا حد يغششنا أنا وأنت يا اسطا!".

استدار له أحمد بكامل جسده وضيق عينيه وهو يجيب بهدوء وثقة " على فكرة أنا تقديري جيد جدا! مش محتاج أغش من حد يا أبو ملحق "

توسعت اعين ثلاثتهم ونظروا لأحمد بدون تصديق فاستفهم أدهم "جيد جدا ؟!"

اه جيد جدا! مالكم مستغربين ليه ؟ "

"أنت بتجيب وقت منين تذاكر وتعلق بنات الله يخربيتك " قال أدهم بدون تصديق وهو يضرب كفيه ببعضهما.

فاقترب منه قيس سائلا بشك " والا يا أدهم، أنت تقديرك إيه؟"

حمحم أدهم وأجاب بحرج مقبول أو جيد مش فاكر - " وفوجئ بقيس يحتضنه عميقا وهو يقول "حبيبي يا أسطا .. أنت من النهاردة أنت الوحيد اللي صاحبي جوز الدحيحة دول مش عايز أشوف وشهم تاني .. يهود."

تمام، شوف مين هيفششك بقى - " هدده أحمد واستند على الحائط وهو يخرج سيجارة أخرى ليضعها في فمه ثم رفع إحدى حاجبيه وتمتم "هغشش أدهم وأنت لا. "

نفى أدهم برأسه "لا، ما يغشش ."

ابتسم هشام وصاح نخو قيس شايف الناس المحترمة ؟ مش أنت يا رخم !"

كان سيتقدم قيس ليتشاجر معه من جديد لكن أحمد صرخ فيه "ما قولتلك هغششك، اخرس بقى !"

ورغم قول أحمد لهذا، فإن قيس لم يقتنع بكونه مجتهذا وذكيا وذو تقدير مرتفع، ليس مقتنعا إلا بالغش من هشام وهشام فقط.

دخلوا إلى قاعة الامتحان وحرص قيس على الجلوس في الوسط بين هشام وأحمد، وكان أدهم على الطرف الآخر بجانب أحمد.

تم توزيع الورق وهم أربعتهم بالإجابة، هذا حتى مر نصف الوقت وترك قيس القلم من يده وبدأ يختلس النظر نحو ورقة هشام، انتبه له الآخر فأحاط ورقته بذراعه اليسرى وهو يكمل كتابة

باليد اليمني ...

"هشومة .. " همس قيس له فقلب هشام عينيه ولم يجيب فأكمل الآخر "السؤال الخامس ("

تجاهله هشام فهمس ياض ده إحنا نسايب يالا!"

انتبه له المراقب فصاح "اللي بيتكلم ورا."

حك قيس ذقته وتمتم "لا، ده أنا كنت بسأله على أستيكة بس " ثم نظر في ورقته وهمس لهشام

"طب أحسنلك بعد اللجنة ترجع جري على بيتكم عشان لو وقعت في إيدي مش هحلك "

همس له هشام "ما ذاكرتش ليه!"

فآثر الآخر إستفزازه وأجاب بابتسامة ماكرة "كنت بكلم أختك."

احتقنت الدماء في وجه هشام وحرك رأسه له بأعين قائلة لكنه أختار تجاهله وركز على ورقته من جديد.

حرك قيس رأسه لأحمد وهمس " والا ... أنا مش واثق فيك بس ما قداميش غيرك .. هات السؤال

الخامس أ."

وبهدوء كان أحمد قد ابتعد عن ورقته وقربها قليلا من قيس الذي بدأ ينقل الإجابة بهدوء لكنه عقد حاجبيه وتساءل "بس سالب أربعة جات إزاي ؟!"

جات بالميكروباص أنت مال أمك جات إزاي ؟!" همس له أحمد بغيظ فصمت وأكمل نقل

الإجابة.

حرك أحمد عينيه لأدهم وهمس "عايز حاجة ؟ "

بدا أدهم متوترا جدا لكونه ليس معتادا على الغش إطلاقا، لكن هناك سؤالا ذو عشرة درجات يقف معه، حك عنقه وهمس بتوتر "السؤال الثالث."

حرك أحمد ورقته نحوه ومثل أنه يراجع، لاحظ المراقبة تنظر له وتنتبه لما يحدث، ولكونها صغيرة بالسن قشتتها بابتسامة جانبية منه وهو يقضم شفته السفلى وينظر لها بنظرات مغازلة ثم أنهى الأمر بغمزة سريعة من عينيه ذات الرموش الطويلة والتي قد جعلت الدماء تصعد

لوجهها وأشاحت ببصرها عنه فوزا وهي تمثل بأنها لم تره.

لكن المراقب قد انتبه لهما وصاح "الإثنين اللي لابسين أسود، تعالولي برا"

نظر أحمد وأدهم لبعضهما ونهضا بهدوء حيث أدهم بدأ يدافع عن نفسه "ليه؟ أنا ما عملتش حاجة !"

اطلعلی برا قولت صاح المراقب فأعطاه أحمد نظرة مستهزءة وتحرك بهكوء وهو يمسك بورقته ثم أعطاها للمراقب وهو يسخر "أنا خلصت أصلا"

وقبل أن يخرج كان قد ابتسم للمراقبة من جديد، ورغم كونها أكبر منه بقليل، ألا أنه كان نو

کاريزما ووسيما كفاية ليجعلها تخجل مرة أخرى.

لحقه أدهم الذي سلم ورقته هو الآخر ووقفا ينتظران قيس وهشام.

كان قيس قد بدأ يهمس لهشام من جديد طب السؤال الثالث، ياض ما تبقاش واطي كدا!"

تجاهله هشام للمرة المئة فتوعده قيس بداخله ثم صاح على المراقب " لو سمحت يا حضرة

المراقب الواد ده قاعد يقولي هات السؤال الخامس وعايزني أغششم"

توسعت أعين هشام ورفع رأسه عن الورقة يصدمة ليجد جميع من في اللجنة ينظرون نحوه. جف حلقه وعدل من نظارته ونهض يزمجر ما حصلش، هو اللي قاعد يناديني من الصبح."

"قومولي من جنب بعض " صاح المراقب وهو يتقدم منهما وسحب هشام بورقته بعيدا عن قيس الذي جلس يتململ ثم نظر حوله وأدرك بأن هذه هي للنهاية وانتظاره لن يفيد بشيء، فنهض وسلم ورقته وخرج ليلحق بالإثنان الآخران ووقفوا في انتظار هشام.

" هو الواد بيكتب إيه كل ده تذمر قيس بعد أن مرت نصف ساعة أخرى فرفع أحمد كتفيه وتمتم أدهم " مش عارف !"

مرت ربع ساعة أخرى وهشام لم يخرج، وحينها سخر قيس ده شكله بيسمع المنهج كله جوا بروح أمم "

ضحك إثنيهما ثم حك أحمد عنقه وتمتم "طب أنا همشي دلوقتي عشان عندي مشوار كدا نتقابل بالليل يقي "

ودعه أدهم وقيس بعد أن أخبره قيس بأنه سينتظره في شقة الزمالك.

توجه أحمد نحو كلية الآداب في نفس الجامعة، كان من حظه الرائع أن داليا في نفس جامعتهم ... الغريب أنه ذهب إلى هناك من قبل لكنه لم يرها هناك قطا توقع بأنها لم تكن من هواة الحضور.

فور دخوله بدأ يسأل عن مكان انعقاد امتحان السنة النهائية لقسم اللغة الإنجليزية حتى وصل أمام ذلك المبنى الذي وجد بعض تجمعات الطلاب أمامه، ومن خلال السؤال عرف أن ده يتبقى ساعة على بداية الامتحان، بحث عن داليا هنا وهناك لكنها لم تكن متواجدة

وقف ينتظر حتى مرت نصف ساعة وبدأ الطلاب بالدخول نحو القاعة وهي لم تظهر بعد؟ ما المشكلة مع تلك الفتاة حقا !

أخرج هاتفه واتصل بها بتوتر، أين هي ؟!

جاءه صوتها وهي تنهج من المشي "ألو ؟"

"ألو ايه! أنت فين ؟!"

ظهرت من بعيد وهي تتحرك بسرعة دون الإنتباه له وأجابته "رايحة الامتحان!"

اعترض طريقها فجأة وهو يخفض يده بالهاتف ويغلق المكالمة اصطدمت به و عقدت حاجبيها

بدون فهم عندما وجدته أمامها ...

"إيه اللي جابك هنا؟" تساءلت فنظر لها بضيق وتهكم "الناس بتقول : إزبك ؟ عامل إيه ؟

وحشتني .. مش إيه اللي جابك هنا!"

جعدت وجهها وسخرت "وحشتني ! لا أنت طموحاتك عليت أوي ."

ليه يا عم عبده ؟ الكلام ملزق ومش عاجبك بس الدبش اللي بتدبشيه في وشي حلو ؟!"

أعطته نظرة مهددة وهي تكرر "عم عبده؟"

ابتسم وهمس لها "أحلى عم عبده والله - " توترت و الملمت خصلات شعرها خلف أذنيها فأكمل

"ما قولتش يا عم عبده، متأخر ليه ؟"

"عادي أنا على طول بتأخر - "

ابتسم وأوماً " ومذاكرة كويس ؟"

ضحكت ونفت برأسها فمرح "طب معاك برشام؟"

قلبت عينيها و ضحكت بصوت مرتفع وهي تنفي برأسها مرة أخرى لكنه قال بجدية "عموما أنا واثق إنك هتحلي كويس عشان أنت ذكية، ادخلي بس بسرعة يلا"

حكت شعرها وتمتمت "أنا كنت رايحة أشتري ازازة ماية الأول، أنا عطشانة !"

"أنت بتستهبلي ادخلي الامتحان بدأ أصلاا"

كانت ستعترض لكنه صمم وأدخلها رغما عنها.

أخذت ورقتها من المراقب وجلست بهدوء ثم استنشقت نفسا عميقا وبدأت بحل ما تعرفه.

مر عشرة دقائق قبل أن تجد أحمد يقتحم اللجنة ويستأذن من المراقب أن يعطي داليا زجاجة الماء وعلبة العصير مع قطعة شوكولاتة معللا بأنها كانت تشعر بالهبوط.

أوصلها لها المراقب في وسط متابعة من أفراد الدفعة لأحمد الذي ابتسم لها وخرج كما دخل.

أخذتهم بإحراج وسارعت بفتح زجاجة الماء لتتجرع منها.

ارتسمت ابتسامة على وجهها طوال الوقت، وكان من الصعب إزالتها حقا، حاولت وحاولت

وفشلت.

لاحظتها صديقة لها تبتسم ببلاهة وهي تحل في ورقة الإجابة وكأنها تقرأ قصة لطيفة لما قبل النوم، لكنها حتما عرفت بأن الفتى الذي جلب لها تلك الأشياء هو السبب.

كان هشام قد خرج أخيرا فوجد قيس في وجهه بابتسامة مستفزة قبل أن يسخر " وها قد

ظهرت الرؤية !"

اقترب منه هشام وهو يستعد لمشاجرة بقى أنا هفش منك أنت يا فاشل يا بايظ ؟"

"لا، بس كنت ينتقم منك عادي " ضحك قيس فنفخ هشام الهواء من فمه ثم أخرج الورق ليراجع إجاباته دون الإهتمام بقيس وأدهم اللذان يتسامران في أشياء تافهة بجانبه.

سلمت داليا الورقة عند نصف الوقت وخرجت بسرعة كانت تنفي في عقلها فكرة أنها تريد رؤيته بالخارج، وعللت خروجها بتلك الطريقة بأن هذا هو المعتاد فهي دوما تخرج بعد نصف الوقت مباشرة .... لكن كل ذلك كسر عندما خرجت ولم تجده، شعرت بالإحباط يطغى عليها رغما عنها ورغم محاولتها لإنكار الأمر ... وقفت تبحث برأسها هنا وهناك حتى وجدت يدا توضع على

كيفها.

نبض قلبها والتفتت بسرعة فوجدتها صديقتها التي كانت تطالعها بابتسامة ماكرة "بتدوري على

حد؟

وصل أدهم إلى منزله، كان جده يجلس بالداخل، وفور دخوله كان قد سأله "عملت ايه ؟"

تمام الحمد لله - " أجاب باختصار وكان سيتحرك نحو غرفته لكن جده أوقفه "اصبر، عايزك"

استدار بهدوء وتقدم ليجلس أمامه، ذلك الرجل الذي ملأ الشيب رأسه، ورغم ذلك بدا مهيب

الهيئة بتلك الأعين الثاقبة التي ينظر بهما إليه

جلس أمامه وهو يبتلع لعابه.

"أنا عارف إن مش وقته، بس هتعمل إيه بعد التخرج ؟"

" هشتغل !" أجاب فأوماً له جده "هتشتغل إيه؟"

"مهندس يا جدي .. عادي !"

ابتسم له جده و هز رأسه موافقا "طب إيه رأيك تدخل أكاديمية الشرطة وتبقى ظابط مهندس ...

ونبقى ضربنا عصفورين بحجر واحد؟"

حك أدهم عنقه ونظر لجده، بدا الآخر وكأنه يترجاه وبهدده في نفس الوقت .. فلطالما كانت عائلته من ضباط الشرطة أو الجيش، هو من كسر القاعدة وأصر على الالتحاق بكلية الهندسة

"أنا موافق بس بشرط " قال فتهللت أسارير جده وبدا مستعدا للموافقة على أي شيء من أجل التحاق أدهم بأكاديمية الشرطة

"مش هتجوز شيري، وأيا كان هتجوز مين فدي حريتي الشخصية وهتوافقوا عليها ما دام البنت مؤدبة ومحترمة وأهلها ناس كويسين .. أيا كانت بقى هي مين، ماشي؟"

صمت جده قليلا وطالعه بتركيز "أنت بتفكر في واحدة؟"

"لا مش بفكر " قال وهو يبتلع لعابه فضيق جده عيناه وأومأ ببطء "تمام .. موافق "

لكن الآخر كرر مؤكدا مش هتتدخلوا ما دام البنت محترمة وأهلها كويسين، تمام؟ سواء بقى كانت فقيرة أو أيا كان ظروفها الاجتماعية إيه ؟ .. هتبقى ليا حرية مطلقة في اختيارها؟"

نفخ جده الهواء من فمه وأوماً على مضض فابتسم الآخر براحة ونهض يصافح جده " يبقى متفقين يا سيادة اللواء".

في مكان آخر وقف مراد في الشرفة، وهو يتذكر نصيحة أخيه الصغير: بادر بالكلام مع غادة. كان يرتدي بنطاله فقط كالعادة ويدخن سيجارته الوحيدة التي يدخنها كل يوم؛ فهو وإن كان

مدخلا فلا يزيد عن سيجارة واحدة بعد الغداء تقريبا.

خرجت غادة بملامح وجه حزينة هذه المرة، نظرت للأسفل بتيه وبدت بائسة حقا، مما جعل الآخر يهتم ويحمحم جاذنا انتباهها "مالك؟ فيه حاجة ؟"

نفت برأسها وأكملت نظرها للأسفل لكنها رفعت عينيها له فجأة وتساءلت "ممكن اخد رأيك في حاجة ؟ "

أوما لها فنظرت يمينا ويسارا وعرف هو بأنها لا تود الحديث هنا، حيث يمكن للجيران سماعها تاخدي رقمي ؟" اقترح بتردد ولوهلة هي قد أبعدت عينيها عنه لتفكر ثم عادت برأسها له وابتسمت وهي تجيب "ماشي".

بعد خمسة دقائق كانت قد سجلت رقمه في هاتفها واتصلت به فأقفل مكالمتها وسجل اسمها واتصل هو "ها مالك؟"

"أنا مش لاقية حد أتكلم معاه ومش هينفع أقول الموضوع ده لماما ...

صمت مراد ليعطيها كامل الحرية في التحدث فأكملت بص، أنا مش عارفة مامتك قالتلك ولا لا. بس بابا سابتي أنا وماما لوحدنا من ساعة ما أنا أتولدت وما يعرفش عننا حاجة ولا إحنا نعرف عنه حاجة ماما ريتني لوحدها."

ضدم مراد تماما ونظر لها بحزن، لكنه أوماً فأكملت مش عارفة هو جاب رقمي منين بس اتصل بيا وبيسأل عليا وعايز يشوفني وأنا مش عايزة أشوفه ولا أكلمه ولا أسمع منه أي حاجة .. بس

مستحرمة .. هو لو أنت مكاني هتعمل إيه ؟"

ابتلع لعابه وحك شعره، بدا متحيزا بشدة ولا يستطيع إيجاد إجابة شافية، فكيف يخبرها بأن تذهب لأبيها الذي بالفعل تركها طفلة رضيعة ولم يعبأ بها أو بأمها؟ لكن في نفس الوقت كيف يخبرها بألا تراه وهو ما زال أبيها؟

تبا للأشخاص الفاقدي الإحساس والشعور بالمسؤولية، لماذا يتزوجون ويجلو بن أطفالا لتلك الحياة إذا لم يكونوا على استعداد لتحمل مسئوليتهم ؟!

"أنا بكرهه .. هو سبب حاجات كتير أوي وحشة في حياتي - " أكملت غادة بنبرة مرتعشة وهي تخفض رأسها للأسفل، نبرة صوتها على وشك البكاء ...

طلب ما تعيطيش ... همس لها فمسحت عينيها من دمعة كانت ستسقط منها وأومأت له

"لو مكانك، هروح الأول أشوفه عايز إيه .. مش عشانه عشان ربنا، عاملي ربنا فيه لأن هو مايستاهلش".

كانت غادة غير مقتنعة ورافضة الذهاب لكن مراد أقنعها بالنهاية واستعمل فضولها ليحركها ويجعلها تذهب لملاقاة ذاك المسمى بأبيها ...

" هو أنت مش سقعان؟ مهما كان الجو ساقع جدا يا ابني ! " تساءلت فضحك وأجاب "والله سقعان بس بغيظك "

"لا، ما أنا أتعودت خلاص ..." قالت باندفاع من وسط ضحكاتها لكنها استشعرت ما قد تفوهت به وتوردت وجنتيها فوزا "قصدي .. يعني ...

أكمل ضحكاته وأوماً "للأسف مش معرف أقلع أي حاجة ثانية عشان أغيظك .. مش هينفع."

راها تخجل أكثر ثم استأذنت منه بإنهاء المكالمة وهربت بسرعة للداخل فدخل هو الآخر ليلتقط سترة مرتديا إياها وألقى بجسده على سريره بابتسامة واسعة، حسنا .. لم تكن مقابلته الأولى بغادة ألطف شيء، لكنه كان حزينا وخائفًا من أن يعود إلى ألمانيا خالي الوفاض ووحيد من جدید

كانت الوحدة تقتله هناك، وكان شيطانه سيتغلب عليه لبعض المرات وهذا جعله خائفا ... خائفا من ترك الفرصة سانحة أمام الشيطان ليستغل وضعه كرجل أعزب في تلك البلد التي كل شيء مباحًا فيها ولا رقيب عليه إلا الله.

لكن تحول غادة المفاجئ معه قد جعل أمله يعود بأن يرجع إلى ألمانيا وهو معه زوجة .. أينعم زوجة لسانها طويلا أحيانا، لكنه يعرف بأنه يستطيع ترويض ذلك فيها، وهذا بالفعل قد ظهر:

فقادة منذ مدة وهي تبدو خجولة ومتأدية أمامه.

وصل هشام لمنزله وفور دخوله ترجل الغرفته ليبدل ملابسه، لكن سبقه رنة هاتفه، أخرجه من جيب بنطاله، وجدها رحمة ! ... توقع بأنها تريد منه أن يشرح لها شيء ورغم تعبه هو قد فتح

المكالمة مرحبا بها

"عملت إيه في الامتحان؟" تسائلت الأخرى باهتمام فارتسمت ابتسامة غريبة على وجهه وأجاب " الحمد لله، كان كويس جدا."

عم الصمت بينهما حتى سألها "عايزاني أشرحلك حاجة ؟"

ضحكت وأجابته "لا يا هشام مش عايزة أنا كنت بسأل عليك بس ."

شعر بالحرج الشديد وابتسم وهو يجلس على السرير لا يعرف ما الذي يرد به الآن حقا؟ لم يسبق له أن كان في وضع مماثل

بس لو عايزاني أشرحلك أي حاجة أنا فاضي يعني ... في أي وقت عايزاني اتصلي بيا" همس لها وبالرغم من كونه لم يقل لها شيئا رومانسيا قد يجعلها تخجل فقد خجلت وحمحمت "شكرا با هشام

استشعر خجلها وضحك بخفة وهو يقلدها "العفو يا .. رحمة."

فوجئ بالباب يفتح وأبيه يظهر من ملفه فارتعب وأغلق المكالمة في وجه رحمة وكأنه فتاة قد

أمسك بها أبيها تحادث شانا غريبا على الهاتف

"أنت كنت بتكلم مين؟" استفهم والده بدون فهم فجف حلق الآخر وكذب "ده ده ... ده قيس ... أصله .. هو كان عايزني أنزل أقابله"

صدقه والده وفتح معه حديث عن كيف كان أول امتحان له وبعد خروجه قد سارع بالاتصال برحمة ليعتذر لها عن غلق المكالمة في وجهها.

كان لا يعرف ما الذي يقوله لرحمة حقا وهذا قد جعله يسب نفسه مراراً وتكرارا لكنه تذكر أحمد وعرف من الذي سيساعده في تلك المسألة.

وصل هشام الشقة الزمالك مساءً فوجد ثلاثتهم بالداخل بالفعل ويذاكرون لكنه وقف ينظر لهم بضيق وقال " بقولكم إيه ؟ هو أنتوا بتكلموا البنات تقولولهم إيه؟ أو بتفتحوا كلام إزاي ؟"

ابتسم قيس ابتسامة ماكرة ونهض له يقول بنبرة خبيثة "ما تقولش .. رحمة ها؟"

"مالكش دعوة ياض أنت أنا بكلم أحمد وأدهم."

ترك أحمد الكتاب واستند بظهره على حافة السرير وهو يقول "عادي، تقولها عاملة إيه النهاردة؟ حاسس إن يومي كان ناقص من غيرك وحشتيني .. هو أنا ما وحشتكيش ؟ طب يحبك ....

وهكذا."

جعد هشام وجهه وصاح "بحبك ووحشتيني ؟! لا لالا .. شوف حاجة ثانية أنا مش هقول أنا الكلام ده "

ليه يا أسطا ما تقولش؟ هو أنت واخدها تخليص حق ؟!" سخر أحمد فاقترب قيس منه وهو يضيف

سيبك منه .. أنت تجيلها وش كدا وقولها ما تيجي نتقابل، ولما تقابلها امسك إيدها وقولها إيدك ناعمة زيك "

لكنه فوجئ بهشام يستدير له ويمسك بسترته الزرقاء ويزمجر بتهديد "والا، أنت مسكت إيد أختي ؟!"

وبرغم أنه فعل فعلا لكنه نفى ودفع هشام عنه أختك دي إيه اللي همسك إيدها ! ده أنا مرة قولتلها وحشتيني عيطت ونكدت عليا !"

نظر هشام لأدهم وقال قولي أنت يا أدهم، أنت محترم"

لكن قبل أن يفتح أدهم فمه كان قيس قد سخر "أتلم المتعوس على خايب الرجاء"

علق هشام عينيه على أحمد، وشعر بأنه لو سيسمع لشخص فأحمد هو المرجح أن يسمع كلامه ... لكن في نفس الوقت بدا أحمد تانها في أفكاره فجأة، كان موضوع واحد يدور حول عقله .. فئة كبيرة من الرجال لا يعرفون كيف يعاملون الإناث ويفهمونهم وكيف يتصرفون معهم!

لكنه لديه من الخبرات ما يكفيه ليعطي نصائح جيدة لهم....

الآن ماذا لو أستغل هذا في شيء مفيد؟ مثل ... قناة على اليوتيوب ؟

لمعت عينيه فوزا، ربما هذا سيكون هدفًا جيدا يركز عليه غير استخدام معلوماته في مطاردة الفتيات ! نعم .. بدلا من أن يفعل هذا سيساعد الرجال أمثال أدهم وهشام وغيرهم بأن يحصلوا على الفتاة التي يحبونها !

"أحمد .. أعمل إيه ؟ " تساءل هشام وهو يجلس بجانبه فحرك رأسه له بابتسامة عريضة وقال وهو يرفع عينيه نحو السقف "هقولك.".

تعليقات