رواية اربعة في واحد الفصل الرابع والثلاثون
كان قيس يستند على ظهر سيارته بجانب أحمد وأدهم جميعهم في انتظار هشام الذي بالطبع لن يخرج إلا بعد نهاية الوقت.
رن هاتفه فأخرجه ووجدها ليلى ... ابتسم ثم استقبل مكالمتها بترحاب شديد
"إيه يا كنكوتي خرجت من الامتحان ؟ " فوجئ بها تقول هذا وقد تصبغ وجهه باللون الأحمر وقطب جبينه بغضب طفولي وهو يتذمر "كتكوتي إيه يا ليلى !"
اصتنت لمحادثته تلك أحمد وأدهم بهدوء
"يا ليلى أنا قولتلك دلعيني بس مش تقوليلي كتكوتي وأرنوبي والكلام الغريب دها أنت فاهمة الدلع غلط " تذمر مرة أخرى وحينها علت قهقهات أدهم ثم صاح عليه أحمد
وطي صوتك يا كتكوتي الجامعة كلها عرفت إنك أرنوبها."
تم ضرب كفه بكف أدهم، حينما أعترى الغيظ قيس وزمجر لليلى من خلال الهاتف "أنا مش رفت كتكوت تمام اتكلمي عدل معايا بدل ما تشوفي مني وشي تاني"
دقيقتان مرتا على الزمجرة الذكورية تلك قبل أن يتراجع ويهمس "طب خلاص ما تعيطيش ... مش قصدي والله. "
سمع قهقهات أحمد وأدهم من جديد فابتعد عنهما وهمس لها محاولاً إيقافها عن البكاء "ماشي مش مهم قوليلي كتكوتي خلاص ... بس مش قدام حد".
عاد لهما بعد خمسة دقائق وهو يقطب جبينه ويقول بغضب مزيف "أنا زعقتلها، قولتلها إيه كنكوتي دي أنت مخطوبة لرجل واسمي زفت قيس مش كتكوتي "
و يا ترى زعقتلها ولا صوصوتلها ؟ " سخر أحمد وهو يضحك عاليا حينما أمسك أدهم بطنه التي أوجعته من كثرة الضحك فبدأ دخان وهمي يخرج من رأس قيس المشتعل حقا
يعني عايز تفهمني إن ما فيش ولا بنت من البنات اللي أنت صاحبتهم قالتلك يا كتكوتي ويا أرنوبي والكلام ده؟!" صرخ قيس في وجهه بإسلوب هجومي فوضع أحمد السيجارة في فمه وأشعلها ثم أجاب
"لا، قالوا طبقا .. بس اللي كانت منهم يتقولي كدا كنت بعرفها مين فينا الكتكوت وبخليها تتكسف وتسكت ما تبقاش قادرة تفتح بونها بنص كلمة."
قضم فيس شفته السفلى وتساءل "إزاي ؟"
رفع أحمد كتفيه وأجاب ببساطة "عادي عاكسها معاكسة قليلة الأدب شوية فتنكمش على
نفسها في الكتكوت المبلول ويبقى كل واحد فينا أسترد مكانته الحقيقية."
ابتسم قيس ابتسامة بلهاء وهو يرفع رأسه للسماء ويقول "قلة أدب ؟ يااااااه ... " ثم أنزل راسه الأحمد وأكمل تصدق بالله؟ أنا خلاص من قلة قلة الأدب خلاص نسيت قلة الأدب، هي قلة الأدب دي بتتعمل إزاي يا أسطا ؟"
تدخل أدهم في الحوار ساخرا "أحسن، عشان الجوازة تتم "
ابتسم قيس ببلاهة من جديد وهو يتمتم " على بال ما تتم هكون بقيت شيخ جامع شكلي كدا .." ثم سخر "ما هو أنا برضه اللي غلطان ما كانش ينفع أخطب أخت هشام"
ابتسم أحمد ابتسامة جانبية ونفخ دخانه ثم تساءل بتمثل عليها إنك محترم؟"
"لا، هي بالفعل عرفت إني قليل أدب أنا يمثل عليها إني توبت."
مرت فترة صامتة بينهم حتى تكلم قيس من جديد الواحد مشتاق لزمن قلة الأدب الجميل ... الولية أم رامي اتصلت بيا من كام يوم، قفلت السكة في وشها وأنا قلبي بيتقطع كدا .. قولتلها:
أنا آسف يا أم رامي بس أنا خطبت وهتجوز وبحبها."
مين أم رامي دي؟" تساءل أحمد فأجابه "ولية في سن اليأس وبتلعب في الوقت الضايع."
رمقه أدهم بنظرات مشمئزة "أم رامي ؟! يا أخي جاتك القرف في ذوقك، احترم نفسك بقى وقدر
النعمة اللي معاك "
" وهو حد قالك إني مش مقدرها ؟ طب قسما بالله لساني ما خاطبش جنس ست من ساعة ما
ريت أحمد على كتفه وشجعه جدع ما تعملش كدا .. الخيانة وحشة. "
رمقه أدهم بطرف عينيه وسخر "شوف مين بيتكلم!"
تحرك أحمد بعينيه ببطء لأدهم، بدا حزينا فجأة وهو يبتسم ابتسامة مكسورة "ما أنا للأسف اتعلمت الدرس متأخر يا صاحبي "
تذكر أدهم أمر سلمى ووبخ نفسه كثيرا على ما تفوه به في حين أبقى أحمد عينيه فثبتة على اللا مكان، فلا .. هو لم يتخطى بعد أمر سلمى ... ما زال يتذكرها وما زالت صورتها تداعب خياله من حين لآخر عندما يكون بمفرده، ينتظر الليل كل يوم يقرأ لها جزء من القرآن ثم ينام فتأتيه أحيانًا في حلمه، ورغم ما فعله معها فإنه براها مشرقة كالملائكة .. ورغم عدم علمه بتفسير
الأحلام فهو توقع بأنها في مكان أفضل من هنا مكان لا يوجد فيه رجل خائن مثله ليفطر قلبها.
أيقظه من شروده نكزه من قيس الذي تساءل "مالك ؟"
فابتسم وأجاب ساخرا "مافيش يا كتكوتي ...
قلب قيس عينيه وتذمر "والا! مش كل شوية هتقولي يا كتكوت".
في السادسة مساءً وقفت غادة أمام ذلك المطعم الذي وافقت أن تقابل والدها فيه، لا تعرف
شكله بالأساس ولا تعرف كيف ستتعرف عليه ؟
بدت فكرة المجيئ الآن خاطئة بشدة، ما الذي جلبها لتقابل هذا الرجل الغريب الذي تحمل اسمه فقط
وما الذي يريده منها بعد كل هذا الوقت ؟ .. لماذا يظهر فجأة بعد ثلاثون سنة من الغياب لم تمتلك إجابة واضحة لذلك السؤال، وهذا ما قد دفعها لمقابلته.
ابتلعت لعابها وفتحت الباب وهي تتلفت حولها بتوتر، ضربات قلبها مرتفعة وكأنها في سباق للجري ...
كانت ترى بعض الأشخاص منهم بعض الكبار في السن، والغصة وقفت في حلقها عندما لم تتعرف أيا منهم هو والدها المزعوم.
وجدت رجلا منهم يشير إليها، كان يجلس على الطاولة المقابلة لها تماما، وكم اقشعر بدنها عندما أدركت بأنه كان أمامها تماما وهي لم تتعرف عليه.
ابتلعت لعابها وتحركت نحوه تقدم خطوة وتؤخر الأخرى حتى أصبحت أمامه فنهض لها بابتسامة واسعة على وجهه المجعد بفعل عوامل الزمن
مد يده نحوها راغبا مصافحتها وهو يقول بلهفة واضحة "غادة، إزيك؟"
نظرت ليده يتردد، هي ليست معتادة على مصافحة الرجال ولم تشعر إلا أنه رجلًا غريبا عنها. وذلك جعلها تقبض على يدها بجانبها وتسحب كرسيا لتجلس عليه بهدوء.
تراجع هو بيده واختفت الابتسامة عن وجهه لكنه سرعان ما ابتسم مرة أخرى وهو يعود ليجلس في مكانه، ركز عينيه على وجهها وكأنه يتفحص ملامحها جيدا
في حين كانت هي تنظر ليديها المشبوكتان على الطاولة، وكأنها لا تريد النظر لوجهه
"كبرت .." قال بابتسامة فرفعت رأسها لها بابتسامة ساخرة وأومات بصمت مما جعله يبتلع لعابه
ويسحب قائمة الطعام وهو يضيف "هتاكلي ايه؟"
مش عايزة أكل، لو سمحت قولي عايز مني إيه بسرعة " جانته إجابتها الجافة التي جعلته يضع القائمة بيد مرتعشة واختفت ابتسامته تماما
مش عايز حاجة عايز أنا وأنت تتكلم و ... و .... ونتواصل سوا زي أي أب وبنته !"
لم تمتلك الصبر والسيطرة على انفعالاتها أكثر منطقت باندفاع وبنيرة تهكمية "أب وبنته ؟ أنت بتتكلم بجد؟"
أيوة بتكلم بجد يا غادة ماشي أنا عارف إني ماكنتش موجود معاكم بس صدقيني أنا ندمان "
ندمان بعد إيه؟ بعد تلاتين سنة؟ بعد ما بقيتش محتاجاك في أي حاجة في حياتي ؟ كنت فين
أنت وأمي بتشتغل في البيوت عشان تربيني .. كنت فين ؟!"
لجم لسانه ونظر للأسفل هاربا من عينيها فأكملت أتجوزت وخلفت وعيشت حياتك .. وكأني مش موجودة وفي الآخر بتقولي إنك ندمان؟ أعمل إيه بندمك أنا مش فاهمة ؟"
رفع عينيه الدامعة ليقول بطريقة متقطعة " معوضك .. أنا جيت أهو وهعوضك باللي أنت عايزاه .. يا غادة مهما عملت أنا هفضل أبوك وأنت بنتي شايلة اسمي مش هتعرفي تهربي من ده لمدة طويلة !"
"أبويا .. طب تعرف علي ايه ؟"
صمت ولم يجد شيئا ليقوله لكنه نطق باندفاع أعرف إنك بنتي وده كفاية! ده الدين بيقول أطيعوهم ولو كانوا كفار!"
ده لما تبقى أب فعلا، إنما أنت كنت قدامي وما عرفتكش، ولو أنت تعرف إني بنتك، أنا بقى
ما عرفتش إنك أبويا " قالت ونهضت تسحب حقيبتها وهي تكمل
ولو سمحت ما تتصلش بيا تاني، حتى لو بتموت ما تتصلش بيا، لأن حتى اسمك بيبقى مصدر إزعاج ليا، ولو عقلك المريض صورلك إنك ممكن تعمل اللي أنت عايزه وبعدين تيجي تطلب السماح وأنا أسامحك فلا أنا مش مسامحاك، ولو مت مش هد عبلك بالرحمة، هدعي ربنا يقتص
منك وياخد حقي وحق أمي "
نهض لها محاولا ايقافها "غادة ..."
لكنها كانت قد سبقته واندفعت الخارج المطعم بسرعة، كانت تترجل بأقصى سرعة تمتلكها دون النظر خلفها، وعندما ابتعدت عن المكان بمسافة قليلة، توقفت فجأة في وسط الطريق وأجهشت
بالبكاء وهي تنظر حولها وكأن العالم يدور ولا تستطيع رؤية أي شيء
مسحت عينيها في محاولة لمنع البكاء لكنها لم تستطع وسقطت دموعها رغما عنها.
نظرت خلفها فوجدته يقف أمام المطعم يطالعها بأعين مترقرقة هو الآخر لكنها استدارت بسرعة وأكملت طريقها وهي تمسح عينيها بظهر يدها.
بينما في منزل داليا كانت تتصفح هاتفها عندما وجدت اسم أحمد يظهر كمكالمة على هاتفها، وبدون تفكير كانت قد استقبلت مكالماته
رحب بها وبعد السلامات المعتادة كان قد قال "داليا أنا عايز الجاكت بتاعي "
عقدت حاجبيها بدون فهم لم تكن تتذكر ما الذي يتحدث عنه "جاكت ايه؟"
الجاكت بتاعي الأسود اللي غطيتك بيه عايزه دلوقتي "
استوعبت و همهمت "أيوة .. بس دلوقتي !؟"
"أيوة، لازمني دلوقتي مستنيكي في كوستا كافيه سلام " أجاب ثم أغلق المكالمة ولم يعطها فرصة للإعتراض أو حتى الرد.
نظرت للهاتف بضيق وبدت في حيرة من أمرها حقا فهي لا تحب الخروج من منزلها بالأساس لكن هذا معطفه وهو يريده، لا تريد أن تظهر وكأنها لا تريد إرجاعه له.
بعد ساعة كانت تترجل لداخل المقهى وهي تلقي نظرة على الجالسون حتى وجدته يشير لها وهو يطفئ سيجارته في المطفأة أمامه.
تحرکت بهدوء نحوه حينما تابعها هو بعينيه وابتسامة بسيطة على محياه، إنما متشابهان بطريقة غربية لا يستوعبها حتى الآن: فدخوله لأى مكان عادة ما يكون دخول ينتبه له الجميع انه معتادا على امتلاك تلك الهالة من الكاريزما حوله والتي وبشكل أو بآخر يلاحظها الجميع، أما داليا؟ فداليا كان دخولها لذلك المكان باردًا لا مباليا وكأنها تمتلك ذلك المقهى بأكمله، وحتقا هذا
جعل دخولها ملحوظا أيضا ....
هذا جعل قلبه ينبض عندما وقفت أمامه وارتسم شبح ابتسامة على وجهها وهي تمد يدها بالمعطف، علق عينيه على المعطف ثم رفع عينيه لها ولم يأخذه "اقعدي يا داليا، خدي نفسك."
سحبت يدها بالمعطف وشدت كرسيا ثم جلست عليه ووضعت المعطف على قدميها حينما هو ابتسم ورجع بظهره إلى الكرسي وهو يأخذ نفسًا عميقا وأخرجه بهدوء ثم قال "تشربي إيه؟" "مش لازم - " أجابت لكنه أصر وتحت إصراره ذلك كانت قد طلبت مخفوق اللبن بالشوكولاتة مما جعله يضحك ويرفع حاجبيه بمكر ميلك شيك ؟ خيبت ظني قولت هتطلب بيرة ولا حاجة !"
ارتسمت ابتسامة متوترة على وجهها وفوجئ بها تردف تعرف أن ساعات بتراودني رغبة إني أجربها فعلا؟ بس هي مرة واحدة بس ... عندي فضول أعرف طعمها إيه مش أكثر."
ارتفع حاجبيه وضحك بخفة وهو يحك ذقنه ويطالعها بدون تصديق .. لكنه لم يملك غير الغمز
لها وهو يقول بطريقة ماكرة لما نتجوز هجيبلك بيرة حاضر."
"مش بهزرا" تذمرت فرفع إحدى حاجبيه بلؤم وأضاف "ولا أنا!"
قلبت عينيها وضحكت لكلامه الذي ظنته مزاحا رغم قوله بأنه لا يمزح، تابعها أحمد بعينيه بهدوء وهي تضحك على كلامه ذلك بهدوء وهو يستعجب بداخله، كيف تكون ذكية جدا وغبية جدا في نفس الوقت؟ هو لا يعلم حقا!
لكنه حتما أحب هذا الخليط جدا، وأحب كونها لديها بعض الأفكار المنحرفة في رأسها وهو يعرف بأنها أجبن من أن تنفذها بمفردها، لكنه هنا الآن وحسنا .. تريد تجربة البيرة؟ سيشتري لها واحدة، تريد التدخين سيجلب لها السجائر .. تريد الرقص تحت المطر في ليلة شتوية عاصفة ؟ لا مانع لديه، بل إنه يرحب بهكذا أشياء ... أن تستطيع ممارسة تلك الأشياء مع الفتاة التي تحبها
كصديقك المفضل هو أفضل شيء يمكن أن يحصل عليه رجل..
"داليا .." جذب انتباهها فرفعت عينيها له وهي ترتشف من مخفوق الحليب فأكمل " هو أنت كتب بتحبي طليقك ؟"
جفلت وكأنها لم تتوقع ذلك السؤال تم صمتت لتفكر وكأنها لا تملك إجابة حتى أيقظها أحمد "لو مش عايزة تجاوبي خلاص "
مش عارفة، مش عارفة المفروض الإنسان يحس بإيه لما يحب أصلا .." أجابت فابتسم وأردف . "المفروض الإنسان لما بيحب بيعرف لوحده!"
صمتت و رفعت كتفيها "مش عارفة !"
ما دام مش عارفة يبقى ما حسبتيهاش."
لملمت شعرها بتوتر خلف أذنيها، الحديث عن المشاعر يربكها حقا ولا تعرف بماذا تجيب لذلك فهي قد قررت لف الطاولة وجعل الحديث يدور عن مشاعره هو " وأنت؟"
ضيق عينيه وضحك بخفه وهو يحك أسفل أنفه "قصدك مين فيهم ؟!"
انفجرت ضاحكة فجأة وقد كان في فمها مخفوق الحليب فسارعت بوضع منديلا على فمها بعد أن سعلت ودخل السائل إلى قصبتها الهوائية.
نهض لها أحمد بقلق وهو يحاول عدم الضحك وربت على ظهرها "بالراحة طيب .." لكنها ورغم شعالها كانت ما زالت تضحك.
هدأت بعد قليل وعاد أحمد الكرسيه وهو يطالعها بأعين ضاحكة حينما كانت هي تهدأ نفسها "خلاص مش هضحك تاني خلاص " لكنها سرعان ما نظرت له وضحكت من جديد مما جعله
يقلب عينيه ويضحك هو الآخر.
أخذت نفسا عميقا وحادثت نفسها بجد خلاص ... مش هضحك. لكنه قال "كنت مرتبط بخمسة في نفس الوقت، أه والله تقريبا كنت بحقق تارجت."
وهذا تسبب بجعل قهقهاتها تعلو مجددا وتمسك ببطنها التي بدأت تؤلمها في حين ضحك هو بخفة وهو يراقبها تضحك بهستيرية والناس قد بدأت تنظر لهما لكنه لم يهتم.
" الله يحرق أمثالك يا أخي " سخرت من بين ضحكاتها فقضم شفته وضحك " على فكرة أنا توبته "
هدأت ونظرت له بجدية وكأنها تستفهم هل ما قاله حقيقيا أم لا فأضاف وقد خفتت ضحكاته " من بعد سلمى خلاص ... أنا عارف إن أدهم قالك على سلمي "
و عرفت منين إن أدهم قالي ؟"
"الشلة كلها عرفت إنه بيروح يفتنلك بكل حاجة خلاص بقى مش موثوق فيه" أكمل مازحًا فابتسمت وأومأت لكنها تحاذقت
ممكن تكون بطلت بس عينيك هتفضل زايغة"
كل الرجالة عينيهم زايغة. أنت مفكرة كل الرجالة اللي مرتبطين دول ما بيبصوش لأي واحدة ثانية غير اللي معاهم؟ بيبصوا بس فيه منهم الغبي اللي بيتقفش وهو بيبص والذكي، وفيه منهم
اللي بياخد أكشن ويخون واللي ما بياخدش "
"طب ما أنا ممكن أكون عيني زايغة أنا كمان، إيه ردة فعلك؟"
ده احتمال وارد، يعني عايزة تفهميني إن أي ست متجوزة أو مرتبطة لو شافت ليوناردو دي كابريو في الشارع مش هتبص عليه وتتحسر على أبو كرش اللي جنبها ؟ كلنا عنينا زايغة بنسب
متفاوتة."
تصدق كلامك منطقي! " ضحكت فأوماً "أنا بقولك كلام واقعي من واقع خبرتي كرجل، طب
عندك الواد قيس أهو بيحب ليلى وما بيخونهاش بس هل ده معناه إنه من بيبص حتى ولو نظرة عابرة؟ لو قال لا يبقى كداب .. طب بلاش قيس عندك أدهم وأهو مؤدب و محترم ومتدين
.. عادي كان مرتبط بسارة وعدت مزة من قدامنا بص عليها. "
توسعت عينيها بدون تصديق وهي تضحك "أدهم!"
رفع أحمد كتفيه وسخر "عادي يعني بعدين لعلمك بقى الصابع لما بيتوب بيبقى أحسن من المؤدب أصلا، هقولك ليه ؟ عشان بيبقى زهق خلاص بس المؤدب لما بيبدأ ينفتح ده تخافي منه، لأنه لسه ما جريش وعايز يمارس نشاطه."
صمتت لتفكر في كلامه لكن أحمد تكلم مجددا في بعض المواضيع العشوائية حتى مر عليها ساعتين لم تدرك بأنهما مرا بتلك السرعة حتى !
"طب أنا همشي بقى " قالت وهي تنهض فنهض تبعا لها وصمم على إيصالها بعد أن دفع الحساب وتحرك بجانبها ليفتح لها باب المطعم كرجل نبيل ثم تحرك خلفها.
كان الطريق بينهما ممتلئ بالأحاديث مرة أخرى وعندما وصلا أمام بنايتها ابتسم ووضع يديه في جيب بنطاله ثم رفع رأسه للبناية ثم رجع بعينيه لها وقبل أن يفتح فمه كانت قد سبقته "وصلنا، شكرا."
تحركت بسرعة نحو مدخل البناية لكنها تذكرت شيئا فالتفتت له وعادت بضع خطوات "صحيحأنا نسيت أسألك حاجة."
" هو أنت مالك ومال ماما ؟"
للوهلة الأولى بدا وكأن أحمد لا يستوعب السؤال، علامات الاستفهام غلفت وجهه وهو يرمقها بحاجبين معقودين
"مش فاهم !"
" بتكلمها كثير وبعتلها أد على الفيسبوك عايز ايه من ماما؟"
"أصلها قمر أوي بصراحة شبهك " مزح وغمز لها ثم ضحك لكن داليا أبقت عينيه عليه بصدمة!
بس دي أكبر منك !" هاجمته فتوقف عن الضحك فجأة وتوسعت عينيه "إيه!"
"أكبر منك ! دي قد أمك يا ابني !"
توقف عقله عن العمل وبدأ يضحك بصورة غربية وهو ينظر لداليا باذبهلال تلك الغبية الحمقاء
امشي يا داليا امشي .. ربنا يسهلك."
لم تفهم وكانت ستتكلم لكنه استدار وترجل بعيدا وهو يسب بداخل عقله، الغبية تظنه يتودد لأمها لكل هذا الوقت؟ إن مقدرتها على فهم التلمحيات صفر، بل ربما تحت الصفر بقليل ....
لكنه أخبرها بوضوح أنه يحبها من قبل، إذا ما مشكلتها تلك الحمقاء؟
لم تنتبه حتى بأنه لم يأخذ معطفه منها وتركه معها ثانية كي يتخذه حجة ويراسلها بأن تعيده له
مرة أخرى!
سرعة بديهتها معدومة .. رائع.
لكنه ابتسم وضحك بداخله وهو ينظر للسماء متذكرا كيف كانت تضحك وتبدو سعيدة برفقته كثيرا .. هي لن تستطيع الهرب منه، مستحيل.
كان مراد في طريقه الخارج منزله لملاقاة بعض أصدقائه القدامي عندما كانت تدخل إلى شارعهما، راقبها بهدوء، كان وجهها أحمر وأنفها وعينيها منتفختان ويبدو عليها آثار البكاء
بوضوح، وسرعان ما تذكر أن اليوم موعدها لملاقاة أبيها ...
علق عينيه عليها حتى دخلت إلى منزلها ثم وقف بنيه في وسط الشارع لا يدري أيذهب لتلك السهرة مع أصدقائه أم يتراجع ويحاول مكالمتها كي يعرف ماذا حدث؟
وهنا ظهر أحمد أمامه ولوح في وجهه بسخرية "مالك واقف كدا ليه ؟"
بقولك إيه، أنا كنت خارج وبعدين شوفت غادة وشكلها معيطة ... أتصل بيها دلوقتي ولا لما أرجع ولا أعمل إيه ؟ "
لمعت أعين أحمد ونكره تتصل بيها دلوقتي طبقا، ده أحسن وقت تظهر فيه قدامها .. وهما معيطين بيكونوا في أضعف حالتهم والبنات رغاية فبيحبوا يتكلموا عن اللي مضايقهم، وهنا هتلاقيك أنت بتسمعلها وبتخفف عنها فمخها هيربط بينك وبين الشعور بالأمان تلقائيا."
عقد مراد حاجبيه ورغم ابتسامته هو قد نظر لأخيه بيأس وتمتم "أنت شيطان."
"يا ابني أنا عايز أجوزكم بس عشان أخلص من زن ماما وأخلص من غادة، عصفورين بحجر واحد" سخر وهو يكمل طريقه إلى بدايته في حين أخرج مراد هاتفه وسارع بالاتصال بغادة وهو يتخذ طريقه إلى خارج الشارع.
كانت غادة قد وصلت لغرفتها وألقت بأشيائها بعيدا وتكورت على نفسها لتكمل وصلة البكاء لكن هذه المرة بصورة أكبر قاطعها عن هذا صوت رنين هاتفها فظنت أنه شيئا يخص العمل مما جعلها تهدأ قليلا وهي تلتقط هاتفها لكنها وجدته مراد ...
صمتت لوهلة مفكرة أتجيبه أم لا ؟ .. كانت سترفض المكالمة لكنها توقفت ولا تعلم لماذا قد استقبلت المكالمة لتجيب بنبرة مرتعشة "ألو ."
"أنا آسف إني بتصل بيك بس كنت خارج وشوفتك جاية معيطة من برا، أنت كويسة ؟"
لم تمتلك غير البكاء مجددا وهي تجيب بنبرة متحشرجة "لا، مش كويسة "
"طب اهدي .. أنا معاك وسامعك .. باياك صح ؟ " قال بهدوء ثم ابتسم بداخله عندما بدأت غادة بسرد ما حدث معها بنبرة ضعيفة يظهر فيها ألمها وكم هي يائسة بائسة تحتاج الشخص تعتبره صدرا آمنا لها .. يبدو أن أحمد كان محقا.
"إيه يا كوكو . " قالت ليلى وهي تستقبل مكالمة قيس الذي ابتسم كالكتكوت متهللا بتلك المعاملة الجديدة التي بات يحصل عليها من ليلى .. لم يفهم سر تغيرها فجأة لكنها متغيرة منذ أن كانا معا في الملاهي!
"وحشتيني" همس لها مجربا الأمر وكأنه يجس نبضها فقط ليعرف ردة فعلها.
صمتت هي قليلا على الجهة الأخرى لكنه تذكر كلام أحمد وهمس لها " هو أنا ما وحشتكيش؟"
"وحشتني . " نطقت بطريقة خجولة فتوسعت عينيه وابتسم ببلاهة وكأنه لا يصدق ما قد سمعه باذنيه !
"قيس .. أنت هنا ؟ "
"أيوة يا قلب كوكو، بصي أنت تقوليلي كتكوتي وأرنوبي براحتك عادي، " ضحك وسمع ضحكتها الخجولة من الجهة الأخرى فشعر بقلبه ينبض بقوة على غير المعتاد،
بينما في الجهة الأخرى كانت ليلى لا تستطيع معرفة ما سر التغير الذي طرأ عليها فجأة، لكن منذ أن كانا معا في الملاهي وهي تشعر بمشاعر غربية نحوه، ورغبة قوية بتدليله ومعاملته كطفلها الصغير، ويبدو أن هذا يعجب قيس.
بينما في مكان آخر كان أدهم يقود سيارة جده الذي أخذها لأول مرة - بموافقة جده دون أخذها سرقة.
توقف في إشارة، علق عينيه على الطريق أمامه، هذا حتى انتبه لشخص ينظر له من السيارة التي بجانبه، حرك رأسه فاصطدم بتلك الفتاة تنظر له لكنها خجلت وأشاحت بوجهها بعيدا عندما
أدركت أن أدهم قد أمسك بها تحدق فيه.
ابتسم الآخر ابتسامة جانبية ماكرة وهو ينظر لها بطرف عينيه، لم يبدو خجولا جدا كما اعتاد من قبل، ولم يدري ما سر تلك الثقة التي حلت عليه فجأة لكنه قد بدأ يدرك بأن محادثة الفتيات ليست بتلك الصعوبة التي كان يظنها، كما أنه وسيم، غنى ومن طبقة اجتماعية عالية كما أنه
يتذكر نصائح أحمد جيدا، فلم التوتر إذا؟
قاطعه عن محاولة الحديث لها انفتاح إشارة المرور فحرك السيارة يضيق، لكن القدر قد لعب لعبته معه عندما سمع فرقعة إطار سيارة الفتاة بعد مسافة قليلة فأبطأ في قيادته حتى وجدها تنزل وتنظر إلى الإطار بغضب ثم ركلته بقدمها ونظرت حولها بتوتر
ركن سيارته جانبا ونزل لها على محياه ابتسامة لطيفة متسائلا "الكاوتش نام؟"
توترت عندما وجدته هو لكنها هرعت نحوه لطلب المساعدة "آه .. هو ينفع تساعدني ؟ أنا مش بعرف أركبه ودي أول مرة أسوق لوحدي ومش عارفة أعمل إيه ؟"
ضحك بخفة وهو يومئ "اهدي، مافيش مشاكل .. معاك استين؟".
