رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السادس والثلاثون
أغلق شاهين الباب خلفهما ببطء، ثم استدار ينظر إليها، ولأول مرة منذ بداية تلك الفوضى كانت ملامحه تحمل توترًا حقيقيًا، وكأنه هو الآخر بدأ يدرك حجم ما فعله للتو.
أما رنيم، فكانت واقفة مكانها كأن الصدمة سحبت منها القدرة حتى على التفكير، عيناها معلقتان به بذهول كامل، تنتظر تفسيرًا واحدًا ينقذ عقلها من هذا الجنون.
وفجأة انفجرت به صارخة بغضب شديد:
"ممكن افهم ايه الجنان اللي قلته بره ده؟ انت ازاي تقول انك جوزي؟"
اقترب منها بخطوات هادئة محاولًا احتواء غضبها قبل أن ينفلت الأمر أكثر، ثم تكلم بنبرة موضحة:
"رنيم اهدي وانا هفهمك، الناس مكانتش هتبطل تجيب في سيرتك، لو عرفوا أن وجودي هنا عندك من غير أي حاجه رسمي، كانوا هيصدقوا الكلام اللي سمعوا دلوقتي، علشان كده أنا كان لازم اتصرف واقول انك مراتي."
لكن كلماته لم تهدئ شيئًا بداخلها، بل زادت النار اشتعالًا، فردت عليه بغضب أشد:
"ما انت السبب، وجودك عندي خلاهم يقولوا كده عليا، انت عارف امك مكانتش هتعدي علاقتنا دي بالساهل، بس انت ولا همك كل ده عايش عادي تدخل وتخرج من عندي تنزل وتطلع معايا وكأنك فعلا جوزي مخفتش على سمعتي ولا حمتني من نظرة الاتهام اللي شفتها في عيون الناس كلها النهاردة، اخرج يا شاهين من حياتي وكفايه بقى لحد كده."
اهتز قلبه بقوة عند جملتها الأخيرة، لكنه حرك رأسه بالرفض سريعًا وقال بإصرار:
"لا يا رنيم كلامك مش صح، أنا بخاف عليكي وانتي عارفه كده، بس انا طلبت منك بدل المره مليون مره أننا نتجوز بس انتي اللي بترفضي، مكانش حد هيقدر يفتح بقه وقتها علشان جوازنا هيكون بإشهار والناس كلها كانت هتشوفك بالفستان الابيض."
ضغطت على أسنانها بقهر، وكأن شيئًا بداخلها يتمزق مع كل كلمة يقولها، ثم قالت بنفاذ صبر:
"قلتلك مستحيل ده يحصل يا شاهين، مراتك وبناتك اولى بيك، أنا النهارده اتأكد من قراري ده، لما شفت نظرت بنتك إيما ليا عرفت أن الزمن بيعيد نفسه نفس نظرتي زمان، بس انا مستحيل أعيد الفعل واعيش حد تاني نفس اللي انا عشته، امشي يا شاهين ارجوك وإنساني."
اقترب منها غريزيًا يريد فقط أن يضمها إليه ويسكت كل هذا الألم، لكنها تراجعت للخلف سريعًا وكأن قربه أصبح يؤذيها، ثم قالت بدموع مختنقة:
"خليك عندك متقربش مني يا شاهين."
توقف مكانه فورًا، وزفر بضيق حارق قبل أن يتكلم بصوت مختنق:
"رنيم للاسف مش هينفع، القرار مبقاش بأيدك، احنا لازم نتجوز، الناس مش هتسكت غير لما يشوفوا عقد الجواز بجد."
ضحكت بمرارة وغضب في آنٍ واحد، ثم قالت:
"انت بتحلم يا شاهين، مافيش جواز واللي يتكلم يتكلم محدش ليه عندي حاجه."
بدأ صبره ينفد، فمرر يده بعصبية داخل شعره وقال بنفاد صبر:
"انتي مجنونه، لا طبعا مستحيل هسمح لحد يجيب سيرتك، بس صدقيني الحل الوحيد هو الجواز."
صرخت به بانهيار وغضب دفين:
"لااا يا شاهين، قلت جواز لا اطلع بره ارجوك أنا تعبانه وعايزه انام."
ثم تركته واتجهت مباشرة نحو غرفتها، دفعت الباب بعنف خلفها وكأنها تحاول إغلاق العالم كله خارجها.
نزعت ملابسها بعصبية وألقتها بإهمال على الأرض، ثم ارتدت شيئًا قطنيًا مريحًا وارتمت فوق السرير.
ظلت تحدق بالسقف لثوانٍ طويلة، بعينين فارغتين، قبل أن تنهار أخيرًا.
انسابت دموعها بغزارة على وجنتيها، وبدأت شهقاتها تعلو شيئًا فشيئًا حتى شعرت أن صدرها يضيق بصورة مؤلمة، وكأن الهواء نفسه يرفض الدخول إلى رئتيها.
نهضت بسرعة مرتبكة تبحث داخل حقيبة يدها بيدين مرتعشتين، حتى عثرت على العقار الطبي الخاص بها.
أخرجت البخاخ بسرعة، ووضعته داخل فمها وبدأت تستنشقه بأنفاس متقطعة، بينما صدرها يعلو ويهبط بعنف، إلى أن بدأ الاختناق يهدأ تدريجيًا.
ألقت الأشياء فوق الطاولة بإهمال، ثم عادت إلى السرير من جديد.
جلست فوقه تضم ساقيها إلى صدرها، وأسندت رأسها فوقهما، بينما ظلت تبكي بصمت موجع، كأن كل ما حاولت دفنه داخل قلبها انفجر دفعة واحدة الليلة.
مر الوقت دون أن تشعر.
رفعت رأسها أخيرًا تنظر إلى الساعة، لتجد أن الوقت تجاوز منتصف الليل.
زفرت بضيق شديد ونهضت ببطء، ثم اتجهت نحو الباب وخرجت من غرفتها.
لكنها توقفت مكانها فورًا بصدمة.
كان شاهين نائمًا فوق الأريكة في الصالة، مستلقيًا بهدوء وكأنه لم يشعر بشيء مما يدور حوله.
اقتربت منه بخطوات بطيئة حذرة، وظلت تحدق بملامحه قليلًا حتى تتأكد أنه نائم فعلًا.
وما إن اطمأنت، حتى هبطت بجسدها ووقفت على ركبتيها أمامه، تراقب وجهه عن قرب.
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة حزينة موجوعة، بينما أخذت تحفظ تفاصيله بعينيها كأنها تخشى فقدانه.
كم كان جميلًا، رجوليًا بشكل يربك القلب، ملامحه تجمع بين القسوة والهدوء، بين الهيبة والنعومة، وكأن الله صنعه بعناية ليكون نقطة ضعفها الأكبر.
رفعت يدها ببطء شديد، وأخذت تمرر أطراف أصابعها فوق تفاصيل وجهه بحنان مرتجف، بينما قلبها يرتعش بعنف داخل صدرها.
ظلت تلمسه لوقت طويل دون أن تشعر، وكأنها تحاول سرقة لحظة أخيرة قبل أن تبتعد عنه للأبد.
ثم انتفضت فجأة كأنها عادت إلى وعيها، فنهضت سريعًا واتجهت إلى غرفتها.
عادت بعد دقائق تحمل وسادة وغطاء.
اقتربت منه مجددًا، ورفعت رأسه بحذر شديد حتى لا توقظه، ثم وضعت الوسادة أسفل رأسه برفق، وبعدها فردت الغطاء فوقه بعناية.
وقفت تتأمله مرة أخرى بصمت طويل، قبل أن تلاحظ حركة خفيفة منه.
انتفض قلبها داخل صدرها، فتراجعت بسرعة وعادت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بسرعة وكأنها تخشى أن يكتشف ما فعلته.
وما إن اختفت داخل الغرفة، حتى ارتسمت ابتسامة واسعة فوق شفتي شاهين.
لقد كان مستيقظًا طوال الوقت.
يشعر بلمساتها فوق وجهه، باهتمامها الذي تحاول إنكاره، بذلك الحنان الذي يفضح عشقها له رغم كل عنادها.
رفع رأسه قليلًا يتأمل الوسادة أسفله والغطاء الموضوع فوقه، فامتلأ قلبه بدفء جعل ابتسامته تتسع أكثر.
ثم عاد يستلقي من جديد وأغلق عينيه ببطء، محاولًا استدعاء النوم، بينما لهيب الحب داخل قلبه كان يزداد اشتعالًا بها أكثر من أي وقت مضى.
****************************
في صباح يوم جديد، استيقظت رنيم على رنين هاتفها المتواصل، فتحت عينيها بإرهاق واضح ومدت يدها تتحسس الهاتف فوق الطاولة الصغيرة بجوار السرير، وما إن وقع بصرها على اسم عمر حتى زفرت بضيق ثقيل.
انعكس القلق داخل عينيها تلقائيًا وهي تنظر نحو باب غرفتها المغلق، وكأنها تخشى أن يصل صوتها إلى شاهين الموجود بالخارج، ثم اعتدلت ببطء فوق الفراش وأجابت بصوت خافت تحاول السيطرة على نبرته:
"أيوه، السلام عليكم ورحمه الله وبركاته."
أتاها صوته الرجولي وهو يقول لها:
"وعليكم السلام، عاملة ايه يا باشمهندسه رنيم؟"
أغمضت عينيها لثوانٍ قصيرة قبل أن ترد بنبرة رسمية متحفظة تخفي بها اختناقها:
"الحمدالله يا استاذ عمر، خير حضرتك متصل بيا ليه؟"
تكلم بنبرة هادئه وقال:
"حبيت اطمن على حضرتك وأسألك عملتي ايه، في الورق المتبقي؟"
شددت قبضتها حول الهاتف وكأنها تحاول وضع حدود واضحة بينهما، ثم أجابته بهدوء جاف:
"أنا تمام حضرتك، بس اعتقد مافيش ما بينا أي علاقه علشان تطمن عليا، ثانيا مش عايزه حضرتك تقلق بالنسبه للورق، الفريق كله شغال على التصاميم وعلى التصاريح وفي اقرب وقت هنبدأ الشغل في الموقع."
ساد صمت قصير قبل أن يعود صوته إليها أكثر هدوءًا:
"مش لازم يكون فيه ما بينا حاجه علشان اطمن عليكي، وبعدين انا شايف انك أخده مني موقف من غير سبب، واعتقد الاخ اللي معاكي ده هو السبب."
اشتعل الضيق داخلها فور سماعها لتلك الجملة، وزفرت بحدة وهي ترد بنفاذ صبر واضح:
"استاذ عمر، احنا اللي ما بينا شغل وبس، يعني ياريت بلاش كلام بعيد عن كده، ورجاء شخصي، بلاش طريقتك دي علشان أنا ممكن ألغي العقد اللي ما بينا وعندك بدل شركتنا فيه شراكات تانيه كتير."
أنهت المكالمة سريعًا قبل أن تمنحه فرصة للرد، ثم ألقت الهاتف جانبًا ونهضت من فوق الفراش بخطوات متوترة.
اتجهت نحو الباب وفتحته بهدوء، لكنها توقفت مكانها فورًا عندما وجدت ميا تجلس بجوار والدها فوق الأريكة، وما إن رأتها الصغيرة حتى أضاء وجهها بسعادة حقيقية ونهضت راكضة نحوها تحتضنها بحماس طفولي:
"أنا فرحانه اوي انك انتي وبابي اتجوزتوا."
تجمدت رنيم للحظة، وبقيت يدها معلقة بالهواء وهي تنظر نحو شاهين بضيق مكتوم، بينما قابلها هو بنظرة طويلة حملت رجاءً صامتًا وكأنه يطلب منها ألا تحطم فرحة ابنته.
أبعدت عينيها عنه أخيرًا، ثم رفعت يدها ببطء واحتضنت ميا بحنان، تمرر كفها على ظهرها برفق وقالت بصوت دافئ:
"ربنا يفرح قلبك يا حبيبتي."
ابتعدت ميا عنها بسرعة ثم أمسكت يدها الصغيرة وسحبتها بحماس نحو الأريكة، وأجلستها بجوار شاهين وهي تتأملهما بانبهار طفولي:
"واووو شكلكم تحفه اوي، لايقين على بعض موت."
اشتعلت وجنتا رنيم بحمرة خجلة، وحاولت النهوض فورًا هربًا من ذلك القرب الذي يربك قلبها، لكن ذراع شاهين التف حولها بقوة مانعًا إياها، ثم مال برأسه وهمس بجوار أذنها بصوت خافت دافئ:
"علشان خاطري خليكي، البنت فرحانه، بلاش تكسري فرحتها، وبعدين انتي مش مشكلتك البنات اهي موافقه وفرحانه كمان."
أغلقت عينيها بضيق وهي تحاول تجاهل قربه المربك، لكن صوت ميا المرح سرق انتباههما وهي تقول بمزاح:
"نحنُ هنا يا سي بابي."
تعالت ضحكات شاهين بخفة، ثم جذب رنيم إليه أكثر وأشار لميا كي تقترب، فأجلسها بجواره من الجهة الأخرى واحتضنهما بذراعيه معًا، وكأنه يحتضن عالمه بالكامل بين يديه.
مال يقبل رأس ابنته أولًا، ثم طبع قبلة حانية فوق رأس رنيم وهو يقول بسعادة صادقة:
"انتوا اجمل حاجه في دنيتي، ربنا يخليكم ليا."
الغريب أن رنيم لم تبتعد هذه المرة.. بل تحركت يدها ببطء لتتمسك به من الخلف دون وعي، وكأنها احتمت بذلك الحضن الذي منح قلبها راحة افتقدتها طويلًا.
شعر شاهين بسكونها داخل ذراعيه، فتسارعت دقات قلبه بعنف من فرط سعادته.
حبيبته العنيدة، التي طالما قاومته، كانت الآن ساكنة بين أحضانه دون تمرد، متقبلة قربه بطريقة جعلته يضمها إليه أكثر، وكأنه يخشى أن يفيق من هذا الحلم.
لكن اللحظة لم تدم طويلًا، إذ قطعتها ميا بصوتها المرح:
"طيب سوري يعني أني هقطع عليكم اللحظة الرومانسيه دي، بس انا جعانه ومفطرتش ممكن نفطر احنا التلاته مع بعض؟"
ابتعدت رنيم عنه بسرعة وكأنها استفاقت فجأة على الواقع، ثم أعادت خصلات شعرها خلف أذنها بتوتر واضح وقالت بتلعثم:
"ا ايوه طبعًا حالاً هقوم احضر الفطار."
نهضت مسرعة واتجهت نحو المطبخ بخطوات مضطربة، بينما بقي شاهين يتابعها بعينين ممتلئتين بالعشق قبل أن ينحني يقبل رأس ابنته ويقول لها:
"خليكي انتي هنا اتسلي في الفون شوية، على ما أروح اساعد رنيم في تحضير الفطار."
غمزت له الصغيرة بشقاوة وقالت بمزاح:
"أيوه يا عم الله يسهله."
انفجر ضاحكًا بعدم تصديق وهو يهز رأسه:
"انا غلطان أن علمتكم الكلام المصري على أصولة، ده اللي يشوفك بتتكلمي كده يقول انكم متربين هنا في مصر."
ثم تحرك باتجاه المطبخ، وهناك وجد رنيم تقف أمام الطاولة تحضر الطعام بتوتر واضح، أصابعها تتحرك بسرعة غير منتظمة بينما عقلها وقلبها في معركة لا تهدأ.
اقترب منها ببطء حتى التصق ظهرها بصدره، ثم أحاط خصرها بذراعه وهمس بجوار أذنها بصوت منخفض دافئ:
"أنا آسف، حقك عليا متزعليش مني، علشان اللي حصل امبارح، مكانش قصدي كل ده يحصل، أنا بحبك، وعمري ما هرضى حد يجيب سيرتك بكلمه واحده."
ثبتت نظرها أمامها محاولة السيطرة على ارتجاف أنفاسها وقالت بصوت مختنق:
"شايفه انك استوليت على الشقه، المفتاح معاك، ونمت هنا طول الليل، وكمان ناوي تفطر انت وبنتك هنا، وكأن المكان بقى يخصك انت."
ابتسم بخفة، ثم مال يقبل عنقها ببطء وقال بنبرة هامسة أربكتها:
"اذا كان انتي ذات نفسك تخصيني يا رنيم."
دفعته بعيدًا عنها بقوة والتفتت إليه بانفعال:
"أنا مخصكش يا شاهين ولا عمري هخصك، فاهم."
لكن قبل أن يرتفع صوتها أكثر، كان قد اقترب منها سريعًا حتى التصق بها من جديد، ووضع يده فوق شفتيها يمنعها من إكمال حديثها، ثم همس وهو ينظر نحو الخارج حيث تجلس ميا:
"شش البنت بره يا رنيم، علشان خاطري بلاش تحسسيها بحاجه."
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تشعر بحرارة كفه فوق شفتيها، ودفء جسده الملتصق بها، وأنفاسه الساخنة التي تلفح وجهها فتربكها أكثر.
تعالت أنفاسها دون سيطرة حتى شعر بها شاهين بوضوح، فانخفضت عيناه نحو صدرها الذي يعلو ويهبط بسرعة مجنونة، ثم عاد ينظر داخل عينيها اللتين فضحتا كل ما تحاول إنكاره.
أبعد يده ببطء شديد، لتبقى شفتيها مرتعشتين بصمت.
اقترب أكثر حتى تلامست أنفاسهما، وكاد أن يطبع قبلته فوق شفتيها المرتجفتين، لكن رنيم انتفضت فجأة عندما سمعت صوت ميا خلفهما تقول ببراءة:
"بتعملوا ايه؟"
ابتعدت عن شاهين بسرعة وكأن الصغيرة أعادتها إلى أرض الواقع بعد لحظة كادت تضيع فيها بالكامل، ثم التفتت إليها بتوتر واضح وقالت:
"ب بحضرك الفطار يا حبيبتي."
أغلق شاهين عينيه للحظات يحاول تهدئة أنفاسه المشتعلة، ثم استدار نحو ابنته بابتسامة هادئة وقال:
"مش قلتلك تستني بره لحد ما نحضر الفطار؟"
أومأت الصغيرة برأسها وهي تجيب ببساطة:
"أيوه قلت، بس سمعت صوت رنيم عالي جيت اشوف فيه ايه."
التفت بعينيه نحو رنيم فوجد التوتر يسيطر على ملامحها بالكامل، ثم عاد ينظر لابنته وقال بهدوء:
"مافيش حاجه يا حبيبتي، روحي يلا اقعدي بره واحنا هنجيب الفطار ونيجي."
اومأت بالموافقة وعادت إلى الخارج، بينما استدار شاهين نحو رنيم من جديد، وابتسامة خافتة ترتسم فوق شفتيه وهو يراقب ارتباكها الواضح، ثم قال بمكر هادئ:
"يلا يا قلبي نحضر الفطار."
اومأت برأسها دون أن تنظر إليه، وبدأ الاثنان بتحضير الطعام معًا بصمت ثقيل مليء بالمشاعر المرتبكة.
بعد دقائق حمل شاهين الأطباق إلى الطاولة، وتابعته رنيم بخطوات هادئة قبل أن يجلسوا الثلاثة حول المائدة.
ساد الصمت بينهم، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا بالكامل، كان ممتلئًا بأشياء كثيرة غير منطوقة.
أما شاهين، فكان يشعر بسعادة حقيقية وهو يرى تلك الصورة أمامه؛ هو ورنيم وميا حول طاولة واحدة كعائلة صغيرة طالما تمناها.
حتى أنه سرح للحظة يتخيل وجود إيما معهم أيضًا، وكان بداخله يقين أنه سيحقق هذا الحلم يومًا ما.
أما رنيم، فرغم الغضب والارتباك المسيطرين عليها بسبب ما فعله بالأمس، إلا أن قلبها شعر لأول مرة منذ زمن طويل بدفء عائلي هادئ، دفء كانت تتمنى أن تعيشه يومًا، دون خوف أو ألم.
وظل ذلك الهدوء يحيط بهم حتى انتهوا من الطعام، ثم بدأوا يساعدون بعضهم في تنظيف الطاولة وترتيب المكان، وكأنهم يمارسون حياة طبيعية لم تبدأ بعد، لكنها تقترب شيئًا فشيئًا.
*****************************
عند ترنيم...
تسللت خيوط الصباح بهدوء إلى الغرفة، بينما كانت ترنيم تتحرك ببطء فوق الفراش، تفتح عينيها بنعاس خفيف، ومدت يدها تبحث بعفوية عن غريب بجوارها، لكن الفراغ البارد الذي قابل أناملها جعلها تعقد حاجبيها باستغراب. اعتدلت في جلستها تنظر حولها للحظات، ثم زفرت بهدوء ونهضت من فوق السرير.
التقطت روبها سريعًا وارتدته فوق قميصها، تضم طرفيه حول جسدها وكأنها تبحث عن دفء مفقود، ثم خرجت من الغرفة بخطوات هادئة. هبطت الدرج تتلفت حولها، بحثت عنه في الصالة فلم تجده، لتتجه بعدها نحو غرفة المكتب.
رفعت يدها لتطرق الباب، لكن أصابعها توقفت قبل أن تلامسه حين وصلها صوت غريب من الداخل، صوته كان مشحونًا بالغضب المكتوم:
"مريم مش ناويه تجيبها لبر، شايفه أن رنيم لوحدها هي وابنها بيستغلوها، احنا لازم نقنعها أنها تيجي تعيش معانا هنا، مريم وشاهين هيأذوها."
تجمدت ملامحها بالكامل، بينما تسارعت دقات قلبها بعنف داخل صدرها، وشعرت وكأن الأرض انسحبت من أسفل قدميها.
ثم جاء صوت جواد وهو يزفر بضيق قائلاً:
"يا بابا رنيم دماغها ناشفه ومستحيل هتوافق أنها تيجي تعيش معانا هنا، حتى رفضت تسمع كلام جواهر وترجع تعيش معاهم في الفيلا، والمشكله أنها بتحبه بجد لدرجة أنها دارت علينا أن شاهين يبقى ابن مريم."
لم تشعر بنفسها إلا وهي تدفع الباب بقوة.
انفتح الباب على مصراعيه، ووقفت ترنيم أمامهما بوجه شاحب ودموع تنهمر بغزارة فوق وجنتيها، بينما ارتجف صوتها بشكل موجع وهي تقول:
"م مريم مين دي اللي لسه عايشه؟"
انتفض جواد من مكانه فورًا، ونظر إلى والده بتوتر واضح قبل أن يقترب من والدته سريعًا وقال:
"ماما اهدي بس واحنا هنفهمك كل حاجه."
لكنها لم تكن تسمع شيئًا.
كانت عيناها معلقتين بغريب فقط، وكأن العالم كله اختفى من حولها، بينما اقتربت منه بخطوات مرتبكة وصرخت بانهيار:
"رد عليا يا غريب مريم مين دي اللي لسه عايشه؟ وشاهين ابنها ازاي؟ رد عليااا فهمني يا غريب."
أغمض غريب عينيه لثوانٍ طويلة، وكأنه يستجمع الكلمات التي يعلم جيدًا أنها ستطعن قلبها، ثم زفر ببطء وقال بصوت مثقل:
"مريم يا ترنيم، اللي احنا نعرفها من زمان طلعت أنها لسه عايشه، بس عاجزة قاعده على كرسي متحرك شكل الرصاصه اللي ضربتها بيها هي السبب، وشاهين ابنها."
سقطت فوق المقعد خلفها وكأن ساقيها فقدتا القدرة على حملها.
ظلت تحدق أمامها بعدم استيعاب، أنفاسها متقطعة، وعقلها يرفض تصديق ما تسمعه، ثم همست بين شهقاتها:
"عايشه طيب ازاي؟ ومين اللي اندفنت زمان؟ وشاهين ازاي ابنها ده فرق السن ما بينهم مش كبير، رد عليا يا غريب وفهمني، أنا حاسه اني تايهه."
جلس غريب ببطء على مقعده، بينما بدت ملامحه مثقلة بثقل الماضي كله، ثم أجابها بصوت مختنق:
"مريم جابت شاهين وهي عندها خمستاشر سنه من علاقة غير مشروعه، وكانت سيباه في ملجأ، وبعد السنين دي كلها رجعت علشان تنتقم مننا كلنا، وعلشان كده زودنا الحراسه على البيت ومنعت خروج أروى، وهي اللي كانت السبب في اللي حصل لجواهر وكان المقصود منها جواد ابننا، ودلوقتي هي وشاهين ابنها محاصرين رنيم، واحنا بنحاول نحميها بس هي للاسف بتحبه وعيونها مش شايفه غيره."
ارتعشت شفتاها بقوة، وشعرت بأن صدرها يختنق أكثر مع كل كلمة، ثم رفعت عينيها إليه بوجع موجع وسألته:
"وليه مقولتش ليا الحقيقه من الاول يا غريب؟"
نهض غريب من مكانه واقترب منها ببطء، ثم جلس أمامها مباشرة، أمسك يدها بين يديه بحنان وكأنه يحاول أن يحتوي انهيارها قبل أن يكتمل، وقال بصوت دافئ:
"علشان خايف عليكي يا ترنيم، علشان مكنتش عايز اشوف الدموع اللي في عيونك دي يا قلبي، بس مش عايزك تخافي وحياتك عندي ما هسمح ليها تقرب لاي حد يخصني، أنا كلمت المحامين علشان يوصلوا لاي ورق يثبت هوايتها الحقيقه لأنها عايشه بهواية مزورة وكمان يحاولوا يوصلوا لاي حاجه تثبت أنها هي المتورطه في قتل سلطان زمان."
ما إن ذكر اسم سلطان حتى انقبض قلبها بعنف.
تجمدت ملامحها، وشعرت بوخزة حادة تمزق صدرها، كأن الماضي عاد دفعة واحدة يطعنها من جديد. رفعت عينيها نحوه برجاء مرتعش وقالت:
"احمي رنيم منهم يا غريب ابوس ايدك، كفايه اللي هي عملته في امها وابوها، بلاش تأذيها هي كمان، البنت غلبانه."
مال غريب يقبل يدها بحب عميق، ثم قال بوعد صادق خرج من قلبه:
"وغلاوة حبك في قلبي، هحميها وبرضاها أو غصب عنها هبعدها عن اللي اسمه شاهين ده."
أومأت برأسها ببطء، ثم تراجعت بجسدها للخلف محاولة استيعاب كل ما سمعته، لكن فجأة اتسعت عيناها وكأن فكرة صادمة ضربتها دفعة واحدة، فنظرت إليه بحدة وقالت:
"غريب، مريم لسه على ذمتك صح؟"
مرر يده داخل شعره بتوتر خفيف، ثم أومأ برأسه بالإيجاب.
وفي لحظة واحدة تبدلت ملامح ترنيم بالكامل.
اختفى ضعفها، وحلت مكانه غيرة مشتعلة جعلت عينيها تقدحان شررًا وهي تقول بغضب:
"أنا قبلت بوجودها زمان وقسمتني فيك، ده علشان المهمة، شفت بعيني اللي حصل ما بينكم وعدتها علشان كانت حاطه ليك حاجه في العصير، إنما بعد السنين دي كلها ترجع وتقسمني فيك من تاني، اهو ده اللي مش هقبل بي يا غريب."
رغم توتر الموقف، لم يستطع منع الابتسامة التي ارتسمت فوق شفتيه وهو يرى غيرتها المجنونة التي يعشقها، ثم قال بنبرة رجولية هادئة:
"يعني احنا بنتكلم في ايه؟ وانتي بتتكلمي في ايه؟ يا وليه انا مقدرش اقرب من حد غيرك وانتي اكتر واحده عارفه كده."
صدح صوت جواد فجأة بنفاذ صبر وهو يعقد ذراعيه:
"اقسم بالله أنا لسه موجود، مش شفاف قدامكم أنا، راعوا مشاعر السناجل اللي زي، الواحد بينهار لوحده."
رفعت ترنيم رأسها نحوه فورًا ونظرت له بغيظ حقيقي وقالت:
"وانت واقف ليه اصلا؟ غوري من وشي مش طيقاك، يعني يا ابن الجزمه تبقى عارف كل حاجه ومداري عليا."
رفع حاجبه للأعلى بصدمة مصطنعة وقال متذمرًا:
"نعم يا اختي، يعني بقالكم ساعه بتسبلوا لبعض وهو اصلا اللي دارى عليكي، وجايه تشتميني أنا، هو أنا الحيطه المايله في البيت ده!"
أرجع غريب ظهره للخلف ونظر له طويلًا قبل أن يقول بنبرة آمرة:
"اطلع بره."
رمش جواد بعدم تصديق وقال:
"نعم!"
أعاد غريب كلمته بنبرة أعلى قليلًا:
"اطلع بره."
ضرب جواد كفًا بالأخرى وقال بذهول ساخر:
"اه يا زمن، يعني تصحيني من النوم وتفضل تتكلم لما تنفخ دماغي، واول ما ماما تيجي تطردتني بره، اقول ايه صدق اللي قال إذا حضرت الست يغور مية راجل."
رد عليه غريب بمزاح هادئ:
"وهو فين الراجل ده؟"
وضع جواد يده فوق عينه بطريقة كوميدية وقال:
"اه، رشقت في عيني، ماشي يا غريبوا ليك يوم، أما اروح أطلعه على بنت الورمه مراتي."
ثم خرج من المكتب وهو يتمتم بضيق، لتتعالى ضحكاتهم رغم ثقل الأجواء.
لكن الضحكة لم تدم طويلًا، عادت ملامح القلق تسيطر على ترنيم من جديد، فنظرت إلى غريب بخوف حقيقي وقالت بصوت مرتجف:
"غريب انا خايفه اوي، وجود مريم معناه فيه خطر كبير علينا، أنا اكتر واحده حفظاها و شفت الغدر في عيونها قبل كده مليون مره، أنا مش خايفه على نفسي والله أنا خايفه على ولادي خايفه عليك وخايفه على رنيم وجواهر مش هقدر استحمل مكروه فيكم."
أمسك يدها بحنان وقبلها ببطء، ثم رفع عينيه إليها وقال بهدوء مطمئن:
"انتي بتثقي فيا ولا لا يا ترنيم؟"
أومأت فورًا دون تردد:
"طبعا بثق فيك يا غريب مش محتاجه سؤال."
ابتسم لها بحب عميق، ثم قال بثقة رجولية:
"يبقى مش عايزك تقلقي، انتوا كلكم تحت حمايتي، ولا مريم ولا شاهين هيقدروا يقربوا منكم."
استقامت بجسدها واقفه ثم نظرت له بتوتر مفاجئ وسألته:
"طيب مش ناوي تطلقها."
انفجر غريب ضاحكًا، ثم نهض واقترب منها بسرعة، احتضنها بقوة وقبل رأسها بحب وقال:
"مجنونه والله العظيم، اكيد هطلقها بس لما اثبت أنها عايشه اصلا، هطلقها بناء عن ايه وهي عند الحكومه ميته؟"
تمسكت به بقوة وأسندت رأسها فوق صدره، بينما خرج صوتها مختنقًا بالغيرة والخوف معًا:
"فكرة أن فيه حد يشاركني فيك بتجنني يا غريب."
ضمها أكثر بين ذراعيه، وقبل رأسها مرة أخرى، ثم مرر يده فوق ظهرها بحنان وهو يهمس:
"محدش يقدر يشاركك فيا يا توته، انا ليكي انتي وبس، وقلبي مكتوب عليه اسمك يا عمر غريب كله."
ارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيها أخيرًا، وتمسكت به أكثر، وكأنها تخشى أن يفلت منها وسط كل هذا الخراب، بينما كان حضنه وحده الشيء الوحيد القادر على تهدئة خوفها.
****************************
عند أروى...
كان الملل ينهشها ببطء، يلتف حولها كجدار خانق لا تستطيع الهروب منه، بينما قلبها كان في مكان آخر تمامًا، عند أحمد.
اشتاقت إليه حد الوجع، اشتاقت لصوته، لوجوده، حتى لخناقاتهما الصغيرة، شعرت أن الأيام الأخيرة تمر عليها ثقيلة بشكل لا يحتمل، وكأن الفيلا تحولت إلى سجن كبير مغلق عليها من كل الاتجاهات.
زفرت بضيق ونهضت من فوق فراشها بعصبية، ثم اتجهت نحو الشرفة بخطوات بطيئة. وقفت تستند بكفيها على السور المعدني، وعيناها تهبطان للأسفل تراقبان الحرس المنتشرين حول الفيلا بحذر شديد، يتحركون بين الحين والآخر، يلتفتون في كل اتجاه وكأنهم ينتظرون خطرًا سيخرج لهم من الظلام.
عقدت ذراعيها أمام صدرها بضيق، بينما ازدادت رغبتها في رؤيته أكثر.
وفجأة، لمعت الفكرة داخل رأسها.
فكرة متهورة، خطيرة، لكنها بدت لها في تلك اللحظة الحل الوحيد.
استدارت بسرعة وعادت إلى الداخل، وبدأت تبدل ملابسها على عجل، وقلبها يخفق بعنف من التوتر والحماس معًا. وبعد دقائق قليلة، فتحت باب غرفتها وخرجت بخطوات حذرة، تهبط الدرج بحذر شديد حتى لا يلاحظها أحد.
وصلت إلى الحديقة المرفقة بالفيلا، وتحركت ببطء بين الأشجار وكأنها فقط خرجت لتستنشق بعض الهواء، بينما عيناها تتحركان بتوتر في كل الاتجاهات تتأكد ألا أحد يراقبها.
وحين اطمأنت، ركضت سريعًا نحو السور.
تسلقت عليه بصعوبة، أنفاسها تتسارع، وقلبها يكاد يقفز من صدرها، ثم قفزت إلى الخارج في لحظة واحدة.
هبطت على الأرض بارتباك، والتفتت خلفها بخوف شديد، وكأنها تنتظر أن يقبض عليها في أي ثانية.
ابتلعت ريقها بتوتر، كانت تعرف جيدًا أنها ترتكب حماقة قد تدفع ثمنها غاليًا، لكن اشتياقها لأحمد كان أقوى من خوفها، أقوى من عقلها كله.
رفعت يدها تشير للسيارات المارة علّ إحداها تتوقف، لكن دون جدوى.
مرت الدقائق بطيئة، والسيارات تتجاوزها دون اهتمام، لتزفر أروى بضيق وتبدأ بالابتعاد عن المكان وهي تلوح بيدها مجددًا.
لكن فجأة، توقفت سيارة سوداء أمامها بعنف.
اتسعت عيناها بصدمة، وقبل أن تستوعب ما يحدث انفتح الباب بسرعة وتحركت عدة أيدي نحوها تحاول سحبها بالقوة.
صرخت أروى بذعر حقيقي، بينما بدأت تقاومهم بكل ما تملك:
"ابعدوا عندي سيبوني حد يلحقني."
لكن أحدهم وضع قطعة قماش فوق أنفها بقوة.
تأرجحت خطواتها فورًا، وبدأت الرؤية تتشوش أمام عينيها، بينما ضعف جسدها تدريجيًا رغم مقاومتها.
حاولت أن تدفعهم بعيدًا، أن تصرخ مرة أخرى، لكن صوتها اختنق، وجسدها استسلم رغماً عنها حتى سقطت فاقدة الوعي داخل السيارة.
أغلق الباب سريعًا، وفي اللحظة التالية انطلقت السيارة بسرعة جنونية، تشق الطريق مبتعدة عن الفيلا، وعن الأمان تمامًا.
**************************
عند تامر وأحمد...
كان الهدوء يسيطر على أجواء المكتب إلا من صوت الأوراق التي تتقلب بين أيديهم، بينما انشغل الاثنان بمراجعة العمل والنقاش حول بعض التفاصيل المهمة. جلس أحمد مركزًا بعينيه على الملف أمامه، يشرح شيئًا لتامر، لكن كلماته توقفت فجأة في منتصف الجملة.
تجمد مكانه للحظة، وكأن شيئًا غرس نفسه داخل صدره دفعة واحدة.
رفع يده ببطء نحو قلبه، وأنفاسه اضطربت دون سبب واضح، بينما شحب وجهه بشكل ملحوظ.
نظر إليه تامر باستغراب واضح، ثم عقد حاجبيه وقال بعدم فهم:
"فيه ايه يا ابني مالك؟ ووشك ماله اصفر فجأة كده؟"
حرك أحمد رأسه ببطء وكأنه يحاول استيعاب ما يشعر به، ثم قال بصوت مختنق:
"مش عارف فيه نغزة جامدة في قلبي، وكأن فيه حاجه حصلت مش كويسه."
تراجع تامر بظهره للخلف، ورفع إحدى حاجبيه للأعلى وهو ينظر له بتهكم خفيف يحاول به كسر هذا التوتر المفاجئ:
"نعم يا اخويا! وده اسمه ايه ده؟"
لكن أحمد لم يبتسم حتى.
كان الشعور الذي يعتصر صدره حقيقيًا بشكل أخافه، وكأن قلبه يصرخ داخله بأن مكروهًا أصاب شخصًا عزيزًا عليه.
رد عليه بصوت مثقل بالقلق:
"أنا بتكلم بجد يا تامر، قلبي حاسس ان فيه حاجه حصلت."
وفور أن خطرت أروى داخل عقله، انتفض سريعًا وأمسك هاتفه بعجلة، يضغط على رقمها دون تفكير.
تابعه تامر بنظرات متعجبة وقال:
"بتعمل ايه يا ابني؟"
أجابه أحمد وهو يضع الهاتف فوق أذنه، ينتظر الرد بقلق متزايد:
"بتصل بأروى شكلها تعبانه او فيها حاجه."
ظل تامر يراقبه بصمت، لكن القلق بدأ يتسلل إليه هو الآخر، خاصة مع التوتر الواضح المرتسم فوق ملامح أحمد.
مرت ثوانٍ ثقيلة، ثم أبعد أحمد الهاتف عن أذنه ببطء، وملامحه ازدادت توترًا وهو يقول بصوت مختنق:
"مش بترد، اتصل انت بجواد أو بأختك يطمنونا عليها."
أومأ تامر برأسه سريعًا، ثم أمسك هاتفه وأجرى اتصالًا بجواد، لكنه وجده مشغولًا، فأغلق الخط واتصل بترنيم بدلًا منه.
انتظر للحظات حتى جاءه صوتها من الطرف الآخر، ليقول فورًا بنبرة حاول إخفاء قلقه داخلها:
"عامله ايه يا حبيبة اخوكي؟"
ابتسمت ترنيم دون أن تشعر بما يدور خلف سؤاله، وردت بهدوء:
"بخير يا حبيبي، انت عامل ايه؟"
تنهد بخفة قبل أن يسأل سريعًا:
"الحمدالله بخير يا حبيبتي، والأولاد عاملين ايه؟"
ابتسمت وهي تهز رأسها بيأس مرح وقالت بمزاح:
"اهو مطلعين عيني، واحد عمال يتكلم في تليفونه في اوضه، والتانيه في اوضتها مش طايقه نفسها علشان زهقانه من الحبسه في الفيلا."
ما إن سمع كلماتها حتى تسلل بعض الارتياح إلى صدره، فسألها بنبرة أهدأ:
"يعني أروى في اوضتها كويسه؟"
أجابته بسرعة وعفوية:
"أيوه زي القردة اهي، ابقى تعالى اقعد معاها شويه وكلمها تهدا شويه، احسن بوزها شبرين علشان عايزه تخرج."
انطلقت ضحكة خفيفة من تامر، بينما زال جزء من توتره وهو يقول:
"حبيبة خالها تعمل اللي هي عايزاه، أنا هخلص شغل واجي اقعد معاها شويه."
ثم أغلق الهاتف، والتفت نحو أحمد الذي كان يراقبه بترقب واضح.
ابتسم تامر مطمئنًا وقال:
"زي الفل مفيهاش حاجه، بس مضايقه من حبستها في البيت مش اكتر، وطبعا انا وانت عارفين هي ليه عايزه تخرج، جننت البت الله يحرقك."
ارتخت ملامح أحمد قليلًا، وظهرت ابتسامة خافتة فوق شفتيه رغم أن ذلك القلق الغامض ما زال يضغط على قلبه، ثم قال بنبرة عاشقة امتزجت بمزاح خفيف:
"لا حاسب بقى أنا مستلمها مجنونه لوحدها، بس بعشقها برضه، دي هي اللي جننتني بحركاتها الطفوليه والله."
ابتسم تامر وهو يهز رأسه بمشاكسة وقال:
"حبيبة خالها حره، تجننك تجنن الدنيا كلها تعمل اللي هي عايزاه."
تراجع أحمد بظهره للخلف وهو ينظر له بتحذير ساخر:
"هي حبيبة احمد يا روح امك، مش حبيبة خالها واتلم بدل ما اكسرك صف سنانك."
تعالت ضحكات تامر بقوة داخل المكتب، بينما ابتسم أحمد أخيرًا، لكن خلف تلك الابتسامة ظل قلبه منقبضًا بشكل غريب، وكأن شيئًا بداخله ما زال يرفض الاطمئنان.
وبعد مرور بعض الوقت، عاد الاثنان لمتابعة العمل من جديد، بينما كان القدر في مكان آخر يكتب كارثة لم يعلموا عنها شيئًا بعد.
*************************
عند شاهين...
كان يجلس خلف مكتبه، عينيه مثبتتان على الأوراق أمامه بتركيز ظاهري، بينما عقله بالكامل كان عالقًا عند رنيم، عند ملامحها المرتبكة، نظراتها المترددة، وصوتها الذي ما زال يطارده منذ الصباح.
مرر يده فوق جبينه بإرهاق خفيف، محاولًا إجبار نفسه على العودة للعمل، لكن قلبه كان أبعد ما يكون عن تلك الملفات.
وفجأة، اهتز هاتفه معلنًا عن اتصال.
التقطه بلا اهتمام في البداية، لكن ما إن لمح اسم مروان على الشاشة حتى ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة رجولية خافتة، وضغط زر الإجابة قائلاً بنبرة هادئة:
"ابو الرجوله كلها، فينك يا ابني؟ مختفي فين اليومين دول؟"
لكن الصوت الذي وصله في المقابل كان مرتبكًا بصورة جعلت الابتسامة تختفي من وجهه تدريجيًا.
قال مروان بسرعة متوترة:
"ألحق أروى يا شاهين، لسه جاي تليفون لامك بيقولوا ليها أنها بقت تحت أيديهم، وقالت ليهم يعتدوا عليها ويصوروها وهي كده."
تجمدت ملامحه بالكامل لثانية واحدة فقط، قبل أن ينتفض من فوق مقعده بعنف حتى تحرك الكرسي خلفه بقوة.
اشتعلت عيناه بغضب مرعب، وخرج صوته حادًا متوترًا:
"طيب قولي العنوان فين بسرعه."
زفر مروان بعجز واضح وقال بصوت مختنق:
"معرفش يا شاهين هو ده اللي سمعته من المكالمة، قلت اقولك اكيد هيكون عندك فكرة الاماكن اللي امك بتسخدمها في الخطف."
أطبق شاهين على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصل يده، بينما كانت أنفاسه تعلو بعنف، وغضب أسود بدأ يتمدد داخل صدره كالنار.
قال من بين أسنانه بصوت مخيف:
"امك محدش يتوقعها يا مروان، عندها اماكن كتير اوي بتستخدمها."
وصله صوت مروان المرتبك مرة أخرى:
"مش عارف بقى، أنا أول ما سمعت المكالمة اتصلت بيك على طول علشان تتصرف وتنقذها، قبل ما يعملوا فيها حاجه."
أغلق شاهين الخط دون كلمة إضافية.
ظل واقفًا مكانه لثوانٍ، صدره يعلو ويهبط بسرعة، وعقله يدور بجنون بين الاحتمالات، كل ثانية تمر كانت كفيلة بتحويل الأمر إلى كارثة.
مرر يده بعصبية داخل شعره، ثم بدأ يتحرك في المكتب ذهابًا وإيابًا بخطوات سريعة متوترة، يحاول إجبار عقله على التفكير بهدوء، لكن صورة أروى وهي بين أيدي رجال مريم كانت تدفعه للاختناق.
هو يعرف والدته جيدًا، يعرف قسوتها حين تقرر الانتقام.
ويعرف أن تهديدها لا يكون عبثًا أبدًا.
التقط هاتفه ومفاتيحه بعنف، ثم اندفع خارج المكتب بسرعة جنونية، حتى أن السكرتيرة انتفضت فور رؤيته يمر أمامها بتلك الهيئة المشتعلة.
ضغط زر المصعد بعصبية، وما إن انفتح الباب حتى دخله فورًا، عينيه تقدحان شررًا، وفكه مشدود بقوة مؤلمة.
كانت الأفكار تضرب رأسه بعنف، أروى مخطوفة، ومريم خلف الأمر.
وإذا وصلت لمرحلة تصويرها وإذلالها، فهذا يعني أنها لا تريد مجرد تهديد، بل تدمير كامل، لعلاقته برنيم ظنًا منها أنه مشترك معها في هذه الأفعال.
انفتح باب المصعد أخيرًا، فخرج منه بخطوات سريعة متلاحقة واتجه مباشرة إلى سيارته، فتح الباب بعنف واستقلها، ثم أدار المحرك وانطلقت السيارة كالسهم تشق الطريق بسرعة جنونية.
قبض على المقود بقوة، بينما كانت عيناه تتحركان بحدة بين الطريق وهاتفه، يحاول تذكر كل مكان قد تستخدمه مريم، لكن المشكلة الأكبر، أن مريم لم تكن يومًا متوقعة.
***************************
عند ترنيم...
منذ أن أنهت مكالمتها مع تامر، والقلق بدأ ينهش قلبها ببطء مؤلم، شعور ثقيل استقر داخل صدرها دون سبب واضح، وكأن روحها تنذرها بأن هناك شيئًا ليس على ما يرام.
ظلت جالسة لثوانٍ تحدق أمامها بشرود، قبل أن تنهض فجأة من مكانها وكأن فكرة مرعبة ضربت عقلها دفعة واحدة.
اتجهت نحو الدرج وصعدت بخطوات سريعة متوترة، حتى توقفت أمام غرفة أروى، ثم طرقت الباب عدة مرات متتالية وهي تقول بقلق:
"أروى انتي نايمه؟ أروى يا أروى، هفتح الباب."
لم يصلها أي رد.
ازدادت ضربات قلبها بعنف، فدفعت الباب سريعًا ودلفت إلى الداخل، لكن السرير كان فارغًا.
عقدت حاجبيها بقلق وتحركت بخطوات أسرع نحو الشرفة، ألقت نظرة سريعة بها، لا أحد.
استدارت فورًا نحو المرحاض وطرقت عليه بتوتر:
"أروى انتي جوه؟"
ساد الصمت.
طرقت مرة أخرى بقوة أكبر، ثم فتحت الباب بنفسها وبدأت تنظر في كل زاوية بعينين مرتجفتين، لكن الفراغ وحده كان يجيبها.
هنا فقط، تسلل الخوف الحقيقي إلى قلبها.
خرجت من الغرفة بسرعة، تكاد أنفاسها تنقطع، وهبطت الدرج بخطوات مضطربة وهي تبحث عنها في كل أنحاء الفيلا، تنادي اسمها بصوت يرتجف، تنتقل من غرفة لأخرى بعشوائية مرعبة، لكن دون أي أثر.
شعرت بقلبها ينتفض داخل صدرها بقوة مؤلمة.
أخرجت هاتفها بيد مرتعشة وأجرت اتصالًا بغريب، وما إن سمعت صوته حتى خرجت كلماتها ممزوجة بالبكاء:
"غريب الحق أروى ملهاش أثر في البيت."
جاءها صوته سريعًا، خشنًا ومشحونًا بالقلق:
"هو ايه اللي ملهاش أثر، هتخرج ازاي يعني، دوري عليها هتلاقيها هنا ولا هنا، أو روحي شفيها عند اخوها جواد راحت تغلس عليه زي ما متعوده، وانا جاي حالا."
أغلقت الخط فورًا دون إضافة كلمة أخرى، ثم صعدت مرة ثانية للأعلى بخطوات متعثرة من شدة خوفها.
دفعت باب غرفة جواد دون استئذان، فانتفض الأخير من مكانه ونظر لها باستغراب:
"فيه ايه يا ماما حد يدخل على حد كده؟"
نظرت إليه بعينين غارقتين بالدموع وقالت بصوت مرتجف:
"اختك أروى مجاتش عندك؟"
قطب حاجبيه بعدم فهم وأجاب سريعًا:
"لا مجاتش، هتلاقيها في اوضتها."
حركت رأسها بالنفي بعنف، وخرج صوتها مختنقًا بين شهقاتها:
"لا مش في اوضتها، ولا ليها اثر في الفيلا."
تبدلت ملامحه بالكامل، وانتفض واقفًا وهو يقول بصدمة:
"نعم! ده ازاي؟ هتكون راحت فين يعني؟"
كانت دموعها تنهمر بلا توقف وهي ترد بصوت مرتعش:
"مش عارفه والله يا جواد، انا خالك تامر اتصل بيا وصوته كان واضح أنه قلقان من حاجه وسألني عنها وانا قلتله أنها في اوضتها، علشان كده طلعت اطمن عليها وملاقتهاش دورت عليها مش موجودة في أي مكان."
لم ينتظر أكثر.
اندفع من أمامها كالمجنون، يهبط الدرج بسرعة عنيفة، ثم بدأ يفتش أرجاء الفيلا بالكامل، يفتح الأبواب بعصبية، ينظر في كل زاوية، في الحديقة، بالممرات، حتى أنه خرج للخارج يبحث حول الفيلا بعينين مشتعلة بالذعر.
وفي تلك اللحظة وصل غريب.
ما إن رأى حالة ترنيم المنهارة حتى شعر بقلبه يهبط داخله، استمع لكلماتها بسرعة بينما كانت تبكي بانهيار حقيقي، ثم بدأ هو الآخر يحاول التفكير بعقلانية رغم التوتر الذي بدأ يسيطر عليه.
لكن قبل أن ينطق بكلمة أخرى، صدر صوت إشعار من هاتفه.
أخرج الهاتف من جيب بنطاله بنفاد صبر، وعيناه تضيقان بترقب غامض.
اقترب منه جواد سريعًا، وكذلك ترنيم التي كانت ترتجف بالكامل.
فتح الرسالة، وفي اللحظة التالية، شهقت ترنيم شهقة ممزقة وهي تحدق في الشاشة بصدمة مرعبة، قبل أن ترتخي ساقاها وتسقط أرضًا فاقدة الوعي.
أما جواد وغريب، فتجمدت ملامحهما بالكامل، بينما انعكست الصدمة وعدم التصديق بوضوح فوق وجهيهما وهم ينظرون إلى الصورة المرسلة أمامهم.
