رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السابع والثلاثون
عند أروى...
كانت تجلس في أحد أركان المكان البارد، ملتصقة بالحائط كأنها تحاول الاختباء داخله. ضمت ساقيها إلى صدرها بقوة، بينما التف ذراعاها حول جسدها المرتجف في محاولة يائسة للتماسك.
ملابسها كانت ممزقة ومبعثرة، ووجهها الشاحب مغطى بطبقة من الأتربة امتزجت بآثار الدموع التي لم تتوقف عن الانهمار. عيناها الزائغتان كانتا تحملان رعبًا يفوق قدرتها على التعبير، حتى الكلمات نفسها بدت وكأنها هجرتها تمامًا.
كانت عاجزة عن النطق، عاجزة حتى عن استيعاب ما حدث لها.
على بعد خطوات منها، وقف أحد الرجال ممسكًا بالكاميرا، يوجه عدستها نحوها بينما يتحدث عبر الهاتف بصوت خشن:
"كله تمام يا ريسه، والصور وصلت لأهلها زي ما قلتي، نعمل فيها ايه دلوقتي نقتلها ونبعتها جثه ليهم؟ ولا نعمل فيها ايه تاني؟"
جاءه صوت مريم سريعًا، مشبعًا بذلك الشر البارد الذي لا يعرف الرحمة:
"لا ارموها قدام الفيلا بتاعتهم بمنظرها ده، هما دلوقتي حرقت قلبهم عليها وهي كده اكتر من قتلها."
تبادل الرجل نظرة سريعة مع من حوله قبل أن يقول بتردد:
"بس يا ريسه، البت شافتنا وعارفه شكلنا ايه، احنا كده بنسلم نفسنا للحكومة بأيدينا."
أجابته بنبرة حاسمة أنهت أي مجال للنقاش:
"هددتها وهي هتخاف والصور ابعتوها ليا عايزاها."
انتهت المكالمة.
خفض الرجل الهاتف وأرسل الصور كما طلبت، ثم تحرك نحو أروى بخطوات بطيئة جعلت الرعب يتضاعف داخلها.
توقفت أنفاسها تقريبًا عندما انحنى أمامها وأمسك خصلات شعرها المبعثرة بعنف، مجبرًا إياها على رفع وجهها نحوه.
نظر إليها بعينين قاسيتين وتكلم بصوت غليظ بث الرعب في أوصالها:
"انتي عارفه لو لسانك نطق بأي حرف علينا، المرة الجايه هيكون فيها قتلك فاهمه؟"
اهتز جسدها بقوة. لم تستطع الكلام.
اكتفت بتحريك رأسها بالموافقة عدة مرات متتالية، بينما كانت الدموع تنساب فوق وجنتيها بلا توقف.
رمقها الرجل بنظرة أخيرة قبل أن يدفعها بقسوة.
سقط جسدها على الأرض بقوة، وارتطمت بكفيها تحاول منع نفسها من الانهيار الكامل، لكن الارتجاف الذي سيطر عليها كان أقوى من أي محاولة للتماسك.
استدار الرجل وغادر المكان، ولحق به الباقون، تاركين خلفهم بابًا يغلق وصوت خطوات يبتعد تدريجيًا.
أما هي.. فبقيت على الأرض كما هي.
أنفاسها متلاحقة، ودموعها لا تتوقف، وجسدها يرتعش بعنف تحت وطأة الخوف والصدمة، بينما شعرت للمرة الأولى أنها وحيدة تمامًا، في مواجهة كابوس لا تعرف كيف تنجو منه.
***************************
عند ترنيم...
تحركت جفونها ببطء شديد قبل أن تفتح عينيها بصعوبة، وكأنها تخرج من كابوس لم ينتهي بعد. للحظات ظلت تحدق في السقف دون استيعاب، ثم عادت إليها الذكرى دفعة واحدة، كطعنة غادرة مزقت قلبها من جديد.
الصورة التي رأتها لم تغادر عقلها ولو لثانية واحدة.
وجه أروى الشاحب، دموعها المنهمرة.
هيئتها الممزقة وهي ملقاة على الأرض في حالة يرثى لها.
كل تفصيلة كانت تنغرس داخل صدرها كسكين حاد.
انتفض جسدها فجأة، واتسعت عيناها برعب حقيقي، قبل أن تعتدل في جلستها وهي تصرخ بصوت ممزق من شدة الألم:
"بنتي أروى، أنا عايزه بنتي، هاتولي أروى."
أسرعت سمية إليها واحتضنتها بقوة، بينما كانت دموعها هي الأخرى تنحدر فوق وجنتيها دون قدرة على إخفائها، وقالت بصوت مختنق:
"اهدي يا ترنيم، غريب وجواد راحوا يدواروا عليها وإن شاءالله مش هيرجعوا غير بيها."
لكن كلماتها لم تكن تصل إليها.
كانت ترى أروى فقط، تراها خائفة، مكسورة، تستغيث ولا تجد من ينقذها.
شعرت وكأن قلبها ينتزع من بين ضلوعها وهي تتذكر ابنتها بتلك الحالة، فانفجرت باكية وهي تقول بصوت متحشرج:
"مريم انتقمت مننا في بنتي يا سميه، أذت بنتي وحرقت قلبي عليها، زي ما عملت زمان وحرقت قلبي على سلطان."
رفعت سمية رأسها إليها بصدمة حقيقية، وحدقت فيها بعدم فهم قبل أن تسألها بصوت مرتجف:
"مريم! مريم مين يا ترنيم؟"
ابتعدت ترنيم قليلًا عن حضنها، بينما كانت شهقاتها تخنق كلماتها، وقالت بصعوبة:
"مريم يا سميه اللي قتلت اخوكي، اللي قلبت حياتنا لجحيم زمان، وراجعه تاني دلوقتي علشان تعمل زي ما عملت في الماضي."
شحب وجه سمية فجأة، واتسعت عيناها بعدم تصديق وهي تقول:
"مش غريب قتلها وماتت؟ ازاي رجعت تاني؟"
هزت ترنيم رأسها بعنف، وكأنها ترفض الواقع نفسه، ثم أجهشت بالبكاء وهي تلطم وجهها من شدة القهر:
"معرفش يا سميه معرفش، أنا عايزة بنتي ترجع تاني لحضني، قلبي والله العظيم مش حمل وجع ولا حرقة قلب، أنا تعبت."
عادت سمية تحتضنها مرة أخرى، وضمتها إليها بقوة وكأنها تحاول أن تمنعها من الانهيار تمامًا، ثم همست بصوت متألم:
"اهدي يا ترنيم علشان خاطري، غريب مش هيسكت غير لما يرجع بنته تاني لحضنكم."
تشبثت بها ترنيم وكأنها تتعلق بآخر خيط يمنعها من السقوط، بينما كانت دموعها تغرق وجهها بلا توقف، وقالت من بين شهقاتها المتلاحقة:
"اااه يا حرقة قلبي عليكي يا بنتي، يارب ألطف بينا يارب."
ثم انهارت باكية بين ذراعيها، بينما كان الخوف ينهش قلبها بلا رحمة، وكل دقيقة تمر دون عودة أروى كانت تشعرها وكأن عمرًا كاملًا ينتزع من روحها.
**************************
وصل شاهين إلى الفيلا بعدما قطع الطريق بسرعة جنونية، وكانت نيران الغضب تشتعل داخله بلا رحمة. ما إن أوقف سيارته حتى ترجل منها بخطوات حادة وعنيفة، ثم اندفع إلى الداخل كإعصار هائج لا يرى أمامه شيئًا سوى هدف واحد.
دفع الباب بقوة اهتزت لها أرجاء المكان، واتجه مباشرة نحو مريم الجالسة على مقعدها المتحرك. توقفت خطواته أمامها، ثم أسند يده بقوة على ذراع المقعد حتى برزت عروق كفه من شدة التوتر، وحدق بها بعينين مشتعـلتين بالغضب قبل أن يتكلم بصوت غليظ:
"أروى فين انطقي؟"
رفعت مريم عينيها إليه بهدوء مستفز، وكأن ثورته لم تعنِ لها شيئًا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة واثقة وهي تقول:
"زمان الرجالة رموها قدام بيت اهلها."
اشتد فك شاهين حتى كاد يحطمه من شدة الضغط عليه، بينما ازدادت نظراته قسوة وهو يسألها بحدة:
"عملتي في البت ايه يا مريم؟"
أجابته بنفس الهدوء البارد الذي كان يزيد اشتعال غضبه:
"اخد منها حاجه صغننه خالص، اصل البنت صغنونه خالص ومفيهاش حاجه تانيه تنفع غير شرفها."
في لحظة واحدة تجمدت ملامحه بالكامل، واتسعت عيناه بصدمة قاسية لم يستطع إخفاءها، ثم خرج صوته متقطعًا من فرط عدم التصديق:
"انتي.. انتي نفذتي خلاص؟"
أومأت برأسها ببطء، وكأنها تتباهى بما فعلته، ثم قالت بنبرة هامسة:
"امم.. نفذت، من امتى مريم مش بتنفذ كلامها يا شاهين، نسيت طبع امك ولا ايه؟ ولا تكونش البنت نسيتك انت مين وابن مين؟"
اشتعلت عيناه أكثر، وابتعد عنها خطوة وكأنه لم يعد يحتمل البقاء أمامها ثانية واحدة، ثم صاح بصوت مرتفع يهتز من شدة الغضب:
"انتي ايه شيطانه؟ البنت ذنبها ايه تعملي فيها كده؟"
ولأول مرة فقدت مريم هدوءها، فارتفع صوتها بانفعال واضح وهي تقول:
"اااه أنا شيطانه، وانت ابن الشيطانه دي، وكنت زي في يوم من الايام، ودي الحقيقه اللي عمرك ما هتقدر تنكرها يا شاهين مهما عملت."
مرر شاهين يده داخل شعره بعنف محاولًا السيطرة على ثورته، لكن الغضب كان ينهش أعصابه بلا رحمة. ألقى عليها نظرة أخيرة ممتلئة بالاشمئزاز، ثم استدار وغادر المكان سريعًا دون أن ينطق بحرف آخر.
خرج من الفيلا بخطوات متسارعة، وصعد إلى سيارته، ثم انطلق بها نحو فيلا غريب بأقصى سرعة ممكنة.
وعندما وصل إلى هناك، لمح سيارة سوداء تقف أمام الفيلا لثوانٍ معدودة قبل أن تلقى منها أروى على الأرض كأنها شيء بلا قيمة، ثم انطلقت مبتعدة بسرعة.
توقف قلبه للحظة.
ترجل من السيارة مسرعًا واتجه نحوها بخطوات واسعة، ثم انحنى بجوارها وربت على وجهها محاولًا إفاقتها، لكنها كانت فاقدة الوعي تمامًا.
نظر إلى حالتها، فاشتدت ملامحه قسوة وألمًا في آن واحد.
نزع سترته سريعًا ووضعها فوقها ليستر جسدها، ثم مال بجسده وحملها بين ذراعيه بحذر، واتجه بها نحو سيارته حتى ينقلها إلى المستشفى في أسرع وقت.
لكن قبل أن يصل إليها.. شعر بقبضة قوية تمسكه من الخلف.
وفي اللحظة التالية تلقى لكمة عنيفة ارتطمت برأسه بقوة، جعلته يترنح ويسقط على سيارته، وكادت أروى أن تنزلق من بين ذراعيه وتسقط أرضًا.
اعتدل شاهين بسرعة واستدار بغضب، ليجد جواد أمامه.
أغمض عينيه للحظة محاولًا كبح ثورته، ثم صرخ بانفعال:
"مش وقته يا غبي، اختك لازم تروح المستشفى."
لكن جواد لم يكن يسمع شيئًا.
اقترب منه وانتزع أروى من بين ذراعيه بعنف، ثم قال من بين أسنانه المطبقة:
"وعزة جلال الله ما هعدي اللي انتوا عملتوا فيها ده بالساهل، هدفعكم التمن غالي اوي انت وامك."
ثم استدار بها سريعًا واتجه إلى داخل الفيلا دون أن يمنحه فرصة أخرى للكلام.
وقف شاهين مكانه لثوانٍ معدودة، ثم أغلق عينيه بنفاد صبر وهو يشعر أن الجميع يحمله ذنبًا لم يرتكبه، قبل أن يتمتم بصوت غاضب:
"غبي وحمار."
وفي نوبة غضب جديدة، ركل إطار سيارته بقوة، ثم رفع عينيه نحو الفيلا وألقى عليها نظرة أخيرة طويلة، قبل أن يصعد إلى سيارته من جديد ويغادر المكان متجهًا إلى منزله.
****************************
عند ترنيم...
ما إن وقعت عينا ترنيم على ابنتها بين ذراعي جواد حتى شعرت وكأن قلبها توقف عن النبض لثوانٍ طويلة. اندفعت نحوهما بسرعة، ودموعها تنهمر بلا توقف، بينما ارتجفت يداها وهي تمسك بكف أروى البارد وتربت عليه في محاولة يائسة لاستشعار أي استجابة منها.
تحرك جواد سريعًا نحو إحدى الغرف ووضع شقيقته فوق السرير بحذر، بينما جلست ترنيم بجوارها على الفور. كانت أنفاسها متقطعة، وجسدها يرتجف بعنف وهي تتحسس نبض ابنتها بأصابع مرتعشة. ظلت لثوانٍ تراقب موضع النبض بترقب مرعب، حتى شحب وجهها أكثر عندما شعرت بضعفه الشديد.
عندها خرج صوتها ممزقًا من شدة الفزع وهي تصرخ:
"نبضها ضعيف جدا، يا ولاد الكلب!"
ثم رفعت رأسها نحو جواد وسألته بلهفة:
"ابوك فين؟"
رد عليها بصوت مختنق:
"بيعمل بلاغ في القسم وجاي."
شعرت وكأن الأرض تميد بها، فنظرت إلى ابنتها مرة أخرى وقالت بصوت مرتعش يكاد يختنق بالبكاء:
"لازم اخدها المستشفى حالا، اختك بضيع مننا يا جواد."
لم ينتظر جواد ثانية إضافية.
انحنى بسرعة وحمل أروى بين ذراعيه، ثم اندفع بها إلى الخارج كالمجنون. ركضت ترنيم خلفه، وتبعتها سمية وجواهر، بينما كان الخوف يطاردهم جميعًا في كل خطوة.
وضعها جواد داخل السيارة بعناية، ثم صعد الجميع على عجل، وأدار المحرك وانطلق بأقصى سرعة نحو المستشفى.
داخل السيارة، كانت ترنيم تحتضن يد ابنتها بين كفيها وكأنها تخشى أن تفلت منها. أخذت تقبلها مرارًا وهي تبكي بحرقة لم تعرفها من قبل، ثم قالت بصوت مكسور:
"حقك عليا يا بنتي، حقك على قلبي يا بنت قلبي، انتي اللي دفعتي تمن الماضي، انتي ضحية نفوس مريضه، اااه يارب، أنا راضيه بحكمك وامرك، راضيه بأبتبلاءك اللي كل مره بيكون اصعب من اللي قلبه، ألطف بيا يا الله، ومتحرقش قلبي على بنتي هي كمان، هي صغيره وبريئه، ملهاش ذنب في كل اللي حصلها ده، ياريت كنت أنا اللي مكانك يا بنت عمري، ياريت كنت موت، قبل ما اشوف اليوم ده."
كان صوتها يخرج محملًا بوجع أم ترى فلذة كبدها بين الحياة والموت، عاجزة عن فعل أي شيء سوى الدعاء والبكاء.
لم تستطع سمية تحمل رؤيتها بهذه الحالة، فاقتربت منها أكثر وقالت والدموع تلمع في عينيها:
"بعد الشر عليكي يا ترنيم، متقوليش كده يا حبيبتي واقوي علشان خاطر بنتك، هي محتاجه وجودك جنبها دلوقتي اكتر من أي وقت تاني."
لكن ترنيم كانت غارقة في ألمها، لا ترى سوى صورة ابنتها وهي تواجه ذلك المصير وحدها، فقالت بين شهقاتها:
"مش قادرة يا سميه منظر بنتي وهي كده كسر قلبي، تلاقيها كانت خايفه وهي معاهم، صرخت ونادت علينا ننقذها ومحدش مننا لبى نداءها ده، اتوجعت جامد يا قلب امها."
في المقعد الأمامي، كان الغضب يلتهم جواد التهامًا.
قبض على عجلة القيادة بقوة حتى برزت عروق يديه، ثم لكمها بعنف، وخرجت منه صرخة غاضبة هزت أرجاء السيارة:
"هقتلهم كلهم، مش هرحمهم اقسم بالله."
ارتجفت جواهر من حدة صوته، فمدت يدها وأمسكت بذراعه في محاولة لتهدئته، ثم قالت بصوت مختنق:
"اهدا يا جواد علشان خاطري، وان شاءالله يطلع خير ومحصلش حاجه وحشه ليها."
التفت إليها للحظة، وكانت عيناه ممتلئتين بألم لم تستطع الكلمات وصفه.
ثم وقعت عيناه على ملابس شقيقته الممزقة.
تجمدت ملامحه.
واشتعلت نيران الانتقام داخله أكثر.
ضغط على عجلة القيادة بقوة حتى كادت أصابعه تنغرس فيها، ثم أعاد نظره إلى الطريق أمامه وقال من بين أسنانه:
"وغلاوة اختي عندي لحرق قلبهم على اعز ما ليهم واشربهم من نفس الكاس."
انقبض قلب جواهر بقوة وهي تستمع إلى ذلك الوعيد المظلم.
كانت تعرف جيدًا تلك النبرة.
تعرف أن الألم حين يمتزج بالغضب قد يدفع الإنسان إلى أماكن لا عودة منها.
ولأول مرة، لم تخف فقط على أروى، بل خافت على جواد أيضًا.
***************************
عادت رنيم إلى المنزل وقد سيطر عليها قدر كبير من الاستغراب. طوال اليوم كانت تنتظر أن يأتي شاهين إلى الشركة ليأخذها كما اعتاد منذ دخوله حياتها، لكنه لم يظهر، ولم يتصل حتى ليخبرها بسبب غيابه.
أخرجت النسخة الأخرى من المفتاح التي أعطاها لها صباحًا، وفتحت الباب ثم دلفت إلى الداخل وأغلقته خلفها بهدوء. مدت يدها إلى مفتاح الإضاءة، وما إن غمرت الأنوار المكان حتى تجمدت خطواتها في موضعها.
كان شاهين جالسًا على الأريكة، منكفئًا على نفسه بصورة لم تعهدها منه من قبل، رأسه بين كفيه، وملامحه غارقة في حزن ثقيل بدا وكأنه يسحقه من الداخل.
تقدمت نحوه ببطء وحذر، وعيناها تتفحصان هيئته المضطربة، ثم قالت بتوتر:
"ا انت بتعمل ايه هنا؟"
رفع رأسه إليها للحظة، ثم أمسك يدها وأجلسها بجواره دون أن يمنحها فرصة للاعتراض. وفي حركة مفاجئة، أسند رأسه إلى صدرها وأحاطها بذراعيه بقوة، وكأنه يبحث عن ملاذ أخير يختبئ فيه من العالم كله.
خرج صوته ضعيفًا على غير عادته وهو يقول:
"أنا اسف، مقدرتش أنقذها من شرها، دفعت تمن هي ملهاش ذنب فيه، أنا مش مسامح نفسي، ولا قادر أذيها اعمل ايه يا رنيم؟"
انعقد حاجباها بحيرة كاملة.
لم تستوعب كلماته، ولم تعرف عمن يتحدث. كانت تشعر وكأنها تتوه بين حروفه المتكسرة. ورغم ارتباكها من قربه الشديد، إلا أن حالته كانت كافية لتجعل قلبها ينقبض عليه دون إرادة.
رفعت يدها ببطء وربتت على ظهره محاولة تهدئته، ثم قالت بعدم فهم:
"أنا مش فاهمه حاجه يا شاهين، مين دي اللي مقدرتش تنقذها؟ ومن شر مين؟ ومين دي اللي مش هتقدر تأذيها؟"
تشبث بها أكثر، وكأنه طفل صغير احتمى بأمه بعد أن خذله العالم كله، ثم قال بصوت مثقل بالألم:
"أروى بنت غريب، امي خطفتها، وخلت رجالتها يخدوا منها..."
توقف لثوانٍ، وكأن الكلمات ترفض الخروج من حلقه، قبل أن يكمل بصعوبة:
"اعتدوا عليها، والبنت بين الحياة والموت، مقدرتش أنقذها وألحقها قبل ما يعملوا فيها كده، ومش هقدر اذي امي، دي مهما كان امي يا رنيم، الكل فاكر اني شريكها في اللي بتعملوا ده، بس يشهد عليا ربنا اني من يوم ما عرفتك وانا اتغيرت علشانك، بقيت شخص تاني خالص، حامي ليكي ولكل حد يخصك بدل ما كنت هكون جلاد ليكم، اعمل ايه يا رنيم لا قادر اذي امي ولا قادر اوقف شرها؟"
شعرت رنيم وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
انتفض جسدها بالكامل عندما استوعبت معنى كلماته.
أروى؟
تلك الفتاة الصغيرة المفعمة بالحياة؟
تلك التي كانت دائمًا لطيفة معها رغم كل شيء؟
ربما كانت تكره ترنيم وغريب وجواد بسبب الماضي، لكنها لم تستطع يومًا أن تحمل أي مشاعر سيئة تجاه أروى. كانت ترى فيها روحًا نقية وقلبًا بريئًا لا علاقة له بكل تلك الحروب القديمة.
أبعدته عنها فجأة ونظرت إليه بعينين ممتلئتين بالصدمة والألم، ثم قالت بصوت حزين:
"ليه تعمل فيها كده؟ حرام عليها البنت طيبه ورقيقه وملهاش ذنب، امك دي ايه شيطانه، عايشه علشان تأذي الناس وبس، وكلهم يخصوني يا شاهين، أنا بكرهها وبكرهك وبكره اليوم اللي قابلتكم تاني فيه."
أسرع يهز رأسه رافضًا كلماتها وقال:
"انا مليش دعوه باللي حصل ده يا رنيم، وحياتك عندي، انا لما عرفت حاولة اوصلها وانقذها قبل ما يؤذوها، بس امي محدش يتوقعها حتى انا ابنها، معرفش اللي في دماغها ايه."
نهضت من مكانها بعصبية، واحتدت ملامحها وهي تقول:
"للاسف يا شاهين انتوا الاتنين نفس الدماغ ونفس التفكير، يعني انت قبل كده حاولة تعتدي عليا، وهي خلت رجالتها تعتدي على أروى نفس الشر اللي بيجري في دمكم، يعني انت نسخه منها مهما حاولة تنكر ده."
ما إن أنهت كلماتها حتى وقف أمامها دفعة واحدة، وأمسك ذراعها بقوة، وقد اشتعل الغضب داخل عينيه بصورة مخيفة. قال بصوت غليظ:
"أنا مش زيها يا رنيم ولا عمري هكون زيها، اه زمان كنت كده، بس معاكي بقيت شخص تاني خالص، أنا وقتها كنت بهددتك مش اكتر لأن مستحيل أقدر اذيكي يا رنيم، إنما هي نفذت على طول، أنا بحاول احميكي حتى من نفسي، إنما هي مش وراها حاجه غير اذيتكم انتوا وبس، هي بتحاول دلوقتي تخليني اتغير تاني علشان اكون شبهها، إنما حبك في قلبي اقوى من أي شيء، ومهما حاولة أنا هفضل قوي بيكي علشانك يا رنيم."
ثم اقترب أكثر واحتضنها بقوة، وكأنه يتمسك بآخر خيط يربطه بإنسانيته، وقال بصوت خرج من أعماق روحه:
"إياكي تبعدي عني يا رنيم، علشان وقتها بجد هكون أقذر منها، وممكن اهد العالم كله، وأكون طوفان اخد في سكتي أي حد أقابله في حياتي بعدك."
ابتلعت ريقها بصعوبة.
حاولت الابتعاد، لكنها شعرت بمدى التوتر والاحتراق الذي ينهش داخله. كان عناقه قاسيًا في البداية، حتى تألمت بين ذراعيه، لكنها أدركت أنه لا يعانقها حبًا فقط، بل يتمسك بها وكأنه يغرق.
وبدافع لا تفهمه، رفعت ذراعيها وأحاطته بهما برفق.
وكأن تلك اللمسة وحدها كانت كافية.
بدأ جسده يهدأ تدريجيًا، وخفت قسوة ذراعيه، وتحولت لمساته إلى شيء أكثر لينًا واحتياجًا.
أغمض عينيه للحظة، ثم مال برأسه يقبل عنقها بعشق صادق وهمس بجوار أذنها:
"بحبك اوي يا رنيم، انتي البلسم لكل جروحي، انتي قادره انك تحوليني من بركان مشتعل، لبحر هادي مفهوش حتى موج، خليكي جنبي دايما."
ارتجف جسدها بخفة تحت تأثير قربه وأنفاسه الساخنة.
أغلقت عينيها للحظة قبل أن تبتعد عنه قليلًا وهي تقول بتلعثم واضح:
"ش شاهين، ا ابعد بقى م مينفعش ك كده."
رفع عينيه إليها بنظرة ممتلئة بالعشق، ثم مال برأسه ووضع قبلة خفيفة على خدها قبل أن يبتعد أخيرًا ويجلس على الأريكة.
ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم قال بهدوء:
"ناويه تعملي ايه؟ هتروحي تطمني على أروى؟ ولا هتكتفي انك تطمني عليها من جواهر في التليفون وخلاص؟"
جلست بجواره وأخذت تفرك كفيها بتوتر.
كانت ممزقة بين مشاعر كثيرة لا تعرف كيف ترتبها.. ثم قالت بصوت خافت:
"مش عارفه، البنت دي انا بحبها، وزعلانه اوي علشان اللي حصلها ده، بس في نفس الوقت مش عايزة اروح علشان مشوفش أمها ولا ابوها ولا اخوها."
أمسك يدها برفق هذه المرة، وقال بنبرة هادئة خالية من أي ضغط:
"من رأي تروحي ليها احسن، حالتها صعبه، ووجودك جنبها هيفرق كتير."
تراجعت بجسدها إلى الخلف وأسندت ظهرها إلى الأريكة.
ظلت تنظر أمامها بصمت طويل، بينما كانت الحيرة تعصف بها من كل اتجاه.
جزء منها كان يريد الذهاب فورًا واحتضان أروى والتأكد أنها بخير.
وجزء آخر كان يخشى مواجهة الماضي كله دفعة واحدة.
أما شاهين، فظل يراقب ملامحها بصمت، منتظرًا القرار الذي سيخرج من قلبها قبل عقلها.
*************************
وصل غريب إلى المشفى بعد أن أخبره جواد بمكانهم، وما إن عبر أبواب الطوارئ بخطوات سريعة حتى وقعت عينا ترنيم عليه.
في اللحظة التي رأته فيها، اندفعت نحوه وكأنها كانت تتشبث بآخر خيط من الأمان، وارتمت داخل أحضانه بقوة. تشبثت بقميصه بأصابع مرتجفة، بينما كانت شهقاتها تمزق صدرها، وقالت من بين دموعها المنهمرة:
"شفت اللي عملوا في بنتنا يا غريب، لتاني مره مريم تحرق قلبي."
أحاطها بذراعيه بقوة أكبر، وأغمض عينيه للحظة طويلة. كان يشعر أن كلماتها تتحول إلى سكاكين تغرز في صدره بلا رحمة. خرج صوته بصعوبة بالغة وهو يسأل:
"هما...؟"
رفعت رأسها نحوه، وعيناها ممتلئتان بوجع لا يحتمل، ثم أومأت برأسها قبل أن تصرخ بانهيار:
"أيوه يا غريب ولاد الكلب اعتدوا عليها."
في تلك اللحظة بالتحديد، كان تامر وأحمد قد وصلا إلى المشفى بعدما علما بما حدث لأروى.
توقفت خطوات أحمد فجأة وكأن الأرض تجمدت تحت قدميه.
أما تامر، فبدا وكأنه لم يستوعب ما سمعه.
نظر إلى ترنيم بصدمة، ثم إلى غريب، ثم عاد بعينيه إليها مرة أخرى، وكأنه ينتظر أن يخبره أحد أن ما سمعه مجرد كابوس.
لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تنكر.
انحدرت الدموع على خديه بغزارة، واستند بظهره إلى الحائط قبل أن ينزلق ببطء إلى الأرض جالسًا. وضع رأسه بين كفيه وكأنه يحاول الهروب من تلك الكلمات التي ما زالت تتردد داخل عقله، ثم قال بصوت متحشرج يملؤه الإنكار:
"مستحيل ده حصل مستحيل، أروى كويسه، هي بس بتحب تهزر معايا كتير وتعمل ف فيا مقالب، حد يدخل يقولها خالك هيكسر عضمك على المقلب ابو دم تقيل ده، بس خلاص لا انا مسامحها، بس ترسم ضحكتها على وشها من تاني زي ما متعود منها، دي بنتي أنا تربيتي انا، هي بتحبني، وهتيجي دلوقتي تدلع عليا وتهزر معايا، يا أروى يلا بقى بلاش توجعي قلبي عليكي."
كان صوته ينكسر مع كل كلمة، وكأن قلبه ينهار قطعة تلو الأخرى.
أما أحمد، فرغم احتشاد الدموع داخل عينيه، إلا أنه أصر على دفنها في أعماقه. جلس بجوار تامر على الأرض وربت على كتفه في محاولة يائسة لاحتوائه، ثم قال بصوت خافت:
"اهدا يا تامر، قدر الله وماشاء فعل."
التفت إليه تامر بعينين غارقتين بالدموع، وقال برجاء موجع:
"اوعى تتخلى عنها يا احمد اللي حصلها ده غصب عنها، أروى بتحبك."
لم يجد أحمد أي كلمات يجيب بها.
كل ما استطاع فعله هو أن يضغط على كتفه بصمت، بينما ظل نظره معلقًا أمامه، وكأن روحه غادرت جسده منذ لحظة سماعه الخبر.
مرت دقائق ثقيلة كأنها سنوات، قبل أن ينفتح باب غرفة الطوارئ أخيرًا.
خرج الطبيب بخطوات هادئة، لكن ملامحه الحزينة كانت كافية لتزرع الرعب في قلوب الجميع قبل أن ينطق بحرف واحد.
تجمعوا حوله بسرعة، بينما قال هو بصوت متحفظ:
"للاسف دخلت في غيبوبه ورافضه تستجيب لينا، والله اعلم هترجع لوعيها تاني امتى."
ساد الصمت لثانية واحدة فقط.
ثم انفجر كل شيء.
ركل جواد الحائط بقدمه بعنف شديد حتى دوى صوت الضربة في الممر.
أسرعت جواهر تمسك ذراعه بكلتا يديها، والدموع تنهمر على خديها بلا توقف، تخشى أن يدفعه غضبه إلى ما لا عودة منه.
أما ترنيم، فصرخت صرخة موجوعة مزقت قلوب الجميع، ثم أخذت تضرب صدر غريب بكفيها وهي تبكي بانهيار كامل:
"بنتي يا غريب، ألحق بنتنا ابوس رجلك، حرام والله العظيم اللي بيحصلها ده."
شعر غريب وكأن الهواء انسحب من رئتيه.
لأول مرة منذ سنوات طويلة، تجمعت الدموع داخل عينيه بهذه الصورة.
غريب الذي اعتاد أن يكون الجبل الذي يستند إليه الجميع، وجد نفسه عاجزًا أمام ألم ابنته.
لكنه ابتلع وجعه بصعوبة، وأغلق عينيه حتى لا تسقط دموعه أمامهم. ضم ترنيم إلى صدره وربت على ظهرها بحنان، بينما كانت نيران الانتقام تشتعل داخله أكثر مع كل ثانية تمر.
في تلك الأثناء، انهار تامر تمامًا.
راح يضرب رأسه بكفيه بعجز وقهر، وكأنه يعاقب نفسه لأنه لم يكن هناك حين احتاجته أروى.
اقترب أحمد أكثر وربت على ساقه محاولًا التماسك من أجله، وقال بصعوبة واضحة:
"اهدا يا تامر، أروى قويه وهترجع احسن من الاول."
رفع تامر رأسه إليه، وكانت ملامحه محطمة بالكامل، ثم قال بين شهقاته:
"بنتي وحته مني في غيبوبه يا أحمد، طيب هعيش زي من غير مشاغبتها وهزارها معايا، هموت ولو حصلها حاجه والله، يارب."
أغمض أحمد عينيه للحظة محاولًا السيطرة على اختناقه، ثم قال بصوت مبحوح:
"اجمد يا تامر اختك منهارة على بنتها ومحتاجك جنبها بلاش تظهر ضعفك ليها انت سندها دلوقتي."
هز تامر رأسه بعجز كامل وقال:
"مش قادر والله العظيم ما قادر."
وبين دموع ترنيم، وغضب جواد، وانكسار تامر، وصمت أحمد، ووجع غريب الذي كان يلتهمه من الداخل، ظل الممر غارقًا في حالة من الفوضى والحزن، وكأن الألم قرر أن يجتمع كله في مكان واحد ويصب ثقله فوق رؤوسهم دفعة واحدة.
****************************
في صباح اليوم التالي...
تسلل رنين الهاتف إلى أذن رنيم وهي ما تزال غارقة في بقايا النوم. تحركت بتثاقل فوق فراشها، ومدت يدها تتحسس الهاتف فوق المنضدة المجاورة قبل أن تلتقطه وتجيب بصوت يغلب عليه النعاس:
"أيوه يا جواهر!"
وصلها صوت جواهر مختنقًا على نحو أقلقها على الفور، وهي تقول:
"انتي متعرفيش ايه حصل لأروى؟"
اعتدلت رنيم في جلستها بسرعة، وزال جزء كبير من أثر النوم عن ملامحها، ثم قالت:
"ايوه عرفت، شاهين قالي امبارح."
جاءها رد جواهر مشحونًا بالغضب والانفعال:
"انتي ازاي لسه بتتعاملي مع البني ادم ده بعد ما عرفنا حقيقته؟ ده هو وأمه السبب في اللي حصل لأروى."
أسرعت رنيم تدافع عنه دون تردد، وكأنها تدافع عن حقيقة تؤمن بها بكل ما تملك:
"لا يا جواهر شاهين مظلوم، ملوش دعوة باللي أمه عملته ده، شاهين حاول يوصل ليها وينقذها بعد ما عرف بس ملحقش، هو مش وحش زي ما انتوا مفكرين، هو غير أمه خالص، صدقيني يا جواهر."
لكن جواهر لم تكن مستعدة للاستماع أو الاقتناع، فهتفت بغضب أشد:
"بلاش هبل وعبط، فؤقي يا رنيم مراية الحب عاميه، وانتي علشان بتحبيه، مش شايفه حقيقته، شاهين مجرم زي أمه بالظبط."
اشتعلت أعصاب رنيم على الفور، وارتفع صوتها دون أن تشعر، حتى وصل صداه إلى خارج الغرفة:
"لا يا جواهر شاهين غير أمه، شاهين طيب وحنين، كل ذنبه أن مريم أمه بس، إنما هو اتغير علشاني، حبه ليا غيره، والله العظيم شاهين ملوش دعوة باللي حصل لأروى، ده هو حتى اللي طلب مني ابقى جنبها في الوقت ده، ده حالته امبارح كانت صعبه ومحمل نفسه الذنب علشان ملحقهاش."
ورغم كل ما قالته، لم يبدُ على جواهر أي اقتناع، بل قالت بإصرار واضح:
"وانا مش مصدقه ولا كلمه من كلامك، ومهما حاولتي هفضل شايفه أن شاهين زي أمه بالظبط، وجواد ناوي يدفعهم التمن، عموما أنا قلت اقولك أن أروى دخلت في غيبوبه والله اعلم هترجع منها امتى، ياريت تركني خلافاتك على جنب وتيجي ليها المستشفى، أروى كانت بتحبك بجد وعمرها ما كرهتك لا هي ولا امها."
وما إن أنهت كلماتها حتى أغلقت الخط.
ظلت رنيم ممسكة بالهاتف لعدة لحظات، تنظر إلى الشاشة المظلمة بشرود. كان خبر دخول أروى في غيبوبة يضغط فوق قلبها بقسوة، ويزيد من شعورها بالعجز والاختناق.
في تلك الأثناء، انفتح باب الغرفة بهدوء.
رفعت رأسها لتجده واقفًا عند المدخل.
كان شاهين قد استيقظ على صوت شجارها الهاتفي، وبدا واضحًا من نظراته أنه سمع الحديث بأكمله.
رمقته بضيق وقالت بنفاد صبر:
"يعني مينفعش كده، مش كفايه لازق ليا في الشقه؟ وكمان تدخل عليا اوضي كده من غير استئذان."
اقترب منها بخطوات هادئة، ثم جلس على حافة السرير إلى جوارها، وقال بصوت أثقلته المشاعر:
"أنا صحيت من نومي على صوتك مع جواهر في التليفون، وسمعت كل كلمه قلتيها، وعلى قد ما أنا فرحت بكلامك وثقتك فيا، على قد ما أنا زعلت على صورتي اللي هما اخدنها عني بسبب أن امي مريم."
للحظة، شعرت بوخزة حزن وهي ترى ذلك الوجع الصادق في عينيه.
تنهدت بهدوء، ثم أمسكت يده وقالت:
"للاسف امك وصمة عار ليك يا شاهين، وعلشان تثبت حسن نيتك، وانك مش زيها، لازم تسلم امك للشرطه، لازم تاخد جزائها ونحمي الناس من شرها."
ارتخت ملامحه أكثر، وكأن كلماتها أصابت جرحًا لم يلتئم بعد، ثم قال بصوت مختنق:
"دي مهما كان امي يا رنيم، انتي فاهمه بتطلبي مني ايه؟ انتي عايزاني ارمي امي في السجن بأيدي؟ طيب ازاي؟ دي مهما عملت لازم احميها، اه بتعصبني بتخليني أفقد اعصابي بس مش لدرجة اسجنها."
سحبت يدها من بين يديه بغضب، ونظرت إليه بحدة وهي تقول:
"وعلشان امك تسيبها تأذي في الناس عادي، تقتل وتغتصب وتخطف عادي ما هي امك وتحت حمايتك، وترجع تزعل لما اقولك انت زيها مفرقتش عنها حاجه، لو بتحبني بجد، يبقى سلم امك وخليها تاخد جزائها وانا ساعتها هوافق عليك، اعتبر ده مهري."
تجمد مكانه للحظة.
بدا وكأن الكلمات سقطت فوقه كالصاعقة.
اتسعت عيناه بصدمة، ثم نهض واقفًا وهو يقول بعدم تصديق:
"انتي بتقولي ايه يا رنيم؟ ازاي تحطي حبنا وموافقتك على جوازي قصاد أن أسلم امي واسجنها؟ انتي كده بتعقدي الامور، بترميني بأيدك في وسط النار، بلاش تربطي ده بده يا رنيم."
نهضت هي الأخرى من فوق السرير، وعقدت ذراعيها أمام صدرها محاولة التمسك بموقفها رغم اضطرابها الداخلي، ثم قالت بصوت متحشرج:
"وده اخر كلام عندي يا شاهين، يا انا يا امك، لو بتحبني يبقى لازم تضحي بأمك، وفي ايدك القرار، ممكن تطلع بره؟ عايزه اغير هدومي."
ظل يحدق بها لثوانٍ طويلة.
نظرة ممتلئة بالألم والعجز والخذلان.
ثم هز رأسه ببطء وقال بصوت موجوع:
"أنا بحبك يا رنيم ومش هتنازل عنك مهما حاولتي، بس دي امي ومستحيل أعمل اللي انتي بتطلبيه مني ده."
ألقى عليها نظرة أخيرة قبل أن يستدير ويغادر الغرفة سريعًا.
بقيت رنيم واقفة في مكانها تتابع أثره حتى اختفى من أمامها.
كان الغضب يشتعل داخلها، لكنها كانت تشعر كذلك بصراع مرير بين عقلها وقلبها.
ضغطت على أسنانها وقالت من بينهما:
"ماشي يا شاهين براحتك، بس انا بقى هفضل وراها لحد ما ارميها في المكان اللي تستحقه، وهجيب حق كل روح وكل شخص أذيته بأيديها."
اتجهت إلى خزانتها بعصبية، وبدأت تبدل ملابسها على عجل.
وبعد دقائق خرجت من غرفتها.
وجدته يقف في الصالة، فمرت بجواره دون أن تنظر إليه حتى، ثم دفعت الباب بقوة خلفها وغادرت الشقة.
هبطت إلى الأسفل بخطوات سريعة مشحونة بالغضب والتوتر، واستقلت سيارتها.
وبينما كانت تدير المحرك وتتجه نحو المشفى، لم يكن يشغل عقلها سوى وجه أروى الراقدة بين الحياة والموت، ووجه مريم التي أقسمت في داخلها ألا تتركها تفلت هذه المرة مهما كان الثمن.
