رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثامن والثلاثون
بالمشفى...
كانت رائحة المعقمات تملأ الأجواء، بينما خيم التوتر والحزن على الممر المؤدي إلى غرفة أروى. وصلت رنيم بخطوات مترددة، وما إن وقعت عينا جواهر عليها حتى أسرعت نحوها وكأنها وجدت طوق نجاة وسط كل ما يحيط بهم من انهيار. أمسكت يدها وتحركت بها نحو ترنيم، إلا أن رنيم أوقفتها بعنف واضح، وسحبت يدها منها قبل أن تقول بغضب:
"انتي بتعملي أيه يا جواهر؟ أنا مش جايه ليها ولا علشان اطبطب عليها، أنا جايه علشان البنت الغلبانه اللي جوه دي، هدخلها واطمن عليها لكن الست دي ماليش دعوه بيها."
أغمضت جواهر عينيها للحظة تحاول السيطرة على أعصابها التي أوشكت على الانفجار، ثم قالت بنفاذ صبر:
"مش وقته اللي انتي بتعملي ده يا رنيم، الست مدمرة علشان اللي حصل لبنتها، ويمكن وجودك جنبها في وقت زي ده يفرق معاها، ويقويها شويه على اللي هي فيه ده."
لكن كلماتها لم تلقى أي صدى داخل قلب رنيم، بل ازدادت ملامحها قسوة وهي ترد بغضب واضح:
"وانا تهمني في ايه إذا كان تقوى ولا لا انا لو مكانتش البنت اللي جوه دي صعبانه عليا كنت قلت أنا فرحانه فيها وعلى حرقة قلبها."
تجمدت جواهر في مكانها من هول ما سمعته، واتسعت عيناها بصدمة حقيقية قبل أن تنظر إليها وكأنها لا تعرفها، ثم قالت بعدم تصديق:
"انتي ازاي بالسواد ده كله يا رنيم؟ الست في مصيبه وانتي تقولي فرحانه فيها؟ هي عملتلك ايه علشان كل السواد والكره اللي في قلبك ليها ده؟ الست طول عمرها مش بتقدملك غير كل خير، متحمله طريقتك معاها وكلامك القاسي ليها، وراضيه علشان خاطر بتحبك زي اولادها، هي متستحقش منك كده يا رنيم، فؤقي قبل فوات الاوان."
رمقتها رنيم بنظرة طويلة باردة، خالية من أي تردد، قبل أن تقول بلهجة حادة:
"أنا مش صغيره يا جواهر، واقدر افرق ما بين الصح وما بين الغلط، والست دي لو روحي بأيديها عمري ما حبها ولا هتقبلها في حياتي، واعتقد أنا حره في قراراتي الشخصيه."
وقبل أن تتمكن جواهر من الرد، دوى صوت غاضب في المكان كله، صوت يحمل من الاحتقان ما يكفي لإشعال حرب كاملة..كان جواد.
تقدم بخطوات حادة وعيناه تقدحان شررًا، ثم قال:
"واحنا مش محتاجين محبتك في حاجه، روحي اترمي في حضن الراجل اللي امه كانت السبب في قتل امك، وهي اللي قتلت ابوكي بأيديها، روحي أحمي قاتل وابن قاتله علشان بتحبيه، انتي حلال فيكي، اللي ناوين يعملوا معاكي، ومتستاهليش حبنا ليكي ولا يشرفنا يكون لينا اخت زيك، وياريت تخدي نفسك وتغوري من هنا مش عايزين نشوف وشك."
انتفضت جواهر فورًا، واتجهت نحوه محاولة تهدئته قبل أن يندفع أكثر خلف غضبه، وأمسكت بذراعه قائلة برجاء:
"علشان خاطري أهدى يا جواد، مينفعش اللي انت بتقوله ده."
لكن جواد كان أبعد ما يكون عن الهدوء، فالتفت إليها بعينين مشتعلتين وهدر بها:
"انتي تخرسي خالص، ولو زعلانه علشانها غوري معاها في داهيه."
ارتعشت ملامح جواهر من قسوة كلماته، إلا أنها تماسكت بصعوبة وقالت بصوت مختنق:
"أنا مش هعتبك على كلامك ده دلوقتي علشان الظروف اللي احنا فيها دي يا جواد، بس تعدي الازمه دي على خير وبعد كده يحلها ربنا في طريقتك معايا دي."
ثم ابتعدت عنهم ببطء، تاركة خلفها مساحة أكبر للاحتقان المشتعل بينهم.
تابعها جواد بنظرات غاضبة قبل أن يعود ببصره إلى رنيم ويقول من بين أسنانه:
"امشي مش هنا واياكي اشوفك تقربي مننا تاني، وبلغي ابن أمه أني هرد ليهم القلم قلمين، والعين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم."
في تلك اللحظة تدخل غريب أخيرًا، وقد بدا أن صبره أوشك على النفاد، فقال بصوت غاضب:
"جواد خلصنا بقى اخرس."
ساد صمت ثقيل للحظات، قبل أن تتجه أنظار غريب نحو رنيم مباشرة.
لم يكن الغضب هو المسيطر على ملامحه بقدر ما كانت الخيبة.
خيبة رجل يشعر أنه خذل في أكثر وقت كان يحتاج فيه للصدق. ثم قال بلوم واضح:
"سألتك قبل كده وقلتلك قولي الحقيقه متخافيش، وانتي كذبتي علينا وقتها، يمكن لو كنتي قولتي الحقيقه بدري كنت قدرت اوصل ليها اسرع قبل ما تعمل في بنتي كده، انا لا هلومك ولا هعتبك، هعتبرك عيله صغيره وغلطت، بس في ايدك القرار يا رنيم، يا تنضمي لينا وتبعدي عن اللي اسمه شاهين ده خالص، يا تخليكي معاه وساعتها هتبقى عدوتنا بجد، وملكيش حمايه عندنا."
تعلقت جميع الأنظار بها في تلك اللحظة.
ترنيم كانت تنظر إليها بدموع متحجرة في عينيها.
سمية تنتظر منها أن تعود إلى رشدها.
تامر يراقب بصمت مثقل بالوجع.
وجواد يقف متحفزًا كمن ينتظر كلمة واحدة فقط ليشعل المكان.
أما جواهر، فكانت تنظر إليها برجاء صامت.
وسط ذلك كله قالت سمية بتوسل:
"ابعدي عن سكته يا بنتي هو وأمه الشر بعينه، وطول عمرنا مأذين منهم، كفايه أنها هي السبب في حرقة قلبنا على ابوكي، وحرمتنا منه في غمضة عين."
ثم جاءت كلمات ترنيم، محملة بكل وجع أم احترق قلبها على ابنتها:
"أنا مش هقولك سامحيني ولا اديني فرصه زي ما بقولك كل مره، بس هقولك انتي بنت واكيد هتحسي بوجع بنت زيك، خسرت كل حاجه في سنها ده، ازاي هتقبلي تعيشي مع ناس عملوا في بنت زيك كده، هتأمني على نفسك معاهم ازاي؟ أروى اللي كانت بتحبك ادبحت على أيديهم دم امك وأبوكي وشرف بنتي ملوث أيديهم، هتقدري تبصي في وشهم ازاي؟"
كانت كلماتها تسقط فوق رنيم كالمطارق، لكنها ظلت واقفة مكانها.
ثم تكلم تامر بصوت أثقله الندم:
"ابعدي يا رنيم عن سكتهم، انا في يوم من الايام كنت ماشي وراه مريم وخلتني شيطان زيهم، بلاش السكينه تسرقك زي ما سرقتني زمان، الست دي شيطانه وهي وابنها هيجروكي لسكتهم من غير ما تحسي."
واقتربت جواهر منها مجددًا، وكأنها ترفض الاستسلام، وقالت برجاء:
"علشان خاطري اسمعي كلامهم يا رنيم، أنا مش عايزه اخسرك صدقيني، انتي اكتر واحده كنتي بتنتقدي حبي لجواد، وكنتي شايفه أننا مش مناسبين لبعض وأنه ميستهلش حبي، ايه حصلك دلوقتي؟ ليه مش شايفه ده في نفسك؟ عايشه ومغمي عيونك عن الحقيقه ليه؟"
ساد الصمت.
صمت طويل ومتوتر.
نظرت رنيم إلى الوجوه المحيطة بها في صمت طويل، وكأنها تحاول أن تستوعب سيل الاتهامات والضغوط التي انهالت عليها من كل اتجاه. كانت تشعر بأن الجميع يحاصرها داخل دائرة ضيقة لا تسمح لها بالتنفس أو حتى بالتفكير، لكن رغم ذلك ظلت متمسكة بموقفها. ارتجفت شفتاها قليلًا وامتلأت عيناها بالدموع، قبل أن تحرك رأسها بالرفض وتقول:
"خلاص خلصتوا كلامكم؟ انتوا كلكم حكمتوا على شاهين بناءً عن ايه؟ لمجرد أنه ابن الست دي؟ طيب ليه مفكرتوش لو لثانيه واحده أنه ممكن يكون مختلف عنها؟ ليه مش شايفين أني ممكن اكون غيرته للأحسن، شفته ايه منه يأكد ليكم أنه إنسان وحش؟ قبل ما تحكموا على الإنسان اتأكدوا الأول، شاهين مش شرير ولا يشبه أمه، شاهين نضيف من جوه، اول ما لاقى ايد اتمدت ليه والفرصه جات ليه اتغير بجد، نسيتوا أنه هو اللي ساعدكم في ظهور براءة جواهر؟ لو هو وحش بجد مكانش تدخل ووقف قصاد امه وساعدكم، لو هو وحش كان سمح لامه تأذيني زي ما هي عايزه، كان آذاني ومحامنيش من نفسه، انا ضربته بالرصاص وكنت هموته في مره، بس هو قصاد ده عمل ايه؟ حماني ومرضاش يعترف عليا، أنا مش عيله ولا صغيره علشان يضحك عليا بسهوله، أنا كبيره وناضجه كفايه، علشان اعرف اميز بين الكويس والوحش، وبقلها قصاد الكل اهو، أنا واثقه في شاهين، اكتر ما بثق فيكم كلكم، وإذا كان على حمايتكم ليا، أنا مستغنيه عنها، علشان شاهين في ضهري."
ما إن انتهت من كلماتها حتى خيم الصمت على المكان لثوانٍ ثقيلة. لم يكن أحد منهم يتوقع أن تدافع عنه بهذه القوة أو أن تضع ثقتها فيه بهذا الشكل الصريح أمام الجميع. وبينما كانت الأنظار معلقة بها، انساب صوت مألوف من خلفهم، صوت حمل داخله قدرًا واضحًا من التأثر والامتنان. التفتت الرؤوس نحوه في اللحظة نفسها، ليظهر شاهين وهو يقترب بخطوات هادئة بعدما استمع إلى حديثها بالكامل.
كانت نظراته مستقرة عليها وحدها، وكأن بقية الموجودين اختفوا من المشهد. وعندما وصل إليها أمسك يدها دون تردد، ثم قال بصوت عميق خرج من قلبه قبل أن يخرج من شفتيه:
"أنا منكرش اني في يوم من الايام كنت بكرهكم، بخطط ازاي انتقم منكم واحد واحد، كان بيكبر جوايا الكره والشر ليكم، بس من اللحظه اللي شفت عيون رنيم فيها أنا اتغيرت، عيونها كانت طوق نجاة بالنسبالي، نظرتها اخدتني من الضلمه لنور، حبها نضف قلبي من السواد اللي امي كبرته جوايا، أنا مش جاي علشان ادافع عن نفسي ولا علشان اطلب منكم الرضا والسماح."
رفع يده الممسكة بيدها قليلًا وكأنه يعلن موقفه أمام الجميع دون خوف أو تراجع، ثم أكمل بثبات:
"أنا جاي علشان اقلكم اني عمري ما هتنازل عن حب رنيم، واللي هيفكر يبعدها عني همحيه من على وش الأرض."
اشتعلت ملامح جواد فورًا وتحرك نحوه بغضب واضح، إلا أن غريب اعترض طريقه بسرعة ووضع يده أمام صدره ليمنعه من التقدم أكثر. كانت نظراته مثبتة على شاهين بنظرة حادة لا تخطئها العين، قبل أن يقول بنبرة حملت تهديدًا صريحًا:
"متفكرش انك كده بتهددنا، أنا غريب ضرغام واسأل امك مين هو غريب ضرغام، وكنت شغال أيه زمان، يعني اخرك عندي طلقه في دماغك وملكش عندي ديه، والقرار في ايديها دلوقتي، يا تكون معانا ونحميها، يا تفضل معاك، وتكون عدوتنا."
عادت الأنظار كلها لتتجه نحو رنيم من جديد. كانت اللحظة أشبه بمحاكمة صامتة ينتظر الجميع فيها الحكم الأخير. وقفت في المنتصف تمامًا بين الطرفين، وشعرت وكأن الأرض تنسحب من تحت قدميها. تحرك بصرها بين غريب وشاهين في حيرة واضحة، بينما راقبها الأول بعينين ضيقتين مترقبًا قرارها، في حين انقبض قلب الآخر عندما أفلتت يدها من بين أصابعه وابتعدت خطوة عنه.
مرت لحظات طويلة قبل أن تتمكن من انتزاع الكلمات من بين ضلوعها، ثم قالت بصوت مختنق:
"رغم أني مستحيل اكون مع شاهين في يوم من الايام، بس انا هختاره علشان واثقه في برأته ومتأكده أنه مستحيل يكون زي امه."
لم يستطع شاهين إخفاء الابتسامة التي ارتسمت على وجهه. صحيح أن جزءًا من حديثها لم يكن كما يتمنى، لكن ذلك لم يكن مهمًا الآن، فكل ما رآه أنها اختارته أمام الجميع. اقترب منها مجددًا وأمسك يدها ثم قبلها بحب واضح وهو يقول:
"وانا اوعدك انك مش هتندمي على ثقتك فيا دي."
سحبت يدها منه فورًا ونظرت إليه بضيق قبل أن ترد:
"دماغك متروحش لبعيد أنا قلت مستحيل نكون مع بعض، بس ده ميمنعش أني بثق فيك، ومتأكده انك نضيف من جوه."
اشتدت ملامح غريب أكثر وهو يستمع إلى كلماتها، ثم قال بنبرة غاضبة حاسمة:
"تمام تبقى انتي اللي أختارتي، من النهاردة انتي بره العيله ملناش دعوه بيكي يعملوا اللي يعملوا معاكي، بس متبقيش تيجي وتستنجدي بينا وتطلبي حمايتنا، اتفضلي امشي من هنا ومش عايز اشوف وشك تاني."
شعرت ترنيم بصدمة من قسوة كلماته، فرفعت يدها نحو ذراعه محاولة التدخل، إلا أنه قاطعها فورًا وهو يهدر بغضب:
"مش عايز اسمع حرف واحد يا ترنيم، هي اللي اختارت تتحمل نتيجة اختيارها بقى."
اشتعلت عينا رنيم بالكره والتمرد، ونظرت إليهم جميعًا وكأنها تريد أن تحرق الجسور الأخيرة بينها وبينهم، ثم قالت بغضب:
"وانت مفكر اني هتقهر بقي علشان خرجتوني من الجنه، أنا اصلا ولا مرة اتقبلت وجودكم في حياتي، أنا بكرهكم كلكم بكرهكم."
واستدارت بعدها مباشرة متجهة إلى الخارج بخطوات سريعة، بينما بقي التوتر يملأ الأجواء من خلفها. عندها وجه شاهين نظرة تحذيرية للجميع وقال:
"لو حد فيكم فكر يقرب من رنيم ولا يأذيها مش هرحمكم فاهمين."
ثم تحرك خلفها على الفور، ولحق بها قبل أن تبتعد أكثر، وأمسك ذراعها قائلًا:
"استني يا قلبي."
نزعت يدها من قبضته سريعًا وكأن لمسته أزعجتها، ثم قالت بلهجة تحذيرية صارمة:
"أنا بحذرك يا شاهين تستخدم كلامي اللي قلته جوه ده لأغراض شخصية، أنا اختارتك بس علشان استفزهم لاني بكرههم، مش لاي سبب تاني فاهم."
ابتسم بهدوء وكأنه لا يصدق حرفًا مما تقوله، ثم أجابها:
"رغم أنا متأكد انك مش بتقولي الحقيقه، وسمعت كلامك اللي قلتيه عليا من شويه وكان خارج من قلبك وحسيته، بس هنفذ كلامك زي ما انتي عايزة ومش هضايقك خالص، وهسيبك لحد ما يجي الوقت اللي انتي تطلبي فيه قربي ليكي."
ضغطت على أسنانها بضيق وتحركت نحو سيارتها، لكنها توقفت للحظة قبل أن تصعد إليها، والتفتت نحوه قائلة بحدة:
"أن اجي اطلب قربك مني دي مش هيحصل ابدا غير في احلامك يا شاهين، ووفر وقتك وروح لمراتك وبناتك."
بعدها جلست خلف المقود وأدارت السيارة بسرعة، ثم انطلقت مبتعدة عن المشفى تاركة خلفها سحابة كثيفة من الغضب والتوتر. أما شاهين فظل يتابعها بعينيه حتى اختفت عن ناظريه، لترتسم على وجهه ابتسامة هادئة واثقة، قبل أن يتجه إلى سيارته هو الآخر وينطلق بعيدًا عن المكان.
****************************
جلس عمر خلف مكتبه الخشبي الفخم، مستندًا بجسده إلى ظهر المقعد الجلدي، بينما كان يحركه ببطء إلى الأمام ثم إلى الخلف في حركة رتيبة تعكس انشغاله العميق. استقرت عيناه على نقطة مجهولة أمامه، وكأن عقله كان يغوص في دوامة من الحسابات والخطط التي لا تنتهي.
قطع الصمت رنين هاتفه، فالتقطه ونظر إلى الشاشة قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة خفيفة ذات مغزى. ضغط زر الإجابة وألقى بجسده أكثر داخل المقعد قائلاً بنبرة رجولية مرحة:
"البوص بذات نفسه! عامله ايه يا ريسه؟"
جاءه صوتها من الطرف الآخر ناعمًا، لكنه يحمل بين حروفه سمًا خفيًا لا يخطئه أحد:
"شايفه ان مافيش تقدم خالص في خطتنا."
تنهد عمر بهدوء، ثم مرر يده على ذقنه وهو يجيبها محاولًا تبرير الأمر:
"احنا لسه في أول الطريق يا ريسه، ومتنسيش وجود ابنك شاهين معطل كل حاجه مش مديني فرصه اقرب منها."
أطلقت مريم زفرة ضيق مسموعة، ثم قالت بنفاذ صبر واضح:
"نعم يا اخويا؟ أنت اصلا وجودك جنبها في الوقت ده علشان تبعدها عنه وتخدها منه، ولا الموضوع صعب عليك، وأشوف حد تاني؟"
اعتدل عمر في جلسته فورًا، وكأن كلماتها مست كبرياءه، فأجابها بسرعة:
"لا طبعًا حد تاني ايه؟ البنت دي عناديه وعجباني شخصيتها اوي، وقريب اوي دبلتي هتكون في ايديها."
ساد بينهما صمت قصير، لكنه كان محملًا بالكثير من المعاني. على الطرف الآخر، ضيقت مريم عينيها بعدم اقتناع، وكأنها تحاول استكشاف ما إذا كان يتحدث بدافع المصلحة أم أن الأمر بدأ يتحول إلى شيء آخر.
وأخيرًا قالت بنبرة يشوبها الشك:
"لما نشوف، وريني همتك، عايزة العلاقه دي تنتهي ما بينهم في اقرب وقت، شاهين هيرجع زي الاول وأقسى لما هي تبعد عنه وتسيبه، مستنيه البركان اللي هيوصل ليه علشان استخدمه زي ما أنا عايزه."
ما إن أنهت كلماتها حتى ارتسمت على وجه عمر ابتسامة باردة، ابتسامة رجل يرى أمامه فرصة للانتقام طال انتظارها.
تعالت ضحكاتهما الشريرة عبر الهاتف لثوانٍ معدودة، قبل أن ينهي عمر المكالمة.
أنزل الهاتف ببطء فوق سطح المكتب، ثم أراح ظهره على المقعد مجددًا. ظلت عيناه معلقتين بالفراغ أمامه، لكن داخله كان يغلي بمشاعر أكثر ظلمة.
قبض على ذراع المقعد بقوة حتى برزت عروق يده، واشتعلت نظراته بحقد دفين وهو يستعيد في ذهنه كل ما فعله شاهين به.
خرج صوته هذه المرة هامسًا، لكنه كان يحمل من الوعيد ما يكفي لإشعال حرب كاملة:
"هشوف هتحافظ عليها ازاي يا شاهين، وهدفعك التمن غالي اوي."
واستقرت على شفتيه ابتسامة قاتمة، بينما كان يفكر في رنيم، لا كفتاة يريدها فقط، بل كورقة الانتقام الأثمن التي ينوي انتزاعها من بين يدي شاهين مهما كان الثمن.
************************
عند أروى...
دخل غريب إلى غرفتها بخطوات بطيئة أثقلها الوجع، ثم سحب المقعد المجاور للسرير وجلس عليه بصمت. ظلت عيناه معلقتين بجسدها الممدد أمامه بلا حراك، وكأنه يرفض تصديق أن تلك الفتاة المليئة بالحياة والمشاغبة أصبحت ساكنة إلى هذا الحد.
مد يده وأمسك بكفها برفق، فاجتاحته الذكريات دفعة واحدة. تذكر وجهها البريء وابتسامتها التي كانت تنجح دائمًا في انتزاع البهجة من قلبه مهما كان مثقلًا بالهموم، وتذكر مشاغباتها التي كانت تملأ المنزل حياة، ومزاحها الدائم، وحتى تذمرها من أبسط الأشياء. كل تفصيلة صغيرة فيها مرت أمام عينيه كأنها تحدث الآن.
ارتجفت ملامحه وسقطت دمعة من عينه لأول مرة منذ سنوات طويلة، دمعة لم يحاول إخفاءها أو مقاومتها. فهي ابنته، قطعة من قلبه وروحه، والإنسان الوحيد الذي كان يظن أن الزمن كله سيعجز عن كسر ابتسامته أمامها.
تكلم بصوت مختنق أثقله الألم:
"حقك عليا يا نن عيوني، يا حتة من قلبي، لاول مره في حياتي دموعي تنزل مني، ومش مكسوف منها، لأن مريم عرفت تكسرني بجد، عرفت تضربني في مقتل، وصلت لنقطة ضعفي ووجعتني بجد، انتي الشمس اللي بتنور حياتي، انتي نجمه عاليا وغاليه عليا اوي يا اروى، أنا زمان كنت رافض اكون اب كنت خايف يجي اليوم وأتحرم منكم زي ما حصل معايا وانا صغير، بس لما جيتوا وزينتوا حياتي ندمت على تفكيري ده، حياتي بقى ليها معنى ولون بقى ليها قيمة، وكنت كل ما بشوفكم تكبروا قصاد عيني، قلبي كان بيتضخم بحبكم كنت بحس بسعادة وفي نفس الوقت كنت بخاف، لانكم بقيتوا نقطة ضعفي، بقيت فريسه سهله لاعدائي لاي حد يهددني بيكم، الخوف معرفتش معناه غير لما انتوا جيتوا حياتي، علشان كده اللي حصلك ده كسر قلبي، اتوجعت وحسيت بسكينه غرزت في قلبي، اللي حصلك حسسني قد ايه انا ضعيف، مقدرتش احميكي من شر مريم، حقك عليا يا بنتي، أنا مستحقش اكون اب ليكي."
ومع انتهاء كلماته انحنى برأسه إلى الأسفل، وكأن الحمل الجاثم فوق صدره أصبح أكبر من أن يحتمله. انهمرت دموعه بغزارة فوق كفه التي ما زالت تحتضن يد أروى، بينما كانت شهقاته تتصاعد رغماً عنه. لأول مرة ينهار غريب بهذا الشكل، هو الذي اعتاد الجميع رؤيته صلبًا لا تهزه العواصف مهما اشتدت.
وصل صوت بكائه إلى الخارج، فالتقطته ترنيم التي كانت تقف في الممر. تجمدت لوهلة قبل أن تندفع إلى الداخل بقلق، لكنها ما إن وقعت عيناها عليه حتى توقفت مكانها وكأنها صدمت بما ترى. طوال سنوات عمرها لم ترَ غريب يبكي، ولم تتخيل يومًا أن ترى ذلك الرجل الذي احتمى به الجميع منكسرًا إلى هذا الحد.
اقتربت منه ببطء، ثم وضعت يدها على كتفه وضغطت عليه برفق، محاولة أن تمنحه بعض السند الذي طالما منحه للجميع.
شعر بوجودها فرفع رأسه نحوها، وكانت عيناه ممتلئتين بعجز لم تعرفه فيه من قبل. نهض فجأة وتمسك بها بقوة، ثم ارتمى داخل أحضانها وكأنه يبحث عن شيء يقيه من الانهيار الكامل، وقال بين شهقاته:
"أنا مستحقش اكون اب، أنا ضعيف ومقدرتش احمي بنتي يا ترنيم."
هزت رأسها سريعًا وهي تبكي، ثم احتضنت وجهه بين كفيها وقالت بصوت مرتجف:
"متقولش كده انت أعظم اب في الدنيا دي كلها، احنا عشنا عمرنا كله تحت حمايتك يا غريب، وواثقين فيك، وعارفين انك هتجيب حقنا من مريم في اقرب وقت، انت اطيب قلب وأعظم أب وأجمل زوج، انا مش قادره اشوفك كده يا غريب اقوى علشان خاطري، اقوى علشان احنا كلنا ساندين عليك."
تشبث بها أكثر، وكأنه يستمد من وجودها القوة التي خذلته للحظات. وبقيا على تلك الحال وقتًا طويلًا، لا يشعران بمرور الدقائق، بينما كان الحزن يحيط بهما من كل اتجاه.
وفي الجهة الأخرى، داخل ذلك العالم المظلم الذي غرقت فيه أروى، حيث لا أصوات تصل ولا وجوه ترى، انزلقت دمعة صغيرة من زاوية عينها المغلقة. كانت تائهة في مكان لا يشبهها، مكان أجبرت على الوصول إليه دون إرادة منها، لكن تلك الدمعة بدت وكأنها رسالة صامتة تؤكد أن روحها ما زالت تسمعهم، وما زالت تحاول أن تجد طريق العودة.
***************************
عادت رنيم إلى المنزل وهي تشعر أن رأسها يكاد ينفجر من كثرة الأفكار المتصارعة داخله. منذ خروجها من المشفى وحتى وصولها لم تتوقف الكلمات التي قيلت هناك عن الدوران في عقلها، وكأنها تسمعها للمرة الأولى في كل ثانية.
ما إن دخلت غرفتها حتى ألقت حقيبة يدها فوق السرير بعصبية، ثم بدأت تدور في المكان ذهابًا وإيابًا بخطوات متوترة. كانت تمرر أصابعها بين خصلات شعرها وتجذبه أحيانًا في حركة لا إرادية تعكس حجم اضطرابها، بينما عيناها تلمعان بعدم تصديق لما فعلته قبل ساعات.
توقفت فجأة في منتصف الغرفة وهتفت بغضب:
"أنا أزاي عملت كده؟ ازاي اخترت شاهين؟ وانا كنت ناويه لا اختار دول ولا اختاره، لساني ازاي نطق اسمه، أنا غبيه حماره، هو كده هيفتكر أني علشان اختارته، يبقى هوافق على طلب جوازه مني."
ألقت بجسدها فوق حافة السرير وأراحت رأسها على كفها، بينما راحت أفكارها تتشابك أكثر فأكثر.
كان الأمر يربكها. يربكها بشدة.
لأول مرة تشعر أنها عاجزة عن فهم نفسها.
تنهدت باضطراب وهمست وكأنها تحدث شخصًا آخر غيرها:
"أنا ليه مبقتش فهماني؟ ليه اوقات بحس أني حبه قربه مني اوي، حبه تمسكه بيا، كلامه المتملك، واوقات ببقى مضايقه، وحاسه أن حبه ليا مجرد تملك مش اكتر."
ساد الصمت للحظات، ثم هزت رأسها بعنف وكأنها تحاول طرد تلك الأفكار من عقلها قبل أن تتجذر داخله.
رفعت رأسها وقالت بحدة محاولة إقناع نفسها:
"انتي ايه الهبل اللي بتفكري فيه ده؟ مستحيل ده يحصل، انتي ناسيه أنه متجوز وعنده بنتين، ناسيه اللي عشتيه زمان وعايزه تكرري دلوقتي معاهم، فؤقي يا رنيم، شاهين مش من حقك ولا عمره هيكون ليكي."
خرجت كلماتها الأخيرة بصوت مرتفع دون أن تشعر، حتى إنها لم تنتبه إلى الرجل الذي دخل بهدوء ووقف يستمع لكل ما تقوله.
انتفضت من مكانها عندما اخترق صوته الرجولي أجواء الغرفة قائلاً:
"أنا مش هكون غير ليكي، وانتي مش هتكوني غير ليا يا رنيم، دي الحقيقه اللي مهما حاولتي تنكريها مش هتتغير."
استدارت نحوه بسرعة، واتسعت عيناها بصدمة قبل أن تتحول ملامحها إلى الغضب. نهضت واقفة وقالت بحدة:
"مش هتبطل تدخل عليا اوضي من غير استئذان يا بني آدم انت؟"
ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه، ثم اقترب منها بخطوات واثقة وقال:
"أنا لاقيت الباب مفتوح على فكرة علشان كده دخلت، وبعدين انتي اللي صوتك كان عالي وانتي بتتكلمي، وانا سمعته كله."
توقفت أنفاسها للحظة. سمع كل شيء؟
كل ما كانت تحاول إنكاره حتى على نفسها؟
أما هو فبدا وكأنه وجد فيما سمعه ما كان ينتظره منذ زمن.
اقترب أكثر حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة، ثم أحاطها بذراعه وتكلم بصوت منخفض حمل قدرًا كبيرًا من اليقين:
"الحقيقه اللي عمرك ما هتقدري تنكريها مهما حاولتي يا رنيم، انك انتي بتحبيني."
ثم رفع يده وأشار إلى قلبها قائلاً:
"واللي ساكن هنا هو أنا وبس، وأنه هيختار قربي مهما حاولتي تعملي عكس ده."
ارتبكت رنيم رغمًا عنها. كانت تكره تأثيره عليها.
وتكره أكثر أنها لا تستطيع تجاهله.
شعرت بقلبها يتسارع بطريقة أربكتها، بينما تعالت أنفاسها دون إرادة منها.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
"ل لو سمحت ا ابعد عني، واياك ت تدخل اوضي تاني."
لكن كلماتها خرجت أضعف بكثير مما أرادت.
أما هو فلم يبتعد. بل اقترب أكثر وعانقها بعاطفة صادقة وقال بصوت اختلط فيه الشوق بالتعب:
"مقدرش ابعد عنك، علشان انتي بقيتي النفس اللي بتنفسه يا رنيم، تعالي نتجوز ارجوكي، كفايه عذاب لقلوبنا بقى."
لثانية واحدة فقط.. ثانية قصيرة لكنها كانت كافية لتخونها مشاعرها.
استكانت بين ذراعيه وأراحت رأسها فوق صدره دون مقاومة، وكأنها وجدت مكانًا كانت تبحث عنه منذ زمن طويل.
استمعت إلى دقات قلبه القوية، وشعرت براحة غريبة تسللت إليها رغم كل محاولاتها للهرب منها.
لكن ما إن أدركت ما تفعله حتى انتفضت وكأنها استيقظت من غفلة مفاجئة.
دفعت صدره بكلتا يديها وأبعدته عنها بعنف، ثم قالت بغضب شديد:
"اطلع بره لو سمحت كفايه بقى تطفل على حياتي يا شاهين."
نظر إليها طويلًا، ولم يغضب كما توقعت.
بل بدا وكأنه يراها أوضح من أي وقت مضى. ثم قال بهدوء:
"ده مش تطفل يا رنيم ده حب وتمسك بيكي، ولو مكنتش متأكد من حبك ليا مكنتش هفضل احاول معاكي علشان تديني فرصه ونتجوز، عموما أنا هفضل معاكي ومستني اللحظه اللي هتوافقي فيها على جوازنا."
وقبل أن تتمكن من الرد، اقترب منها ووضع قبلة خفيفة فوق رأسها، ثم استدار وغادر الغرفة بهدوء تاركًا خلفه عاصفة كاملة داخل قلبها.
ظلت واقفة مكانها تتابع خروجه بعينين مرتبكتين، ثم رفعت يدها وأعادت خصلات شعرها إلى الخلف في محاولة لاستعادة هدوئها. لكن محاولتها فشلت.
فما إن أغلق الباب خلفه حتى ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها رغمًا عنها.
ابتسامة قاومتها كثيرًا لكنها ظهرت في النهاية، بينما كان قلبها في الداخل يرقص بسعادة خجولة لم تعد قادرة على إنكار وجودها بالكامل.
**************************
عند أروى... بعد عدة أيام
تسلل أحمد إلى الغرفة بهدوء شديد، مستغلًا اللحظة التي خلا فيها الممر من المارة. أغلق الباب خلفه بحذر ثم تقدم نحو السرير بخطوات متثاقلة، وكأن قدميه تحملان فوقهما جبالًا من الألم. لم يكن أحد يعلم بوجوده هناك سوى تامر الذي تكفل بإبعاده عن الأنظار ومنحه فرصة لرؤيتها.
جلس على المقعد المجاور لها، وألقى نظرة طويلة على وجهها الشاحب الساكن. كانت ملامحها هادئة بشكل موجع، هدوء لا يشبه أروى التي اعتاد ضحكاتها ومشاكساتها الدائمة. مد يده ببطء وأمسك بكفها البارد بين يديه، بينما ظل صامتًا لدقائق طويلة، عاجزًا عن ترتيب الكلمات التي تتزاحم داخله.
ابتلع غصته وأخذ نفسًا عميقًا، ثم خرج صوته أخيرًا مثقلًا بالحزن:
"مش عارف ازعل عليكي ولا أزعل منك، متأكد أن اللي حصلك ده بسبب تهورك وجنانك اللي متعود عليهم، علشان أنا طلبت منك بدل المره مليون مره متتحركيش بره باب الفيلا من غيري أو مع حد من أهلك، استفدي ايه دلوقتي يا أروى؟ وجعتينا كلنا عليكي، عارف ان وجعك اكبر مننا بكتير، بس اللي حصلك كسر قلبي وقسم ضهر أهلك، انا مش قادر اخد أي قرار دلوقتي عاجز عن التفكير، بس كل اللي عارفه هو أني بحبك ومستحيل هقدر اعيش من غيرك."
استقرت كلماته داخل الغرفة كأنها اعتراف أخير من قلب أنهكه الخوف. وفي تلك اللحظة لمح حركة خافتة للغاية بين أصابعها.
تجمد في مكانه وحدق بكفها بعدم تصديق.
لثوانٍ ظن أن عقله يخدعه، وأن شوقه إليها يصنع له أوهامًا يتشبث بها، لكن أصابعها تحركت مرة أخرى ببطء أشد وضوحًا هذه المرة.
اتسعت عيناه فجأة، ومال نحوها بسرعة وهو يهمس بلهفة امتزجت بالخوف:
"أروى انتي سمعاني؟"
انسابت دمعة وحيدة من زاوية عينها المغلقة، بينما تحركت أصابعها مرة أخرى بضعف شديد، وكأنها تبذل كل ما تبقى لديها من قوة لتؤكد له أنها تسمعه.
ارتجف قلبه داخل صدره، وارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة غارقة بالدموع وهو يقول:
"فتحي عيونك يا أروى بصيلي."
بدأ جفناها يرتعشان بخفة، ثم راحت تحاول فتح عينيها بصعوبة بالغة، كمن يصارع ظلامًا كثيفًا يرفض أن يتركه. وما إن تمكنت من رؤية ما حولها حتى عادت الذكريات تهاجمها دفعة واحدة.
رأت كل شيء.
رأت الرعب. سمعت الصرخات.
شعرت بالعجز ذاته يعود ليطبق على أنفاسها.
انتفض جسدها بعنف، واعتدلت فجأة فوق السرير وهي تضم نفسها بكلتا ذراعيها، بينما خرجت منها صرخة مرتجفة مزقت سكون المكان.
قفز أحمد من مكانه واقترب منها سريعًا محاولًا تهدئتها:
"اهدي يا أروى أنا احمد متخافيش."
لكنها لم تكن تسمعه.
وضعت يديها فوق أذنيها بقوة، وأخذت تصرخ بجزع شديد بينما يرتجف جسدها بالكامل كطائر مذعور وقع في قبضة صياد.
في تلك الأثناء اندفع الجميع إلى الداخل بعد أن سمعوا صرخاتها.
توقفت أنفاسهم للحظة عندما وجدوها بهذه الحالة، بينما كان أحمد يقف بجوارها يحاول السيطرة على الموقف.
نظر غريب إليه باستغراب ممزوج بالتوتر وسأله:
"انت بتعمل ايه هنا؟"
وقبل أن يتصاعد الموقف تدخل تامر سريعًا قائلاً:
"اهدا يا غريب هفهمك كل حاجه بعدين، المهم دلوقتي نطمن على أروى الحمدالله أنها فاقت."
اغرورقت عينا ترنيم بالدموع فور رؤيتها لابنتها وقد استعادت وعيها أخيرًا. تقدمت خطوة نحوها بدافع أمومتها الجارفة، راغبة فقط في احتضانها، لكن أروى أطلقت صرخة أخرى أكثر رعبًا بمجرد اقترابها.
عقد الطبيب حاجبيه بتوتر وهو يتابع المشهد ثم قال بجدية:
"يا جماعه مينفعش كده وجودكم كلكم غلط عليها هي لسه فايقه من غيبوبه وأثر اللي حصل ليها لسه فكراه كأنه دلوقتي."
اشتعل غضب جواد فورًا ورد بعصبية:
"انت مش هتعرفنا نتعامل مع بنتنا ازاي، احنا كلنا قلقانين عليها."
أغمض غريب عينيه للحظة وهو يحاول السيطرة على أعصابه، ثم قال بصوت حازم:
"جوواد اهدا مش وقته."
رغم محاولات الجميع الاقتراب منها، إلا أنها كانت تتراجع أكثر داخل نفسها، تنكمش فوق السرير كطفلة خائفة تحاول الاحتماء من العالم كله. حتى الأطباء والممرضات لم يتمكنوا من الاقتراب منها أو إعطائها المهدئ، بعدما أصبحت تنظر إلى كل من يقترب منها وكأنه تهديد جديد.
وسط ذلك الاضطراب كله، تقدم غريب ببطء. لم يتعجل. لم يرفع صوته.
اقترب منها كما كان يفعل وهي صغيرة حين كانت تستيقظ فزعة من كابوس في منتصف الليل.
كانت عيناه ممتلئتين بالحزن، لكن صوته خرج دافئًا مطمئنًا وهو يقول:
"أروى حبيبتي اهدي يا روحي متخافيش أنا جنبك."
تعلقت نظراتها المرتبكة بوجهه.
شيئًا فشيئًا بدأت أنفاسها تنتظم، وخفت ارتجافات جسدها تدريجيًا. كان صوته وحده يشق طريقه وسط فوضى الخوف التي تسيطر عليها.
جلس غريب بجوارها على السرير، ثم جذبها إليه برفق حتى استقرت داخل أحضانه. أخذ يربت على ظهرها بحنان أب يحاول أن يجمع شظايا قلب ابنته بين ذراعيه، بينما ظلت متشبثة به بقوة وكأنها تخشى أن يختفي إذا تركته للحظة واحدة. وقال بهدوء...
