رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل التاسع والثلاثون 

جلس غريب إلى جوار أروى فوق السرير، ثم جذبها نحوه برفق شديد حتى استقرت بين ذراعيه. أخذ يربت على ظهرها بحنان أب يحاول أن يجمع بيديه ما تبقى من روح ابنته المكسورة، بينما كانت هي متشبثة به بقوة يائسة، وكأنها تخشى أن يبتعد عنها فتجد نفسها وحيدة مرة أخرى داخل ذلك الجحيم الذي خرجت منه للتو.
مال برأسه نحوها وهمس بصوت دافئ رغم الاختناق الذي يعتصر حنجرته:
"شش، أهدي يا قلب بابا من جوه، أنا جنبك ومش هسيبك ثانيه واحده."
ارتجف جسدها أكثر داخل أحضانه، وازدادت قبضتها على قميصه حتى كادت أصابعها تنغرس فيه، ثم قالت بصوت متقطع خرج بين شهقاتها وأنفاسها المضطربة:
"خليهم يبعدوا عني، متخليش حد فيهم يقرب مني."
أغمض عينيه للحظة وهو يشعر بحجم الرعب المزروع داخلها، ثم أومأ برأسه مطمئنًا إياها، وأخذ يمرر يده فوق شعرها بحركات هادئة ومتكررة، قبل أن يرفع عينيه نحو الواقفين داخل الغرفة.
لم يتكلم.. اكتفى بإشارة بسيطة من رأسه. فهم الجميع ما يريده.
خرجوا واحدًا تلو الآخر بصمت ثقيل، حتى الأطباء والممرضات غادروا المكان، تاركين الأب وابنته وحدهما داخل الغرفة التي خفت ضجيجها فجأة بعد أن كانت ممتلئة بالتوتر والخوف.
انحنى غريب وقبل رأسها بحنان موجوع، ثم واصل التربيت على ظهرها وهو يقول بصوت مبحوح:
"نامي يا حبيبتي على السرير، متخافيش."
لكنها حركت رأسها بالرفض فورًا، وازداد تشبثها به بصورة جعلت قلبه ينقبض بعنف. كانت تتمسك به وكأنه طوق النجاة الأخير في عالم غرق بالكامل من حولها، وكأن مجرد ابتعادها عنه لخطوة واحدة سيعيد إليها كل ما تحاول الهروب منه.
تنهد بألم، ثم ضمها إلى صدره أكثر، حتى كادت تختفي بين ذراعيه، وقال بصوت اختلطت فيه الأبوة بالعجز:
"خلاص يا حبيبتي، متخافيش، خليكي في حضني."
استكانت قليلًا بعد كلماته، بينما ظل هو يملس على شعرها بهدوء، يكرر الحركة نفسها مرارًا وكأنه يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها. شيئًا فشيئًا بدأت أنفاسها تنتظم، وخفت ارتجافات جسدها تدريجيًا، حتى شعر بثقل رأسها فوق صدره وعرف أنها استسلمت للنوم أخيرًا.
أنزل بصره إليها، فتأمل ملامحها المنهكة وقلبه يتمزق من أجلها.
بحذر شديد حاول أن يبعدها عنه قليلًا ليضعها على الوسادة، لكن أصابعها بقيت متشبثة بقميصه بقوة حتى وهي غارقة في النوم، وكأن عقلها الباطن يرفض السماح له بالابتعاد.
تجمد مكانه للحظة وهو ينظر إلى قبضتها الصغيرة المتمسكة به، ثم ابتسم ابتسامة حزينة امتلأت بالألم.
استسلم في النهاية.
تمدد بجوارها فوق السرير دون أن يفلت يديها من قميصه، وبقي إلى جانبها كما أرادت، يراقب وجهها بصمت، بينما كانت يده تتحرك بين الحين والآخر فوق شعرها بحنان.
لم يكن يخشى التعب أو الإرهاق.
كل ما كان يخشاه حقًا أن تستيقظ، فلا تجده بجوارها، فتعود تلك النظرة المذعورة إلى عينيها من جديد.
    ***************************
عند رنيم...
وصلت رنيم إلى مقر الشركة برفقة شاهين كعادته في الأيام الأخيرة، ذلك الروتين الذي فرضه على حياتها دون أن يمنحها فرصة حقيقية للاعتراض. أوقف السيارة أسفل المبنى ثم التفت إليها، وعيناه تحملان ذلك الدفء الذي أصبح يخصها وحدها، وقال بحب:
"يلا يا قلبي اطلعي وانا هخلص شغل وقبل ميعاد خروجك هتلاقيني عندك."
هزت رأسها بالنفي فورًا، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة لتخبره، ثم قالت:
"لا متجيش علشان مش هكون في الشركه."
انعقد حاجباه باستغراب واضح، والتفت إليها بالكامل قبل أن يسأل:
"ليه هتكوني فين؟"
أجابت وهي تحاول أن تبدو طبيعية رغم ضيقها من رد فعله المتوقع:
"النهاردة هكون في الموقع اللي الشركه هتتبني عليها علشان هنبدأ شغل فيها، وأحتمال اشوف فندق قريب منه واحجز اوضه هناك علشان اكون جنب الموقع لانه بعيد جدا عن هنا."
ما إن انتهت من حديثها حتى تبدلت ملامحه، وانعكس الضيق بوضوح على وجهه، ثم قال بنبرة مشدودة:
"شركة اللي اسمه عمر ده؟"
أومأت برأسها مؤكدة كلامه وقالت:
"ايوه، أنا بس هطلع اخلص شوية شغل في مكتبي وبعد كده همشي."
زفر ببطء وهو ينظر أمامه للحظات، وكأنه يحاول السيطرة على انزعاجه، قبل أن يلتفت إليها مجددًا قائلاً بحسم:
"يلا بينا هطلع معاكي تخلصي شغلك وبعد كده هروح معاكي الموقع ده."
رفعت أحد حاجبيها بدهشة ممزوجة بالاستياء وقالت:
"تروح معايا فين؟ هو أنا رايحه ترفيه، ده شغل، ووجودك معايا ملوش لازمه، لو سمحت كفايه لحد كده، أنت بتدخل في كل حاجه تخصني حتى شغلي وانا زهقت من طريقتك دي."
اشتدت نظراته قليلًا وهو يجيبها بصرامة:
"وانا مش هسيبك مع اللي اسمه عمر ده لوحدك، طلبت منك تلغي الشغل معاه رفضي، يبقى رجلي على رجلك يا رنيم، ومافيش اعتراض فاهمه."
حدقت فيه طويلًا، بينما كانت أعصابها توشك على الانفجار، ثم ضغطت على أسنانها بغضب وترجلت من السيارة دون أن تضيف كلمة واحدة.
راقبها وهي تبتعد بخطوات سريعة غاضبة، ثم قبض على عجلة القيادة بقوة للحظات قبل أن يهبط هو الآخر ويتبعها إلى الداخل.
استقلّا المصعد في صمت متوتر. كانت رنيم تنظر أمامها بملامح متجهمة، بينما كان شاهين يراقب انعكاس صورتها على الجدار المعدني للمصعد دون أن يبعد عينيه عنها.
وما إن انفتح الباب حتى اندفعت خارجه مباشرة واتجهت نحو مكتبها. فتحت الباب بقوة ودخلت إلى الداخل، ثم ألقت بنفسها فوق المقعد خلف المكتب وأمسكت سماعة الهاتف قائلة بسرعة:
"هاتي الملفات كلها اللي محتاجه توقيع وهاتي ملف الشركه اللي هنستلم موقعها النهاردة."
أعادت السماعة إلى مكانها، ثم رفعت نظرها نحو شاهين الجالس أمامها، لتقول بضيق واضح:
"بص بقى لو ناوي تيجي معايا الموقع، يبقى بلاش مشاكل هناك مع أستاذ عمر، وياريت يعني لو ترجع في كلامك، علشان أنا مش متقبله وجودك معايا في كل مكان زي ضلي كده، يعني ده وضع ممل بجد."
استرخى في جلسته وأرجع ظهره إلى المقعد دون أن يبدو عليه أي تأثر بكلماتها، ثم قال بهدوء حازم:
"أنا مش معنى اني هادي معاكي تتكلمي بأسلوبك ده معايا، أنا كل ده شاري خاطرك ومش عايز ازعلك، بس كلمتين عايزك تحطيهم حلقه في ودنك؛ انتي بتاعتي أنا ومن حقي احميكي بالطريقة اللي انا شايفها صح، واللي اسمه عمر ده انا مش مرتاح ليه، ومستحيل اسيبك معاه لوحدك في أي مكان، مش قلة ثقه فيكي، بس حمايه ليكي، علشان كده متحرقيش جاز كتير معايا، علشان مش هتراجع عن قراري مهما عملتي."
زفرت بقوة وهي تدرك أن الجدال معه أصبح بلا فائدة، وفي تلك اللحظة دخلت السكرتيرة حاملة مجموعة من الملفات.
وضعتها فوق المكتب وقالت باحترام:
"دي كل الملفات اللي محتاجه توقيع حضرتك يا فندم، وده الملف بتاع شركة استاذ عمر، والعمال جهزت وسبقتك على الموقع هناك."
أومأت رنيم برأسها وبدأت تقلب الأوراق بسرعة واحترافية، توقع مستندًا تلو الآخر دون تردد، حتى انتهت منها جميعًا ثم أعادت الملفات للسكرتيرة قائلة:
"أنا احتمال كبير مقدرش اجي الفترة الجايه علشان هكون في الموقع هناك، لو فيه اي ورق محتاج توقيع ولا فيه اي حاجه مهمه في الشغل كلميني على طول."
ابتسمت السكرتيرة وقالت:
"تمام يا فندم، ربنا معاكي."
غادرت الغرفة بهدوء، وأغلقت الباب خلفها، بينما فتحت رنيم ملف المشروع وبدأت تراجعه باهتمام كامل.
أما شاهين فكان منشغلًا بشيء آخر تمامًا.
كانت عيناه معلقتين بها منذ دقائق، يتابع تركيزها، وطريقتها المنظمة في العمل، وحركاتها السريعة الواثقة. كان يراها في تلك اللحظة مختلفة عن الجميع؛ امرأة قوية تعرف ما تريد وتسعى إليه بكل إصرار، وهو الأمر الذي زاد تعلقه بها أكثر مما كان.
شعرت بنظراته المستمرة عليها، فرفعت رأسها نحوه للحظة، وما إن التقت أعينهما حتى تسلل إليها توتر خفيف لم تستطع منعه. أغمضت عينيها لثوانٍ محاولة استعادة تركيزها، لكنها فشلت تمامًا.
أغلقت الملف بضيق ثم اعتدلت في جلستها قائلة:
"أنا همشي يدوب ألحق اوصل الموقع قبل ما الليل يليل."
نهض شاهين فورًا وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة وهو يقول:
"يلا بينا."
هبطت قدماها على الأرض بتذمر طفولي جعلها تبدو أصغر من عمرها للحظة، ثم تحركت سريعًا نحو الباب دون أن تنظر إليه.
انفجرت ضحكة خافتة من شاهين وهو يتابع تصرفاتها، ثم لحق بها إلى الخارج.
هبطا معًا إلى الأسفل، وما إن وصلا إلى السيارة حتى جلست رنيم في المقعد الأمامي بوجه عابس وملامح غاضبة، بينما استقر شاهين خلف المقود بابتسامة مستمتعة، ثم أدار المحرك وانطلقت السيارة تشق طريقها نحو موقع العمل الجديد، بينما كان كل منهما يحمل بداخله أفكارًا مختلفة تمامًا عما ينتظرهم هناك.
  *****************************
عند أروى...
دفعت ترنيم باب الغرفة برفق شديد، ثم دلفت إلى الداخل وأغلقته خلفها بهدوء، وكأنها تخشى أن يوقظ أي صوت صغير الألم الراقد فوق ذلك السرير. تقدمت بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى ابنتها، فتوقفت تتأملها بصمت موجع. كانت أروى نائمة، لكن يدها ما زالت متشبثة بملابس والدها بقوة، كأنها تخشى أن تفتح عينيها فلا تجده بجوارها.
جلست ترنيم على حافة السرير، وامتدت أصابعها ترتب خصلات شعر ابنتها بحنان أم يعتصرها العجز. انحنت قليلًا وقبلت رأسها قبلة مرتجفة، وما إن لامستها حتى فاضت الدموع من عينيها دون قدرة على إيقافها.
لكن ما حدث بعدها جعل الدم يتجمد في عروقها.
فبمجرد أن شعرت أروى بوجودها، انتفض جسدها بعنف وكأنها استيقظت داخل كابوس مرعب. تشبثت بوالدها بيد مرتعشة، وارتفعت صرخاتها المذعورة وهي تحاول الابتعاد عن ترنيم بكل ما تملك من قوة.
استفاق غريب على الفور، وفتح عينيه بصدمة قبل أن يعتدل سريعًا ويضم ابنته إلى صدره محاولًا تهدئتها.
وقال بقلق وعدم فهم:
"فيه ايه مالك يا حبيبتي؟"
ثم التفت نحو ترنيم التي كانت قد تراجعت للخلف بوجه شاحب وعينين غارقتين في الذهول، وقال:
"فيه ايه يا ترنيم عملتي ليها أيه؟"
هزت رأسها بعنف والدموع تنهمر فوق وجنتيها وهي تقول بصوت مختنق:
"معملتش حاجه ليها والله العظيم، أنا دخلت اطمن عليها، واول ما حست بيا عملت كده، دي بنتي يا غريب، مش معقول هأذيها يعني."
أعاد نظره إلى أروى التي كانت ترتجف داخل أحضانه كطائر مذعور، وربت على ظهرها بحنان بالغ وهو يحاول بث الأمان داخل قلبها المنهك.
"اهدي يا حبيبتي علشان خاطري، دي ماما كانت بتطمن عليكي، متخافيش منها."
لكن أروى لم تستجب لكلماته، بل ازدادت التصاقًا به، وأخفت وجهها داخل صدره وهي تحرك رأسها بالرفض مرارًا، بينما استمر جسدها في الارتعاش بصورة مزقت قلبه.
أغمض غريب عينيه للحظة وهو يشعر بالعجز يطبق على صدره، ثم قال بصوت خافت لترنيم:
"هاتي الدكتور يديها حقنه مهدأه."
أومأت برأسها وغادرت الغرفة سريعًا.
وبعد لحظات قليلة عادت برفقة الطبيب، لكن ما إن وقعت عينا أروى عليه حتى تجدد الرعب داخلها من جديد، فصرخت بفزع وتمسكت بوالدها وكأنها تستنجد به من خطر يحيط بها من كل اتجاه.
شدها غريب إلى صدره أكثر وهو يهمس لها بكلمات مطمئنة، بينما اقترب الطبيب بحذر وأعطاها الحقنة المهدئة.
شيئًا فشيئًا بدأت مقاومتها تخفت، وهدأت أنفاسها المضطربة تدريجيًا حتى استرخى جسدها المنهك داخل أحضان والدها.
ساعدها غريب على الاستلقاء فوق الوسادة بحذر شديد، وكأنها قطعة زجاج يخشى أن تنكسر بين يديه.
تنهد الطبيب قبل أن يقول بنبرة عملية جادة:
"هي محتاجه تتابع مع دكتور نفسي، لان حالتها كده هتسوء اكتر، وممكن تأذي نفسها، لو حد فكر يقرب منها، هي شايفه أن الناس كلها عايزة تأذيها زي ما حصلها، انت الوحيد اللي حست معاك بالأمان لأن واضح انك كنت اقرب حد ليها، ومعنى كده هي هتتقبل معاملتك معاها انت وبس، غير كده أي حد هتشوفه هتخاف منه."
ظل غريب ينظر إلى ابنته النائمة للحظات قبل أن يومئ برأسه قائلًا بصوت خافت:
"تمام هخدها عند احسن دكتور، بس طمني عليها معندهاش أي مشاكل جسديه، الحمدالله؟"
تنهد الطبيب ببطء قبل أن يجيبه:
"الاشاعات طبعا أظهرت أن حصلها شويه مشاكل جسديه في الجهاز التناسلي عندها بسبب الاعتداء عليها، وللاسف مش واحد بس اللي عمل كده فيها التحاليل بتقول أن اربعه اللي عملوا فيها كده، وطبعا حصلها نزيف، احنا الحمدالله سيطرنا على النزيف ده، بس محتاجه أنها تتابع مع دكتورة نسا، علشان تعالج المشاكل اللي حصلت ليها نتيجة الاعتداء ده بس انا ارجح الاول تتعالج نفسيا علشان هيكون صعب عليها علاج النسا وهي في الحاله دي."
مع كل كلمة كان الطبيب ينطق بها، كان غريب يشعر وكأن سكينًا جديدة تنغرس داخل صدره. تشنج فكه بقوة، واشتعلت عيناه بغضب مكتوم، لكنه لم ينطق بحرف واحد، واكتفى بإيماءة صامتة.
غادر الطبيب الغرفة تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا، لم يقطعه سوى صوت بكاء ترنيم وهي تنظر إلى ابنتها بحسرة.
وقالت بوجع مزق كلماتها:
"بنتي أتعذبت اوي يا غريب، ازاي جسمها الضعيف ده استحمل اربع وحوش يعملوا فيها كل ده؟ اااه يا قلبي، منك لله يا مريم، ربنا ينتقم منك يارب."
مرر غريب يده على وجهه بعنف، وكأنه يحاول السيطرة على النار المشتعلة داخله، ثم قال بصوت يحمل من الوعيد ما يكفي لإرعاب أي شخص:
"وغلاوتكم عندي لادفعها التمن غالي، عموما هي نهايتها خلاص قربت، قربت اوي كمان."
لم تتمالك ترنيم نفسها أكثر، فتقدمت نحوه وارتمت داخل أحضانه تبكي بحرقة.
"اللي حصل لبنتي هيفضل محفور في قلبها طول حياتها، وجع هيلازمها عمرها كله."
أطبق ذراعيه حولها وربت على ظهرها بحزن عميق قبل أن يقول:
"ربنا يرزقها بالراجل اللي يطبطب على قلبها، ويقدر ينسيها اللي شافته وعاشته."
أغمضت ترنيم عينيها وهمست بأمنية خرجت من أعماق قلب أم مكسور:
"يارب يا غريب.. يارب."
ثم ساد الصمت من جديد، بينما اتجهت أنظارهما معًا نحو أروى.
كانت نائمة بهدوء ظاهري، لكن ملامحها الشاحبة والحزن العالق فوق وجهها الصغير كانا يرويان قصة كاملة من الألم، قصة لم تكن بحاجة إلى كلمات حتى تفهم.
      **************************
جلس الاثنان في ركن هادئ من كافيه المشفى، وبين أيديهما أكواب القهوة التي بردت دون أن ينتبها لها. كان الصمت يسيطر على المكان بين الحين والآخر، صمت ثقيل فرضته حالة أروى وما تمر به من ألم جعل الجميع عاجزين عن إيجاد الكلمات المناسبة.
رفع تامر عينيه نحو أحمد، وظل يراقب ملامحه المتعبة للحظات قبل أن يتحدث أخيرًا بصوت اختلط فيه القلق بالتردد:
"احمد انت قررت هتعمل ايه مع أروى؟ بس عايزك قبل ما تاخد قرار، متنساش أنها بتحبك، واللي حصلها ده حادثه غصب عنها، مش بإرادتها."
أغمض أحمد عينيه لثوانٍ طويلة وكأن السؤال أعاد إليه كل ما يحاول كتمانه داخله منذ أيام. أخرج زفرة حارة من أعماق صدره، ثم مرر يده على وجهه بإرهاق قبل أن يجيبه بصوت مبحوح من شدة الألم:
"متقلقش يا تامر انا مش شاب طايش علشان ابص للي حصل، واخد قراري بناءً عليه، أنا راجل ناضج وانت عارف اني باخد الأمور بهدوء وبفكر بعقلي قبل قلبي، أنا بحب أروى ومستحيل اتخلى عنها علشان حادثه زي دي، أنا حبيتها علشان شخصيتها مش علشان جسمها، هفضل جنبها لحد ما تم علاجها كله وهقف جنبها لحد ما نعدي الازمه دي سوا."
شعر تامر وكأن حملًا ثقيلًا أزيح عن صدره دفعة واحدة. ارتخت ملامحه المتوترة، وظهرت على وجهه ابتسامة امتنان صادقة وهو ينظر إلى أحمد بفخر حقيقي. وقال بسعادة ممزوجة بالراحة:
"انت كل يوم بتأكدلي اني مغلطتش واخترت صح لبنت اختي، أنا محظوظ بيك يا صاحبي."
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي أحمد، لكنها كانت محاطة بكم هائل من الحزن. هز رأسه بخفة ثم نظر إلى فنجان القهوة أمامه وكأنه يبحث داخله عن إجابة تريحه. وقال بصوت منخفض أثقلته المشاعر:
"أنا كل وجعي عليها هي، حزنها ودموعها بيوجعوا قلبي يا تامر، ومش قادر اقرب منها ولا حتى اطبطب عليها."
توقف قليلًا، ثم أكمل بنبرة أكثر انكسارًا:
"عارف أصعب إحساس ايه؟ إن الإنسان يشوف اللي بيحبها بتتوجع بالشكل ده ويبقى عاجز يعملها أي حاجه. كل اللي نفسي فيه دلوقتي إني أطمنها، أقولها إني موجود ومش هسيبها، بس حتى ده مش قادر أعمله."
تأثر تامر بكلماته، فمد يده وربت على ساقه بحركة رجولية تحمل الكثير من الدعم والمؤازرة. وقال بابتسامة مطمئنة:
"بكره تبقوا مع بعض على طول وداوي جرحها براحتك."
أومأ أحمد برأسه في صمت، لكن عينيه ظلتا معلقتين في الفراغ أمامه. حمل فنجان القهوة وأخذ منه رشفة صغيرة، بينما كان عقله بعيدًا تمامًا عن ذلك المكان.
كان يفكر في أروى، في دموعها، في خوفها، في ارتجافة جسدها كلما اقترب منها أحد. كان يتخيلها الآن وحيدة داخل غرفتها، تحارب ذكريات لا ترحم، وتصارع وجعًا لا يراه أحد سواها.
وعلى الرغم من أنه وعد نفسه أن يبقى قويًا لأجلها، إلا أن قلبه كان ينزف بصمت، لأنه يعلم أن أكثر شخص يحتاج أن يحتضنها الآن، هو أكثر شخص لا تستطيع الاقتراب منه.
      **************************
بعد وقت طويل، وصلت سيارة شاهين إلى الموقع أخيرًا. كان الطريق مرهقًا وممتدًا على غير عادته، حتى بدا وكأن الساعات قد انسابت ببطء شديد بينهما. اعتدل شاهين في جلسته وأدار رأسه نحو رنيم، وتأمل ملامحها للحظات قبل أن يتكلم بنبرة رجولية هادئة تخفي خلفها الكثير من القلق:
"اتفضلي انزلي شوفي شغلك وانا هروح اشوف فندق قريب من هنا احجز فيه لينا."
أطلقت زفرة طويلة مثقلة بالضيق، وكأنها تحاول إخراج كل ما تراكم داخل صدرها منذ بداية اليوم، ثم فتحت الباب وترجلت من السيارة بسرعة واضحة. وما إن أغلقت الباب خلفها حتى دفعته بقوة عكست مقدار انزعاجها منه ومن إصراره الدائم على مرافقتها.
راقبها شاهين بصمت وهي تبتعد عنه، وشعر بشيء من الاختناق وهو يرى تلك المسافة تتسع بينهما يومًا بعد يوم رغم قربهما. حرك رأسه بنفاد صبر، ثم ظل يتابع خطواتها حتى اختفت عن ناظريه تمامًا، عندها أدار السيارة وتحرك مبتعدًا عن المكان، لكنه لم يستطع أن يطرد من رأسه فكرة وجود عمر معها.
أما رنيم فاتجهت نحو عمر بخطوات ثابتة حاولت أن تبدو طبيعية، رغم التوتر الذي كان يسري داخلها. وما إن اقتربت منه حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة وقالت:
"مساء الخير يا استاذ عمر، متأسفه على التأخير بس الطريق زحمه جدا."
حرك رأسه نافيًا بابتسامة هادئة وهو يجيبها:
"مساء النور يا بشمهندسه رنيم، لا عادي ولا يهمك، العمال اصلا وصلوا من بدري."
أومأت برأسها ثم تحركت إلى داخل الموقع مباشرة، فقد كانت من الأشخاص الذين يجدون راحتهم وسط العمل أكثر من أي مكان آخر. بدأت تتفقد المواد التي ستستخدم في البناء بعناية شديدة، فانحنت تلتقط بعضًا من الإسمنت بين أصابعها، تفحصه بدقة وخبرة، ثم انتقلت إلى الحديد واختبرت جودته بنفس الاهتمام.
كانت تتحرك بثقة واضحة، وكأنها تنتمي إلى هذا المكان بكل تفاصيله. أما عمر فكان يقف بعيد عنها، يتابعها بصمت. لم يكن ينظر إلى مهندسة تؤدي عملها فحسب، بل كان مأخوذًا بذلك الشغف الذي ينعكس على ملامحها وهي تعمل، وبذلك التركيز الذي يجعلها تنسى كل ما حولها.
وأخيرًا توقفت أمامه بعد أن انتهت من جولتها، ثم قالت بنبرة مهنية جادة:
"تمام يا أستاذ عمر، بإذن الله هنبدأ من بكرة التأسيس وان شاءالله شغلنا يعجبك في النهاية."
ابتسم وهو ينظر إليها بثقة حقيقية وقال:
"أنا واثق فيكي يا بشمهندسه رنيم، أنا بقول بدل ما تروحي وتيجي كل يوم الطريق الطويل ده ويكون تعب عليكي، أنا عندي مكان قريب من هنا، ممكن تقعدي فيه براحتك، لحد ما تخلصي."
شعرت رنيم بشيء من الحرج، فتنحنحت بخفة قبل أن تجيب بابتسامة مهذبة:
"ميرسي جدا لحضرتك، بس شاهين راح يحجز لينا في أي فندق قريب من هنا."
وكأن اسم شاهين وحده كان كافيًا ليبدل ملامح عمر بالكامل.
اتسعت عيناه بصدمة لم يستطع إخفاءها، وشعر بشيء حارق يشتعل داخله، ثم خرج صوته من بين أسنانه المشدودة:
"شاهين!! هو جه معاكي؟"
أومأت برأسها ببساطة وقالت:
"ايوه مرضاش يسيبني اقعد في مكان زي ده لوحدي."
في تلك اللحظة انقبضت يد عمر تلقائيًا حتى برزت عروقها بوضوح. كان يحاول جاهدًا أن يحافظ على هدوئه، وأن يخفي استياءه خلف ابتسامة متزنة، لكنه لم ينجح إلا جزئيًا.
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول:
"تمام يا بشمهندسه رنيم، اللي يريحك."
ورغم هدوء كلماته، إلا أن شيئًا في عينيه كان يفضح ضيقه.
وفي تلك اللحظة بالتحديد، أعلن هاتف رنيم عن اتصال وارد.
استأذنت من عمر بابتسامة صغيرة وابتعدت عدة خطوات قبل أن تجيب:
"ايوه يا شاهين؟"
جاءها صوته هادئًا هذه المرة:
"تعالي عايزك، محتاج بطاقتك علشان الحجز."
أغلقت الخط سريعًا، ثم عادت إلى عمر مرة أخرى وقالت:
"طيب انا همشي دلوقتي علشان حجز الفندق، والصبح بأمر الله هنبدأ شغل."
ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة، وكأنه كان يريد أن يقول شيئًا آخر، شيئًا أكبر من مجرد كلمات العمل والمجاملات الرسمية، لكنه ابتلع كل ما بداخله في النهاية واكتفى بأن يومئ برأسه قائلًا:
"ماشي اتفضلي."
ابتسمت له ابتسامة خفيفة ثم استدارت مبتعدة.
أما هو فظل واقفًا في مكانه يتابعها بعينيه، بينما كان شعور ثقيل بالاختناق يهبط فوق صدره كلما تذكر أن شاهين ينتظرها في الخارج، وأنه سيبقى الأقرب إليها مهما حاول هو أن يقترب.
تحركت رنيم نحو سيارة شاهين بخطوات ثابتة ظاهريًا، لكنها كانت تشعر بثقل نظرات عمر المعلقة بها منذ أن استدارت مغادرة الموقع. كان واقفًا مكانه يراقب ابتعادها بعينين تشتعلان غضبًا واستياءً، بينما كانت عيناه لا تفارقانها لحظة واحدة.
وقبل أن تصل إلى السيارة، ارتفعت نظراته تلقائيًا نحو شاهين الجالس خلف المقود. في تلك اللحظة التقت عيناهما مباشرة، فتجمد كل شيء بين الرجلين لثوانٍ معدودة. لم ينطق أي منهما بحرف، لكن ذلك الصمت كان أكثر ضجيجًا من أي شجار. كان الغضب ظاهرًا بوضوح في عيني شاهين اللتين احمرتا بشدة، بينما وقف عمر يبادله النظرات نفسها، وكأن كليهما يبعث للآخر رسالة واضحة مفادها أن هذه المعركة لم تنتهِ بعد.
فتحت رنيم باب السيارة وصعدت إلى جواره، وعندها فقط انتزع شاهين نظره عن عمر بصعوبة، ثم التفت إليها وقال بصوت مختنق:
"روحت احجز في فندق هنا طلب مني بطاقتك علشان الحجز."
أومأت برأسها بهدوء وهي تفتح حقيبة يدها، ثم أخرجت بطاقة هويتها ومدتها إليه قائلة:
"اتفضل اهي، وانا جايه معاك."
تناول البطاقة من يدها، ثم ألقى نظرة أخيرة عبر زجاج السيارة نحو عمر قبل أن يعتدل في جلسته ويدير المحرك. انطلقت السيارة مبتعدة عن الموقع، بينما ظل عمر واقفًا مكانه يراقبها حتى اختفت عن ناظريه.
طوال الطريق لم تتبادل رنيم مع شاهين سوى كلمات قليلة، لكن التوتر كان حاضرًا بينهما. كانت تشعر أن وجوده معها طوال الوقت يربكها أكثر مما ينبغي، بينما كان هو يشعر براحة غريبة لمجرد أنها تجلس إلى جواره.
وعندما وصلا إلى الفندق، ترجل شاهين أولًا واتجه إلى الجهة الأخرى من السيارة. فتح الباب ومد يده لها بحركة تلقائية اعتاد عليها كلما كان معها.
تعلقت عينا رنيم بكفه الممدودة للحظة قصيرة، وشعرت بذلك الدفء الذي يغلف تصرفاته معها دائمًا، لكنها سرعان ما تجاهلت إحساسها. هبطت من السيارة بمفردها دون أن تستند إليه، ثم تجاوزته وتحركت نحو الداخل وكأن الأمر لا يعنيها.
تنهد شاهين بضيق وهو يتابعها، ثم أغلق الباب وتحرك خلفها.
دلفا معًا إلى بهو الفندق الهادئ، واتجه شاهين مباشرة إلى موظفة الاستقبال وقال بابتسامة هادئة:
"جبتلك البطاقة وصاحبة البطاقه نفسها."
رفعت الموظفة رأسها نحوه، وما إن وقع بصرها عليه حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة حملت قدرًا واضحًا من الإعجاب، ثم قالت:
"والله انا اسفه حضرتك اني رجعتك تاني بس ده سستم واحد هنا."
حرك رأسه بتفهم وقال:
"حصل خير مافيش مشكله اتفضلي اهي البطاقه."
تناولت البطاقة منه وما زالت تلك الابتسامة معلقة على شفتيها، ثم بدأت تدون البيانات على الحاسوب.
أما رنيم فكانت تقف على مقربة منهما تراقب المشهد بصمت. في البداية حاولت إقناع نفسها بأنها لا تهتم، لكن كلما طالت نظرات الفتاة نحو شاهين وكلما ازداد لطفها معه، كانت تشعر بشيء ساخن يتمدد داخل صدرها ببطء.
لم تفهم ما الذي يزعجها تحديدًا.
هل هي طريقة الفتاة؟ أم ابتسامتها؟
أم أنها لم تعجبها حقيقة أن امرأة أخرى تنظر إليه بهذه الصورة؟
كانت تحاول تجاهل الأمر، لكن أصابعها التي أخذت تضرب فوق الرخام بإيقاع متوتر فضحت ما يدور داخلها أكثر مما أرادت.
رفع شاهين عينيه نحوها للحظة، فوجد ملامحها مشدودة بطريقة غريبة، لكنه لم يفهم السبب، لذلك عاد يتابع إجراءات الحجز دون تعليق.
وما إن انتهت الموظفة حتى اقتربت منه أكثر وقالت بنبرة حملت قدرًا واضحًا من الدلال:
"تقدر حضرتك تمضي هنا."
ثم مالت نحوه أكثر وهي تشير إلى مكان التوقيع.
في تلك اللحظة أغلقت رنيم عينيها بقوة، وكأنها تحاول السيطرة على شيء يوشك على الانفجار داخلها، لكنها فشلت.
تحركت بخطوات سريعة نحوهما، وأبعدت الفتاة عنه قائلة بصوت غاضب:
"ممكن تخلصيني انا الاول."
تفاجأت الموظفة بحركتها واختل توازنها حتى كادت تسقط أرضًا، لكن شاهين أمسكها بسرعة بدافع الشهامة.
وذلك كان آخر ما احتاجته رنيم لتفقد ما تبقى من هدوئها.
اشتعل وجهها غضبًا وقالت:
"ايه الدلع المقرف ده؟ لو سمحتي احترمي نفسك."
ارتبكت الموظفة بشدة وابتعدت عن شاهين وهي تقول بتوتر:
"خير يا فندم أنا عملت ايه بس؟"
رمقتها رنيم بنظرة حادة قبل أن ترد بغضب:
"عماله تتمايصي عليه بطريقه مستفزة، وهو مساعدتك على القرف ده."
اتسعت عينا شاهين بصدمة حقيقية وقال:
"أنا!! والله ما حصل."
لكن ما إن استوعب معنى كلماتها حتى تبدلت الصدمة إلى فرحة هائلة. شعر وكأن أحدهم أهداه العالم كله دفعة واحدة. إنها تغار عليه.
للمرة الأولى رآها تعلن ذلك بهذا الوضوح، حتى وإن كانت لا تدرك ما تفعله.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه وقال:
"وبعدين الانسه في قمة الادب والاحترام."
ثم اقترب من أذنها وهمس:
"وجميله اوي الصراحه."
استدارت إليه بعينين مشتعـلتين، ثم ضربته بكوعها في بطنه وهي تقول:
"خلصي لو سمحتي عايزة اطلع اوضي."
أسرعت الموظفة بإنهاء البيانات، وكانت أصابعها ترتجف من التوتر وهي تسجل آخر المعلومات، ثم أعادت البطاقة لرنيم وسلمت شاهين بطاقته مع كارت الغرف الخاصة بهما.
أخذت رنيم البطاقة ونظرت إليها نظرة تحذيرية وقالت:
"طريقتك المايصه دي هتقطع عيشك قريب إن شاءالله."
ثم استدارت وتحركت نحو المصعد.
لكنها ما إن ابتعدت عدة خطوات حتى شعرت بانقباض غريب في صدرها. فكرة ترك شاهين واقفًا مع تلك الفتاة لم تعجبها إطلاقًا.
استدارت فجأة وعادت أدراجها، ثم أمسكت يده دون تفكير وأجبرته على التحرك معها.
تجمد مكانه لثانية من شدة المفاجأة، قبل أن تنفجر ضحكاته العالية داخل البهو.
كان سعيدًا بطريقة لم يختبرها منذ وقت طويل. سعيدًا لأنها تغار.
سعيدًا لأنها تشعر به.
سعيدًا لأنها، دون أن تدري، تمنحه أملًا جديدًا في كل مرة.
دلفا إلى المصعد معًا، وما إن أغلق الباب حتى تركت يده وعقدت ذراعيها أمام صدرها محاولة استعادة وقارها الضائع.
أما هو فاقترب منها وأحاط خصرها بذراعيه وقال بنبرة هامسة:
"حبيت غيرتك اوي عليا، مش قادر اوصفلك فرحت قلبي باللي حصل تحت ده."
ارتجفت نظراتها وظهر الارتباك واضحًا على وجهها قبل أن تقول بتلعثم:
"و ومين قالك اني كنت غيرانه عليك؟ ا أنا بس مبحبش الحال المايل، والبت دي قليلة ادب مش متربيه."
شدد ذراعه حول خصرها أكثر وقال بحب:
"يا بت! يعني مكنتيش غيرانه عليا؟ تمام طمنتيني علشان اكون براحتي معاها."
اشتعلت ملامحها فورًا وقالت بتحذير:
"اقسم بالله لو محترمتش نفسك يا شاهين، لكون مقطعه شعرها اللي هي فرحانه بي ده."
عندها لم يعد قادرًا على إخفاء سعادته.
ضمها إليه بقوة وكأن قلبه يحتفل داخل صدره، ثم قبل رأسها وقال:
"يا سعادة قلبي وانا شايف غيرتك عليا، أنا بستفزك علشان اشوف غيرتك دي، أنا عيوني مش شايفه غيرك يا رنيم، أنا بحبك انتي بعشق عيونك انتي يا رنيم."
تسللت ابتسامة خجولة إلى شفتيها رغم محاولاتها المستميتة لإخفائها، ثم أحاطته بذراعيها دون وعي وأغمضت عينيها وهي تستنشق رائحته التي أصبحت قادرة على بث الطمأنينة في قلبها مهما حاولت الهرب منها.
وللحظة قصيرة نسيت كل شيء حولها.
نسيت المكان. ونسيت المصعد.
ونسيت أنها ما زالت تقاوم الاعتراف بما تشعر به.
لكن باب المصعد انفتح فجأة.
انتفضت مبتعدة عنه بسرعة البرق عندما رأت الأشخاص المنتظرين بالخارج يرمقونهما بابتسامات واضحة.
احمر وجهها بشدة، وأعادت شعرها إلى الخلف في ارتباك ثم خرجت مسرعة من أمامه وكأنها تهرب من نفسها قبل أن تهرب من نظرات الآخرين.
اتجهت مباشرة إلى غرفتها، أدخلت البطاقة في مكانها، وما إن انفتح الباب حتى اندفعت إلى الداخل وأغلقته خلفها بسرعة.
أسندت ظهرها إلى الباب وأطلقت زفرة طويلة، ثم رفعت يدها إلى وجهها الذي اشتعل خجلًا.
وبالرغم من كل محاولاتها للتماسك، ارتسمت على شفتيها ابتسامة جميلة لم تستطع إخفاءها.
أما شاهين فظل واقفًا مكانه للحظات يتابع الباب المغلق الذي اختفت خلفه، وكأن مجرد رؤيتها سعيدة كان كافيًا ليملأ قلبه بالسكينة.
ثم تحرك أخيرًا نحو غرفته المجاورة لغرفتها، ودلف إلى الداخل وهو يشعر بسعادة غامرة لم يعرف مثلها منذ زمن طويل.

تعليقات