رواية اربعة في واحد الفصل التاسع والثلاثون
بس كدا يا طنط، والله ده كل اللي حصل عايز يسقطني عشان اتقدمت لسارة وبحبها، طب راضي زمنك يا طنط أنا عملت إيه غلط؟ هو أنا جاي من الشارع يعني؟ ده أنا مهندس محترم وجدي لواء وبابا الله يرحمه كان نقيب في الداخلية وأنا هخلص وهدخل كلية الشرطة، وجيت دخلت البيت من بابه واتقدمت لسارة عشان بحبها، يقوم يرفضني وعايز يسقطني، ومش أنا بس، أنا وأصحابي " قال أدهم بأسف وهو ينظر للأسفل بحزن أثناء جلوسه أمام السيدة التي تستمع له بتعاطف
هشام اللي هو عايز يسقطه ده الأول على الدفعة الأربع سنين وعايز يتعين معيد، لو سقط مستقبله هيضيع، أحمد هيسافر ألمانيا يشتغل هناك ولو سقط المصنع مش هيقبله، وقيس، ده فرحه كمان شهر و أبوه حالف لو سقط مش هيجوزه يرضي ربنا ده؟ ترضي دكتور يعمل مع سارة بنت حضرتك كدا ؟ "
نفت السيدة برأسها يخزي من تصرفات زوجها فأكمل وهو يرفع كتفيه "بس، فأضطرينا نخطفه زي ما قولتلك بس ماكناش نعرف إن حضرتك اللي هتبقي موجودة مش هو."
أصلي طردته عشان أتجوز عليا، ده أنا أتجوزته وهو معيد كحيان ما حيلتوش إلا ماهيته، فيقوم بعد كل ده يتجوز عليا" أردفت السيدة بملامح باكية فنفى الآخر برأسه بأسف وتمتم
بقى يسبب القمر ده ويتجوزا عشان تعرفي يا طنط إنه خلاص مخه ما بقاش فيه، اللي يسيب حضرتك ويتجوز واحدة تانية يبقى أكيد اتجنن "
ديل الكلب بقى نعمل إيه بس أنا مصممة إنه يطلقها."
طب وهو قالك إنه مش هيطلقها ؟ "
"لا أنكر إنه متجوز بس كداب دي مراته اتصلت بيا وسمعتها بودني دي."
"أنا يقول يا طنط نعمل خطة وحضرتك تقعدي معانا هنا في العزبة تروقي أعصابك وتغيري جو وتسيبيه يعرف قيمتك ويروح يطلق الست اللي أتجوزها، ويلف حوالين نفسه عشان يرجعك وفي نفس الوقت إحنا ننجح."
نظرت السيدة حولها بتفحص لأنها لا تتبين أي شيء من ذلك القبو الذي تتواجد فيه "هي دي
"أه دي عزبة جدي، فيه مزرعة وزرع ومواشي وأبراج حمام ... جدي بييجي هنا لما بيعوز يروق أعصابه ويأكل أكل نضيف ويشم هوا نضيف، وأميرة شغالة هنا بتنضف البيت وبتعمل الأكل. اعتبري نفسك في أجازة يا طنط. "
" والله فكرة، خليه يلف حوالين نفسه كدا وما يبقاش فاضى للسنيورة بتاعته، " قالت السيدة بابتسامة شريرة مستحسنة للموقف بأكمله
"أهو كل ده هيبقى بتاعي يا طنط، ورغم كدا رفضني لما اتقدمت لسارة، يعني مش لو كنا اتجوزنا كان كل ده هيبقى بتاعها وحضرتك وهو كنتوا تيجوا في أي وقت أنتوا عايزينه هنا!" تمتم بأسف مفتعل فأومات السيدة بحزن
"بس عموما كل شيء قسمة ونصيب ماحدش بياخد أكثر من نصيبه،" أضاف يحزن وهو يهز راسه يمينا ويسارا بدون رضى لكن السيدة سارعت بالنفي
"لا ماتقولش كدا، لك عليا إن شاء الله بعد ما الموضوع ده يخلص إنى أجوزهالك، هجوزهالك غصبا عنه "
جف حلقه ورسم ابتسامة مزيفة على وجهه ثم رفع يده يحك عنقه بتوتر " بجد؟"
اه والله، ما دام بتحبها كدا يبقى خلاص سيبك منه، هو أصلا مش عايز يجوزها وعايز يخليها تخلل جنبي، ده رافض خمس عرسان لحد دلوقتي "
ابتلع لعابه بصعوبة وهو يومئ بإذن الله، أنجح بس لأحسن أنا لو سقطت جدي مش هيسيبني في حالي، ده حالف يحرمني من الورث لو سقطت "
توسعت أعين السيدة ونفت برأسها "لا طبقا، إن شاء مش هتسقط لا، بس أنا ما عنديش هدوم هنا! مقعد هنا إزاي ؟"
بسيطة، أنا مطلع وهبعتلك أميرة بهدوم جدتي ليها هدوم هنا " قال ونهض ثم هرول للأعلى وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، لا يصدق أنه أقنع السيدة حقا بالبقاء هنا والانتقام من دكتور مصطفى معهم!
جانت أميرة ببعض الملابس الزوجة دكتور مصطفى التي التقطتهم بسرعة ونهض وبدأت تبديل ثيابها أثناء إستدارة أميرة وإعطائها ظهرها، كانت تتساءل من هي تلك السيدة؟ وماذا تفعل في قبو أدهم؟ وما الذي جلبها إلى هنا؟ لكنها تعلمت جيدا أن تبقي فمها مغلق ولا تتدخل فيما لا يعنيها، فهذا ما قد حذرتها والدتها منه لأن اللواء رأفت مقلاد لا يحب لأحدهم أن يأخذ ويعطي
معه في الحديث، وبالتأكيد أدهم مقلاد الحفيد الوحيد يتبع تصرفات جده.
"أنا خلصت، هو ممكن أطلع من هنا؟ قالت زوجة دكتور مصطفى فاستدارت لها أميرة وأومات بسرعة لتقول بلكنتها اللطيفة "اتفضلي حضرتك "
التسير معها السيدة وهي تتفحص المكان حتى صعدت للمنزل نفسه، والذي وجدته ذا طابقا ريفيا لكن انيقا بشدة ... ابتسمت عندما تنفست هواء نقيا لم تتنفسه منذ أمد بعيد في القاهرة.
"أخضر لحضرتك العشاء" تساءلت أميرة فأومأت الأخرى "فيه أكل إيه؟"
فيه كل اللي حضرتك عايزاه عايزة طبيخ ماشي فاكهة موجود فطير بالسمنة البلدي وعسل نحل برضه موجود"
اتسعت ابتسامة السيدة ورفعت يدها تلملم خصلات شعرها الأسود القصير خلف أذنيها ثم نظرت للخارج، حيث الشرفة المطلة على الزرع وقالت "طب أنا مقعد هناك هاتيلي فطير
وعسل "
أسرعت أميرة فوزا نحو المطبخ وتركت السيدة تتجول بعينيها في كل مكان، وعندما دخلت الشرفة وجدت أدهم هناك بالفعل، كان يعبث بهاتفه لكنه أغلقه فور وقوف السيدة بجانبه
"اتفضلي يا طنط" أشار إلى الكرسي بجانبه فجلست وعلقت عينيها على المكان أمامها، رمقها أدهم بطرف عينيه، لا يصدق أنه استطاع إقناعها بمجارتهم حقا سيقفز الرفاق فرحا عندما يعلموا بهذا.
"مصطفى ما اتصلش تانى؟" تساءلت فنفى برأسه امتعضت ونظرت أمامها، إن حنقها يزيد عليه شيئا فشيئا، وهي تقسم بأنها لن ترجع له إلا عندما يعرف قيمتها جيدا.
تقدمت أميرة بصينية الطعام ووضعتها أمام السيدة التي ابتسمت وشكرتها ثم همت بالأكل وحينها استأذن أدهم ونهض لاحقا بأميرة محاولا فتح حديثا معها
جهزت الأوضة اللي هتنام فيها؟"
"الأوض كلها نضيفة يا سي أدهم، أنا بنضفها كل يوم " تمتمت بتوتر وهي تحكم إغلاق شالها على رأسها فحك عنقه وأوماً .. كانت سترحل لكنه أوقفها
هو جدي مش سايب هدوم بتاعته هنا ؟"
"لا ليه ؟"
"أصلي ما جيبتش هدوم ومش لابس غير البلوفر ده والبنطلون ده، وبقوا ملياتين عرق ولازم يتغسلوا " تذمر وهو يشد سترته الصوفية بضيق
أحمرت خجلا وهي تقول بطريقة متلعثمة ممكن .. ممكن تدخل أوضتك يا سي أدهم .. و و .... تقلعهم وأنا مغسلهو ملك وأنشفهو ملك بسرعة."
لم يستحسن الفكرة وحاول التفكير في شيء آخر طب مافيش حد بيبيع هدوم قريب؟" في المركز بس ده ساعة من هنا وما ينفعش دلوقتي، الدنيا ضلمت "
أخذ نفسا عميقا بضيق ثم نظر لسترته وتمتم طب بصي، اغسلي البلوفر بس، لأني مش هقدر أقعد هنا من غير بنطلون أكيد ثم ضحك فخجلت وابتسمت
طب هاته وهغسلهولك بسرعة، فوربرة مش هتلحق حتى تحس"
ضحك على مصطلحها الغريب ثم أوماً ورفع سترته وخلعها بسرعة ليعطيها لها، انتشلتها من يده سريفا وهي تخفض عينيها للأسفل لكي تتفادى النظر له، بينما هو سارع بالرحيل نحو غرفته وهو يصيح عليها
قولي للست إني نايم وخليها تاخد راحتها وتعتبره بيتها."
أومات كالطفل المطيع وكأنه يراها أثناء قبضها على سترته الصوفية .. وعندما اختفى عن أنظارها كانت قد علقت عينيها على سترته الصوفية البيضاء وتفحصتها بعينيها، لا تبدو متسخة! تبدو نظيفة ! .. ربما رائحتها ؟
رفعتها إلى أنفها لتشمها لكنها لم تجد إلا رائحة العطر يفوح منها .. ماذا كان أدهم يقصد عندما قال أنها متسخة !
قطبت جبينها بدون فهم ثم تحركت نحو المرحاض لكي تغسلها على كل حال.
كانت قراءة فاتحة مراد وغادة اليوم، مراد يتجهز منذ النصف ساعة والجميع بدا في أهبة الاستعداد عدا أحمد الذي كان في غرفته المليئة بدخان السجائر يرتمي بملابس بيتية على سريره ويدخن من سيجارته بهدوء أثناء تعليقه لعينيه على السقف
لا يستطيع استيعاب أنه قد خسر سلمي وداليا مرة واحدة!
يتذكر أنه من تسبب في موت سلمى فينقبض صدره ويكره نفسه، ثم يتذكر أن داليا تعاقبه على شيء فعله طليقها فيوجه حقده نحو ذلك الشخص الذي لم يلتقيه أبدا ...
لكنه لا يعرف ماذا يفعل الآن؟ إن قلبه يؤلمه ولا يصدق أنه قد خسر داليا أيضا، لقد أحبها ويصدق، بل يكاد يشعر بأنها الحب الوحيد الحقيقي في حياته، لقد كانت الفتاة الوحيدة التي يتوتر بجانبها، الفتاة الوحيدة التي تجعله يتحدث براحة بدون تكلف أو ترتيب .....
قاطع تفكيره فتح أمه للباب ونظرها له بضيق "لسه ما ليستش؟ "
اعتدل في جلسته وأطفأ عقب سيجارته في المطفأة وهو يهمهم "قايم أهو يا ماما."
"الله يخربيت السجاير يا أخي ارحم نفسك وارحمنا بقى حرام عليك خاف على صحتك حتى ! ده انت صحتك دي ربنا هيسألك عليها يوم القيامة وهيقولك ضيعتها في إيه؟"
رسم ابتسامة متكلفة على فمه وهو ينهض بصعوبة عن السرير واقترب منها محاولا تقبيل رأسها لكنها دفعته بعيدا وتذمرت "ما تقريش مني ما بحبش ريحة الزفت اللي بتشربه "
ابتلع لعابه بالغصة التي وقفت في حلقه وأوما ثم تحرك للمرحاض بسرعة ليأخذ حماما ويغسل أسنانه ويرتدي ملابسه.
كان مراد يقف بجانب كرسي أبيه المتحرك وأمه المتجهزة ينتظرونه حتى أنتهى وخرج لهم يرتدي بذلة سوداء وقميص أسود وقد هندم نفسه جيدا وتلاشت رائحة سجائره ليحل محلها عطر فاخر يفوح من على بعد خمسة أمتار منه ..
اقترب من مراد وربت على كتفيه بابتسامة بسيطة "مبروك ياعم قعدت تقولنا بس مش هتجوز سوكا العبيطة وهي تقولك مش هتجوز واحد سلبوتة وأهو هتتجوزا."
ضحك مراد عاليا ودفعه "عقبالك يا لمض."
تلاشت ابتسامته وأوما " إن شاء الله يلا بقى عشان ما تتأخرش على سوكا."
قطب مراد جبينه وحذره والا، ما تقولش عليها سوكا، اسمها غادة ولاحظ إنها هتبقى مرات أخوك الكبير، يعني لم نفسك كدا."
ضحك وأوما ثم خرج مراد ومعه والدته بعد أن أخبرهم أحمد بأن يسبقوا هما وبأنه سيتكفل
بكرسي والده.
بدأ يدفع الكرسي وإنزاله في وسط مراقبة له من كامل الذي تكلم فجأة "مالك يا أحمد؟ انت كويس ؟"
"أه كويس" أجاب كاذبا لكن كامل أكمل "لو متضايق عشان هنخطب لمراد وأنت لا فوالله أنا وأمك متفقين تخطيلك بعد النتيجة "
شعر بالألم يضرب صدره وارتسمت ابتسامة مزيفة على وجهه ونفى برأسه "لا، مش عايز ... خلاص شيلت الموضوع من دماغي"
قطب كامل جبينه ورفع رأسه له ليرى ملامح وجهه العابسة وتساءل "هو أنت وداليا كويسين؟" ابتلع لعابه وتجاهل ذلك السؤال عندما خرجا أخيرا من بنايتهم ودفع بالكرسي نحو البناية التي أمامهم بالضبط
"هي سابتك ولا إيه ؟ " تساءل أبيه من جديد فارتفعت ضربات قلبه وسخر بمرارة "لا، هي ما قبلتنيش أصلا عشان تسيبني، رفضتني "
"ليه أنت عملت ايه ؟"
يا بابا هو لازم أكون أنا نيلت حاجة ؟ والله ما عملت حاجة حد غيري عمل وأنا اللي لبستها ... بس والله ما هسيبه، هي كبرت في دماغي بقى وقسما بالله ما هسيبه" تحدث بانفعال وصك
الله على فكيه بحقد
تسيب مين وعمل إيه؟ أنا مش فاهم !"
مافيش يا بابا، ومش مهم تفهم أكمل وهو يدخل الكرسي إلى البداية حيث شقة غادة.
كانت غادة ترتدي فستانا برونزيا لامعا وتجلس بهدوء على نفس الأريكة بجوار مراد يتجرعان
من العصير بعد أن قرأ جميعهم الفاتحة واتفقوا تقريبا على كل شيء
طب إحنا هنعمل الخطوبة إمتى ؟ " تساءلت أم غادة فنظر لها مراد بحاجبين معقودين "خطوبة ايه يا طنط ؟ احنا هنعمل كتب كتاب على طول. "
يعني مش هتعملوا فرح؟"
كان سيجيب لكن والدته تدخلت بسرعة مين ده اللي مش هنعمله فرح؟ ده أول فرحتي وهنعمله فرح كبير في فندق واعزمي اللي أنت عايزاه يا أم غادة، دول أول فرحتنا"
"أنا شايف ما فيش داعي للفرح، إحنا نعمل كتب كتاب ودخلة على طول وأنا معوضها بشهر
عسل كويس " قال مراد فانقلب وجه أمه وأم غادة ورمقاه بامتعاض
" يعني إيه مافيش فرح؟ ده أنا مستنية اللحظة دي عشان أفرح بيها!" قالت أم غادة بحدة فحاولت غادة تهدئتها "يا ماما أنا أصلا مش عايزة فرح فرح يعني رقص وأغاني، هنبتدي حياتنا بذنوب يعني!"
ابتسم مراد وتبادل معها النظرات فنظر الأمان لبعضهما بضيق مما جعل كامل يتدخل "خلاص يا جماعة، سيبوهم هما حرين، يعملوا اللي يعملوم"
"لا بقى، أنا قولت فيه فرح يعني فيه فرح" زمجرت أم مراد فتضامنت معها الأخرى " والله معاك حق يا أم مراد هو فيه جواز من غير فرح !"
خلاص يا ماما، هنعمل فرح على الضيق كدا عشان بس ما أزعلكيش ولا أزعل طنط أم غادة." قال مراد محاولا إنهاء النقاش فتهللت ملامح ام غادة ونهضت تحتضنه "لا طنط أم غادة إيه بقى ؟ قولي يا حماتي "
ضحك وأومأ لها في حين أمال أحمد على غادة وقال بنبرة خفيضة "مبروك يا غادة، ويا ريت ما تزعليش مني لو كنت عملت معاك حاجة ضايقتك أنت في مقام أختي دلوقتي وأنت ما
تتخيليش أنا بحب ويحترم مراد قد إيه "
ابتسمت وهزت رأسها بحسنا وهي تتمتم ما حصلش حاجة، أنت زي اخويا الصغير يا أحمد "
اطمأن وعاد إلى كرسيه بابتسامة لطيفة تم تبادل النظرات مع أخيه ليعلمه بأنه قد أنهى النزاع بينه وبين غادة تماما فأعطاه مراد نظرة ممتنة.
رحلت عائلته بعد بعض الوقت واستأذن من أم غادة ليأخذ ابنتها إلى مطعم ليأكلوا ويتحدثوا قليلا وهي قد وافقت، لتجد غادة نفسها تجلس أمامه على طاولة في مطعم أنيق في الزمالك خلال نصف ساعة.
سألها مراد يتبل عما ستأكل وأملى طلبهما على النادل ثم رحل وبقيا بمفردهما
"أنا حاسس إنك متضايقة، هو فيه حاجة زعلتك ؟" تساءل بعد فترة من النظر لوجهها فابتلعت لعابها ونفت برأسها لكنه لم يصدقها، تبدو حزينة نوعا ما ...
"غادة، إحنا اتكلمنا قبل كدا واتخانقنا برضه قبل كدا، وأظن إن إحنا الإثنين عندنا فكرة عن بعض، بس أنا حابب نتعرف بشكل أكبر وما نخبيش على بعض حاجة، يعني لو فيه حاجة مضايقاك يا ريت تكوني مباشرة معايا وبلاش جو البنات اللي تفضل تقولك مافيش بالرغم من إنه فيه، لو فيه حاجة قولى وهتحاول نحلها سوا."
حمحمت و نظرت إلى يديها اللتان تفركهما ببعضهما بتوتر ثم ابتلعت لعابها وتحدثت بنبرة خفيضة "مافيش بس ... متضايقة عشان .... عشان .. كان نفسي بابا يبقى معايا، وعشان هسافر معاك وهسيب ماما لوحدها .... أنا مش عايزة أسيبها لوحدها."
زم مراد شفتيه وهز رأسه بتفهم ثم رفع يده يحك ذقنه " هو أنت متأكدة إنك مش عايزة تصالحي باباك؟"
كويت وجهها بين كفيها أثناء إسناد ذراعيها على الطاولة وقالت بتيه "مش عارفة " "عايزة رأيي؟"
اومات فأكمل "لازم تكلميه."
نظرت بعينيها بعيدا وبدأت تفكر في كلام مراد الذي أكمل جاذبا انتباهها "أما عن مامتك وإنك
مش عايزة تسيبيها لوحدها فأنا عندي ليك خبر حلو بس الموضوع ده سر بينا ما يتقالش لحد
ولا حتى مامتك ومامتي، ماشي؟"
أومأت بسرعة فأكمل "أنا بصفي شغلي هناك وخلال سنة بالظبط هيكون العقد بتاعي انتهى، أنا بقالي سنتين بعمل دراسة جدوى المشروع مصنع خاص بيا هنا في مصر، هو مش هيكون مصنع كبير أكيد في الأول، بس أنا متفائل خير إنه إن شاء الله هينجح ويكبر "
تهللت ملامح وجهها ونظرت له بدون تصديق " بجد؟ يعني سنة واحدة بس هناك؟"
أوما بابتسامة بسيطة وأردف بهدوءه المعتاد زهقت من القعدة لوحدي هناك، لا فيه أهل ولا أصحاب، كل حاجة حلوة بس لوحدي ... وماما اللي بتتصل تعيطلي طول ما أنا هناك بتخليني قاعد متنكد، وأحمد حاسس إنه محتاج لوجودي هنا جنبه بابا لا بيهش ولا بينش معاه .. أنا
كنت متحمل لحد ما أكون فلوس أقدر أبدأ بيهم حياة كويسة هنا."
"أقولك على حاجة ؟" قالت غادة بحماس قد لفت انتباهه فأعطاها كامل تركيزه علقت عينيها على زرقاوتيه وأكملت بضحكة تحاول منعها "أنا كنت متعقدة من كل الرجالة لحد ما شوفتك "
ضحك بخفة وتساءل "إشمعنى ؟"
كان كل اللي حواليا نماذج سيئة، أولهم بابا طبعًا، فخلاص أنا كبرت وأنا عندي عداء تجاهكم كلكم كرجالة، وطبقا العداء ده طلع عليك في أول مرتين شوفنا بعض فيهم - " ضحكت فرافقها وأوما لكنها هدات وأكملت
"بس ماما لما قالتلي على حكاية باباك، واللي أنت عملته، وقد إيه أنت إنسان كويس، بدأت أحس إن لا فيه رجالة كويسة أهو ويعتمد عليهم ومحترمين وولاد ناس"
ابتسم وكان سيتكلم لكن النادل قاطعهما بوضعه للأطباق على طاولتهما فانشغلا بالأكل عن الحديث لكنه كان يلقي بنظرات خاطفة عليها من حين لآخر دون أن تنتبه له، إذا لقد كانت تملك عقدة تجاه الرجال؟ وهذا ما جعلها ترفض الجميع حتى أصبحت في التاسعة والعشرون رغم كونها شكليا لطيفة بشدة، كما أنها متدينة ومحترمة .
وضع قطعة من اللحم في فمه بابتسامة خافتة، إنه فقط لا يصدق كيف أن القدر قد جعل كل شيء يمشي بتلك الطريقة، وكيف بأن غادة تملك كل المواصفات التي يريدها.
" هو أنت ليه ما أتجوزتش واحدة صغيرة؟" تساءلت الأخرى فجأة فقطب جبينه وأجاب بطريقة ساخرة " يمكن عشان أنا مش صغير مثلا؟"
بس كل الرجالة بيحبوا ال." همت لتدافع عن وجهة نظرها فقاطعها
"أنا عيشت تقريبا نص حياتي برا، وعقلي غير عقول الذكور اللي هنا، وأنا مؤمن تماما إن لازم أختار واحدة سنها يكون مناسب سني، أنا عندي خمسة وثلاثين سنة وأكبر منك بست سنين، يعتبر مناسب جدا لزوج وزوجة، أما إني أروح أخطب بنت أقل من خمسة وعشرين سنة فده غباء وقلة عقل، لأن بعد خمس سنين بالظبط، أنا هكون رجل في الأربعينات، وهي لسه ماكملتش الثلاثين، هي عايزة تخرج وتتنطط وتروح هنا وهناك وده حقها، وأنا عايز اعيش حياة هادية
لطيفة في جو أسري دافي وده حقي "
توسعت عينيها عندما سمعت ذلك الكلام منه، غير أن نبضات قلبها قد ارتفعت كثيرا، إن إعجابها بذلك الرجل يزيد بصورة غير طبيعية، غير أنها متأكدة بأنها بالفعل قد وقعت في حب رجاحة عقله وهيئته الوسيمة ... الآن إنها تشعر بأنها قد حصلت على مكافأة نهاية الخدمة، لأنها رفضت الكثير ممن لا يروقونها لأسباب قد تبدو للبعض تافهة، لكنها بدت لها أسبابا كافية لرفضهم، حتى انتهى بها الأمر مع الشخص الذي كانت تملك صورة مسبقة عنه في خيالها.
"أنت ما دخلتش في أي علاقة مع واحدة من هناك ؟ " تساءلت فرفع رأسه وأبطأ مضغه للطعام
ثم أجاب بثبات "كان فيه .. أنجيلا ."
تجهمت ملامح وجهها فوزا ثم صمتت ونظرت لطبقها بغيظ وغيرة يفتكان بها، كانت تحارب الكلمات في فمها لكنها لم تستطع الصبر ورفعت رأسها له لتنطق باندفاع " وكانت إيه طبيعة علاقتك بالظبط بأنجيلا دي ؟!"
"عادي أنا وهي كنا معجبين يبعض، وكنت هتجوزها بس هي كانت عايزانا نمشي بعادات البلد عندهم والحياة تبقي عادي من غير جواز، وعشان أنا رفضت فهي حيث تخليني أغير عليها وخليتني أشوفها وهي بتبوس واحد وبس ... قطعت علاقتي بيها، هي حيث تعتذر بعد كدا وتقول إنها هتمشي زي ما أنا عايز ونتجوز وكدا، بس الموضوع بالنسبالي كان محسوم."
ابتسمت ودعت بداخلها لأنجيلا تلك ثم أكملت طعامها براحة وسعادة وعندما انتهت استأذنت منه لتنهض وتغسل يدها، وحينما تأكد مراد بانها ابتعدت كان قد التقط حقيبتها وأخرج هاتفها بسرعة محاولاً فتحه لكنه اصطدم برمز سري يمنعه من فتحه بالأساس لكنه وجد أنها تفعل في هاتفها ميزة التعرف على الوجه فأخرج هاتفه ثم عبث به بسرعة وأخرج صورتها التي التقطها لها منذ الساعة ووضعها أمام هاتفها فانفتح فوزا ... ابتسم بمكر وعبث به قليلا ثم نقل شيئا ما من هاتفها إلى هاتفه وسارع بوضعه من جديد في حقيبتها قبل أن تظهر هي بعدها بدقيقة وتجلس
بابتسامة تعلو محياها فابتسم لها بالمقابل وكأنه لم يفعل شيئا.
انقضى اليوم سريفا وصعدت زوجة دكتور مصطفى نحو غرفتها وغطت في نوم عميق، وفي صباح اليوم التالي حضر هشام وقيس يحملان معهما الأشياء والحلوى التي طلبها أدهم، لكن
فور دخولهما إلى المنزل انصدما بالسيدة في وجهيهما
سقطت الأشياء من يد هشام وهم بالجري لكن قيس أمسك بسترته وهدده "اثبت ياض"
وقف وعدل من نظارته ثم حمحم بتوتر "هو .. هو أدهم فين؟"
"أنتوا أصحابه اللي خطفتوني معاه ؟ " تساءلت السيدة وهي تضيق عينيها نحوهما فسارع هشام بالنفي برأسه "لا لا ما حصلش، ده هو خطفك لوحده."
ابتسمت السيدة بتفهم لأنها ترى كم أنه مرعوبا الآن ثم شبكت يديها أمام صدرها وأضافت "طب عموما هو حكالي كل حاجة وأنا قررت أساعدكم "
توسعت اعين قيس بينا قطب هشام جبينه بدون فهم لكن السيدة تركتهما وخرجت عن المنزل وهي تكمل "أنا رايحة أتمشى وسط الزرع شوية مع أميرة."
أمال قيس على هشام وهمس "مين أميرة دي؟ هو الواد أدهم جاب نسوان هنا ولا إيه؟"
ظهر أدهم بعد قليل فسارع قيس نحوه وأمسك بسترته "أنت ياض فكيت الولية دي ليه وهيبت ايه من غيرنا ؟ "
يا عم اوعى كدا، فين الشاورما ؟ " دفعه عنه فوقف قيس ينظر له بغيظ شاورما إيه يا ياض يا معدوم الدم أنت؟ ما تقول حصل إيه وتنجز؟".
بعد أن حكى لهما ما حدث قفز فيس على الأريكة وبدأت بتأدية حركة رقص عشوائية "يعني إحنا كدا في السليم."
عدل هشام من نظارته وأوما ثم تذمر "انزل يا ابني أنت من على الكتبة يا معفن، بنقعد عليها دي اللي أنت واقف عليها بالجزمة."
"سي أدهم . " جاء صوت أميرة فجأة من خلف قيس فتصنم في مكانه ونظر لأدهم وهشام اللذان أمامه وهمس "هو أنا بيتهيألي ولا . " قبل أن يكمل أعادت أميرة "يا سي أدهم "
استدار لها قيس بابتسامة بلهاء فاصطدم بأعين خضراء تحدقان فيه ثم قفز عن الأريكة ووقف ينظر لها بطريقة مريبة أريكتها
"يا سي أدهم، هتاكل ؟ "
ضحك ونظر لأدهم وهو يشير لها بسبابته "ثواني، هي دي أميرة صح ؟"
خجلت الفتاة وخبنت وجهها بالشال المطرز بورود حمراء فتجاهله أدهم ونظر لها ليجيب ينيرة حانقة "مش هاكل، امشي دلوقتي، ما تجيش إلا لما أندهلك."
اعتلت ملامح محرجة وجهها وأومأت بصمت ثم لملمت كرامتها وابتعدت، وحينها استدار قيس له بغيظ وصرخ عليه بتزعل المزة ليه يا متخلف؟"
أمال هشام رأسه بتركيز نحو قيس الذي تناسى وجوده تماما وأكمل "سمعتها وهي بتقول يا سي أدهم؟ خدت قلبي والله في نفس اللحظة."
اشتعل الغضب في رأس هشام ونهض يزمجر من تحت أسنانه "تصدق بالله، لو القتل مش حرام كان زماني واخد روحك .. ما تلم نفسك وتظبط يالا بدل ما أتصل بليلي أقولها على الكلام ده كلها"
هربت الدماء من وجه قيس وابتلع لعابه ليبلل حلقه الذي جف وأردف بنبرة مبحوحة " يا ابني بهزر .. بعدين يعني أنا هبص الواحدة خدامة؟"
ده هو ده النوع المفضل بتاعك أصلاا" استنكر هشام فنهض أدهم ليقف بينهما " بقولكم إيه. مالكوش دعوة بيها دي بت غلبانة وفي حالها، يا ريت ماحدش يجيب سيرتها وخرجوها برا حواراتكم دي."
"أنت معجب بيها أنت كمان ولا إيه ؟ الله يخربيتكم " صاح هشام بدون تصديق ونظر الإثنيهما حيث أمال قيس وهمس في أذن أدهم " البت دي تخصك ؟"
" في بيتي تبقى تخصني، سامع يا بتاع نعمة ونجلاء؟"
"أنا خاطب أصلا، اشبع بيها " سخر قيس وألقى بجسده على الأريكة لكن عينيه تعلقت على الممر المؤدي للمطبخ، ايتلع لعابه ونفى برأسه ثم أشاح بوجهه بعيدا وهو يكرر بداخل عقله "لا لا
.. أنا خاطب" لكنه سرعان ما عاد برأسه نحو الممر من جديد.
كان المساء قد حل على أحمد الذي يجلس في شرفة منزله ينام برأسه على ذراعه التي وضعها على السور الحديدي، أثناء تعليقه لعينيه على الشارع بنيه، ثم أخرج هاتفه وعبث فيه حتى دخل إلى صفحتها الشخصية على الفيسبوك من جديد و كالعادة لم يجدها قد نشرت شيء أو حدثت أي شيء ... تبا لها ولشخصيتها الغربية تلك، نفخ الهواء من فمه ووضع هاتفه في جيب بنطاله الاسود القطني من جديد ثم عاد برأسه إلى الشارع، لقد اعتاد على محادثتها يوميا،
ورؤيتها يوما بعد يوم، والآن هو غير مسموح له رؤيتها ومحادثتها أو معرفة أي شيء عنها ؟ إنها تؤلم قلبه وهو حقا يشعر بالتعاسة ... داليا كسرت قلبه لكنه ما زال غير قادر على كرهها، بل إنه
يكره من تسبب بوضعهما في ذلك الموقف.
ظهرت ابنة الجيران التي تماثله في السن بل وكانت معه في نفس المدرسة في الشرقة التي في المبنى المقابل له تحديدا فوق شرفة غادة ... انتبه لها لكنه سرعان ما رجع وأسند رأسه بملل على ذراعه ونظر للشارع من جديد .. يجب أن يعتاد على غياب داليا هو يعلم بهذا، لكنه فقط لا يملك غير الاشتياق لأحاديثهما بشدة، غدًا عيد مولدها، يحسبه منذ أكثر من أسبوعين .. لقد اشترى لها هدية، لكنه لا يعلم أيذهب ويعطيها لها ؟ أم يتجاهل الأمر؟
لسه متضايق ؟" ظهر صوت والده بجانبه فجأة بعد أن تقدم يحرك عجلات كرسيه المتحرك فتنهد الآخر وعلق عينيه على أبيه ثم أجاب "لا يا بابا أنا كويس "
طب هفرحك، أنا وأمك كنا بتتكلم امبارح بالليل وقولتلها تاني إننا عايزين نخطبلك زي مراد وإن شاء الله بعد النتيجة تشاور لنا بس على اللي أنت عايزها وهنروح نخطبهالك يا عم "
مش عايز أردف بضيق وابتلع الغصة في حلقه ثم علق عينيه على الشارع من جديد، فصمت والده الذي أدرك بأنه أصبح لا يريد أية فتاة إلا داليا، تلك الفتاة التي حدثه عنها الكثير والكثير من المرات، وفي كل مرة يحدثه عنها تلمع عينيه بلمعة غريبة لم يرها في عينيه من قبل، إنه الشغف، أحمد يبدو شغوفا بها، هو يعرف ابنه جيدا، لكنه لا يفهم لماذا قد ترفضه داليا إن كان
يحبها هكذا ومستعدا لخطبتها؟ وأحمد لا يتكلم ولا يبدو أنه يريد التكلم.
كانت أميرة قد جهزت العشاء وبدأت بالبحث عن الجميع، فوجدت أدهم والسيدة يتحدثان في الشرفة، وقيس في غرفة المعيشة بشاهد مباراة لكرة القدم ولم تعلم ابن هشام؟
صي قيس، أنا جهزت الأكل، هتاكل ؟ " سألته فالتفت لها بابتسامة وقال بطريقة ماكرة " بتقولي
إيه ؟ ما سمعتش ؟"
"هسمعك أنا بتقولك يا سي رفت يا قطران هتطفح ؟ حلو كدا؟" سخر هشام الذي ظهر من العدم فجأة فتلاشت ابتسامة فيس وابتلع لعابه بخوف ثم حك عنقه وأوما
"آه ماكل "
رحلت أميرة وظل قيس يحدق في أثرها وهشام يتابعه بعينيه حتى انتبه له فأبعد بصره بعيدًا واستعاذ بالله من الشيطان ثم تحرك للخارج وأخرج هاتفه ليتصل بليلي
ايه يا كوكو عامل ايه ؟" استقبلت ليلى المكالمة فابتسم رغما عنه وتمتم تمام يا قلب كوكو
أنت عاملة إيه ؟ تعرفي إنك وحشتيني وبكرة عايز أشوفك "
طب قول لبابا وتنزل "
"ماشي، نقول لبابا حاضر " تمتم ووضع يده في جيبه بنطاله ثم سمع تلك اللكنة الفلاحي من خلفه "الأكل هيبرد يا سي قيس" ثم رحلت بسرعة.
سمعتها ليلى التي ارتفعت ضربات قلبها فجأة وتساءلت بطريقة مندفعة من خلال الهاتف "مين دي؟ أنت فين؟"
"أنا في عزبة أدهم ودي بنت شغالة هنا، فيه إيه !"
"لوحدك؟"
"هشام وأدهم معايا."
هشام قال إنكم هتباتوا هناك، أنت هنبات ؟"
لا مش هبات، أنا جاي النهاردة"
بس هشام قال إنكم متفقين تباتوا!"
"كنا متفقين وغيرت رأيي وجاي النهاردة، مش هقعد أنا هنا."
ليه ؟ هو إيه اللي حصل ؟ "
" فيه إيه يا ليلى، هو تحقيق ؟ " قال بطريقة هجومية ثم تمتم بقولك إيه أنا رايح أكل عشان همشی کمان نص ساعة، لما أرجع هبقى أكلمك ، سلام" وقبل أن يعطيها الفرصة للرد كان قد أغلق هاتفه ووضعه في جيبه، بالتأكيد لن يبات هنا، على جثته أن يبات هنا، سيأكل طعامه
وسيرحل فورا.
على طاولة الطعام تحدث أدهم إلى السيدة من جديد على فكرة يا طنط، أنا نيمت دكتور مصطفى وسارة وقولتلهم إلى كلمت جدي وبتاع وهو هيتصرف"
ابتسمت السيدة وأومات أحسن كدا، عشان ما يبلغش البوليس "
أوما أدهم بالمقابل ثم وضع لقمة في فمه بابتسامة ماكرة، لا يعلم متى وأين قد بدت توانيه تلك الأفكار الشريرة؟ ومتى وكيف أصبح مستعدا لتنفيذها؟ لكنه فقط يعرف بأنه الآن مختلفا، ليس كليا لكنه مختلفا .. وهذا الاختلاف يعجبه بشدة.
بعد انتهائهم من تناول الطعام صمم قيس على الرحيل، فعانده هشام وأصر على البقاء لكن الآخر هند بتركه هنا والرحيل بدونه ثم لن يجد وسيلة للرجوع بدون سيارته فمثل هشام التهديدات الآخر ورحل معه مجبزا رغم أن غذا عطلة من العمل وهو أراد الاستجمام هذا قليلا.
في صباح اليوم التالي وقف أحمد أسفل شجرة في شارع سكني، علق عينيه على مدخل بناية بيضاء اللون، وضع سيجارة في فمه وأشعلها ثم أستند إلى جزع الشجرة يدخنها ببطء، لم ينزل عينيه عن مدخل البناية حتى ظهر رجلا في الثلاثون من عمره تتأبط ذراعه زوجته، يحادثها فتبتسم وتخجل ثم تصفعه على ذراعه بخفة، ارتفعت ضربات قلب أحمد وهو يحرك عينيه ببطء معهما ليتابع كل خطوة يفعلانها، وصل الرجل ببذلته الرسمية السوداء تلك ولحيته الطويلة إلى سيارة فضية وأخرج مفاتيحه ثم فتح سيارته ودخل وتلته إمرأته .. حرك السيارة ليخرج في حين ترجل أحمد مقترنا منهم قليلا ليتفحص السيارة التي انطلقت من الخلف، علق عينيه على ظهرها ثم ألقى بعقب سيجارته ودعسه بقدمه بدون أية ملامح تعلو وجهه، وسرعان ما رفع رأسه لينظر نحو الطابق الثاني ثم نظر مجددا إلى الطريق الذي رحلت منه السيارة .. هذا هو. طارق إسماعيل، وهذا منزله، وهذه سيارته، وهذا شارعه، وهذا هو موعد خروجه للتسوق برفقة زوجته كل يوم جمعة، لقد بحث في صفحة زوجته جيدا فوجدها قد كتبت منشورا منذ شهر تقول فيه أن موعد تسوقها برفقة زوجها يوم الجمعة هو الموعد الأسوأ طوال الأسبوع لأنه لا يتوقف عن التذمر بشأن شراء الأشياء .... أليس مرعبا كيف أن منشورا واحدا على موقع تواصل اجتماعي من الممكن أن يخبر الكثير؟ وأليس مرعبا كيف أن هناك شخصا يستطيع عيش حياته سعيدا بدون ذرة تأنيب ضمير بعد أن دمر حياة شخصا آخر لم يمسسه بسوء؟
نفخ آخر نفس دخان كان يحبسه في الهواء ووضع يده في جيبه ثم ترجل بعيدا وهو يقسم بأنه سيجعله يدفع الثمن غاليا، غاليا جدا .. غاليا بصورة تساوي ما قد أخذه من دانيا.
