رواية رهان في محراب العشق الفصل الثالث
وقفت الكلمات في حلق خديجة كأنها شوك بيجرح حنجرتها. الكلمة رنت في ودانها للمرة الألف..
“نويت أخطب”.. جملة بسيطة جداً، مكونة من كلمتين، لكنها كانت كفيلة إنها تهد كل الحصون اللي بنتها خديجة حوالين قلبها السنين اللي فاتت.
حست ببرودة بتسري في أطرافها، ورؤيتها بقت مشوشة للحظات، بس كبريائها وقوة إيمانها كانوا زي العكاز اللي سندها في اللحظة دي. بلعت ريقها بصعوبة، وحاولت ترسم ابتسامة باهتة على شفايفها المرتعشة، واتكلمت بصوت طالع بالعافية، مبحوح ومكسور
خديجة: “ألف مبروك يا أستاذ عُمر.. ربنا يتمملك على خير ويرزقك الزوجة الصالحة اللي تقر عينك.”
عُمر مكمل في دور البراءة، وبيراقب عينيها اللي بتلمع بالدموع المكتومة:”الله يبارك فيكي يا خديجة، بس أنتِ مردتيش على طلبي! أنا محتاجك تدليني، أنا معرفش بنات محترمات، كل الدايرة اللي حواليا بنات نادي وسهر. أنا عايز واحدة تكون زيك.. في التزامك، في هدوئك، في خوفك من ربنا. واحدة تأمنني على بيتي وعيالي.”
الكلمات كانت بتدبحها ببطء. هو بيطلب منها تختارله عروسة؟ إزاي القلب اللي لسه يا دوب بيتعلم ينبض، ينكسر بالسرعة دي؟
خديجة وقفت فجأة، وهي بتمسك شنطتها بإيدين بتترعش، ومقدرتش ترفع عينيها في عينيه: “أنا.. أنا آسفة يا أستاذ عُمر، أنا مقدرش أساعدك في حاجة زي دي. الجواز ده رزق ونصيب، وربنا هو اللي بيسوق الأرواح لبعضها. ادعي ربنا يرزقك ببنت الحلال، وأكيد هتلاقيها.. عن إذنك، أنا لازم أمشي علشان الوقت اتأخر ووالدي محتاجني.”
لفت ضهرها ومشيت بخطوات سريعة جداً، شبه بتجري. كانت بتخبط في الكراسي والناس وهي مش حاسة بحاجة، كل اللي كانت عايزاه إنها تخرج من المكان ده، تخرج من الهوا اللي هو بيتنفسه، قبل ما دموعها تخونها وتنزل قدامه وتفضحه.
عُمر فضل قاعد مكانه، ساند ضهره لورا، وحاطط إيده على دقنه بابتسامة نصر ماكرة. كان بيشرب العصير بتاعه ببرود وهو بيتابع طيفها اللي بيختفي من باب القاعة.
جه زيادمن وراه، وسحب الكرسي اللي كانت قاعدة عليه خديجة وقعد.
زياد (بذهول): “يا جبروتك يا أخي! البت كانت هتموت في إيدك. أنا شفت وشها وهو بيجيب ألوان.. أنت قولتلها إيه؟”
عُمر بضحكة خبيثة:”ضربت الضربة القاضية. قولتلها إني هخطب، وعايزها تختارلي عروسة.”
زياد فتح عينيه بصدمة:”أنت مجنون؟ طب ما كده ممكن تطفش وتسيب الشغل وتضيع من إيدك خالص! البنات اللي من النوع ده لما بيتجرحوا بيقفلوا الباب بالضبة والمفتاح.”
عُمر بثقة وغرور: “تؤ تؤ تؤ.. أنت مش فاهم حاجة يا زياد. خديجة مش زي أي بنت. خديجة لو كنت روحت قولتلها (أنا بحبك وعايز أخطبك) كانت هترفضني وتخاف مني لأنها مش واثقة فيا لسه بنسبة مية في المية، وكانت هتفتكرني بتسلى.. لكن لما أحسسها إنها مجرد (أخت) أو (مرشدة)، وأضربها في مشاعرها اللي لسه بتنبت، هخليها تعيش في صراع. الغيرة هتاكل قلبها، وهتخليها هي اللي تدور عليا، ولما أجي أرميلها الطعم الأخير، هتمسك فيه بإيديها وسنانها.”
زياد بصلله بخوف حقيقي لأول مرة:”أنا بقيت بخاف منك يا عُمر. أنت شيطان متجسد في بني آدم. البت دي غلبانة، ولو وقعت مش هتقوم تاني.”
عُمر ببرود وهو بيقوم من مكانه:”محدش بيموت من الحب يا زياد.. بكرة تقع، وبكرة أكسرها، وبكرة أنساها وأشوف غيرها. يلا بينا، الحفلة دي بقت مملة.”
روایه رهان فی محراب العشق بقلمی نور محمد
في شوارع القاهرة – ليلاً..
كانت خديجة ماشية في الشارع، الهوا البارد بيضرب في وشها بس مش قادرة تبرد النار اللي قايدة في صدرها. دموعها كانت بتنزل بصمت، زي المطر الخفيف اللي بيسبق العاصفة.
“إزاي؟ إزاي سمحت لنفسي أضعف؟ إزاي قلبي مال لواحد غريب؟” كانت بتعاتب نفسها بقسوة. هي اللي كانت بتنصح البنات، هي اللي كانت بتقول “حب الله هو الأساس”.. إزاي سابت الباب موارب لحد ما الشيطان دخلها من باب “الشفقة والمساعدة”؟
افتكرت كل مواقفه معاها، وقفته جنبها في المستشفى، صلاته اللي كانت بتشوفها في الشركة، أسئلته في الدين.. كل ده كان سراب؟ هو فعلاً كان بيعتبرها بس أخت وصاحبة فضل؟
وصلت البيت، فتحت الباب بهدوء علشان متصحيش أبوها وأختها. دخلت أوضتها، ورمت نفسها على سجادة الصلاة. انهارت. عياط ونحيب بصوت مكتوم علشان محدش يسمعها.
خديجة وهي ساجدة، ودموعها بتغسل السجادة: “يا رب.. يا رب سامحني. يا رب أنا ضعفت، أنا بنت وضعفت قدام اهتمامه. يا رب انزع حبه من قلبي زي ما دخلته من غير ما أحس. يا رب أنا مليش غيرك، املأ قلبي بحبك أنت وبس، واكفيني شر نفسي وشر فتن الدنيا. يا رب قويني علشان أقدر أبعد عنه.. أنا مش هقدر أكمل في الطريق ده، أنا لازم أبعد.”
رفعت راسها، ومسحت دموعها بعزم. القرار اتاخد. لا يمكن تقعد في مكان واحد بيجمعها بيه. لا يمكن تشتغل في شركته وتفضل تحت رحمته ورحمة مشاعرها اللي بتخونها. الفلوس؟ هتبيع أي حاجة، هتشتغل شغلانتين، هتعمل أي حاجة إلا إنها تبيع دينها وكرامتها.
اليوم التالي – في مقر شركات الألفي..
كانت الساعة 9 الصبح. دخلت خديجة الشركة، بس المرة دي بخطوات ثابتة، ووش خالي من أي مشاعر. عينيها كانت دبلانة من السهر والبكا، لكن نظرتها كانت صارمة.
مراحتش على مكتبها. طلعت مباشرة على الدور التالت، قسم الموارد البشرية (HR).
خبطت على باب مدير الـ HR، ودخلت. حطت ورقة بيضا على مكتبه.
مدير الـ HR باستغراب وهو بيبص للورقة:”إيه ده يا أنسة خديجة؟ استقالة؟ ليه؟ أنتِ بقالك أقل من شهر معانا، وشغلك ممتاز جداً، في حد ضايقك في القسم؟”
خديجة بثبات مصطنع: “لا يا فندم، محدش ضايقني. الشغل ممتاز، بس أنا ظروفي الشخصية وظروف كليتي مش هتسمحلي أكمل. أنا آسفة جداً.”
المدير بتردد، وهو بيفتكر أوامر عُمر الصارمة بعدم المساس بخديجة أو مضايقتها: “بس.. بس إحنا بيننا عقد يا أنسة خديجة، وفي شرط جزائي لو حبيتي تسيبي الشغل قبل 6 شهور. غير إنك واخده سلفة على المرتب علشان علاج والدك (المبلغ اللي عُمر خلى الشركة تطلعه كأنه سلفة رسمية علشان خديجة متشكش). هتقدري تسددي كل ده دفعة واحدة؟”
خديجة حست إن الأرض بتلف بيها. سلفة؟ شرط جزائي؟ هي كانت فاكرة إن الفلوس دين شخصي بينها وبين عُمر، مكنتش تعرف إنه دخله في حسابات الشركة علشان يربطها أكتر.
خديجة بارتباك:”بس.. بس أنا مكنتش أعرف إن الفلوس دي سلفة من الشركة، أنا كنت فكراها.. قصدي أنا هسددها، هسدد كل قرش، بس اديني مهلة.”
المدير بحسم: “آسف يا أنسة خديجة، دي قوانين شركة. إما تستمري في شغلك، إما تسددي المبلغ والشرط الجزائي بالكامل النهاردة.”
خرجت خديجة من المكتب وهي حاسة إنها في مصيدة. رجليها مش شايلاها. مشيت في الطرقة الطويلة، وفجأة، لقت اللي واقف قدامها بيسد طريقها.
كان عُمر. لابس بدلته الكحلي، وريحته المميزة سابقة حضوره، وعينيه بتبصلها بنظرة مليانة عتاب مصطنع.
عُمر بصوت هادي بس فيه نبرة غضب مكتوم: “ممكن أفهم إيه اللي بتعمليه ده؟ استقالة ليه يا خديجة؟”
خديجة رجعت خطوة لورا، وبصت في الأرض علشان تهرب من عينيه:”لو سمحت يا أستاذ عُمر طريقك، أنا قدمت استقالتي وهشوف طريقة أسدد بيها ديوني للشركة.”
عُمر قرب خطوة، واتكلم بصوت أوطى علشان الموظفين: “تعالي ورايا على مكتبي.. مش هنتكلم هنا في الطرقة.
خديجة بعناد:”أنا مش هدخل مكاتب حد، كلامنا خلص.”
عُمر بنبرة تحذير وتحدي خفي:”خديجة.. تعالي مكتبي أحسن ما أعمل مشكلة هنا قدام كل الموظفين وأخلي سيرتك على كل لسان. أنتِ عارفة إني مجنون وأعملها.”
خافت خديجة من تهديده، هي في غنى عن أي فضيحة أو كلام يمس سمعتها. مشيت وراه بخطوات تقيلة لحد ما دخلت مكتبه الفخم. ساب الباب مفتوح شوية (علشان عارف إنها بتخاف من الخلوة)، وقعد على طرف مكتبه وهو باصصلها.
عُمر وهو بيطوي دراعاته:”ممكن أفهم بقى إيه الجنان ده؟ بتستقيلي ليه؟ حد داسلك على طرف؟”
خديجة بحزم وهي لسه باصة في الأرض: “محدش داسلي على طرف، أنا بس مش مرتاحة وعايزة أمشي. ده حقي.”
عُمر بمثل الوجع والخذلان، وصوته بيترعش ببراعة: “مش مرتاحة؟ ولا بتهربي مني يا خديجة؟ بتهربي من الراجل اللي لجألك علشان تنقذيه من الضياع؟ أنتِ وعدتيني إنك هتقفي جنبي لحد ما أصلح علاقتي بربنا. ليه بتسيبيني في نص الطريق؟ ده أنا حتى جيت أستشيرك في موضوع خطوبتي علشان كنت واثق إنك أكتر إنسانة بتخاف عليا.”
خديجة مقدرتش تستحمل كلمة “خطوبتي” اللي كررها تاني. رفعت عينيها أخيراً وبصتله بعينين مليانة دموع وقهر وكرامة مجروحة.
خديجة بصوت مخنوق وانفعال لأول مرة:”أنا مش بهرب منك يا عُمر! أنا بهرب من نفسي.. بهرب من الفتنة! أنت مش محتاجني، أنت قوي وعندك حياتك ودايرتك، روح للبنت اللي هتخطبها وخليها هي اللي تاخد بإيدك للجنة. أنا بنت غلبانة، جاية من حارة، همي كله في علاج أبويا وأكل عيشي.. ماليش مكان في عالمك المليان ألاعيب ده. سيبني في حالي بقى لوجه الله!”
دموعها خانتها ونزلت غصب عنها. كانت بتمسحها بعنف، وكأنها بتعاقب عينيها اللي بتبكي عليه.
عُمر اتصدم. لأول مرة يحس بذبذبة حقيقية جوه قلبه. دموعها مكنتش زي دموع بنات النادي اللي بيمثلوا الرقة. دي كانت دموع طاهرة، دموع بنت بتدبح كبريائها قدامه من غير ما تقصد. الموقف فلت من إيده، وهو كصياد محترف، حس إن الفريسة بتفلت من الشبكة، ولازم يغير الخطة فوراً قبل ما تضيع للأبد.
قام من مكانه، وقرب منها لحد ما بقى على بُعد خطوات بسيطة.
عُمر بصوت دافي جداً، ونظرة حادة اخترقت عينيها: “مين قالك إني عايز بنت من عالمي؟ مين قالك إني طلبت منك تدوريلي على عروسة علشان أنا عيني على حد تاني؟”
خديجة بصتله بعدم فهم، ودموعها متعلقة في رموشها.
عُمر أخد نفس عميق، ورمى القنبلة اللي هتنسف كل حصونها: “أنا لما قولتلك دليلي على واحدة زيك، كنت قاصدك أنتِ يا خديجة. أنا مش عايز واحدة زيك.. أنا عايزك أنتِ. أنا بحبك.. بحبك ومقدرش أتخيل حياتي من غيرك.”
الصمت نزل على المكتب كأنه حجر تقيل. خديجة كانت مشلولة تماماً. الكلمات كانت بتتردد في ودانها “أنا عايزك أنتِ.. بحبك”. قلبها اللي كان من ثواني بينزف الموت، رجع ينبض بالحياة بطريقة مرعبة. عينيها وسعت بصدمة، ومش قادرة تنطق حرف.
عُمر كمل بتمثيل متقن، وهو بيبص في عينيها برجاء:”أنا عارف إني مستهلك، وإني مليان عيوب، وإنك أنقى وأطهر من إني أطولك.. بس أنا بطلبك في الحلال. أنا عايز أتجوزك يا خديجة، عايزك تكوني مراتي، وحبيبتي، وأمي، وكل دنيتي. أنا مستعد أعمل أي حاجة علشان توافقي.”
خديجة كانت حاسة إنها في حلم، أو في كابوس، مش قادرة تحدد. مشاعرها كانت متلخبطة بين الفرحة الطاغية اللي بتصرخ جواها، وبين الخوف والرهبة.
خديجة بصوت أقرب للهمس، وهي بترجع لورا برعب: “أنت.. أنت بتقول إيه؟ تتجوزني أنا؟ إزاي؟ إحنا مختلفين في كل حاجة.. مستوانا، حياتنا، تفكيرنا. ده جنان!”
عُمر بإصرار: “الحب مابيعرفش فوارق يا خديجة. أنا اللي هتنازل عن كل حاجة علشانك. أنا مستعد أجي الليلة دي أطلب إيدك من عم محمود، وأكتب عليكي فوراً لو توافقي.”
قبل ما خديجة ترد، وقبل ما عقلها يستوعب حجم الكارثة أو المعجزة اللي بتحصل قدامها، رن تليفونها فجأة بصوت عالي جداً قطع اللحظة.
بصت في الشاشة، لقت اسم “سلمى” أختها. قلبها انقبض فوراً، سلمى مابتتصلش في الوقت ده إلا لو في مصيبة.
ردت بسرعة ويديها بتترعش.
خديجة: “ألو.. أيوه يا سلمى في إيه؟”
صوت سلمى كان بيصرخ من العياط والانهيار على الناحية التانية.
سلمى: “الحقيني يا خديجة.. بابا تعب فجأة تاني، المستشفى كلموني وقالوا إن حالته اتدهورت أوي ودخل العناية المركزة تاني، وطالبين مبلغ كبير فوراً علشان أدوية مستوردة ومش راضيين يكملوا علاج إلا لما ندفع.. أنا في طريقي ليهم، تعالي بسرعة والنبي يا خديجة أنا خايفة!”
التليفون وقع من إيد خديجة على الأرض. حسّت إن الدنيا بتسود في عينيها. كل الفرحة المؤقتة اللي حسّت بيها من ثواني اتبخرت، وحل مكانها رعب الموت وخسارة السند.
عُمر شاف التليفون بيقع، وشاف وش خديجة اللي بقى أبيض زي الشمع. راح عليها بسرعة.
عُمر بقلق حقيقي لأول مرة ينسى فيه التمثيل:”في إيه يا خديجة؟ مالك؟ أبوكي حصله حاجة؟”
خديجة بصتله بضياع، ودموعها بتنزل شلالات: “بابا.. بابا بيموت يا عُمر.. العناية المركزة، محتاجين فلوس ومفيش معايا ولا مليم. أنا هخسر أبويا!”
عُمر مسك إيدها بسرعة البرق بحسم، وده كان أول تلامس بينهم: “مفيش حاجة هتحصل لأبوكي طول ما أنا موجود. تعالي معايا فوراً، عربيتي تحت هنطير على المستشفى، وموضوع الفلوس ده سيبيه عليا.”
سحبت إيدها من إيده بسرعة كأنها اتلسعت، بس مشيت وراه زي المنومة مغناطيسياً. ركبت معاه العربية، وطول الطريق كانت بتقرأ قرآن وبتدعي ربنا، وعُمر كان بيسوق بسرعة جنونية، وعينيه بتسرق نظرات ليها.
في اللحظة دي، عُمر كان في صراع داخلي مرعب. هو نجح إنه يوقعها، نجح يخليها تسمع كلمة “بحبك” وتنهار قدامها، بس ليه لما شاف دموعها الحقيقية على أبوها حس بوجع غريب في صدره؟
ليه حس إنه عايز يحضنها بجد مش تمثيل؟ شيطانه كان بيقوله “ممتاز، الظروف بتخدمك، احتياجها ليك هيخليها توافق على الجواز فوراً وأنت كده كسبت الرهان”، لكن في صوت خافت جداً جواه كان بيقوله “أنت بتدمر إنسانة نقية، أنت بتلعب في عداد غضب ربنا”.
في المستشفى الخاص..
وصلوا المستشفى في وقت قياسي. خديجة جريت على العناية المركزة، لقت سلمى قاعدة على الأرض قدام الباب منهارة من العياط. حضنتها وفضلوا يعيطوا هما الاتنين.
عُمر راح فوراً على الحسابات، طلع دفتر الشيكات بتاعه، وكتب شيك بمبلغ ضخم جداً يكفي العلاج وأي عمليات طارئة، ورماه قدام موظف الحسابات بحدة.
عُمر بغضب ونفوذ: “عم محمود عبد الرحمن اللي في العناية المركزة.. أي دكتور، أي دوا استيراد من برة يتجاب فوراً. لو الراجل ده حصله حاجة أنا هقفل المستشفى دي على دماغكم كلكم فاهمين؟”
رجع ليهم عند العناية. وقف بعيد شوية بيتابع خديجة وهي بتصلي على الكرسي في الطرقة، بتدعي ربنا بانكسار. المشهد كان لوحة حزينة جداً.
خرج الدكتور أخيراً من العناية.
الدكتور بعملية:”الحمد لله، إحنا قدرنا نسيطر على الأزمة. الجلطة اللي كانت على الرئة دابت بنسبة كبيرة بفضل الأدوية اللي الإدارة وفرتها من شوية. هو حالياً مستقر، بس محتاج رعاية مكثفة الأيام الجاية.”
خديجة سجدت على الأرض في الطرقة تشكر ربنا بدموع الفرح. وبعدين رفعت راسها، وبصت لعُمر اللي كان واقف ساند على الحيطة بيبصلها بنظرة غريبة.
قامت خديجة، وراحت ناحيته. المرة دي، نظرتها مكنتش نظرة الموظفة لمديرها، ولا البنت للراجل اللي بيمثل عليها.. كانت نظرة إنسانة لقت سندها وقت ما كل الناس اتخلت عنها.
خديجة بصوت متقطع وضعيف:”أنا.. أنا لو فضلت أشكرك عمري كله مش هوفيك حقك. أنت ربنا بعتك لينا نجدة.”
عُمر قرب منها خطوة، واتكلم بنبرة امتلكت قلبها تماماً:”أنا مش عايز شكر يا خديجة. أنا عايزك أنتِ. أنا قولتلك في المكتب أنا عايزك في الحلال.. دلوقتي بسألك قدام العناية اللي فيها أبوكي.. توافقي تتجوزيني؟ توافقي تديني فرصة أكون السند اللي يعوضك عن كل تعبك؟”
خديجة بصت في عينيه. شافت فيهم حنية واهتمام (كانوا جزء من اللعبة بس هي شافتهم حقيقة). فكرت في أبوها المريض، في أختها، في ديونها اللي بقت عبء تقيل، وفي قلبها اللي لأول مرة يدق لراجل.
أخدت نفس عميق، ونزلت عينيها في الأرض بكسوف ممزوج باستسلام.
خديجة بهمس:”لو بابا قام بالسلامة.. ووافق.. أنا موافقة.”
ابتسامة واسعة جداً اترسمت على وش عُمر. ابتسامة فرحة بانتصار الساحر اللي قدر يسحر ضحيته بالكامل.
في نفس اللحظة – في نهاية طرقة المستشفى..
كان في شخص بيراقب المشهد كله من أول ما دخلوا. شخص ماسك موبايله وموجه الكاميرا ناحيتهم وبيصور كل لقطة.
كانت نور (حبيبة عُمر السابقة). اللي كانت جاية المستشفى بالصدفة تزور قريبة ليها، وشافت عُمر داخل مع بنت محجبة فمشت وراهم.
نور وهي بتبتسم بخبث وغل، وبتبص للصورة اللي أخدتها ليهم وهما قريبين من بعض: “يا محاسن الصدف يا عُمر بيه! عامل فيها شيخ وحبيت الشيخة؟ تمام أوي.. أنا بقى هوريك إزاي تنسانی علشان تتسلى معاها. أنا هفضحك قدامها وقدام الجامعة كلها، وهخلي البت دي تعرف حقيقتك وحقيقة الرهان الرخيص بتاعك.. اللعب لسه هيبدأ.”
