رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الرابع 4 بقلم عبدالرحمن أحمد


 رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الرابع 


شعرت أن الوضع خرج عن السيطرة فنهضت من مكانها وركضت لتجلب كوب من الماء وما إن عادت حتى سكبته على وجهه مما جعله يخرج من تلك الحالة لكنه كان شاردًا وينظر حوله بعدم فهم. اقتربت منه وقالت بنبرة تحمل القلق:
- طيف حبيبي أنت كويس؟
نظر لها بشرود قبل أن يحرك رأسه وهو يقول:
- كنت بتخنق، حسيت إني وقعت في بير طويل، هو ايه اللي حصل

حاولت رسم ابتسامة على وجهها ورددت:
- محصلش حاجة أنت الحمد لله كويس وبخير أهو وبعدين أنا طلعت دكتورة فاشلة، سامحني أنا آسفة 
أمسك بيدها وقال بهدوء:
- يكفي إنك حاولتي معايا، شكلي كدا مكتوب عليا أعيش بذاكرة جديدة ومفتكرش حياتي اللي قبل كدا
شعرت بحزنه فقالت بمواساة:
- أنا حاسة بيك وعارفة إنه شعور وحش، ده اختبار من ربنا يا طيف وأنا اتعودت إنك قوي وبتتحمل ومش أي حاجة تضعفك وتهزك 
رسم ابتسامة سخرية على وجهه وقال:
- للأسف ضعفت واتهزيت يا نيران، حاسس إني بقيت عبء على كل اللي حواليا، حاسس إني ضعيف ومفيش في ايدي أي حاجة، بهرب من الواقع ده بالهزار والضحك لكني من جوا مش كويس 

ربتت على يده وقالت بهدوء شديد:
- أنت عمرك ما كنت عبء على حد يا طيف بالعكس أنت مشوفتش كم الحب والاهتمام اللي شايفه من عيلتك
حرك رأسه وقال:
- ما ديه الأزمة، كل ما زاد حب اللي حواليا ليا كل ما حسيت قد ايه تعبي ومصايبي أذى ليهم، كل ما بقيت عبء كبير وهم كبير على أكتافهم، بحاول أبان طبيعي والله لكن مش عارف

***

دلفت «تنة» إلى الغرفة فردد «بارق» بتساؤل:
- ملك نامت؟
هزت رأسها بالايجاب وقالت:
- أيوة
تحركت حتى جلست بجواره ليقول هو:
- عايزين نشوف دكتور كويس لطيف
عقدت ما بين حاجبيها وقالت:
- دكتور؟! أنت نسيت كم الدكاترة اللي روحنالهم ومحدش عرف يساعد
حرك رأسه وقال:
- منستش بس طيف الفترة الأخيرة بقى حساس جدا، والموضوع ده بقى مأثر عليه بالسلب وده مش حلو خالص، طيف بقى مشتت جدا ودي مكانتش طبيعته أصلا

نظرت إلى نقطة بالفراغ بحزن شديد قبل أن تقول:
- هو فعلا الفترة الأخيرة بقى مشتت جدا، حتى في هزاره بلاحظ إنه بيهزر أو بيخش في مود الهزار علشان يداري اللي جواه، أخويا ده وعشرة عمري وفاهماه بس مفيش في ادينا حاجة نقدمهاله يا بارق، كل دكتور يقول مفيش أمل الذاكرة ترجع تاني لغاية ما بقينا على يقين إنه مش هيفتكر حاجة تاني
ربت على كتفها وقال:
- خلي أملك في ربنا كبير، الموضوع بقى صعب لكن مش مستحيل، أنا الفترة الجاية دي هدور على دكتور شاطر يقدر يعالجه وإن شاء الله يرجعلنا طيف من تاني

***

خرجت «سيزكا» من المطبخ وهي تحمل صينية الطعام وتوجهت صوب «رماح» الذي تابع تقدمها بتعجب وانتظر حتى وضعت ما بيدها ليقول بتساؤل:
- ايه ده يا حبيبتي؟
أجابت عليه بحيرة:
- هو ايه اللي ايه ده، السحور يا رماح مالك مستغرب ليه
- نعم؟ سحور ايه لسة الساعة ١١ ونص، هتسحرينا بدري أوي كدا ليه
ضحكت وقالت على الفور:
- ما هو أنا مش هصحيك الساعة ٣ زي اليومين اللي فاتوا وتغلبني، أنا امبارح بس نص ساعة بصحيك واتسحرت قبل الفجر بكام دقيقة، أنا مش حمل مناهدة يا رماح

رفع أحد حاجبيه قبل أن يقول بعدم رضا:
- وهي الست ليها ايه عند جوزها غير إنها تحافظ عليه وتصحيه للسحور قبل الفجر، وبعدين اتسحر دلوقتي واموت بكرا من العطش والجوع علشان سوسو مش عايزة تصحيني للسحور، ياااه يا زمن
ضحكت على حاله وقالت:
- بس بس ايه ده كله، خلاص هصحيك وأمري لله، هقوم أشيل السحور
وقبل أن تحمل الطعام أمسك بيدها وقال:
- رايحة فين بس، معقول تشيلي الأكل كدا من قدامي ده حتى يزعل، إحنا نتسحر دلوقتي ونتسحر تاني قبل الفجر مفيهاش مشكلة
اتسعت حدقتاها قبل أن تقول بصدمة:
- تتسحر مرتين ايه يا رماح ده أنت واكل كنافة بالقشطة تتخن عشرين بني آدم، حرام عليك لياقتك البدنية هتروح كدا

اعتدل في جلسته ونظر لها قبل أن يقول:
- أنتي بصالي في الكام حتة كنافة اللي كلتهم؟

- كام حتة؟ قول كام كيلو

لوى ثغره وحرك رأسه بأسف قبل أن يقول:
- وا أسفاه عليكي يا سيزكا، وهي الست ليها ايه عند جوزها غير إنها تأكله كنافة بالقشطة ومتعدش وراه، شيلي السحور شيليه أنا نفسي اتسدت خلاص
ابتسمت ونهضت لتحمل الطعام وهي تقول:
- هو ده المطلوب، الكرش مش حلو علشانك يا حبيبي

تركته وذهبت لتُدخل الطعام فصاح بصوت مرتفع:
- طيب هاتيلنا شوية حلويات نتسلى عليهم لغاية السحور
أجابت على طلبه من الداخل:
- ده بعينك، مفيش حلويات تاني
- متجوز بخيلة يا ناس، مش عايزة تأكلني يا ناااس

جاءت من الداخل وهي تقول ضاحكة:
- قول زي ما تقول لكن مش هسمحلك تتخن أبدا، خليك كدا وسيم وشطور وبعدين أنت ظابط يا حبيبي وشغلك بيحتاج رشاقة
استسلم لها أخيرا وردد:
- رشاقة! طيب يا سيزكا ماشي، متنسيش بس تعملي قفل على التلاجة وباسورد لـ الحلل علشان تستريحي

***

غرقت «نيران» في النوم وحرك «طيف» رأسه ليعتدل بهدوء شديد قبل أن يقترب منها ليتأكد من نومها وما إن تأكد حتى نهض من مكانه بهدوء شديد حتى لا تشعر به ثم اتجه إلى خزانة الملابس الخاصة به وفتحها ليخرج منها كيس ورقي صغير ثم توجه إلى المرحاض وقام بإغلاق الباب من خلفه بإحكام قبل أن يجلس ويقوم بفتح هذا الكيس وتفريغ محتواه على ظهر يده اليسرى.

انتهى من تفريغ تلك البودرة على ظهر يده ثم قام بتنظيمها قبل أن يستنشقها بالكامل بشكل جنوني وما إن انتهى حتى اعتدل في جلسته وتنفس بصوت مسموع واغلق عينيه للحظات قبل أن يفتحهما من جديد.

نهض من مكانه وتوجه صوب المرآة لينظر إلى وجهه فوجده شاحبًا وكان أسفل عينيه قد تلون باللون الأسود فابتسم بسخرية وقال بصوت غير مسموع:
- كدا كدا أنا ضعت من زمان

***

في صباح اليوم التالي استمع «أيمن» لطرقات على باب مكتبه فرفع رأسه بعد أن كان يتابع بعض المستندات وقال بصوت مسموع:
- ادخل
دلف «رماح» إلى الداخل بعد أن فتح الباب ووقف أمام المكتب وهو يقول بجدية:
- أوامر سعادتك، سيادتك طلبتني؟

أشار اللواء «أيمن» إلى المقعد المقابل له وردد:
- اقعد يا رماح
نفذ أمره وجلس قبل أن يُوجه بصره صوبه في انتظار الحديث الهام الذي سيخبره به وما هي إلا لحظات حتى نهض «أيمن» والتف حول مكتبه ليجلس على المقعد القريب من «رماح». التقط أنفاسه ونظر إليه بتردد فهو يخشى أن يتسبب ما حدث في عودته لحالته السابقة لكنه اتخذ قراره في النهاية وشرع في الحديث:
- سامحني لو هفكرك بيوم أنت مش حابب تفتكره بس الوضع صعب ولازم نفهم ايه اللي بيدور

ظهرت علامات التعجب على وجه «رماح» الذي فضَّل الصمت ليعرف الأمر برمته. كان يلاحظ «أيمن» تعجبه لكنه تابع حديثه:
- أنت متأكد إن فاطمة ماتت؟
شعر بقشعريرة اجتاحت جسده بالكامل وهو يسمع اسمها في تلك اللحظة، وفهم الآن سبب المقدمة التي سمعها قبل الخوض في الحوار بأكمله. حرك رأسه وعيناه متعلقة به قبل أن يقول بتساؤل:
- فاطمة؟ 
صمت للحظات واستطرد:
- السؤال ده سيادتك ملهوش غير معنى واحد، استحالة، استحالة يا فندم

مال اللواء بظهره إلى الأمام، وقال باهتمام شديد:
- ليه استحالة؟
في تلك اللحظة هاجمته ذكريات تلك الليلة التي كلما حاول محوها من ذاكرته تعود مرة أخرى لتبث بداخله شعور الألم والفقدان الذي عاشه لوقت طويل. زادت نبضات قلبه ووضح قائلًا:
- استحالة علشان أنا شوفتها بنفسي بتموت قصاد عيني

شعر بألم شديد لكنه تابع رغمًا عنه:
- فاطمة كانت...
صمت للحظات ليستجمع قواه واستطرد:
- فاطمة كانت مد...بوحة، مش هقدر أنسى المشهد ده طول عمري، مش هنسى منظر الد..م اللي كان زي النافورة وأنا بحاول أمنعه بإيدي، مش هنسى صوت الحشرجة اللي سمعته وهي بتطلع في الروح، فلو سعادتك شاكك إنها عايشة فده مستحيل

سيطر على أعصابه ووجه بصره صوبه ليقول بتساؤل:
- ايه اللي خلى سيادتك تسأل سؤال زي ده
عاد «أيمن» بظهره إلى الخلف ليستقيم في جلسته ومن ثم قال بهدوء:
- طيف بيقول إن فاطمة ظهرت له، وقالت إنها عايشة وموتها اتزيف من قيادة أكبر مني بغرض تاني

حرك «رماح» رأسه ليعبر عن رفضه لهذا الأمر وهتف:
- استحالة يا فندم، الموضوع ده مستحيل يحصل، اشمعنا طيف بالذات اللي ظهرت له؟ ظهرت للي فاقد الذاكرة؟ اللي عملت ده عملته علشان متأكدة إن طيف مش فاكر شكل فاطمة الحقيقي علشان كدا ظهرتله هو، اللقاء ده وراه حاجة كبيرة، أكيد بيلعبوا بينا عن طريق طيف والكلام ده مستحيل

وافقه «أيمن» رأيه وأمسك بهاتفه ليشهر الصورة التي عرضها على ابنه وهو يُعلق قائلا:
- عندك حق، ده كان رأيي بردو لغاية ما وريته الصورة دي وعرفها، طلع صورة فاطمة من الصورة دي وده معناه إنه شافها بجد أو حد شبهها، بعدين إحنا مش هنعيش نفسنا في تخمينات يا رماح، أنا عايزك تفرغ كل كاميرات المنطقة اللي قابلته فيها، هديلك العنوان واتعامل أنت، لحسن حظنا الشارع ده بالتحديد مليان كاميرات يعني لو فعلا اللي حصل ده حقيقي يبقى هيظهر في الكاميرا

نهض «رماح» من مكانه وهتف بنبرة جادة تُنافي الحرب المشتعلة بداخله:
- أوامر سيادتك، هتحرك على المنطقة دي حالا، استأذن سيادتك في العنوان ...

***

توقف «بارق» بسيارته على جانب الطريق ونظر صوب «نيران» التي كانت شاردة وهتف:
- العيال اللي هنراقبها هنا، أنتي بتفكري في ايه؟

نظرت إليه ثم وجّهت بصرها صوب أحد الشباب، الذي كان يفتح حقيبة سيارته وهو يتلفت يمينًا ويسارًا، وهتفت:
- خلي بالك، مش عايزينهم يشكّوا فينا علشان الوضع ما يتأزمش. حد منهم له علاقة باللي حصل لطيف

عقد حاجبيه بتعجب وقال متسائلًا:
- كل اللي ليهم علاقة باللي حصل لطيف، يا إما اتقبض عليهم، يا إما ماتوا في آخر عملية

لم تنظر إليه، وواصلت مراقبتها لهذا الشاب وهي تقول:
- الدكتور المسؤول عن اللي حصل لطيف وزرع كل الأفكار دي في دماغه، هو ده اللي هيقدر يرجّع له الذاكرة تاني

شعر بالحيرة، ونظر حيث تنظر هي، قبل أن يقول:
- والدكتور ده هنا؟

أومأت برأسها إيجابًا، وأردفت:
-أيوه، دخل مصر اليومين اللي فاتوا

-جبتي المعلومات دي كلها منين؟

ابتسمت ونظرت إليه وهي تقول:
- القضية انتهت بالنسبة للشرطة وللفريق، لكن بالنسبة لي ما كانتش انتهت. المهم، ركّز مع الواد ده واللي داخل عليه ده، أنا هخرج من العربية وأعمل نفسي بفتح الكبوت علشان أسمع بيقولوا إيه

وافق على ما قالته، وردّد:
- تمام

وبالفعل، نفّذت ما قالته وترجّلت من السيارة. اقتربت من مقدّمة السيارة وفتحت الغطاء الخاص بها بهدوء لتسمع ما يقوله أحدهم، حيث قال بجدية:
- دكتور جراهام عايزك

فأجابه الآخر بهدوء:
- هروح له، بس الأول جبت اللي قلت لك عليه؟
اخرج جهاز صغير قبل أن ينظر حوله ومن ثم أعطاه إياه وهو يقول بحذر:
- أهو، خلي بالك بقى علشان الجو لبش

في تلك اللحظة التفتت «نيران» بعد أن أشهرت سلاحها ووجهته صوبهما لتقول بصوت مرتفع محمل بشحنات من الغضب:
- اثبت أنت وهو وكل واحد يرفع ايده لفوق حالا

- انتبه الشابان لها ورفع كلٌّ منهما يده إلى الأعلى، ليقول أحدهما بتساؤل:
- أنتي مين؟

ابتسمت واقتربت منهما لتجيب على هذا السؤال:
- الرائد نيران أمجد السلاموني، خليك شاطر بقى وقولي فين مكان الدكتور بتاعك ده

نظر كلٌّ منهما إلى الآخر قبل أن يُجيب عليها قائلًا:
- وإيه اللي يخليكي واثقة إني هقولك على مكانه؟

في تلك اللحظة، خرج «بارق» من سيارته مُشهرًا سلاحه هو الآخر وصاح بصوت مسموع:
- علشان لو مقولتش هادفنك مكانك! وبعدين إيه الجهاز اللي في إيدك ده؟

اقترب الشاب هو وصديقه بضع خطوات، وأشهر هذا الجهاز في وجهه مردفًا:
-قصدك ده؟

وفي تلك اللحظة، ركل كلٌّ منهما سلاح الآخر، ليطير سلاحهما في الهواء، ويركضا بعيدًا، كلٌّ منهما في طريق مختلف عن الآخر.

ركضت «نيران» صوب سلاحها لتلتقطه ثم صرخت بصوت مرتفع:
- روح وراه وأنا هروح ورا ده
التقط سلاحه هو الآخر وهتف:
- تمام 

ركضت صوب هذا الذي يمسك بالجهاز بسرعة كبيرة بينما ركض «بارق» خلف الآخر. ركضت خلفه لنهاية الطريق فدلف هو إلى شارع صغير فتبعته ليتوقف هو ويلتفت وعلى وجهه ابتسامة واسعة. اقترب منها وتحدث بنبرة تدل على الثقة:
- الصراحة كنت ناوي أهرب بس عيب عليا لما أجري من واحدة زيك هربانة من المطبخ، ارمي السلاح ده يا قطة وتعالي علشان أندمك على اليوم اللي قررتي تسيبي فيه حلة المحشي وتخشي شرطة

ابتسمت وألقت بسلاحها على الأرض لتقول بثقة تامة هي الأخرى:
- تمام تعالى نشوف اللي هربانة من المطبخ دي هتعمل فيك ايه

استعدت للمواجهة وتقدّمت نحوه بثقةٍ تامة، بينما على الجانب الآخر، ابتسم بثقة ظنًا منه أن التفوق محسوم لصالحه، فقط لأنه رجل وهي امرأة.

تحرّك بهدوء ثم وجّه ركلةً قوية نحو وجهها لكنها تفادتها برشاقة، وانخفضت سريعًا لتضرب قدمه المرتكزة على الأرض. هنا فقد توازنه وسقط على وجهه بقوة.

اتسعت ابتسامتها وهي تردد بسخرية:
- قوم يا حليتها... قوم!

رغم الألم، نهض من الأرض وتقدم نحوها ليُوجّه لكمة، لكنها تفادت الضربة وانخفضت مجددًا ثم باغتته بضربةٍ قوية في بطنه. لم تكتفي بل استقامت سريعًا وقفزت في الهواء مسددةً ركلة مباشرة إلى وجهه جعلت الدماء تنفجر منه قبل أن ينهار أرضًا.

اقتربت منه ثم انخفضت ونظرت إليه بتهكم قبل أن تقول بصوت ساخر:
- مش عيب واحدة سايبة حلة المحشي تعمل فيك كده؟
حاول النهوض لكنها ضغطت بقدمها على ظهره، فأجبرته على السقوط مجددًا، وهتفت بصوت غاضب:
- فين الدكتور؟

في تلك اللحظة، ظهر أحدهم من الخلف، واقترب بصاعق كهربائي ثم وضعه على ظهرها وضغط على الزر. اهتز جسدها بعنف تحت تأثير الكهرباء وسقطت فاقدة للوعي. 

***

خرج من المنزل لشراء بعض الأغراض وأيضًا ليُخلص نفسه من الملل والتوتر. تحرك بخطوات ثابتة لكنه كان شارد الذهن يفكر في حياته التي أصبحت جحيمًا لا ينتهي. 

قام بشراء ما خرج من أجله وعاد إلى المنزل مرة أخرى لكنه قبل أن يضغط على زر الجرس استمع لصوت من خلفه قائلًا:
- طيف.. ليك وحشة يا ابن خالي
توقف «طيف» للحظات قبل أن يلتفت له وهو يقول بحيرة:
- ابن خالك؟! أنا أعرفك؟!

نظر له «أحمد» لثوانٍ محاولا إدراك ما يحدث أمامه وما إن أصبح مستعدًا حتى قال بتعجب:
- مالك يا طيف أنت ناسيني بجد ولا بتهزر كعادتك؟! أنا ابن عمتك؟
رفع أحد حاجبيه وقال بابتسامة:
- ايه ده هو أنا ليا عمة؟
فتح «أحمد» فمه بصدمة وهتف:
- أصلا؟!

تبادلا النظرات في صمت إلى أن قال «طيف» أخيرًا:
- آه معلش نسيت أقولك، أنا فاقد الذاكرة فلو أنت فعلا قريبي مش هفتكرك
وضع «أحمد» يده على كتفه وقال بنبرة تحمل الحزن:
- أنت بتتكلم جد يا طيف؟! أنت فعلا فاقد الذاكرة؟
حرك رأسه بالإيجاب وردد:
- أيوة للأسف.. قولي أنت اسمك ايه؟ بابا مجابش سيرة قبل كدا إن ليا عمة

أصبحت نظراته أكثر تعجبًا وقال بنبرة تحمل الصدمة:
- وكمان مش فاكر اسمي
ضيق «طيف» ما بين حاجبيه ورمقه بنظرات متعجبة وهو يقول:
- واضح إن مش أنا لوحدي اللي عندي مشكلة في الذاكرة، لو تفتكر أنا لسة قايلك من ثواني إني فاقد الذاكرة.. فاكر ولا ايه دنيتك

ابتسم «أحمد» وربت على كتفه وهو يقول:
- لسة خفيف الظل زي ما أنت، أنت لازم تحكيلي اللي حصلك بقى بس أسلم على خالي الأول 
رفع «طيف» أحد حاجبيه وهتف:
- خالك مين؟
مسح وجهه بيده وقال بنفاذ صبر:
- خالي اللي هو أبوك مش أنا ابن عمتك؟ يبقى أبوك هو خالي
نظر له نظرات تحمل الجهل وفكر قليلا قبل أن يقول:
- أنت لخبطتني يا عم، إزاي أنا ابن عمتك وهو خالك مش المفروض هو يبقى عمتك... يوووه أقصد عمك

لوح بيده في الهواء مُشيرًا له بالهدوء ووضح قائلا:
- اهدى بس ياعم هفهمك، ابن البنت بيقول ايه لأخوها الولد؟
أسرع ليجيب عليه:
- خالو

ابتسم «أحمد» وردد:
- حلو أوي.. طيب ابن الولد يقول ايه لأخته البنت؟
عقد «طيف» حاجبيه وأجاب على الفور:
- خالتو

وضع «أحمد» يده على وجهه وقال بنفاذ صبر:
- يلاهوي عليا وعلى سنيني، بقولك ايه يا طيف أنا قريبك وخلاص.. فين خالو بقى؟
استدار ليفتح الباب وأجاب عليه:
- في الشغل، تعالى تعالى 

بالفعل فتح الباب وحمحم بصوت مرتفع قائلا:
- أي حد خالع راسه أنا معايا ضيف
نظر له «أحمد» بتعجب وهتف:
- خالع راسه؟ أنت من امتى وأنت فاقد الذاكرة يا طيف؟
أجابه دون أن يلتفت قائلا:
- مش فاكر والله يا ...
التفت وتابع متسائلا:
- أنت اسمك ايه؟
لوى «أحمد» ثغره وأجاب:
- أحمد.. اسمي أحمد يا طيف يا ابن خالي يالي فاقد الذاكرة
- أنت بتعايرني يا عم ولا ايه

في تلك اللحظة حضرت «أسماء» من الداخل وهتفت بنبرة مرتفعة وهي تقول في صدمة:
- أحمد؟ كنت فين يابني حرام عليك ليه تختفي كدا وتسيبنا تاني بعد ما صدقنا لقيناك.. حد زعلك أو داسلك على طرف؟
نظر إلى الأسفل بإحراج وردد بصوت هادئ:
- معلش يا مرات خالي.. أنا عارف إن اللي عملته ده مش صح بس على الأقل ريحني وأديني رجعت أهو 

أشارت إلى الداخل وهتفت بابتسامة:
- خش يا أحمد، ده خالك هيفرح أوي برجوعك
دلف إلى الداخل ومن خلفه «طيف» الذي قال بصوت مرتفع:
- تشرب ايه يا ابن عمتي؟
نظر له «أحمد» نظرات تحمل التعجب والحيرة وخبط كفيه ببعضهما وهو يقول:
- أشرب ايه يابني إحنا في رمضان والدنيا صيام، أنت فاقد الذاكرة عموما ولا بتفقدها كل دقيقة؟

***

اقتربت تلك الفتاة منها وبدأت في محاولة إفاقتها، وراحت تحرّك وجهها بخفة حتى بدأت «نيران» تستعيد وعيها أخيرًا. فتحت عينيها فوقعتا على تلك الفتاة لتقول بنبرة تحمل الصدمة:
-فاطمة؟! أنتي فاطمة؟!

ساعدتها على الاعتدال وقالت بابتسامة:
- آه يا نيران، أنا فاطمة.. الحمد لله إنك بخير.. إيه اللي خلاكي تجري لوحدك ورا الناس دي؟
نظرت نيران حولها باحثة عنهم قبل أن تقول:
- أنتي فاطمة بجد؟ ولا أنا بحلم؟! إزاي؟ أنا مش فاهمة حاجة!

وضعت فاطمة كفيها على كتفيها وهتفت بابتسامة:
- أنا فاطمة، بشحمي ولحمي، قصادك أهو... أنا بخير يا نيران
ساعدتها على الوقوف، ونفضت بعض الأتربة عن ملابسها وهي تقول:
- هقولك كل حاجة، بس يلا نمشي من هنا

***

جلس «رماح» أمام الحاسوب وضغط على زر التشغيل ليبدأ مقطع الفيديو من جهة تُظهر ظهر تلك الفتاة التي كانت تتحدث مع «طيف» بينما كان وجهها غير ظاهر. قام بإغلاق هذا المقطع وفتح مقطع آخر ليظهر كليهما ولكن من جهة أخرى وتلك المرة كان وجهها مقابلًا للكاميرا. أوقف مقطع الفيديو وقام بعمل تكبير للصورة ثم أدخلها على برنامج آخر قام بتوضيحها وهنا نهض من مكانه بشكل مفاجئ وردد بعينين متسعتين بفعل الصدمة التي احتلته:
- فاطمة؟!

تعليقات