رواية اشتد قيد الهوي الفصل الثاني والاربعون
وقف ممدوح خلف سور الحوش في حالة تأهُّب وترقُّب عيناه معلَّقتان ببيت آل الشافعي يترقب خروج الشيخ على أحر من الجمر...
وفي جيبه المدية يربت عليها بين الحين والآخر والفكرة تلمع في عينيه وقد سهل الشيطان الصورة أمامه فالشر والحقد يملأ صدره في تلك اللحظة...
رآه يخرج من البيت يسير بخطى هادئة تشع ثقةً ووقارًا كان مرتديًا حُلة فخمة مصفّف شعره الغزير إلى الخلف.... يمسك بيده سبحةً سوداء وفي اليد الأخرى الهاتف يتحدث من خلاله باهتمام شديد
ازدادت شرارة البغض والحقد في عيني ممدوح وهو يرى غريمه ذلك الرجل الذي
سرق منه زوجته وابنته بالمال والسلطة
اللذين يملكهما حتى جعلهما كالعَبيد عند قدميه.....
تاركين إياه وحيدًا يتجرع مرارة الخيانة والهجر....
لن يدعه يربح أكثر من ذلك... سيفسِك دماءه بيده ويحرق قلبه وقلب عائلته عليه... إنها مجرد طعنة واحدة سيُصفي بها دماءه ثم يفر متخفيًا دون أن يراه أحد.....
عندما تجاوز صالح بوابة الحوش متجهًا إلى سيارته تحرك ممدوح بخفة مهاجم والشر يتطاير من عينيه. أخرج المدية ورفعها نحو صالح من الخلف لكن قبل أن يهبط بها عليه وجد من يُكبِّل ذراعيه من الوراء وصوتًا مُحذِّرًا من الخلف يصيح بانفعال....
"حاسب يا عمي..."
استدار صالح متفاجئًا والهاتف ما زال على أذنه ليرى ممدوح خلفه وخلف ممدوح ياسين الذي كان يُحكم قبضته عليه جيدًا حتى لا يهرب. كانت المدية قد سقطت من يد ممدوح ارضًا فتلألأت تحت أشعة الشمس فرآها صالح بوضوح وأدرك ما كان ينوي ذلك الحقير فعله غدرًا لولا تدخل ياسين في الوقت المناسب.....
دفعه صالح بقسوة على أرض الحوش
وأمر ياسين أن يُغلق البوابة حتى لا يسمع
الجيران...ثم التقط ياسين المدية بين يديه يتفحصها لبرهة بقرف قبل أن يُلقيها بإهمال جانبًا.....
"اي اللي جابك هنا......جاي تموتني بحتة البتاعة اللي كانت في ايدك دي....."
هدر صالح بتلك العبارة وعيناه تقدحان غضبًا ووعيدًا بعدما تجرأ ذلك الحقير على القدوم إلى عقر داره بنية الإيذاء.....
مال فك ممدوح في ازدراء وعيناه تحدّق في ياسين متعجّبًا من تصرفه....
"كان هيحصل بس ابن أخوك لحقك....مع انها غريبة يعني......"
انعقد حاجبا ياسين وهو يأخذ خطوة نحو ممدوح المُلقي أرضًا أمامهم....
"هو إيه ده اللي غريب إنت بتقول إيه
يا جدع إنت؟!"
ابتسم ممدوح باستفزاز......
"اسأل الست الوالدة.... وهي هتجاوبك....."
هوى قلب ياسين خوفًا من أن تكون والدته متورطة مع هذا المجرم... وإن حدث ذلك فستنتهي الخطبة وسيعاقبه عمه بحرمانه من حبيبته إلى الأبد.
ازدرد ياسين ريقه بخوف سائلًا بخفوت...
"وأمي مالها ومالك؟!.....تعرفك منين هي؟!"
لمعت عينا ممدوح بلؤم.....
"تعرفني من قريب..... من قريب أوي....."
أنهى صالح هذا الحوار العبثي بصيحة حادة....
"كلامك معايا أنا ملكش دعوة بيه..إيه اللي جابك هنا؟!...... عايز إيه؟!"
رد ممدوح بنظرة قاسية.....
"عايز بنتي... بنتي ومراتي اللي سرقتهم مني....."
أظلمت ملامح صالح وهو يطيل النظر إلى ممدوح بملامح غامضة هادئة....... هدوء ما قبل العاصفة.
أجابه صالح بهدوء.....
"لو كنت تستحق بنتك ماكنتش عملت اللي عملته. بنتك مش عايزاك...وما صدقت رجعت لبيتها وسط أهلها......"
ثم أضاف في استنكار معقبًا على الجزء الآخر من الطلب...الجزء الذي أشعل فتيل الغيرة في صدره......
"ومراتك؟!..... غريبة... أهي دي الحاجة اللي مش مفهومة... هي خلعتك من ست سنين وأنا اتجوزتها من كام شهر بس.. يبقى إزاي سرقتها منك؟!"
امتقع وجه ممدوح مشيحًا بعينيه إلى مكان آخر فيما اتكأ صالح على الحديث بقسوة....
"مش كان خُلع برضه... ولا طلاق بتراضي؟!"
عاد ممدوح بوجهه إلى صالح مزمجرًا بكراهية....
"بكرة تعملها معاك..ما دي أصلها واحدة عيارها فالت بتحب تغير في الرجالة عاملاهم مداس
ليها.... "
وقبل أن يرد صالح عليه جاء صوتها عند باب البيت لتقول.....
"مش كل الرجالة اللي ينفع تتغير يا حنش..."
رفع صالح عينيه الخضراوين نحوها غاضبًا من ظهورها أمامهم....
فعلى الرغم من احتشامها بعباءتها وحجابها الطويل فإن وجودها هنا مرفوض لم يكن ينبغي أن تظهر أمام ذلك الوضيع ولا أمام ابن أخيه وهما في خضم تلك المشادة الكلامية.....
نظرت شروق إلى زوجها بعينين تفيضان حبًا وامتنانًا لوجوده في حياتها....
"في راجل مسافة ما يدخل حياة الواحدة بيخلّيها تحلف إنها لا شافت قبله ولا عايزة تشوف بعده... وده صعب مخك يستوعبه....."
تفاقم الغضب في صدر ممدوح أكثر في حين اجتاح صالح شعور حاد بالغيرة فكل هذا لم يكن يعنيه الآن... خير الكلام ما قلّ وبقي وكل ما يريده الآن أن تختفي من أمامه....
لكن شروق تابعت تثني بحب قائلةً بنبرة صادقة ممتنّة لعِوض الله...
"كمان الشيخ مكانه فوق الراس يتحط.... المداس ده ليك ولأمثالك...الرجالة اللي زيك فاكرين إن الست جارية وخدامة عندهم... أمّا أنا معاه عشت هانم متشالة على كفوف الراحة وعمره ما حسسني أقل من كده......"
أمرها صالح بصوت مقتضب....
"ادخلي جوه..... إيه اللي طلعك هنا؟!"
قالت شروق برجاء وهي تقترب منه....
"خليه يمشي يا صالح... خليه يغور بشره بعيد عننا.... أنا خايفة عليك بالله عليك بلاش تضيع نفسك عشان واحد زي ده....."
تأفف صالح وهو يدفعها بخفة للدخول من حيث أتت....
"اسمعي الكلام يا شروق..... ادخلي....."
نظرت إلى ياسين الصامت تطلب منه العون بحرقة.....
"قوله حاجة يا ياسين...خليه يمشيه بالله عليك.."
أجابها ياسين بحرج من الموقف برمّته....
"هو اللي جه لحد عندنا يا أم ملك.... وكان رافع المطوة على عمي وناوي يضربه في ضهره... هو اللي بدأ بالغدر.....لولا ستر
ربنا خلاني اشوفه في اخر لحظة.... "
اتسعت عيناها في صدمة ووضعت يديها على فمها بعدم تصديق ثم صوبت تركيزها بأكمله نحو زوجها تلمسه وتتفحصه جيدًا بخوف..... سألته بتهدج.....
"إنت كويس؟......"
طمأنها صالح بقلة صبر.....
"الحمد لله عدت. اطمني... أنا واقف على رجلي...."
بدأت الدموع تتجمع في مقلتيها هلعًا وهي تقول بتوسل...
"خلاص الحكومة تتصرف..... بلغهم خليهم ييجوا ياخدوه....وبلاش تعملوا معاه حاجة....."
تعالت ضحكة ممدوح القميئة فاستدارت العيون نحوه وقد أثارت في نفوسهم نفورًا واستنكارًا واضحًا....
وحين توقف عن الضحك نظر نحو شروق قائلًا بشرٍ أسود...
"أصيلة يا أم بنتي... لسه خايفة عليا ولا تكونيش خايفة مني؟... متقلقيش أنا ناوي أحرق قلبك عليه وأرجعك للشارع اللي
جيتي منه.... "
اعتصر صالح عينيه بقوة والغضب يتفاقم
في صدره بعنف.. أطلق زفرة خشنة ثم أمرها بدفعة قوية فوجودها في تلك اللحظة كان يعيق كل شيء أمامه....
"ادخلي بقولك... اسمعي الكلام."
زأر ممدوح بإهانة جارحة ونية الخراب تتوحش داخله انتقامًا منها...
"اسمعي كلام شيخ المنصر بتاعك... إلا
صحيح ما تعرفش إن المدام المحترمة
قبل ما تتجوزها كانت بتخدم في شقق مفروشة عند رجالة عذب... "
صُعق ياسين من هذا الكلام الغريب وارتفع حاجباه ناظرًا إلى عمه الذي لم تبدُ عليه أي علامات للدهشة من هذا الحديث.... بل بدا غاضبًا أكثر بعد أن تجاوز هذا الحقير كل الحدود الغير المباحة معه حتى فاق قدرته على الاحتمال.....
توترت شروق في مكانها خوفًا أن يصدق صالح هذا الافتراء عليها....
تابع ممدوح بغمزة وقحة...
"وإنت عارف بقى يعني إيه شقق مفروشة..."
ثم أردف بتذكر خبيث....
"وأوعي تكوني نسيتي تحكي له على صاحب محل العطور اللي عرضتي عليه نفسك ولما رفض رخصك قولتي إنه اتحرش بيكي.... "
ابتسم ممدوح بسخط قائلًا...
"مراتك اللي فرحان بيها ليها سوابق... سوابق ما يعرفهاش غير العبد لله.... "
انهمرت عبرات شروق بغزارة من مقلتيها وهي تتشبث بذراعي زوجها قائلةً بغصة مختنقة...
"كداب يا صالح... إنت عارف كل حاجة أنا حكيت لك كل حاجة قبل ما نتجوز..... أقسم بالله ما حد لمسني ولا قرب ليا.... عشت طول عمري شريفة حتى بعد طلاقي منه... والله وحياة بنتي ما حصل."
قالت بانهيار أكبر....
"ده بيعمل ده كله عشان يوقع بينا ويخليك تكرهني...وطلقني... "
أمسكها صالح من ذراعيها هو الآخر يهزها بين يديه وهو يقول بصيحة حادة كي تفيق من تلك الحالة المزرية.....
"بتبرري إيه يا شروق؟.... وبتعيطي ليه اهدي..."
عند تلك الكلمات توقفت عن البكاء فاغرة شفتيها وهي تنظر إليه بصدمة....
صدمة ثقته بها في تلك اللحظة جعلتها تقف أمامه كالبلهاء متجمدة في مكانها....
إنه يثق بها أكثر من ثقتها هي بنفسها ؟!....
اغتاظ ممدوح من هذا الرد فقد كان يتوقع صفعة قاسية على وجنتها ثم يمين الطلاق بدلًا من تلك العبارة التافهة....
لذلك أشعل ممدوح آخر فتيلٍ لصبر صالح الذي بلغ أقصى درجات الاحتمال حتى فاض به الكيل...
"ده إنت طلعت بقرون بقى..مش كلام
بس... "
اندفع ياسين ينوي البطش به...
"ده إنت واحد ابن **"
"ياسين... ياسين سيبه... "
منعه صالح من التقدم ثم اندفع هو نحوه يُفرغ غضبه عليه ويُخرج كل ما كظمه في صدره على هيئة لكمات وركلات عنيفة متتالية وهو يصيح بالقرب منه بنشيج حاد....
"الراجل اللي بقرون بجد هو اللي يتكلم ويفتري على واحدة كانت في يوم من الأيام شايلة اسمه والأنيل إنها لحد دلوقتي أم لبنته...إنت أوسخ من الوساخة... ومش مصدق إنها قدرت تستحملك السنين دي كلها."
وعلى الرغم من سيلان الدماء من أنفه وفمه إلا أنه لم يتوقف عن الافتراء والخوض في عرضها وهو يصيح بصوت عالٍ....
"بُكرة تعرف إنها شمال... وشمال قوي كمان..."
استبد الغضب بصالح أكثر فسدد له اللكمات بوحشية وهو لا يكاد يصدق بشاعة هذا المخلوق وشيطنته.....
صاحت شروق من خلفه وهي تبكي...
"صالح كفاية... كفاية بالله عليك هتضيع نفسك.. "
ثم اقتربت من ياسين تتشبث بذراعه مترجية..
"ياسين حوشه... صالح هيضيع نفسه."
لم يتحرك ياسين من مكانه وهو يبث الطمأنينة لها قائلًا بثقة...
"ما تقلقيش عمي عارف هو بيعمل إيه. خليه يربيه ده راجل لا يُطاق ولسانه زفر.... كنتي عايشة معاه إزاي ده؟"
ازداد بكاؤها حدةً وهي تتابع العراك المحتدم
أمامها....
"ياسين بالله عليك... بالله عليك حوشه."
استهجن ياسين طلبها قائلًا بغيظ...
"سيبيه يربيه... ده لو أنا كنت قتلته.... وبعدين الحكومة جاية دلوقتي عمي بلغ عنه أول ما
رماه هنا...."
سألته بلهفة...
"بجد بلغ؟!"
أومأ ياسين برأسه مؤكدًا وهو يراقب عمه ينهال على خصمه ضربًا ويوجه اللكمات بقسوة كمصارع محترف في حلبة مصارعة....
كان المشهد مدهشًا فهذه هي المرة الأولى التي يرى فيها عمه الهادئ الصبور يتحول إلى شابٍ أرعن تسبق لكمته تفكيره !...
"آه والله ما تقلقيش.. صالح الشافعي بيعرف يتصرف حتى في عز غضبه... بس لو أنا مكانه كان زماني شربت من دمه... ودفنته مكان..."
هزت شروق رأسها واجمة...
"الحمد لله إنك مش في مكانه..."
ثم عادت شروق بعينيها إلى صالح فاتسعت مقلتاها وهي ترى ممدوح يلتقط المِدية من الأرض ويوجهها نحو صالح الذي نهض من أمامه متفاديًا طعنته.
"حاسب يا صالح... "
صاح ياسين مثلها بعدما لاحظ الخطر والشر يلمع في عيني ذاك الحقير....
"حاسب يا عمي... "
ابتسم ممدوح بشر متوعدًا، وهو يلوح بالمِدية أمام وجهه......
"إيه رأيك تاخد واحدة تفكرك بيا العمر كله... ولا واحدة تخرجك من الدنيا كلها؟"
أخذ ياسين خطوتين بحذر نحو ممدوح لكن الأخير لوح بالمِدية فجأة في اتجاهه فتراجع ياسين سريعًا متفاديًا الضربة فهدر صالح آمرًا بغضب وتوتر....
"خليك بعيد يا ياسين... ابعد... "
ضحك ممدوح بنشوة مريضة وهو يرى التوتر يتصاعد على محيّا غريمه خوفًا على ابن أخيه...
"اسمع كلام عمك لحسان تخرج إنت كمان من
الدنيا كلها....."
عند هذا الضجيج بالأسفل وقفت الجدة وحفيدتها تطلان على الشارع لترَيا ما يحدث حتى تفاجأتا بما يدور في حوش المنزل حيث تقف شروق وياسين جوار بعضهما في توترٍ وهلع.....
ويقف صالح في المنتصف أمام رجلٍ غريب مجرم بكل ما تحمله الكلمة من معنى...وذلك واضحًا من قسمات وجهه والشر المتطاير من عينيه بالإضافة إلى المِدية التي كان يلوح بها بشرٍّ نحو صالح وفي نيته الإيذاء.....
وضعت إبرار يدها على فمها بصدمة مناديةً بهمسٍ مختنق تكاد تموت في مكانها من شدة الهلع والصدمة...
"بـابـا.... "
كادت الجدة أن تسقط في مكانها وهي تضع يدها على صدرها مناديةً بصوتٍ عالٍ متعب
"ابـنـي..... صـالـح.... "
رفع صالح عينيه إلى أمه في تلك الثانية الفاصلة فاستغل ممدوح الوضع ومد يده
نحوه في غدر طاعنًا بطنه...
صرخ الجميع بفزع بينما وضع صالح يده على بطنه متألمًا والدماء تتدفق منها فيما اقترب منه ممدوح بشرٍّ وحقد ينوي طعنه مرةً أخرى..لكن صالح كان الأسرع إذ ضرب يده لتسقط المِدية منها أرضًا ثم عرقل ساقيه في اللحظة التالية ليسقط أرضًا.....
ثم تولى ياسين المهمة فهجم على ممدوح مسددًا له عدة لكماتٍ عنيفة حتى فقد الوعي بين يديه....
لتأتي الشرطة بعد ذلك وتشهد على تلك الواقعة....
.............................................................
جلست على المقعد المقابل لغرفة الطوارئ تضم ابنتها إلى صدرها تختبئ خلف جسدها الصغير كأنها تستمد منها دفئًا وصبرٍ بعد ان سرت البرودة في أوصالها والخزي يلتف حول عنقها كقيد مسنن يخنقها بلا رحمة....
هي السبب فيما وصل إليه الشيخ وما آل به حال عائلته الجميع يقف بالخارج ينتظر خروج الطبيب بقلق بعد أن سقط وتد العائلة ملطخًا بدمائه...
هي السبب في هذا الضياع الذي يخيم عليهم وفي القلق الذي يفترس صدورهم وفي تلك اللحظة العصيبة التي يختبرونها الآن... هي السبب في تهديد حياته وتعريضه للخطر....
"انا اللي غلطانه.... انا اللي جبتها لحد عنده...
كانت اختياري...."
تمتمت الجدة بهذه الكلمات المتقطعة بلا وعي وهي في ذروة انهيارها على ابنها غير مدركة أن شروق سمعتها جيدًا فشدت ابنتها إليها أكثر وأخفت وجهها في ظهرها بينما كانت الكلمات تنهش روحها قبل قلبها وتحرقها بلا شفقة....
كان الألم يعصف بمعدتها وشعور الإعياء يثقل جسدها من فرط ما تمارسه الحياة والجميع
من ضغطٍ عليها....
الخالة نادمة على تلك الزيجة... وهي أيضًا نادمة لأنها ظنت أن الحياة قد تصالحت معها أخيرًا ومنحتها زوجًا حنونًا وعائلةً محبةً لها ولابنتها.
لكن حتى في حلاوة الدنيا مرارة خفية لا تُدرك إلا في آخر المذاق....
"اهدي ياتيته هيبقا كويس....."
قالتها إبرار وهي تواسي جدتها تربت على كتفها وهي تجاورها في الجلسة بينما كانت عيناها حمراوين كالدم من كثرة الدموع.....
لقد ظلت إبرار تبكي لساعاتٍ متواصلة منذ
أن رأت والدها يُطعَن أمام عينيها ففي تلك اللحظة تحديدًا توقفت الحياة أمامها وانهارت أركانها في ظلامٍ موحش وهي تشاهد والدها يسقط أرضًا فيما كان شعور الفقد يصارعها بضراوة مهددًا سلام قلبها وحياتها بأغلى الأشخاص لديها.....
قالت الجدة وهي تجهش بالبكاء....
"ابوكي هيضيع مننا يا ابرار.....انا السبب انا السبب في اللي حصله.....كان ماله ومال البلطجي ده...."
تدخل ياسين في الحديث وكان يقف بالقرب من الباب ينتظر بقلقٍ أكبر منهم جميعًا...
"اللي حصل حصل يا تيتة...عمي كويس الجرح بس محتاج خياطة زي ما الدكتور
قال اطمني... "
نهضت الجدة فجأة مندفعة نحو شروق تصيح
بحرقة وغضب.....
"كان ياخد بنته.... كنتي اديتيلو بنته يا شروق... ليه تسيبيه يمسك فيه ويتعارك معاه؟!... ليه تعرضي حياة ابني للخطر عشان تحافظي على بنتك؟!..... ابني ذنبه إيه..... ذنبه إيه؟!"
وقفت إبرار خلف الجدة هي وياسين في محاولةٍ لتهدئتها بينما نهضت شروق لتقف أمامها وابنتها تتشبث بها تُخفي وجهها في أمها بخوف وهي أيضًا تشعر بالغربة والخزي بينهما كحال أمها في تلك اللحظة....
قالت شروق بوهنٍ مرير....
"أنا معرضتوش للخطر اسألي يا ياسين... هو كان حاضر كل حاجة... بلاش تعملي كده يا خالتي بلاش كلامك اللي يوجع ده... أنا أفديه بروحي..."
صاحت الجدة بقسوة لأول مرة في وجهها
كالحماة كما يجب أن تكون......
"روحك؟!...ابني كان هيروح وكله بسببك..."
تراجعت شروق خطوة إلى الخلف مصعوقة ثم اطرقت برأسها أرضًا ملتزمة الصمت مقدّرةً الحالة التي تمر بها...
بدأت تتحدث الجدة بلوعة أكبر وقلبها مفطور
على وحيدها...
"هو أنا مكتوب عليا أخسر كل الناس اللي بحبهم من أول فاروق ابني البِكري... لحد جوزي ومرات ابني...هخسر مين تاني؟!
خسارة صالح بموتي...ده ابني وسندي....
ده اللي مهون عليا غياب الغالين..."
خارت ساقاها تحتها وكادت أن تسقط أرضًا
لولا يدا حفيديها ياسين وإبرار اللذان أسنداها
من الجهتين مساعدَين إياها على الجلوس
فيما قال ياسين برفق.....
"يا تيتة بلاش الكلام ده... عمي بخير بلاش
تفولي عليه....الكلام ده ملوش لازمة..."
وأكدت إبرار وهي تتبادل مع ياسين النظرات
باتزان....
"أيوه يا تيتة ياسين عنده حق... بابا كويس
وهيفضل كويس... وهيفضل معانا... بلاش
تعملي في نفسك كده..."
تمتمت الجدة بصوتٍ متهدج.....
"سامحيني يا إبرار.... سامحيني أنا السبب..."
عادت الجدة تتمتم بتلك الكلمات الحارقة لقلب شروق التي جلست بعيدًا هي وابنتها متجنبة الجميع....
حتى خرج الطبيب من الغرفة فأقبل الجميع
نحوه بلهفة وخوف وكان أول من تحدث ياسين سائلًا.....
"طمني يا دكتور... عمي عامل إيه دلوقتي؟"
رد الطبيب بأسلوبٍ عملي.....
"الحمد لله قدرنا نوقف النزيف وخيطنا الجرح...ومع العلاج والراحة هيرجع
أحسن من الأول..."
وضعت إبرار يدها على صدرها تتنفس الصعداء وهي تنظر إلى الأعلى متمتمة....
"الحمد لله.."
ثم سأل ياسين.....
"يعني نقدر نشوفه دلوقتي؟"
أومأ الطبيب برأسه مؤكدًا قبل أن يغادر...
"أيوه مفيش مشكلة....حمد لله على
سلامته.. "
حين فُتح الباب عليه كان مستلقيًا في
نصف جلسة على الفراش هادئ الملامح
بتعبيرٍ موحد وقد التفّ جذعه بالضمادة الطبية...
"بـابـا... بـابـا إنت كويس؟"
هرولت إليه أبرار بالدموع جالسةً بالقرب منه وكادت أن تُلقي بنفسها بين ذراعيه لكنها تراجعت بعد أن أشار لها...
"بخير يا بَرّتي..... الحمد لله..."
قالت من بين دموعها وهي تنحني لتقبل يده ثم رأسه...
"كنت هموت لو جرالك حاجة..."
ابتسم صالح والتعب بادٍ على ملامحه لكنه يقاوم حتى لا يزيد قلقهم عليه فيكفي ما حدث أمامهم...
"بعد الشر عليكي ... أنا بخير يا حبيبتي... قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا...لسه في العمر بقية...."
تنحنح ياسين ثم قال بوئام...
"حمد لله على سلامتك يا عمي..."
رفع صالح عينيه إليه سائلًا باهتمام...
"الله يسلمك يا ياسين... مسكوه مش كده؟"
أخبره ياسين بكل ما توصل إليه خلال الساعات الماضية...
"مسكوه يا عمي والتحقيقات شغالة معاه الموضوع كِبر وبقى قضية... وبالمطوة اللي كانت معاه دي مش بعيد ياخد خمستاشر
سنة سجن... ده غير الشروع في القتل
يعني جاي وفي نيته قتلك."
صاحت الجدة بكراهية وبغض...
"بعد الشر عليه...إن شاء الله هو وعيلته كلها..."
أسبلت شروق جفنيها بحرج شديد وهي تقف خلف الجميع خارج الصورة العائلية قرب الباب في تردّدٍ منها بين الاقتراب أو العودة للخارج...
تحدث صالح بهدوء وصبر...
"عدت يا أمي الحمد لله...كل واحد خد جزاه."
لوحت الجدة في توبيخ حاد قائلة...
"عدت إزاي بعد ما عرضت نفسك للخطر؟ تتشاكل مع واحد رد سجون زي ده ليه؟... ليه يا بني؟ ده إنت طول عمرك معروف بصبرك وحكمتك..."
نظر صالح خلف أمه حيث تقف الغزالة بعيدة
شاردة حتى لهفتها عليه أخفتها خلف غمامة الحزن...
عاد إلى والدته يخبرها بصلابةٍ خشنة...
"في حاجات مينفعش معاها الصبر ولا الحكمة... وأنا صبرت عليه كتير أوي وانتي عارفة... بس موصلتش إني أسكت وهو بيتهجم على أهل بيتي وبيطاول عليا وعلى مراتي...لا ينفع صبر ولا حكمة وقتها."
رفعت شروق عينيها الحزينتين إليه فالتقط نظراتها سائلًا بلغتهما عن السبب الذي يجعلها تقف بعيدة هكذا عنه...
لكنها لم تُجب وجاء صوت ملك المتردد تقول...
"حمد لله على سلامتك يا عمو... أنا آسفة."
ابتسم لها صالح بمحبة مستفسرًا بحيرة...
"الله يسلمك يا ملك... آسفة على إيه؟"
قالت الصغيرة باعتذارٍ بريء...
"بابا عمل كده عشان أنا جيت معاك... كان المفروض أفضل في بيت طنط سميحة..."
استنكر صالح ردها وهو يقول بحزمٍ أبوي...
"اللي المفروض يحصل إنك تفضلي في بيتك مع أمك هو ده مكانك وسطنا..."
تعجبت الصغيرة من رد صالح فرفعت عينيها إلى أمها في تساؤل والتي بدورها نظرت إلى زوجها قائلة بخفوت...
"كـتـر خـيـرك يـا شـيـخ..."
ردد صالح الجملة ولم يستسغ تلك النغمة المبطنة في صوتها...
"كتر خيرك يا شيخ؟!"
أطلقت والدته تنهيدةً مستاءة وهي تجلس على أقرب مقعد في ضيقٍ واضح...
فيما تبادلت شروق معه النظرات بثباتٍ أنثويٍّ قوي أشار أثناءه لها صالح بالجلوس شاعرًا بشيءٍ غريب حدث خلال تلك الساعات...
"اقعدي يا شروق وارتاحي... إنتي ناسية إنك حامل..."
سأل ابنته التي كانت تجلس بالقرب منه رافضةً الابتعاد عنه...
"مالها شروق؟.... في حاجة حصلت؟"
همست أبرار في وجومٍ بالقرب من أذنه...
"تيته برا قالت كام كلمة كده جرحوها... محملاها يعني ذنب اللي حصلك..."
عاد صالح ينظر إليها فرآها جلست طوعًا كما أمرها وابنتها بين ذراعيها تختبئ بها ومعها وكأنهما كيانٌ واحد وهو خارج تلك الدائرة...
أشاح بوجهه بعيدًا في ضجرٍ واضح...
.............................................................
يقف أمام المرآة الكبيرة ينظر إلى انعكاس صورته عليها بعد أن ارتدى أحد تصاميم
أيوب المميزة والخاصة بعلامته التجارية والتي سيُعلن عنها عبر الإنترنت للتسوق من خلالها وتوسيع مجاله في عالم الأزياء كما يطمح...
وقد تم اختيار سلامة كوجهٍ إعلاني للعلامة التجارية لبعض التصاميم القليلة الخاصة بالرجال...
حتى الآن لم يكن مقتنعًا بتلك الخطوة ويرى فيها مجازفة بمشروع صديقه وحلمه لكنه
فعل ذلك حتى لا يزعج أيوب برفضه...
ومع ذلك كان مقتنعًا أن وجوده خاطئ فهو سيئ الحظ منذ الصغر ومستحيل أن يجلب النجاح له أو لغيره...
هل سيلتفت أحد إليه عبر شبكة الإنترنت الواسعة....الأمر مستبعد وأقرب إلى
المستحيل
"بجد.....التصميم عليك يجنن..."
استدار سلامة إلى هذا الصوت الأنثوي لشابة في بداية الثلاثينيات ذات هيئة عصرية ترتدي طقمًا أسود ضيقًا يبرز نحافة جسدها وطولها الفارع... أما شعرها فكان قصيرًا بقَصّة رجالية مصبوغًا باللون الأبيض وتضع قرطًا في أنفها
سألته باهتمام...
"قولتلي اسمك إيه؟!"
"سلامة..."
رد عليها فقد حضر إلى هذا المكان بمفرده ولم يجد سواها فيه...كانت قد أشارت إليه على حجرة تبديل الملابس ريثما تُنهي عملها ويبدو أنها انتهت لذلك أتت لتتعرف عليه......
"سلامة... أنا هانيا... Fashion Photographer.... "
مدّت يدها في مصافحة ودودة فبادلها المصافحة بملامح عابسة وحيرة خفيفة..
فأوضحت قصدها بابتسامة لطيفة...
"يعني أنا اللي هصوّرك... ممكن تتفضل معايا؟..."
تحرك سلامة برفقتها إلى الخارج حيث تمتد صالة التصوير الواسعة تحت إضاءة ساطعة وواضحة....
"حساك مش مرتاح..."
قالتها هانيا وهي تمسك آلة التصوير تفحصه بتروٍ واهتمام كما لو كان أحد أبنائها ثم سحبت منديلًا من علبة المناديل وبدأت تمسح عنها غبارًا لا يُرى بالعين المجردة......
تابعت حديثها بعدما ظل صامتًا...
"خُد في بالك إن الـ Feeling ممكن ينعكس في الصورة..."
سألها سلامة واجمًا...
"يعني إيه؟!"
تركت آلة التصوير جانبًا بحرص شديد وقالت بود...
"إحساسك... يعني ارتاح الموضوع مش مستاهل توتر... "
أومأ سلامة برأسه والتجهم مرتسم على ملامحه وحاجباه معقودان بشدة....
فقالت هانيا بصبر....
"بص خلينا الأول نشرب حاجة لحد ما تفك كده.... تحب تشرب إيه؟"
رفض سلامة وهو يقول بخشونة.....
"مش عايز....صوريني وخلاص....عايز ألحق أروح شغلي...."
ارتفع حاجباها بانزعاج واضح وقالت بحزمٍ أنثوي...
"ده كمان شغلك... وشغلي ومبحبش حد يدخل فيه... وبعدين يا أستاذ سلامة مفيش حاجة اسمها صوريني وخلاص... هو مش سلق بيض اهدى واسترخي.... وياريت تسمع كلامي..."
"ليان موصّياني.... ولازم نطلع شغل مظبوط مش أي حاجة.... "
تأفف سلامة والتزم الصمت على مضض...
تحركت هانيا إلى أحد الأركان وأحضرت من المبرد الصغير زجاجة مياه غازية اقتربت منه وناولتها له....
أخذها سلامة وبدأ يشرب منها بحنق مكتوم.
جلست هانيا بالقرب منه وسألته بفضول...
"عندك كام فولورز على الإنستا؟"
فتح فمه ببلادة..
"هاا؟!"
على تعبير الصدمة وجهها وهي تعيد السؤال
بدقة أكبر.....
"إنستا... إنستجرام... معندكش؟"
هز رأسه نفيًا وهو يرتشف من المياه الغازية لعلها تُطفئ نيران صدره وتُلهي عقله عن التفكير...
جاء صوتها متعجبًا في حيرة....
"إزاي يعني؟!...... إنت مش موديل؟!"
رد بإيجاز....
"مش موديل....دي أول مرة..."
قالت هانيا بذهول مندفعة بعفوية معه في
الحديث.....
"أول مرة؟!.... بتهزر أنا افتكرتك عندك عدد كبير من الفولورز.... واستغربت إني ماشوفتك قبل كده على الإنستا... ولا عملتلك فولو..."
عقب سلامة بتبلد....
"وتعمليلي فول ليه؟"
علقت هانيا بضحكة عالية.....
"فول؟!..... إنت لقطة..."
تابع سلامة شرب المياه في وجومٍ واضح بينما صمتت هانيا وبدأت تُحضّر آلة التصوير لتبدأ عملها....
أشارت إليه ليقف في موضع محدد وكان هناك مقعد أمامه ثم بدأت تعدل الإضاءة الموجهة نحوه وقالت وهي تقف خلف عدسة الكاميرا المثبتة على حاملها...
"إحنا لازم نبقى تيم حلو مع بعض..."
ثم استأنفت بابتسامة ودودة...
"بمعنى تسمع كلامي وتنفذ كل اللي أقولك عليه عشان نسلم شغل مظبوط لليان.... أوكيه؟"
أومأ برأسه موافقًا فهذا الحل الوحيد لإنهاء هذا العمل الثقيل على قلبه......
قالت بأسلوب عملي آمِر...
"افرد كتافك...استرخي أكتر... عشان نطلع صور حلوة....لازم نركز على ملامحك."
تمتم بتذمر...
"المفروض تركزي على الهدوم اللي لابسها..."
أبعدت عينيها عن العدسة ونظرت إليه بحدّة وتحدٍّ....
"أول حاجة بتلفت الانتباه هو الشخص اللي بيروّج للمنتج.... وبعدين المنتج... يبقى الأهم أركز على تفاصيل وشك ووضعية التصوير.
لو طلعوا بيرفكت... المنتج هيتروج ليه
بشكل بيرفكت...."
احمر وجه سلامة وهو ينفذ أوامرها على مضض فقالت وهي تلتقط لقطة ثانية...
"ممكن تفكر في حاجة بتتمناها...وإنت
بتبص على يمينك...."
شيء يتمناه؟
كانت الدكتورة يومًا أمنيته المعلقة كنجوم بعيدة في سماءٍ لا تُطال.... أما اليوم فلم يعد يتمنى شيئًا سوى نسيانها والمضي قدمًا...
كيف للإنسان أن يتخلص من حبه الأول مهما أراد وحاول؟
يفشل دائمًا، وكأنه قيد يشتد حوله عنادًا وقسوة حتى يبلغ حد الاختناق والموت
فلا فكاك من هوى اخترته بإرادتك ثم
تركته مُجبرًا....
سمع صوت هانيا يأمره...
"بُص للكاميرا... ميل شوية براسك لقدام...
ثبت نظراتك"
فعل كما طلبت بنظرة ثاقبة نحو عدسة التصوير فالتُقطت صورة أروع من
سابقتها...
كان هناك شيء غريب يميزه أمام الكاميرا
شيء يُبرز وسامته الإجرامية وتلك الفوضى المحببة في شعره الطويل الناعم ونظرته الحادة كالنمر....
"بالظبط.... هو ده.... "
قالتها هانيا وهي تنظر إلى شاشة الكاميرا الصغيرة تتفحص الصور التي التقطتها باحترافية مصوّرٍ يعرف متى وكيف يلتقط اللقطة الصائبة التي ستجد صداها بكل تأكيد....
قالت هانيا وهي تبدي اعجابها بعملهما
"الصور هايلة بجد....بيرفكت... بيرفكت مع التصميم.... واو... "
نهض سلامة واقترب منها ينظر إلى الصور بملامح باردة ونظرة فارغة باهتة....
قالت هانيا بجذل....
"على فكرة يا سلامة إنت ممكن ييجي منك أوي في المجال ده... لو عندك وقت ممكن نشتغل سوا.... "
تمتم بكآبة...
"إنتي كمان عايزة تخسري؟"
توسعت عينيها في صدمة من رده....
"أخسر؟!.... إنت مش شايف صورك بص كويس... "
ثم تابعت بإعجاب أكبر وهي تمعن النظر للصور مرة اخرى.....
"إنت لو ركزت واشتغلت على نفسك قدام الكاميرا.....هتكسب ملايين."
بسخرية عقب...
"ملايين؟!"
اكدت في حماس واضح.....
"مش كلام.... ملامحك خطيرة في التصوير والكاميرا حباك... ويا بخت اللي الكاميرا تحبه...."
ثم أضافت بشغف....
"ممكن أعملك حساب على الإنستا وبالصور دي تجمع فولورز كتير.... وأنا هساعدك. ساعتها نشتغل سوا.... وأكيد هتجيلك عروض بعد البراند ده.... ده للمصمم أيوب عبد العظيم مش كده؟..."
رد سلامة كان صمت غريب فتلاشت ابتسامتها قليلا عن محياها سائلة.....
"ساكت ليه؟.... مردتش عليا... "
سحب سلامة نفسًا خشنًا ثم رفض عرضها بصلابة....
"أنا شغال مع أيوب ومش عايز أشتغل حاجة تانية.... مليش في حوارات النت والصور دي."
هزت رأسها بتفهم ثم أخرجت بطاقة تعريف من جيبها وقدمتها له...
"فكر طيب...يمكن الشغلانة تعجبك...ده رقم تليفوني لو غيرت رأيك... وهعملك الصفحة
زي ما قولتلك..."
أخذ سلامة البطاقة ونظر إلى أرقامها بملامح مقتضبة غير مقتنع بتلك الخطوة ولا بهذا العرض السخي.... منها... أو من صديقه الذي دفعه إلى هذا الطريق....
يرى الجميع أشياء لا يراها هو مهما وقف أمام انعكاس صورته في المرآة......
............................................................
ظلت جالسةً مكانها لساعاتٍ بعيدةً نسبيًا عنه بينما ابنته والجدة بجواره يتحدثان معه وأحيانًا تُداعبه إبرار بطرافةٍ منها...
أحيانًا يرد عليها مبتسمًا وقليلا يرد على مزاحها بأسلوبه المحبب....
رفعت بنيتيها عليه في اشتياقٍ نابعٍ من قلبها المكلوم لتجده يلتقط نظراتها وكأنه كان ينتظر تلك المبادرة لساعات وأخيرًا فعلتها....
وخز قلبها عتاب عينيه وتجهمةُ الضيق المرتسمة على محياه نحوها...
"ملك نامت على دراعك هاتيها هنا..."
أشار لها صالح وهو ينطق تلك العبارة فنظرت إلى ابنتها لتراها بالفعل قد غفت نصفها السفلي كان يستريح على المقعد المجاور لها والنصف الآخر بين ذراعيها مما جعلها تغط
في نومٍ عميق....
تحركت شروق تنوي وضع الصغيرة على الفراش الآخر في الغرفة فأشار صالح إلى ابنته بأمرٍ حانٍ....
"ساعديها يا إبرار... "
تحركت إبرار بالفعل وساعدت ملك في النوم على الفراش الآخر الخاص بمرافق المريض...
ثم تحركت شروق لتعود إلى مكانها على المقعد البعيد..... فجاء صوته حاسمًا...
"تعالي جمبي هنا يا شروق..."
ارتفع حاجبا إبرار بدهشة وغيرة وهي تنظر إلى جدتها التي مطت شفتيها مستهجنة الوضع...
قالت إبرار بملامح جافية...
"أنا هروح أجيب حاجة أشربها من تحب أجبلك حاجة معايا يا بابا؟.... "
جلست شروق بجواره على حافة الفراش هادئةً صامتة تنكس رأسها في خنوعٍ غريب فرفع عينيه الخضراوين إليها وهو يرد على ابنته....
"لا.... بس هاتي عصير لشروق وأي حاجة تاكلها..."
رفضت شروق بحرجٍ شديد....
"لا....أنا مش جعانة..."
رمقها بنظرةٍ صارمة وهو يقول بحزم...
"ده مش عشانك...ده عشان اللي في بطنك"
أسبلت جفنيها صامتة تبتلع الغصة التي نمت فجأةً في حلقها....
قالت إبرار بنفاد صبر....
"وانتي يا تيتة ؟...."
تنهدت الجدة وهي تقول بوجوم...
"أنا هروح أصلي العصر بشكل ده هيفوتني.."
خرجت الجدة وتبعتها إبرار والتي حين لمحها ياسين عند باب الغرفة تُغلقه خلفها سألها وهو يقترب منها...
"خرجتي ليه.... في حاجة؟!... عمي كويس؟"
ردت عليه إبرار بامتعاض...
"الجو جوه خنيق...واضح إننا عزول وسطهم"
زفر ياسين في ارتياح ثم ابتسم قائلًا باستياءٍ منها....
"خلي شوية من الغيرة والحب دول ليا وسيبي أبوكي في حاله..."
أجابته على مضض...
"حد قالك إني حاشرة نفسي بينهم من ساعة ما اتجوز وأنا واخدة جمب..."
مال عليها ياسين برأسه قائلًا في مداعبةٍ جميلة....
"خدي جمب منهم.... وتعالي جمبي أنا..."
ابتسمت إبرار عنوة عنها حتى ظهرت غمازاتها الفاتنة ثقبين على الخدين يشتهي تقبيلهما
أشرق وجهها بابتسامتها كما أحيا قلبها بخفقاتٍ تخفق باسمه هو...
"والله إنت فايق يا ياسين... إحنا في إيه
ولا في إيه..."
ثم استندت إلى الجدار البارد بظهرها لتقول بصوت شجن...
"كنت هموت من الرعب عليه بجد مش مصدقة إن كان ممكن أخسر بابا... قلبي
لحد دلوقتي واجعني من اللي شوفته..."
طمأنها ياسين بصوته الحاني العاشق...
"سلامة قلبك يا حبيبتي...احمدي ربنا هو بقى كويس دلوقتي....وبكرة إن شاء الله هيروح معانا الدكتور... لسه قايلي كده ومطمني عليه... "
رفعت إبرار عينيها عليه في تساؤل...
"يعني هو هيبات في المستشفى النهاردة؟"
أومأ برأسه مؤكدًا...
"المفروض..."
قالت فجأة...
"أنا هبات معاه هنا..."
رد عليها متعجبًا...
"طب ما شروق معاه..."
قالت بتسلطٍ محتد...
"أنا بنته... أنا اللي المفروض أكون معاه..."
لم يناقشها ياسين حول الأمر كثيرًا فقد ألقى الكرة في ملعبها حين قال بصبر...
"والله قوليله.... لو رضي تمام..."
قالت باندفاع...
"أنا هدخل أقوله..."
وقبل أن يمنعها كانت تفتح الباب دون استئذان مقتحمة الغرفة عليهم من جديد
"بـابـا..."
رفع صالح عينيه إليها مقطبًا جبينه في تساؤل....
"في إيه يا إبرار؟..... مالك؟"
قالت إبرار بسرعة وهي تنظر نحو شروق بتحدٍ....
"الدكتور بيقول إنك هتبات في المستشفى النهاردة أنا هبات معاك وخلي شروق وتيتة يروحوا..."
لم تتدخل شروق وانتظرت رد صالح الذي أتى حازمًا...
"لا إنتي هتروحي مع جدتك وشروق هتفضل معايا...."
احتقن وجه إبرار بالغضب والغيظ وهي تقول باعتراض....
"ليه يا بابا؟..... أنا عايزة أفضل معاك..."
وبالصبر المتبقي لديه قال...
"اسمعي الكلام يا إبرار بلاش مناهدة..."
تدخلت شروق في الحوار لتقول بصوتٍ
حانٍ متفهم...
"ما تخافيش يا إبرار أنا هفضل جنبه
والتليفون معايا رني في أي وقت هتلاقيني برد عليكي...."
عقدت إبرار ذراعيها حول صدرها في غيرةٍ طفولية واحتجاجٍ واضح وهي تنظر إليهما
ثم نحو ياسين الذي كبح ابتسامته المتشفية فيها....
.........................................................
أثناء قيادته للسيارة التفت إليها في نظرة سريعة ليراها كما هي منذ أن جلست بجواره شاردة بحزن تنظر إلى النافذة في صمتٍ....
"وحدوه......"
انتبهت ابرار اليه لترفع عينيها عليه
قائلة.....
"لا إله إلا الله...."
سألها ياسين في مداعبة لطيفة...
"هتفضلي ساكتة...مش شوفتيه واطمنتي عليه؟"
أطلقت تنهيدة طويلة وهي تقول بغيرة...
"مكنتش عايزة أروح... كنت عايزة أبات معاه
في المستشفى...."
قال ياسين بهدوء وهو يركز على الطريق...
"طب ما إحنا هنروح الصبح... وبعدين مراته معاه...."
قالت أبرار بنبرة مغتاظة معترضة...
"بس أنا بنته... أنا الأقرب ليه منها..."
"في الوضع ده مراته الأقرب ليه منك...."
قالها ياسين بخفوت وهو ينظر في مرآة السيارة حيث تجلس الجدة في المقعد الخلفي وقد غفت في جلستها بعد أن أرهقها الحزن واستنزف قواها خلال الساعات الماضية....
سألته أبرار متعجبة...
"إزاي يعني...؟"
تبرم ياسين ساخرًا من السؤال...
"وبتسألي كمان... لما نتجوز هتعرفي إزاي الراجل والست أقرب اتنين لبعض...."
احمر وجه أبرار بعد أن فهمت المعنى المبطن في حديثه فقالت بهمس...
"طب وطي صوتك لحسن تيته تسمعك...."
أطلق عبارة هازئة...
"سلامة النظر... تيته نامت...."
نظرت أبرار خلفها لتراها بالفعل تغط في نومٍ عميق فعادت إليه بعينيها في صمت فالتقط ياسين يدها وقبّلها مستغلًا الفرصة....
سحبت يدها بقوة قائلة بضيق بعد أن تسارع نبض قلبها وكسا الاحمرار وجنتيها...
"ياسين بتعمل إيه؟!..."
رد عليها ياسين بعذوبة...
"وحشتيني... مش مصدق إن أبوكي سبنا نروح سوا...."
قالت بابتسامة باردة...
"هو مضطر... أكيد خدت بالك...."
رد عليها...
"واخد بالي وفرحان فيه...."
انحنى حاجباها للأسفل في عتاب..
"حرام عليك يا ياسين...."
رد عليها ياسين بغضب مكتوم وقلة صبر
تقطر من بين كلماته...
"حرام عليه هو اللي بيعمله فيا... أنا عايز أتجوز...عايز أتجوز يا عالم مش هستنى أنا خمس سنين لحد ما تتخرجي...."
صدمها التحدث في هذا الأمر الآن فقالت متجهمة...
"إحنا في إيه ولا في إيه...بابا في المستشفى مش واخد بالك...؟"
رد من بين أسنانه مقتضبًا...
"واخد.... واخد بالي إن المصايب كلها بتحضر كل ما أفكر أفتح موضوع جوازنا... شكلك كده نحس يا بَرْتي...."
نظرت إليه بطرف عينيها...
"ما يمكن تكون إنت اللي نحس ونحسني
معاك..."
لم يهتم وهو يقول...
"إحنا الاتنين منحوسين...."
ابتسمت أبرار باستياء وهي تهز رأسها فيبدو أنها الحقيقة بالفعل....
قال ياسين في اهتمام وهو يمعن النظر
إليها...
"أجبلك حاجة تاكليها؟... وشك مخطوف...."
رفضت أبرار بصوت حانٍ...
"أنا كويسة يا حبيبي اطمن.... وبعدين أنا مليش نفس لحاجة...."
تنهد ياسين بتعب وهو يذكرها...
"لما نوصل حضري الحاجات اللي شروق قالتلك عليها.. خليني أروح أبعتهالها وأرجع أرتاح شوية...ساعتين قبل الشغل...مش
هينفع أسيب المصنع كده...."
اقترحت عليه أبرار بتعاطف...
"تحب أجي معاك المصنع أساعدك...؟"
رفض ياسين ممازحًا...
"إزاي بس يا دكتورة؟...تفهمي إنتي إيه في شغلنا...."
قالت أبرار بنبرة بها بعض الحماس...
"أتعلم... أنا فاضية الفترة دي ممكن أبقى معاك لحد ما بابا يقوم بالسلامة ويرجع... هو مش هيعترض...."
هتف ياسين برفض قاطع...
"أنا أعترض... شغل إيه وموظفين إيه اللي تبقي وسطهم...."
ارتفع حاجب أبرار في سخط..
"يا سلام وإيه يعني؟ ما أنا لما أتخرج هشتغل تكونش فاكر إني هعلق الشهادة على الحيطة...."
أومأ برأسه ببساطة..
"بـالـظـبـط...."
توسعت عيناها في صدمة متشدقة..
"بـالـظـبـط...."
وأومأ مجددًا بتسلط ذكوري ليقول...
"أنا محتاجك أكتر في البيت...أنا مريض
أكتر من الناس اللي برا..."
سخرت منه سائلة...
"ومريض عندك إيه بقا؟!..."
بنظرة وضع فيها سحر لا يُقاوم وقال
بحرارة...
"مريض بيكي يا دكتورة... وانتي علاجي...."
تراجع غضبها واعتراضها في لحظة وشعرت أنها فراشة تحلق فوق أزهار قلبه صدقًا جعلها كالبلهاء تبتسم في رضا أنثوي تام وهي تقول بحياء...
"إنت بتجيب الكلام ده منين..."
رد عليها مبتسمًا في اعتداد بعد أن نال تلك البسمة وهذا التراجع الملحوظ في النقاش...
"من قلبي...إنتي لسه شوفتي حاجة...الصبر الجميل...ربنا يهدي أبوكي عليا...."
وصلت السيارة أمام البيت فأيقظت أبرار جدتها وساعدتها على الصعود إلى الطابق الثالث... وأثناء صعود ياسين خلفهما وصل إلى الطابق الثاني حيث شقته فسألته أبرار وهي تنوي إكمال الصعود إلى الأعلى حيث شقتها...
"صحيح يا ياسين مسمعناش يعني صوت مامتك الصبح.....هي مش جوه..."
رد واجمًا وهو يدير المفتاح في المزلاج...
"أكيد جوه...أنا سيبتها الصبح في الشقة
بس ممكن كانت نايمة...اطلعي إنتي جيبي الحاجات..."
ثم فتح الباب قائلًا بهدوء قبل أن يدلف...
"وأنا هدخل أغير هدومي وأطلع آخدهم منك...."
أومأت أبرار برأسها وهي تلحق بجدتها إلى الأعلى...
أغلق ياسين الباب خلفه فرأى الشقة غارقة في صمتٍ وهدوءٍ غريبين رغم اقتراب وقت المغرب.
أمعقولٌ لم تستيقظ حتى الآن؟
ليس من عادتها....
اعتاد أن يراها جالسةً أمام التلفاز وهي تطلي أظافرها أو خارجةً من المطبخ تحمل في يدها وجبتها أو مشروبها المفضل....
كان قد حفظ بعض تفاصيلها وبعض العادات التي تكررها يوميًا بينما هي لم تحفظ حتى موعد عودته من العمل أو خروجه إليه....
كانت وما زالت غير مهتمة أمومتها معدومة لم تمتلك خيارًا سوى أن تكون (عبلة العزبي) أما أن تكون والدته فحتى ذلك فشلت في تزيفه خلال الفترة الماضية....
فتح باب الغرفة التي تقيم بها بهدوء وألقى نظرةً سريعة على الفراش فوجده فارغًا لكن غيرَ مرتب وهذا يعني أنها استيقظت ربما كانت في الحمام أو في أيّ مكانٍ آخر بالشقة..
لم يهتم ياسين بالبحث عنها بل اتجه مباشرةً إلى غرفته ليبدل ملابسه بأخرى نظيفة لكنه تفاجأ حين دلف إلى الغرفة فقد وجد احدى ابواب خزانة الملابس مفتوحة...
اقترب من خزانة الملابس عاقدًا حاجبيه يتقدم خطوةً ويتراجع أخرى متوقعًا ما قد يراه محاولًا تكذيب إحساسه فتلك نهاية المطاف إن أصبح الشك واقع يعيشه...
وقف ياسين متحجرًا كتمثالٍ من شمع أمام الخزانة المفتوحة يحدق في الرفّ الفارغ حيث كانت تُوضع حقيبة الأموال....فلم يجد الحقيبة وبالطبع كانت الأموال قد ذهبت مع سارقها وسارق الحقيبة هو شخصٌ توقع منه الغدر بكل الطرق المتوقعة منه إلا تلك الطريقة المخزية....
...............................................................
تسير بخطى أنيقة كعب حذائها يقرع الأرض بخيلاءٍ أنثوي....متأنقة كالعادة في طاقمٍ فاخر حرصت أن يكون محتشمًا بقدر الإمكان حتى تتجنب تعليقات زوجها أو غضبه.....
وصلت إلى مشغل الخياطة الخاص بزوجها وصعدت على السلالم القليلة للوصول إلى الغرفة التي يتواجد بها أغلب الوقت...
أثناء سيرها توقفت في الردهة بعدما رأت ليان تُقبل عليها وهي تتحدث في الهاتف باهتمام وفي يدها ملفٌّ خاص بالعمل....
توقفت نغم مكانها وتغيرت قسمات وجهها إلى تجهمٍ ونفورٍ واضح فرؤية تلك الفتاة تزعجها بشدة كلما رأتها في مكانٍ قريب من زوجها....
إنها تعمل مع أيوب في شركة الموجي وهنا في مشروعه الخاص يراها ويتعامل معها أكثر منها هي وهذا ما يشعل فتيل غيرتها وحنقها أكثر....
انتبهت ليان أيضًا لوجودها فتباطأت في مشيتها بشكلٍ ملحوظ وظهر الحقد في عينيها أثناء اقترابها حتى توقفت أمامها مرحبة بها بقناعٍ جامد راسمة بسمةً صفراء على محياها...
"أهلًا بـ نغم هانم... نورتي المكان..."
ردت عليها نغم ببرود وهي ترفع نظارتها الفاخرة فوق شعرها في أناقة...
"منور بصحابه... عاملة إيه يا ليان معقولة لسه شغالة هنا..... افتكرتك مشيتي..."
أجابتها ليان بأسلوبٍ كيدي....
"وإيه اللي يخليني أمشي.... أيوب محتاجني في الشغل معاه..."
مطت نغم شفتيها بعدم تصديق فيما صدرها يشتعل بالغيرة كمرجلٍ ناري....
"بجد؟!.... شكلك ليكي دور مهم أوي في المكان..."
توسعت ابتسامة ليان أكثر وهي تؤكد المعلومة
بلؤم....
"طبيعي... المكان بدأ بيا... كنت مع أيوب خطوة بخطوة... طبعًا إنتي متعرفيش التفاصيل دي كنتي وقتها مرتبطة بجاسر العبيدي ومشغولة معاه..."
شرارةُ الغيرةِ انبعثت من عيني نغم الرماديتين فتحولتا إلى جوٍّ عاصفٍ أشعل رعدُه النيران فجأة....
قالت لها بصوتٍ حادٍّ مسنّن....
"ياريت تلزمي حدودك في الكلام وتعرفي إنتي بتقولي إيه... إنتي ناسية إني بقيت مرات أيوب
ولو سمع الكلام ده منك...مش هيعجبك رد فعله..."
حركت ليان بؤبؤ عينيها بخبث لتقول بمسكنة...
"إنتي ليه خدتي الكلام بالشكل ده؟... أنا بفكرك بس بالوضع قبلك كان عامل إزاي..."
أخذت نغم خطوة نحوها وقالت بعنفوان أنثى وكبرياء...
"لا قبلي ولا بعدي... أنا مبعدتش عن فكر أيوب وقلبه ولا لحظة حتى وإحنا مش مع بعض...
وطبعًا الكلام ده صعب واحدة زيك تفهمه..."
امتقع وجه ليان واحتدت نظراتها بالغل فاستأنفت نغم الحديث قائلة بسخط...
"أكيد لما تحبي وترتبطي هتعرفي...بس برضه
صعب تلاقي حب زي حبنا وراجل زي أيوب...
بس هدعيلك تلاقي واحد ابن حلال..."
قالت ليان بغضبٍ وكره...
"وفّري الدعوة لنفسك... ادعي إنه يفضل معاكي ويفضل يحبك..."
سألتها نغم ببلادة...
"تقصدِي إيه؟"
قالت ليان بابتسامةٍ ساخرة...
"أقصد إن لما الراجل ربنا بيكرمه وبيغتني... أول حاجة بيغيرها هي مراته..."
ضحكت نغم ضحكةً أنثويةً مفعمةً بالاحتقار على حديثها فاحتقن وجه ليان بالغيظ وهي تمعن النظر إليها بغيرة.....
فهي تمتلك كل شيء الجمال المال والجاه حتى أيوب أصبح زوجها.....
وحين توقفت نغم عن الضحك قالت لها بثقةٍ
وثبات...
"معتقدش إن اللي بيعمل كده راجل... وحبيبي سيد الرجالة... إنتي متعرفهوش زيي... شكرًا على النصيحة يا لي لي..."
ثم قالت بتسلط...
"يلا يا حبيبتي.... روحي شوفي شغلك..."
قالت ليان من بين أسنانها بحنق مكتوم...
"بس أنا داخلة لأيوب في ملف لازم يبص عليه..."
سحبت نغم منها الملف بخفة أمام عيني ليان المصدومة من تصرفها الوقح لتقول نغم بابتسامةٍ منتصرة...
"وماله أنا هوصله له... متنسيش إني مديرتك
وبفهم كويس أوي في شغلكم... يلا اتفضلي إنتي على شغلك.... مش عايزين نعطلك..."
ظلت ليان مكانها لثوانٍ تنظر إليها بغضبٍ وكراهية توحي برغبةٍ قوية في قتلها لكن نغم لم تهتم بتلك النظرات الحارقة وقررت تجاهلها ببرود وإثبات صك ملكيتها....
لذلك تحركت بخفةٍ وخيلاء إلى المكتب دخلت إلى زوجها وأغلقت الباب خلفها تاركة ليان تستشيط غضبًا بالخارج....
وكانت تلك الحركة والحديث الذي دار بينهما القشة التي قصمت ظهر البعير.....
أرسلت ليان رسالة إلى جاسر العبيدي محتواها مختصر ومفيد....
(موافقة أشتغل معاك... وهنفذ اللي اتفقنا عليه...)
عندما دخلت إلى المكتب وأغلقت الباب خلفها في ظفرٍ أنثوي استدارت تبحث عنه بعينيها في لهفة وقلبها المُدلَّه بحبه يخفق شوقًا....
رأته يجلس خلف مكتبه البسيط مصوِّبًا كامل تركيزه على تلك الرسمة التي يبدع فيها بأصابع فنانٍ شغوفٍ بما يفعل.....
منفصلًا عن العالم ومن فيه جسده مشدود على المقعد وكذلك نظراته ثابتة على الورقة ويده تتحرك بخفة مكملة تفاصيل الرسمة مُزهِرة ألوانها كي تتضح أكثر وتكتمل كثمرةٍ ناضجة آن أوان قطفها.....
وتلك الرسومات المنشغل بإنهائها تلك الفترة هي ثمار نجاحه القادم إن فاز بالمسابقة الكبيرة كما يطمح وكما أخبرها بذلك...
تحركت بخفة فراشة تقطع المسافات بينهما
ثم سحبت مقعدًا وجلست بجواره وكل هذا وهو في عالمٍ آخر مع تصميمه.....
استندت نغم على يدها وهي تطالع تلك الرسمة التي أخذت حبيبها منها لدرجة أنه
لم يستشعر وجودها حتى الآن....
رأت ثوب سهرة فاخرًا بلون أزرق ملكي عميق يجمع بين الأناقة والجرأة المدروسة.... ينسدل بقماشٍ حريري لامع....له قصة أنثوية ناعمة تُبرز العنق وعظام الكتفين برقيٍّ هادئ...
وتنورة الثوب بها فتحة جانبية جريئة تكشف عن الساق...
أعجبها التصميم جدًا كما أعجبتها تفاصيل الرسمة من تسريحة العارضة إلى إكسسواراتها الأنيقة التي لاقت بالثوب كثيرًا....
لم تقاوم نغم قولها بصوتٍ عالٍ وعيناها تجريان على الرسمة في تأملٍ مُبهر....
"تحفة..... الدريس يهوس بجد....."
اهتز حاجبا أيوب معًا وهو ينتفض بخفة كردِّ فعلٍ تلقائي بعد شروده العميق طوال تلك الدقائق مع وجودها بجواره ومراقبتها له...
"نـغـم....."
ابتسمت إليه قائلة بتنهيدةٍ ناعمة....
"لسه واخد بالك؟....أنا بقالي نص ساعة
قاعدة جنبك....."
ظهرت الدهشة على محياه سائلًا بصدمةٍ مضحكة....
"بتهزري؟...إزاي محستش بوجودك؟....."
قالت وعيناها تتألقان ببريق الحب وهي تنظر إليه...
"كنت مضايقة في الأول بس بعد ما شوفت اللي إنت بتعمله ليك حق....حلوة أوي الرسمة لما التصميم ده يتنفذ هيبقى خرافة...."
أغلق دفتر التصاميم ووضعه جانبًا وهو ينظر إليها باهتمام جعل قلبها يرفرف سعادةً وحبًا..
"سيبك من التصميم.... جيتي إمتى؟..."
قالت بضحكة رقيقة...
"لسه قايلالك من نص ساعة......"
عبس أيوب عاقدًا حاجبيه....
"وليه قاعدة ساكتة؟... وقاعدة بعيد ليه؟..."
قالت نغم بأستغراب...
"بس أنا قاعدة جنبك على فكرة...."
"بعيد برضه.....قربي شوية كمان....."
اعترض أيوب وهو يمسك يدها ثم سحبها إليه لتجلس على ساقيه وتبقى بين ذراعيه قريبة من القلب والعين...
عضّت نغم على شفتيها في دلال قائلة
بخجل....
"إيييوب...."
رد أيوب وهو يقطف القُبل من وجنتها ثم ثغرها بحرارة قائلًا بصوتٍ شغوف....
"كده بقيتي في حضني......اي المفاجاة الحلوة دي مقولتيش انك جايه....."
قالت وهي تُعلِّق ذراعيها في عنقه بتغنُّجٍ أنثوي.....
"حبيت أعملهالك مفاجأة..... وحشتني..."
عاد يقطف القُبل كمن يقطف حبات كرزٍ شهية بلونها القرمزي ومذاقها الحلو....
"إنت أكتر يا كل الحب.... من الصبح وأنا بفكّر فيكي...."
ضاقت عيناها في شك...
"مش باين..."
أومأ برأسه وهو يضمها إليه أكثر في اشتياق لترتاح هي على كتفه مغمضةً عينيها بنعومة
"بجد.... قولت أخلص اللي في إيدي وأجيلك على الشركة... نقضي بقية اليوم برا....نتغدّى ونقعد على البحر..."
رفعت نغم رأسها لتقول بحماس...
"إحنا فيها... ممكن نعمل كده لما تخلص..."
أخبرها ويده تُرجِع خصلةً من شعرها خلف أذنها....
"قدامي نص ساعة...... هتستنيني؟"
قالت نغم بتوله...
"هستناك العمر كله...مش نص ساعة بس.."
ابتسم أيوب وومضت عيناه بشكلٍ ملحوظ وهو يقول بمداعبة....
"يا سيدي على الرومانسية...دا إنتي راضية عني على الآخر...... إيه السبب؟"
تنهدت نغم برقة ثم قالت وهي تمرر يديها
على ياقة قميصه بوله......
"مفيش أسباب....الرضا هو الحب... وأنا بحبك فطبيعي أكون راضية عنك..."
زمّ أيوب فمه وشاكسها قائلًا...
"أنا بقى مش راضي عنك..."
توسعت عيناها بدهشة لتسأله...
"إيه ده؟!...... ليه؟!..."
قال أيوب بنظرةٍ معاتبة...
"بقالك كام يوم بتنزليني من غير فطار..."
ابتسمت نغم معتذرة عما بدر منها الأيام السابقة منذ أن بدأت العمل في الشركة بعد زواجها....
"ما إنت عارف كان عندي ميتنج النهارده... وإمبارح بابا بنفسه اتصل بيا واستعجلني... غصب عني يا حبيبي... بس أوعدك هفطرك بعد كده وهأجل أي حاجة عندي..."
ثم سحبت حقيبتها الفاخرة لتُخرج منها علبة طعام مضيفةً بفخر....
"كمان أنا جبتلك معايا حاجة بسيطة تاكلها على ما نروح نتغدى سوا..."
ألقى أيوب نظرةً متعجبة إلى تلك العلبة وما إن فتحها رأى أمامه شطائر مصفوفة بعناية لافتة كما أن محتواها بدا غير مألوفٍ إليه...
وذلك طبيعي فبالطبع زوجته هي من حضّرتها بنفسها ويبدو أنها إحدى وصفاتها الغريبة عليه والتي يحاول التأقلم معها... أحيانًا...
"سندوتشات.....سندوتشات إيه دي؟"
قالت نغم بنظرة تضجّ بالحماس...
"دوق وإنت هتعرف..... أنا عاملاهم بإيدي..."
وأمام عينيها المنتظرتين بحماس أمسك الشطيرة بتوجس ثم رفعها إلى فمه وأخذ قضمةً واحدة وأثناء مضغه بدأت المكوّنات الغريبة الباهظة للشطيرة تتضارب مع بعضها في تحدٍّ......
سألها أيوب وهو يبتلع اللقمة بعدم رضا....
"حاجة زِفِرة..... سمك.... إيه ده يا نغم؟"
قالت نغم بجذل...
"سالمون مدخَّن..... إيه رأيك؟"
سألها وهو يفتح الشطيرة ليرى باقي مكوّناتها الغريبة عليه...
"وإيه الأخضر ده؟...... خيار؟"
هزّت رأسها نفيًا قائلة بتوضيح...
"لا طبعًا ده أفوكادو...... بيبقى خطير مع السالمون..."
أخذ أيوب قضمةً أخرى ومضغها على مضض قائلًا بصراحة مطلقة......
"هو طعمه غريب... بس كويس ما تعمليهش تاني بقى..."
عبست نغم وسألته بحزن....
"ليه بقى؟..... إنت لسه قايل كويس.....هو
مش عاجبك؟"
نظر أيوب إلى الشطيرة باهظة المكوّنات عجيبة المذاق بحيرةٍ كبيرة وهو يقول بوجوم......
"المشكلة إني مش عارف أحدد موقفي هو غريب وطعمه مقبول بس مش لوني.. لو كنتي عملتي سندوتش جبنة بالخيار كان هيتفهم أكتر من كده..."
جلست نغم على المقعد بجواره وهي تقول بحزنٍ وضيق تجلّى في نبرة صوتها
وعينيها...
"إنت ليه أكلي مش بيعجبك؟"
أعاد أيوب الشطيرة إلى العلبة وهو يقول بحنو.....
"مين قال كده؟... أكلك عشرة على عشرة بس مش مفهوم بالنسبالي.... مش الحاجات اللي متعود عليها وبحاول أتعود.....تنكري؟"
نظرت إليه قليلًا ثم قالت بشفاهٍ
ممطوطة....
"مش هنكر.... بس..."
قاطعها أيوب مستغلًا الفرصة للمصارحة من باب المزاح....
"بس ارحميني واعملي حاجة معروفة ومفهومة.... وحشني الأكل المصري...
إنتي مش مصرية ولا إيه؟"
انعقد حاجبا نغم في ضيق وقد استثار السؤال حفيظتها فقالت بحِدّةٍ حاسمة....
"مصرية جدًا على فكرة.... وقريب قوي هبهرك بأكلة مصرية.... بفكر فيها بقالي كام يوم..."
تمتم أيوب بقلقٍ حقيقي...
"ربنا يستر..."
سألته بتحفظ...
"بتقول إيه؟"
رد أيوب وهو يأخذ الشطيرة مجددًا فقد أعجبه مذاقها وشعر بالجوع بعد أن أكل القليل......
"بقول تسلم إيدك.... الأفوكادو واخد السالمون في حتة تانية..."
حين لمحت نغم أيوب يعود لتناول الشطيرة مجددًا ارتخت ملامحها وارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة. لتقول بحنان الزوجة......
"بالهنا يا حبيبي..."
أشار لها وهو يناولها شطيرة اخرى من
العلبة...
"طب كُلي معايا بقى عشان يبقى عيش وسالمون..."
قالت وهي تشاركه الطعام...
"وأفوكادو..."
أومأ ضاحكًا وهو يقول بسخرية متذكرًا والدته.....
"وأفوكادو.....آه لو صفصف تعرف إني كلت أفوكادو بعد سندوتشات الفول والعجة اللي كانت بتأكلهم لي.... كانت دبحت لي أنا القطة..."
سألته نغم متعجبة....
"إيه حكاية القطة دي؟...... مش ناوي تقولي؟"
رفض البوح وهو يقول بغمزةٍ شقية...
"ده سر بيني وبين صفصف....مينفعش
أقولك عليه...."
انتبه أيوب إلى ذلك الملف الموجود على سطح مكتبه فأخذه وبدأ يتفحصه في تساؤل.....
"جه إمتى الملف ده؟!"
قالت نغم بتبرمٍ ينزّ بالغيرة....
"خدته من ليان قبل ما أدخل.... قالت إنه
عايز إمضتك..."
نظر أيوب إلى الملف بتركيزٍ شديد ثم قال دون أن يرفع عينيه عنها...
"آه ده...عشان الطلبية اللي لسه مسلمينها من كام يوم...... كويس إنها جبته..."
أطلقت نغم همهماتٍ باردة دون تعليق فرفع عينيه عن الملف إليها سائلًا بشك....
"مالك شكلك مضايقة.....هي قالتلك حاجة؟"
لم تُخفِ مشاعرها عنه وهي تطلق تنهيدةً طويلة حملت استياءً وحنقًا واضحين...
"وجودها بقى بيضايقني.... خصوصًا وهي جنبك بالشكل ده... "
انعقد حاجبا أيوب عابسًا للحظات ثم قال بجديةٍ وصبر....
"جنبي إزاي يعني يا نغم؟.... ده شغل يا حبيبتي.... أنا هنا بشتغل وبثبت رجلي في الحاجة اللي بحبها وعايز أنجح فيها.... والمفروض إنتي أكتر واحدة عارفة كده..."
زمت نغم شفتيها متجهمة وعقبت بنظرةٍ نارية.....
"عارفة.... بس ما تنكرش إن في مشاعر من ناحيتها ليك...."
صاح أيوب بقلة صبر.....
"من ناحيتها.... ودي حاجة تخصها طالما جواها ومقلتهاش لحد.... المهم أنا مشاعري رايحة فين وقلبي مع مين..."
مدت نغم يدها لتُمسك بيد أيوب هامسةً بمخاوفها التي تداهمها كلما رأت تلك المرأة تحوم حول زوجها كالأفعى....
"أيوب أنا خايفة توقع بينا...أو تفكر تأذيك
في شغلك..."
اتكأ أيوب على يدها وعيناه تداهمان عينيها الحزينتين بسطوةٍ تخترق كيانها بأكمله...
"مفيش حد يقدر يوقع بينا....طالما أنا وانتي واثقين في بعض وفي حبنا....أما حتة تأذيني في شغلي فده مستبعد شوية لأنها شغالة
معايا ....والضرر هيعم على الكل..."
حين طال صمتها ونظراتها إليه مال إلى مستوى عينيها الجميلتين يُحيط وجهها
بين راحتي يديه هامسًا بصوتٍ أجش...
"بلاش البصة دي يا نغم....وجودها من عدمه مش هيأثر علينا في حاجة...ياريت تفصلي
بين الشغل وحياتنا مع بعض..."
ومضت عينا نغم بجمالٍ وهي تقول بعفويةٍ لطيفة....
"أنا بحبك..... وبغير عليك...."
ابتسم أيوب فكل اعترافٍ عفوي يصدر منها يشعل قلبه بأشواقٍ لا تنضب....
مال عليها وعيناه تجوبان ملامحها بتأنٍّ كمهاجرٍ يبحث عن وطن....
وعيناكِ وطنٌ يناديني بالوعود...
"مش أكتر مني....أنا كمان بغير عليكي من الهوا الطاير كمان... ورغم كده بحاول أمسك نفسي على قد ما أقدر لأني واثق فيكي... وعارف إنك عاملة حدود وبتحترميني في غيابي قبل وجودي..."
أومأت نغم برأسها بنظرةٍ صادقة...
"ده اللي بيحصل يا أيوب..."
أكد أيوب بنفس النبرة العذبة التي تدغدغ قلبها....
"وده اللي أنا بعمله كمان يا نغم.... بحبك وبحترمك في غيابك قبل وجودك ومستحيل أبص أو أفكر في واحدة غيرك....فاطمني ليان أو غيرها وجودهم من عدمه مش هيأثر علينا... هي موجودة هنا للشغل.... للشغل وبس..."
أخذ كفها الناعم ووضعه فوق خفقات قلبه القوية مشيرًا إليها بمشاعر جياشة....
"أمّا إنتي.... فانتي مكانك هنا....عشان إنتي
كل الحب..... وكل حياتي..."
سالَت دمعتان على خدها تأثرًا بكلماته التي لمست أعماق قلبها النابض لتُلقي نفسها بين ذراعيه هامسةً بحرارة.....
"وإنت حبيبي..... وكل حاجة ليا..."
احتواها أيوب بين ذراعيه ليمرر يده بجرأة على ظهرها الناعم اللين بأنوثةٍ ككل شيءٍ بها مثير ولين....
"هو لازم نقضي اليوم برا.... أنا من رأيي
نكمل يومنا في شقتنا... هيبقى أحلى..."
خرجت من بين ذراعيه متوردة الوجنتين بخجل وهي تضحك....
وقبل أن يتابع أيوب الحديث معها وجد الباب يُفتح عليهما بقوة دون استئذان لتظهر ليان أمامه بوجهٍ شاحب ونظرةٍ مذعورة توحي بكارثةٍ حدثت للتو....
"أيوب الحقنا......المخزن بيولع...."
هب أيوب من مكانه مصدومًا مفزوعًا وهو يسألها....
"بتقولي إيه؟......المخزن؟!"
أومأت برأسها وهي تزدرد ريقها بهلع قائلة بتهدج...
"أيوه...النار مسكت فيه مش عارفة إزاي.... "
أثناء حديثها كان أيوب قد تحرك بالفعل ووصل إلى باب المكتب تبعته نغم بنفس الصدمة والقلق فقال أيوب وهو يمنعها من الخروج خوفًا عليها....
"خليكي هنا يا نغم...أنا هشوف في إيه..."
خرج أيوب بسرعة وتركها وحدها لكنها لم تستطع البقاء مكانها فتحركت خلفه لترى ما يحدث بالخارج....
أما ليان فظلت مكانها داخل المكتب تتابع ابتعادهما وحين اختفيا عن مرمى أبصارها اقتربت من المكتب ومالت عليه لتأخذ بسرعة دفتر التصاميم الخاص بالمسابقة.....
