رواية اشتد قيد الهوي الفصل الثالث والاربعون 43 بقلم دهب عطية


 رواية اشتد قيد الهوي الفصل الثالث والاربعون 

هناك كلماتٌ لها مفعول السحر على الإنسان وللسحر نوعان سحرٌ يجعلك تحلق في السماء من شدة السعادة.... وسحرٌ أسود يجعلك تثور في الأرض بجنون كمن لُدغ من حيةٍ سامةٍ مميتة...

بعض الكلمات القاسية تتحول إلى ندبةٍ غائرة في الذاكرة مكانها محفوظ مهما تغاضينا وتغافلنا عنها تأتيك خلسة في لحظة ضعف لتوقظ ألمها من جديد...

(بكرة تعرف انها شمال.... وشمال قوي كمان..) 

فتح جفنيه بملامح منزعجة وتلك الجملة ما تزال تتردد على مسامعه بصوت ذلك الحقير...

حتى الآن لا يصدق أنه تركه يخرج من بين يديه حيًّا كان يجب أن يقتله أن يرى الدماء تتدفّق من عنقه ربما حينها كان تحرر من هذا الشعور المقيت

يشعر بالنيران تتأجّج في صدره كمرجل ناري والكلمات تطعن كبرياءه الشامخ....

كل لفظٍ مهين وُجّه إليها وقتها كان يخترقه هو قبل ان يمر عليها......إنها زوجته...عرضه وشرفه....

كيف سمح لغريبٍ مثله أن ينطق بتلك الكلمات عنها أن يشكك في أخلاقها متوهّمًا أنه قادر على هدم ما بينهما بسهولة...

سمع صوت نشيجها الخافت على بُعدٍ منه فحرك رأسه في الاتجاه الآخر ليراها تجلس على المقعد بجوار النافذة الزجاجية لغرفة المشفى تضم ركبتيها إلى صدرها تختبئ في نفسها بردًا وربما وجعًا....

عيناها الحزينتان معلقتان على النافذة ما زالت السماء غائمة...لم يظهر الشروق بعد....

لكنه لن يغيب طويلًا فكلُّ شيء كُتب بميعادٍ مُسبق وما بينهما يصعب محوه أو استبداله....

ستظل في عينيه المرأة التي قلبت موازين المنطق والعقل وجعلت من قلبه موطنًا لها وسيبقى هو الشيخ الذي جعلها تؤمن بالحب وأهله بعد كفران..

"شــروق...."

نداء الحبيب في موجة الوجع يشبه طوق نجاة من الغرق فيه أكثر...

أنزلت ساقيها على الأرض تزامنًا مع مسح الدموع عن وجنتيها بسرعة وهي تقترب منه وبصوتٍ مبحوح سألت بتردد والقلق ينبض في عينيها والحزن عاد يسكنها بضراوة.....

"عايز حاجة أجيبها لك؟... الجرح بيشد عليك؟..."

أطال النظر إليها بعينيه الخضراوين في صمتٍ أحرقها وهي تعافر لإخفاء دموعٍ تتجمع في 
مقلتيها مجددًا...

"اعدلي المخدة ورا ضهري..."

جاءت جملته هادئة بينما كانت عيناه عاصفةً بالكثير من المشاعر...

اقتربت منه في اللحظة التالية تنفذ الأمر بمحبة الزوجة...

مالت عليه وفي ميلتها ضعف الفؤاد حبًّا وشوقًا وعطرها الطيب يداعب أنفه...

كان عطرها مزيجًا من سائل استحمامها ورائحة جسدها الأنثوي الناعم...

أطبق جفنيه تزامنًا مع ابتلاع ريقه وهو يمقت تلك الحالة التي تعتريه بقربها يشبه مراهقٍ أحمق... أو صبيٍّ شهواني...

وكلا الوصفين لا يليقان به فهو رجل أربعيني سبق له الزواج ولديه أيضًا ابنة شابة على مشارف الزواج...

لا تليق به مثل تلك المشاعر المتأججة والتي يختبرها بقربها فحتى في خصامهما تظل حرارة الحب شعلةً متقدة.....

ماذا فعلتِ يا غزالة؟....فأيُّ سحرٍ وقع علي ليس عدلٌ لي ولا لمكانتي أمام الجميع...

استوى جالسًا بمساعدتها بينما انتصبت هي في وقفتها تسأله بهدوء...

"تحب اجبلك حاجة تاكلها....."

"عينك حمرا ليه؟!"

سألها وعيناه لا تحيدان عنها منتظرًا بصبر وهدوء طالما عُرف بهما....

هربت من نظراته قائلة بصوتٍ خافتٍ شجي...

"شكلها حساسية... يمكن علشان ما نمتش."

أشار إلى الفراش بجواره قائلًا بصوتٍ رخيم...

"السرير موجود أهو... إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟"

أجابته شروق مُصِرّة على الإنكار والهروب من 
حصار أسئلته...

"مش بعرف أنام غير في فرشتي...على العموم النهار قرب يطلع...فمش مستاهلة...إن شاء الله الدكتور يكتبلك على خروج ونروح... "

وبدون مواربة سألها صالح بنبرةٍ حازمة...

"أمي قالتلك إيه يا شروق؟..."

احتقن وجهها باحمرارٍ موجِع وهي تهز رأسها 
في نفيًا تامًا...

"ما قالتش حاجة... هتقول إيه يعني؟"

سألها بتحفظ...

"يعني مش عايزة تشتكي؟!"

مالت شفتيها بحزنٍ مرير وقالت بصوتٍ بعيدٍ 
شجي....

"أشتكي من إيه؟..... من الست اللي وقفت جنبي عشت تحت سقف بيتها وكلت من لُقمتها وعملتني زيي زي أي حد من أهلها؟... وأنا حياله كنت بنت صاحبتها.... "

غريبٌ أن يقع المرء في الحب نفسه أكثر من مرة ولا يكتفي أبدًا...

لم تمارس السحر عليه كما يظن فهي السحر بعينه.

أطلق تنهيدةً عميقة قبل أن يُعقّب على حديثها معتذرًا نيابةً عن والدته بنبرةٍ هادئةٍ حكيمة..

"أنا معرفش هي قالتلك إيه بالظبط وجعك
قوي كده بس حقك عليا في اللي قالته 
وعايزك تعذريها... إنتي أم وأكيد فاهمة إحساسها وقتها....وأنا متأكد إنها هترضيكي
لما تهدى."

هزّت شروق رأسها والدموع تتجمع في مقلتيها من جديد غير قادرة على منعها
أكثر...

"أنا مش زعلانة منها ومش موجوعة منها... هي عندها حق... جوازتنا من الأول كانت غلط وظلم ليك... "

نظر إليها بملامح باهتة جامدة محاولًا استيعاب ما نطقت به للتو...

"إنتي بتقولي إيه؟!"

مسحت عبارتها بعنف وهي تخطو على قلبها بقسوة قائلة ما توصل إليه عقلها في تلك الساعات الماضية

"بقول الحقيقة.... أنا مش شبهك يا شيخ وحياتي متلغبطة ومن ساعة ما دخلت
حياتك وإنت عمال تدخل في مشاكل
ومصايب وآخرهم رقدتك في المستشفى بسببي... "

استرسلت بعذاب...

"ومن رحمة ربنا ولطفه إنه نجاك... بس لو كان محصلش لا قدر الله كنت ساعتها..."

توقفت الكلمات في حلقها كشفرةٍ مسنّنة تكاد تشطره نصفين....

بينما ظل هو مكانه هادئًا لكن وجهه الذي 
أظلم فجأة وتعابيره القاسية في عينيه
تحكي الكثير....

إنها تقطع آخر خيطٍ بينهما فعلاقتهما متوترة منذ مدة ليست بالقليلة والمسافات تزيد يومًا بعد يوم وحديثها يقتل العودة...

ازدردت شروق ريقها متابعةً بغصّةٍ مريرة...

"إنت مقصرتش معايا في حاجة إنت ادتني أنا
وبنتي كل اللي محتاجينه وبزيادة كمان من وقت ما دخلت بيتك ومن بعد ما اتجوزتك... بس أنا بقى اديتك إيه؟..... تقريبًا ولا حاجة.... خالتي عندها حق وأي كلمة قالتها كانت صح... أنا اتسببت في أذاك ولو فضلت معاك هأذيك أكتر...."

رفعت عينيها المليئتين بالدموع إليه ثم تسلحت بالصلابة وهي أرقّ من بتلات الورد....

قالت بصوتٍ متقطع كمن يُلقي حكم الإعدام على نفسه....

"طلقني يا صالح... وارحمني من العذاب ده."

كلماتها السامة نخرت في عظام صدره نخرًا وقد انقلبت ملامحه مئةً وثمانين درجة وهو يسألها بنظرةٍ قاتمةٍ خطِرة...

"جوازنا عذاب؟!"

بلّلت شفتيها مصحّحة العبارة وهي تتحاشى النظر إليه بجبن...

"عذابي إنك تتأذي بسببي... "

استهجن صالح ردّها وقال بتهكم...

"المؤذي راح لحاله.... وهياخد جزاءه... إيه
حجتك تاني؟"

صاحت على نحوٍ مفاجئ في تمرّدٍ غريبٍ عليه..

"مفيش حجج أنا مش عايزة أكمل... مش بالعافية"

الصمت الثقيل الذي أتى بعد جملتها الصاعقة كاد يجعلك تسمع صرير الصراصير وربما أنفاسها المتقطعة التي تحكي عن صراعٍ مرير تمارسه على نفسها في تلك اللحظة الحاسمة

جاء صوت صالح ممتلئًا بالكبرياء ونظرته عاصفة تحمل الكثير من الغضب والعتاب..

"مش بالعافية يا شروق...صالح الشافعي مش بيفرض نفسه على حد حتى لو الحد ده الست اللي شايلة اسمه...بس شكلك ناسية اللي في بطنك...."

قالت في اندفاعٍ أحمق...

"مش ناسية....أنا فكرت وقررت أتنازل لك عنهم بعد ما أولد..."

ارتفع حاجباه معًا في صدمة من ردها القاسي فلم يتوقع منها قرارًا كهذا...

عقب بسخرية قاتمة...

"ده إنتي رتبتي لكل حاجة؟!.."

قالت شروق وهي ترفض النظر إلى عينيه مباشرة...

"ده لو إنت عايزهم...ولو مش عايزهم أنا هربيهم لوحدي زي ما ربيت ملك...هبقى الأب والأم ليهم...."

هتف صالح بحدة..

"كتر خيرك بجد...بس أنا لسه عايش.."

رفعت عينيها إليه ثم أسرعت في التوضيح..

"أنا مقصدش حاجة... أنا..."

أوقفها صالح عن المتابعة بإشارة حازمة من يده فقد سمع منها الكثير واكتفى...

"ولادي مش هيتربوا بعيد عني...هيتربوا في حضني وفي خيري... ولو إنتي مش عايزاهم ومستغنية عن العِشرة معايا أوي كده..."

فأنا هديكي حريتك بعد ما تولدي ولحد 
وقتها هتفضلي في بيتك معززة...."

ثم استأنف الحديث بنظرة مهيبة محذرة..

"بس محدش هيعرف بالاتفاق ده غير بعد ما تولدي..."

شعرت وكأن دلوًا من الماء البارد سقط فجأة فوق رأسها بعدما وضع آخر نقطة بينهما موافقًا على نهايةٍ كتبتها بنفسها...

تجمدت شروق في وقفتها تنظر إليه بعينين غائرتين غير مصدقة أنه وافق على الانفصال بتلك السهولة....

وكأنه كان ينتظر تلك الخطوة منها حتى يلوذ بالفرار من تلك العلاقة الزوجية المشؤومة
كما تظن....

أشاحت شروق بوجهها عنه مستديرةً إلى الجهة الأخرى وهي تمسح بظهر يدها دموعًا سالت على وجنتيها صارخةً بالرفض كقلبها المحطم الآن....

صباح اليوم الثاني بدأ صالح في الاستعداد لمغادرة المشفى بعد أن أذن له الطبيب بذلك.

وقد حضر ياسين منذ دقائق برفقة الجدة وأبرار ليصطحب عمه وبقية العائلة بالسيارة إلى المنزل..

شرع صالح في ارتداء سترته بصعوبة وهو يشعر بأن الجرح يعيق حركته ويشتد ألمًا عليه اقتربت منه شروق لتساعده هامسة بتردد...

"خليني أساعدك..."

رفع صالح عينيه الشبيهتين برصاصتين قاتلتين نحوها ورفض بحركة مهينة لها
كزوجة وحبيبة مشيرًا إلى إبرار بلهجة
آمرة...

"تعالي ساعديني يا إبرار..."

تراجعت شروق خطوتين إلى الخلف وقد استقرت في صدرها لطمة موجعة احتقن معها وجهها بحرقة وألم.....

فيما علت الحيرة وجه إبرار وهي تنقل عينيها بينهما بتوجس ومع ذلك لم تعترض على مساعدة والدها في ارتداء السترة....

فعلت ذلك بمحبة الابنة وهي تبتسم في وجهه العابس ببشاشة جعلت ملامح صالح تلين إليها فربت على خدها بحب....

قالت إبرار بعينين تلمعان بالدموع فرحًا وتأثرًا بما أصابه البارحة...

"الحمد لله على سلامتك يا بابا... هتنور بيتك من تاني...."

رد عليها صالح بحنوًا..

"الله يسلمك يا حبيبتي...فين ياسين صحيح؟"

أجابته إبرار بهدوء...

"هو تحت بيخلص كام حاجة كده علشان نخرج على طول...."

قالت الجدة بملامح واجمة...

"عبلة مشيت من البيت يا صالح... ياسين قالي كده الصبح.... "

انعقد حاجبا صالح وهو ينظر إلى أمه مستفسرًا....

"مشيت إزاي يعني؟.....رجعت لجوزها؟"

زفرت الجدة بضيق وقد بدا الاستنكار واضحًا في نبرتها الحائرة...

"محدش عارف بس شكل في حاجة كبيرة... ابن أخوك شكله ما يطمنش وكأنه مخبي حاجة عننا حاجة وجعاه قوي.... وأكيد هي اللي ورا الحكاية دي... أنا عارفاه وعارفة وجعته منها بتبقى عاملة إزاي...."

طمأنها صالح بنبرة هادئة واعدة...

"اطمني يا أمي أنا هتكلم معاه وهشوف إيه 
اللي حصل....."

قالت الجدة بوجوم...

"تقوم بالسلامة الأول يا ابني وبعد كده نشوف الحرباية دي عملت له إيه...."

فُتح الباب في تلك اللحظة وظهر ياسين يقول بصوت طبيعي لكن ما يطفو على محياه لم يكن طبيعيًا على الإطلاق وكأنه تحول إلى نقيضه بين ليلة وضحاها...

"خلصتوا؟..... مش يلا بينا بقى ولا إيه؟"

تبادل مع عمه النظرات قائلًا بابتسامة باهتة...

"الحمد لله على سلامتك يا عمي...أحسن النهارده؟..."

أومأ صالح برأسه في هدوء قائلًا....

"الحمد لله... إحنا خلصنا انزل إنت استنانا تحت في عربيتك... إحنا جايين وراك."

انصاع ياسين لأمره وغادر الغرفة فأسرعت إبرار بالكلام عاقدة النية على اللحاق به...

"استنى يا ياسين أنا جاية معاك."

نظرت إلى والدها بتردد فبادلها نظرة متجهمة تحمل تحذيرًا من هذا التمادي....

لذلك ازدردت إبرار ريقها بخيفة وهي تسحب يد الصغيرة لترافقها إلى الخارج....

"تعالي معانا يا ملك."

في ردهة المشفى كانا يسيران جنبًا إلى جنب نحو الخروج فسألته إبرار وعيناها معلقتان بجانب وجهه المتصلب...

"مش هتقولي مالك؟"

رمقها ياسين باستغراب معقبًا على السؤال بتهرب

"مالي يا إبرار؟ ما أنا كويس أهو... سألتي السؤال ده مية مرة من ساعة ما خرجنا من البيت."

هتفت إبرار بغيظ وهي تقول بتسلط أنثوي...

"وهسأله مليون مرة طالما مش بترد عليا باللي يريحني... من إمتى بتخبي عني يا ياسين نسيت أنا إيه بنسبالك؟... إحنا صحاب وولاد عم قبل أي حاجة... قولي اللي وجعك...."

عقب بصوت مهموم...

"صدقيني ما بقاش في وجع يتحكي عنه خلاص....."

صاحت باسمه معترضة...

" يـاسـييـن..."

تأفف ياسين وهو يهرب من حصارها المشدد بالقول الحاني المطمئن...

"إبرار سيبيني براحتي... لما أحس إني عايز أتكلم إنتي أول واحدة هقولها..."

لن يطمئن قلبها حتى تعرف سبب ذلك القهر الساكن في عينيه وتلك الحسرة المريرة التي تقطر من بين كلماته...
...............................................................
أرجع ظهره إلى الخلف ليستريح على الوسادة التي وضعتها ابنته بينما غادرت الجدة إلى شقتها في الطابق الثالث لتُعد له الطعام....

دخلت شروق إلى الغرفة لتسمع إبرار تقول لوالدها

"نوّرت البيت يا أبو الكباتن... تحب أعملك حاجة تشربها؟..."

رفض صالح قائلا...

"لا يا إبرار.... اطلعي إنتي ... أنا شكلي هنام..."

قالت إبرار باهتمام....

"طب أشيل المخدّة من ورا ضهرك؟.."

رفض صالح قائلا بهدوء.....

"لا خليها... لسه هعمل كام مكالمة الأول..."

عبست ابرار وهي تقول بجدية....

"بلاش تتعب نفسك يا بابا في الشغل إنت لسه خارج من المستشفى.. والدكتور أكّد علينا الراحة والعلاج والأكل عشان جرحك يخف بسرعة..."

ابتسم إليها صالح مطمئن قلبها بالقول....

"اطمني يا برتي مكالمة ضرورية... لازم أعملها.."

أومأت على مضض ثم شرعت في الخروج من الغرفة تاركةً له مساحة الخاصة...

"تمام أنا هطلع فوق أغير هدومي وأنزلك أنا وتيتة بالأكل...."

خرجت إبرار من الغرفة وهي تُلقي ابتسامة عابرة نحو شروق....

فيما بقيت شروق مكانها تطالع صالح وهو يُجري اتصالًا عبر هاتفه....

وحين فُتح الخط سأل المتصل بخشونة...

"قولي.... النيابة عملت معاه إيه؟.."

استمع صالح إلى الطرف الآخر فعقّب متجهّمًا...
"خمستاشر يوم على ذمّة القضية... وهيتجدد ليه تاني... تمام أنا عايزك تفضل متابع معاه وتبلغني بكل جديد...."

بعد أن أغلق الاتصال رفع عينيه مباشرة نحوها بحدةٍ كانت كالسهام المسننة في قلبها بينما تقف عند الباب في تردّد بائس....

"تحب أجبلك حاجة... أو أعملك حاجة؟.."

رفض بصوتٍ بارد...

"شكرًا يا أم ملك.... مش عايز...."

أم ملك؟!

هل أصبحا غريبين الآن؟... ما زالت زوجته لم ينفصلا بعد... فهل سيتعامل معها على هذا النحو طوال الأشهر المتبقية من حملها؟

اعتصرت عينيها بقوة وهي تزفر أنفاسها بعذاب.

فكيف ستكون حياتها في الفترة القادمة وبعد أن يُنفّذ صالح طلبها بالطلاق؟

وضعت يدها على بطنها تتجرع شعور الفقد من الآن غير مصدّقة أنها ستتخلى عن قطعتين منها قريبًا...

أخذت شروق خطوتين نحو خزانة الملابس لتبدل ثيابها بأخرى مريحة....

تابع صالح حركتها ورنة أساورها الذهبية تصاحبهما وهي تبحث عن منامة معينة لترتديها....

رآها تنزع حجابها ثم عباءتها أمام عينيه المراقبتين لها......سألها متجهمًا....

"انتي بتعملي إيه ؟!....."

أجابته بتعجب..

"بغير هدومي..."

جزَّ على أسنانه مغتاظًا من تصرّفها هل تفعلها بحسن نية أم أنها تقصد استفزاز رجولته؟

قال بخشونة حادة..

"مش قدامي... غيري في أوضة تانية."

هتفت شروق باندفاع ساذج..

"أنا لسه مراتك على فكرة.."

ضاقت عينا صالح في استنكار وتساؤل..

"معنى إيه كلامك ده؟!...إنك رجعتي في كلامك؟"

أخفضت أنظارها أرضًا وهي تقول بعناد..

"مستحيل أرجع في كلامي... أنا بعمل كده لمصلحتك."

استهجن صالح ردها فقال بسخط ساخر..

"مصلحتي أنا عارفها كويس يا أم ملك... ركزي إنتي في مصلحتك وفي حياتك الجاية بعد ما تولدي....وتبقي حُرّة."

انكمشت على نفسها هروبًا من الجدال حول الأمر فليس هينًا عليها تكرار حديثها مرة أخرى... لذلك غادرت الغرفة تجر خطواتها
جرًّا وهي تقول بصعوبة...

"أنا هروح أغير في أوضة تانية..."

وأمام عينيه أغلقت الباب تاركةً إياه فريسةً لوحوش أفكاره ونيرانٍ تستعر في صدره بلا هوادة....

رآها في المساء تدلف إليه وبين يديها أغطية ووسادة إضافية....

تابعها بعينيه ليراها تفرش الغطاء أرضًا بجوار الفراش فسألها عابسًا....

"إنتي بتعملي إيه؟.."

أجابته شروق وهي تضع الوسادة في مكانها المناسب.....

"هنام قريب منك...عشان لو عوزت حاجة."

اعترض صالح بملامح خشنة منزعجة..

"روحي نامي جنب بنتك....أنا مش عايز حاجة... "

تابعت ما تفعل بملامح يكسوها التمرد فقال صالح بصيحة حادة...

"سمعتي أنا قولت إيه؟!"

قالت بإصرار...

"مش هينفع... أنا هنام هنا."

أطلق زفرة مستاءة وهو ينظر إلى الأعلى بحنق مكتوم...

"يا الله يا وليّ الصابرين... وبعدين معاكي؟!"

نهضت شروق لتقف أمامه متخصرة وهي تقول بتبجح فج...

"وبعدين معاك إنت اللي اتقال في المستشفى سابق لأوانه... لسه ست شهور على ما يحصل ومن دلوقتي لحد ما أولد إحنا لسه متجوزين ومن حقي في تعبك أبقى جنبك وأشوفك لو محتاج حاجة... "

لمحت عيناه اهتزاز خصرها أثناء كلامها ووقفتها المائلة فانفجر بصيحة خطِرة..

"اقـفـي عـدل..."

انتفضت شروق لتقف بشكل صحيح بينما عقب هو على حديثها السابق بنبرة غاضبة محتدة....

"والحاجة اللي عايزها إنك تبعدي عني الساعة دي... إنتي متعرفيش أنا صابر عليكي بقالي قد إيه...."

رفضت شروق وهي تقول بنبرة ملهوفة..

"مش هبعد...على الأقل دلوقتي... بس أوعدك بعد ما أولد هريحك مني ومن مشاكلي ومش هتشوف وشي تاني...."

التوى فك صالح في ابتسامة قاتمة وهو يعقب باستهزاء...

"لا بجد شاطرة....وبتعرفي تخرجي الواحد
عن شعوره...أنا سايبلك الأوضة كلها وماشي نامي فيها إنتي...."

رأته ينهض بالفعل وينوي المغادرة فلحقت به سريعًا متشبثة بذراعه بترجٍّ...

"صالح استنى.... هتروح فين؟ لو طلعت فوق أمك هتعرف إننا اتخنقنا...وممكن تنزل و-"

قاطعها بجمود وهو ينزع ذراعه من بين
يديها بقسوة....

"أنا هنام برا...... في الصالة."

قالت بلوعة...

"برد عليك....بالله عليك خليك هنا... وإنت والله مش هتحس بوجودي..."

وكيف سيحدث ذلك؟

فحتى في غيابكِ أنتِ حاضرة... ولو أدركتِ تلك المشاعر لما استسغتِ جرحي بكلماتكِ وقراركِ الطائش....

رمقها بنظرة مشتعلة بالغضب ثم غادر الغرفة غير آبه بندائها....

"صـالـح.....ياصالح....."

عضت على شفتيها في حيرة وعجز ثم تمتمت بصوتٍ مرتجف....

"المفروض أعمل إيه.... أعمل إيه اكتر من كده.."

بعد ثلاث ساعاتٍ من جلوسه في الخارج على الأريكة كان يتنقّل بين قنوات التلفاز ثم يعود الى هاتفه في محاولةٍ بائسة للهروب من التفكير بها وبالحديث الذي دار بينهما في المشفى....

لكن جميع محاولاته باءت بفشلٍ ذريع وقد تبدد الصبر والهدوء اللذان عُرف بهما وسط الجميع أمام قرارها الأخير ليشعر بحاجةٍ ملحة إلى صفعها مرارًا لعل الصفعات تعيد عقلها الى مكانه الصحيح...

مؤسف أن تخطر له مثل تلك الأفكار في هذا العمر فهي ليست من طباعه ولا من شيمه أن يميل إلى العنف ضد أحد لكن استفزازها وتهورها كانا يفوقان حدود الصبر ونهايته لديه....

تأفف صالح وهو يتجه نحو الغرفة ليأتي بسبحته لعل الاستغفار والذكر يُحسّنان من حالته المزاجية ويُلهمان عقله الصواب....

فتح باب الغرفة المضيئة متوقّعًا أن يجدها ما زالت مستيقظة وسط تلك الإضاءة القوية لكنه رآها نائمةً على الأرض فوق الفرش الذي كانت قد فرشته قبل أن يخرج....

تأفف صالح بوجهٍ واجم وهو يقترب منها ثم انحنى ليحملها فاحتقن وجهه بالألم حين اشتد عليه الجرح....

لكنه تابع وبعد خطوتين فقط وضعها على الفراش برفقٍ حانٍ ثم دسها تحت الغطاء....

رآها تغط في نومٍ عميق فأبعد شعرها عن وجهها بهدوء يتأملها بعينين حانقتين مخاصمتين لا يغفران ذلتها.....

مستفز جمالها حتى في نومها أشبه بملاك... ومع الأسف تمتلك عناد االأبالسة ولسانًا أهوج...

"بـحـبـك يـاشـيـخ..."

همست بها شروق في نومها تتشارك الأحلام معه بينما في الحقيقة ترفض الاستمرار إلى جانبه....

لوى صالح شفتيه ساخرًا وهمس لها وكأنهما يتشاركان حديثًا سريًا لن تتذكره صباحًا...
ولن يكرره هو على مسامعها....

"لو بتحبيني.... مش هتسيبيني..."

ثم انخفضت نظراته إلى بطنها وتحركت يده إلى تلك المنطقة التي تحمل قطعتين منه ومنها.... منَّ الله عليهما بهما وهي قررت التخلي عنهما قبل أن تملأ عينيها بهما....

"ولا هتتخلي عنهم بالسهولة دي..."

عاد بعينيه إلى وجهها النائم المسترخي وقال بعتابٍ لا يعرف السماح....

"المرادي غير كل مرة يا شروق..."
................................................................
وقف العمال على بُعد خطوات متسمرين في أماكنهم أمام الحريق بوجوه شاحبة مصدومة وأفواه فاغرة وأعينهم متسعة في تساءل...

بعد ان اندلعت النيران فجأة في المخزن وبدا دخانها الكثيف في التصاعد....

من أين أتت النار؟

فالمخزن أُفرغ لتوه من البضائع وحُملت الشاحنات وغادرت ولم تمر سوى دقائق قليلة قبل أن يشتعل بهذا الشكل الجنوني...

وصل أيوب للتو فتوقف في مكانه مشدوهًا للحظة أمام النيران المتصاعدة وفي الخلف كانت نغم تقف على بُعد خطوتين منه تراقب اشتعال المخزن وقد انعكس اللهيب في عينيها الرمادية...

وضعت يدها على فمها مع إتساع عينيها وهي
تحدق في توهج النيران الغريب...وكأنها اندلعت بفعل فاعل....وكأنها تتغذى على 
شيءٍ ما في الداخل رغم خلوّ المكان من
أيّ شيء؟!...

صمتٌ ثقيل مر على الجميع لا يكسره سوى فرقعة النيران وتضرمها...

تحرّك أيوب مسرعًا مع العمال وبدأ الجميع بإطفاء النيران باستخدام طفايات الحريق وسط صياحٍ مضطرب وتوتر متصاعد يعم المكان...

ظلت نغم مكانها تتابع ما يحدث وعيناها لا تفارقان حبيبها وقلبها يتلوى بالخوف عليه فهي تعرف روحه المغامِرة التي لا تهاب أحدًا.... كما تعلم جيدًا أن النيران لا تُشكل له فارقًا فإن أراد إخمادها وهو يقف في المنتصف سيفعل دون لحظة تفكير....

وضعت يدها على صدرها تتنفس الصعداء بعد
أن خمد الحريق تمامًا. تاركًا خلفه صمتًا مُنهكًا وتساؤلاتٍ معلقة من الجميع واكثرهم أيوب

رفع أيوب عينيه إليها فتبادلا النظرات معًا للحظة ثم في اللحظة التالية قطعت نغم المسافة بينهما مُلقيةً بنفسها بين ذراعيه 

لا تدري أيهما كان في أكثر حاجة إلى هذا العناق ليطمئن قليلًا بوجود الآخر ففي الحقيقة تشعر أنّ كليهما كانا بحاجة إليه
في تلك اللحظة العصيبة...

مررت يدها على شعره الكثيف برفقٍ وحنان وساعدها الكعب العالي على اكتساب بعض الطول بينما كان هو يعتصر خصرها في صمت وصوت أنفاسه المرتفعة تختبئ عند جيدها.... تشبثه بها وصمته كان أشبه بطفلٍ مذعور وجد الأمان بين ذراعي أمه.....

قالت نغم مع تمريرات يدها بهمسٍ حانٍ....

"الحمد لله أنك بخير...ومش مهم اي حاجة تانية....."

"الحمد لله..."

لم يجد سواها جوابًا على لسانه فبعد ما حدث يجب أن يطمئنها لا أن يزيد خوفها....

سمعا معًا نحنحةً خشنةً من أحد العمال فأدركا حينها تصرفهما أمام الجميع وسط اجواء مشحونة عقب حادثة حريقٍ ما زالت ملابساتها مجهولة؟!....

ابتعدا عن بعضهما في حرج ومسحت نغم دموعها سريعًا وهي تطأطئ رأسها نحو 
الأرض بينما وجه أيوب نظره إلى العامل...

الذي قال في حرجٍ بمؤازرة

"ربنا يعوض عليك يا باشا... الحمد لله إنك بخير..."

أومأ أيوب برأسه ببعض الأسى وهو ينظر نحو المخزن بحيرة...

"الحمد لله... بس النار دي جت منين ومسكت في المخزن كده إزاي؟"

ثم استأنف حديثه بتساؤل أكبر وهو يوزّع نظراته على الجميع...

"ده إحنا لسه مطلّعين البضاعة مبقالناش نص ساعة... في حد شرب سجاير جوه.... ولا ده
ماسّ كهربا؟"

تبادل العمال النظرات مع بعضهم في حيرةٍ مثله فأعاد أيوب السؤال بصيغة أوضح...

"حد عارف حاجة؟..... ساكتين ليه؟"

هتف أحد العمال وهو كبيرهم...

"كلنا كنا في فترة استراحة بعد ما حملنا العربيات ومحدش فينا شاف حاجة....غير 
لما النار مسكت في المخزن....بس إحنا لسه مبلغين والحكومة زمانها على وصول..."

"حكومة؟!"

نطق أحد العمال تلك الكلمة بصدمةٍ يشوبها التوتر وكأنه يُخفي شيئًا...

ضاقت عينا أيوب نحو ذلك الشاب المراهق سائلًا بتروٍ....

"مالك يا محمود اتوترت كده ليه؟.... إنت تعرف حاجة؟"

ارتبكت ملامحه وزاغ بصره وهو يتمتم بتلعثم...

"معرفش... معرفش حاجة... أنا هعرف إيه؟...
انا كنت في استراحه زي الكل.... "

حينها ظهر الضيق على وجه أيوب وهو يشعر بأن هناك شيئًا مريبًا يحدث وليست مجرد حادثة عابرة.... فمن المستفاد من إشعال 
مخزنٍ فارغ؟

عانقت نغم ذراع زوجها وهي تقول بحنو...

"أيوب تعالى ارتاح شوية جوه... دلوقتي الحكومة هتيجي وهنعرف كلنا النار دي جت منين... سواء من نفسها أو بفعل فاعل..."

ثم ألقت نظرةً على المراهق المشكوك في أمره...

فقال أيوب بغيظٍ شديد....

"ومين الغبي اللي هيولع في مخزن فاضي...
هيستفاد إيه وعمل كده ليه أصلًا؟.....في 
حاجة مش مفهومة..."

"فعلاً في حاجة غريبة..."

أومأت نغم وإحساسها يؤكد أن هناك شيئًا خفيًا خلف هذا الحادث لكنه غير مفهوم 
حتى الآن...

"أيوب.....انت كويس جرالك حاجة....."

توجهت نظرات نغم المشتعلة بالغيرة نحو ذلك الصوت الأنثوي اللزج مثل صاحبته...والتي لم تكن سوى ليان.....

جزت نغم على أسنانها بعنف تكبح غيرتها بصعوبة أمام الجميع بينما تساءل أيوب في حيرةٍ خفية حين وقفت ليان أمامه مصوبةً 
كل تركيزها وخوفها عليه في اهتمامٍ بدا لافتًا ومغيظ لـنغم....

"انتي كنتي فين يا ليان؟!......"

قالت ليان بارتباك....

"كنت......كنت بتصل بالمطافي......"

عاد يسألها بشك.....

"ومجتش ليه لحد دلوقتي ؟!...."

ازدردت ريقها قبل أن تجيب بإجابة بدهيّة...

"ما انت عارف ان يومهم بسنة....بس الحمدلله انك طفيت النار.....انت كويس صح ؟!... "

هتفت نغم بنظرة ونبرة محتدة....

"هو كويس وفري قلقك وخوفك لحد تاني..
أنا موجوده....."

بدفعة طفولية ابعدتها عن زوجها ثم وقفت هي أمامه مما اثار ازعاج أيوب فنظر الى نغم
بتحفظ.....

"نغم..... مش وقته....."

أطبقت على فمها بغيظ ثم حدقت في ليان بنظرةٍ جانبية مشوبه بالعداء قائلة بتهكم.....

"عندك حق لا وقته ولا مكانه....بس غريبة ياليان وشك أصفر أوي...هي المطافي قالتلك إيه بظبط...."

حركت ليان أهدابها بعدم فهم قائلةً
بضيق...

"هتقولي إيه بلغتهم وقالوا جايين....."

قالت نغم بتهديد مبطن.....

"اه جايين....كمان الحكومة زمانه على وصول....عشان يشوفوا الحريق ده سببه إيه...."

قطبت ليان جبينها قائلة بقلق....

"حكومة.....ليه يعني...دا حتى المخزن كان فاضي.....يعني ممكن يكون ماس كهربا
مش أكتر...."

ظهرت السخرية على وجه نغم وهي تسألها بلؤم..

"والله لما يجوا هما يحددوا سبب الحريق...ونشوف بس هو انتي متوترة
كده ليه....."

قالت ليان بثبات وهي تنظر الى أيوب....

"هتوتر ليه....طبعا انا مع ايوب في اي حاجة المهم شغله ميضرش....وميوقفش بسبب الشوشرة دي..."

بملامحٍ متصلبة حدق أيوب في ليان بهدوءٍ
مبهم ثم في اللحظة التالية أشار إلى العمال
بالعودة إلى عملهم...

ثم أمسك بيد نغم ودلف بها إلى الداخل قائلًا باهتمام..

"تعالي ندخل جوا... بدل الواقفة دي..." 

وافقتْه نغم الرأي ثم تحركت إلى جواره وهي
تلقي نظرة باردة على ليان التي ظلت مكانها
تكاد تستشيط غضبًا وهي تراقب ابتعادهما بينما كان المراهق يراقب ما يحدث من بعيد.....
............................................................
"التصاميم مش موجودة..."

كرر أيوب تلك العبارة وهو يُغلق أحد الأدراج بعد أن تفحّصها جيدًا للمرة الثالثة ولم يجد شيئًا...

كانت نغم تبحث في مكانٍ آخر حين قالت بتوتر...

"دور كويس يا أيوب..... هتلاقيها هنا ولا هنا..."

توقف أيوب عن البحث بعصبية ثم أرجع شعره للخلف وهو يقول بغضبٍ مكتوم...

"مش موجودة يا نغم... أنا متأكد إني سايبها على المكتب... هتكون راحت فين؟!"

ارتسمت الحيرة على وجه نغم وهي تهز كتفيها في قنوطٍ أيضًا.... ليدلف سلامة إلى المكتب مصوّبًا نظراته نحو أيوب باهتمامٍ يشوبه القلق....

"أيوب... إيه اللي حصل في المخزن ده؟
مين عمل كده؟..... والبضاعة؟"

رد عليه أيوب وهو يبحث مجددًا....

"مكانش في بضاعة... من ستر ربنا وفضله إننا كنا حملناها قبل الحريق.... "

هتف سلامة بحيرة...

"ومين اللي عمل كده؟..... ومستفاد إيه؟"

أجابه أيوب....

"لحد دلوقتي مش عارف... بس هيبان."

ثم سأل بقلق....

"لقيتي حاجة يا نغم؟"

اقتربت نغم منه فارغة اليدين وهي تقول باستياء..

"ملهمش أثر..."

نقل سلامة عينيه بينهما ثم وجه السؤال إلى صديقه...

"بتدوروا على إيه؟"

رد عليه أيوب بملامح واجمة قاتمة...

"التصاميم بتاعة المسابقة اللي بجهز لها بقالي فترة اختفت... مسافة ما روحت أطفي الحريق ورجعت مش لاقيها."

كاد أيوب أن يجنّ مع اختفاء تلك التصاميم التي كرّس لها وقته وجهده على أمل الفوز بالمسابقة كما يطمح...

لكن كل شيء توقّف بعد اختفائها.

هتف سلامة بحذق...

"كده بانت يا أبو الصحاب...يبقى اللي حرق المخزن وهو فاضي كان قاصد يلهيك إنت والعمّال....عشان يعرف يدخل المكتب في الهوجة وياخد اللي يعجبه...."

ظهر الاستنكار على وجه أيوب...

"ومين يعمل كده؟....وشغال لحساب مين؟"

تدخلت نغم في الحديث قائلة بحنق...

"مش محتاجة سؤال... أكيد ليان كمان الولد اللي اتوتر ده لما جبنا سيرة الحكومة ممكن يكون ساعدها...."

تساءل سلامة باستغراب...

"ولد مين لمؤاخذة؟"

أجابه أيوب...

"محمود..."

اعترض سلامة بشدة قائلًا بدفاع...

"محمود؟!.... محمود ده عيل غلبان أنا عارفه
كويس وعارف أهله... بلاش تظلميه."

تبرمت نغم وظهرت عجرفتها وهي تقول بإهانةٍ مبطّنة....

"والله أنا مش بظلم حد هو اللي كشف نفسه قدّام الناس... وطالما جاي عن طريقك يا سلامة يبقى ليه لا؟"

ارتفع حاجب سلامة بصدمة وكأنه تلقّى صفعة مهينة للتو...

بينما نطق أيوب اسمها بحدةٍ اختلط بها التحذير
من التمادي أكثر....

"نـغـم..."

عقدت ذراعيها أمام صدرها في صمت وهي تنظر إلى مكانٍ آخر متحاشية النظر إليه....

سألها سلامة بملامح جامدة...

"مش فاهم... تقصدي إيه بكلامك؟!"

تولى أيوب الرد مغيرًا مجرى الحديث...

"متقصدش حاجة يا سلامة... خلينا نفكر براحة يمكن يكون فعلًا متورط."

قالت نغم بإصرار...

"أكيد متورط مع ليان."

ظهر الاستياء على وجه أيوب....

"ممكن ما تكونش ليان... بلاش نظلم حد."

احتقن وجه نغم بالغضب والغيرة لتقول بنظرة نارية....

"والله؟!... على كده بقى إنت خايف تصدق؟ 
ولا مش عايز تصدق؟"

تضخم صدر أيوب بالغضب وهو يقول بقسوة..

"هخاف من إيه؟!....لو هي اللي ورا كل ده 
مش هرحمها...."

سأله سلامة بقلق....

"ناوي تعمل إيه يا صاحبي؟"

نظر أيوب إليه ثم إلى نغم وقال بعد لحظة تفكير بنظرة قاسية متوعدة...

"مش هنجيب سيرة إن التصاميم اتسرقت... لحد ما أتأكد بنفسي."
..............................................................

بعد أن وصلت إلى منزلها وأغلقت الباب خلفها
مدت يدها بتردد نحو الأوراق ثم أخذت تتفحّص التصاميم بدقة لا تخلو من الانبهار....

لطالما أثار أيوب اهتمامها وأدهشها بموهبته الفريدة في هذا المجال ومع اعتيادها على وجوده في شركة الموجي وقعت في فخ الحب... لكن مع مرور الوقت اتّضح أنه حب من طرف واحد....

وأصبح ذلك الحب غصّةً في القلب عصية على النسيان......مستحيلة الاستئصال.....

عادت تنظر إلى التصاميم من جديد خطوط مرسومة بعناية وألوان منتقاة بذوق رفيع حتى الألوان الجريئة لم تكن صاخبة بقدر ما كانت مشبعة بالثقة.....

كل تصميم كان يفرض حضوره على نحوٍ خاص وكل خطٍّ ولون يحمل إحساسًا وشغفًا لا تخطئه العين فمنذ الوهلة الأولى تأسرك التفاصيل وتغوي عيناك......

يبدو أن أيوب عبد العظيم لم يبذل جهدًا مضنيًا فحسب بل كرس شغفه بأكمله لتلك التصاميم لتخرج بهذا الشكل الرائع المبتكر....

لا شك أنه كان سيفوز بالمسابقة فقد اجتهد 
بصورة مبهرة و مميزة....

ابتسمت ليان ابتسامة باردة بينما لمع في عينيها بريق المكر....

صدح رنين هاتف ليان مُعلنًا عن الاتصال العاشر من جاسر العبيدي... ذلك الاتصال الذي ما زالت تتجاهله منذ أن أخبرته بموافقتها على العمل لصالحه....

حسمت أمرها أخيرًا بالرد عليه فرفعت الهاتف إلى أذنها وقالت ببرودٍ متعمَّد...

"الو....."

جاء صوت جاسر عابسًا...

(مش بتردي على اتصالاتي ليه يا ليان؟ عملتي إيه؟)

التوت شفتيها بابتسامة انتصار وهي تقول...

"التصاميم معايا..."

صاح جاسر بدهشة..

(بجد؟!..... بالسرعة دي؟..... عملتي كده إزاي؟)

قالت ليان بضجر...

"مش لازم ندخل في تفاصيل مالهاش داعي..."

ابتسم جاسر وهو يقول بنشوة....

(إنتي صح... طب هنتقابل إمتى عشان آخدهم؟)

ارتفع حاجب ليان بلؤم قائلة...

"بسهولة دي؟..... إحنا متفقناش على السعر."

تشدق بصدمة....

(السعر؟!)

أكدت بتهكم...

"أمال عايزهم ببلاش؟"

ظهر التجهم على وجه جاسر وهو يقول...

(أنا كنت فاكر إنك بتعملي كده عشان...)

قاطعته بنبرة حادة...

"عشان نفسي.... أنا عايزة أستفاد برضه زيك
مش كلام وخلاص."

عمّ صمتٌ ثقيل بينهما حتى قطعه جاسر بالموافقة على مضض....

(تمام... عايزة كام؟)

أخبرته بالمبلغ فصاح باحتجاج شديد...

(كتير... كتير أوي يا ليان...)

ظهرت السخرية على وجه ليان وهي تقول بجفاء

"إنت هتكسب أضعافهم لما تكسب المسابقة وتبدأ تبيع تصاميم أيوب على إنها تصاميمك. شوف على كل تصميم هتاخد كام...."

تبرّم جاسر قائلًا...

(بس ده مكانش اللي اتفقنا عليه في الأول...)

هتفت ليان بانزعاج...

"الاتفاق اختلف... أيوب لو شم خبر إني ورا كل اللي حصل.... احتمال كبير أخسره وأخسر الشغل معاه وفي شركة الموجي كمان.... عشان كده الاتفاق اتغير..... "

أطلق جاسر زفرة حانقة وهو يقول بتجهّم..

(طيب اديني وقت أجمع لك المبلغ اللي طلبتيه.)

قالت ليان بلهجة باردة مستفزّة...

"تمام... بس لو اتأخّرت هشوف غيرك."

جز جاسر على أسنانه بغيظ...

(للدرجة دي؟!....بتلعبي بالنار يا ليان... بلاش تستفزيني...)

قالت ليان بصلابة...

"ده مش استفزاز أنا بعرفك باللي ناوية أعمله لو
ما دفعتش المبلغ اللي طلبته..."

(لا هدفع... اطمني.)

قالها بغضب مكتوم ثم أغلق الخط بينما ألقت هي نفسها على الفراش والتصاميم من حولها...

قريبًا ستتحول أوراق تلك التصاميم إلى رُزمٍ من الأموال...
..............................................................
إنَّ الشوق حارقٌ كالجمر في القلب يشتعل أكثر كلما نفخت فيه ذكرى عاشتها بكل جوارحها...

كانت معه بكل جوارحها حتى جسدها تفتحت بتلاته على يديه وحده...كان ربيعَ حياتها الذي
أتاها بعد سنواتٍ مضنية من الشقاء الذي لا 
ينتهي....

لكنها كانت تتوهم فلو كانت تؤثر فيه كامرأةٍ أو كحبيبة لما تركها هنا وحدها تتجرع مرارة الوحدة والشوق وعذاب الهوى...

غامت عيناها بالحزن أكثر شاعرةً بأنها بلا قيمةٍ لديه.... فحين أُتيحت له فرصة الابتعاد اقتنصها دون تردّد وكأنها امرأة عابرة... وكأنه أخيرًا تخلّص منها !

وهي التي جعلت نفسها المخطئة الملامة بينما أخذ هو كل الحق في ردة فعله وابتعاده عنها و لا تقدر على الاعتراض حتى الآن...

"وبعدها لك يا عزة... مش ناوية تقوليلي على اللي وجعك ومطير النوم من عينك كده؟.."

فاقت من شرودها على صوت خالتها لم تستوعب جيدًا ما تريده منها فقد كانت غارقة في وجيعتها وحزنها على نفسها، وما آل إليه حالها...

"بتقولي حاجة يا خالتي؟.. عايزاني أعملك حاجة؟"

مصمصت الخالة شفتيها وهي جالسة على الفراش البسيط متمددة عليه وقد بدأت حالتها في التحسن مع رعاية عزة لها وزوجها الذي يلبي كل احتياجاتهما دون كللٍ أو ملل...

قالت الخالة باستنكار...

"سلامت عقلك يا بنت أختي... إنتي مش معايا خالص ولا حاسة باللي حواليكي ..."

قالت عزة بوهن....

"معلش يا خالتي... سرحت شوية..."

نظرت إليها الخالة مليًّا تتأمل جلستها المتكررة قرب النافذة المطلة على ساحة السطح ووجهها الهائم بالحزن والوجع... ثم قالت 
بقلقٍ اختلط باهتمامٍ أمومي...

"من ساعة ما جيتي تقوليلي انك هتقعدي معايا كام يوم وانتي على الحال ده....قعده ناحية الشباك كلامك قليل واكتر الوقت سرحانه وساعات الدموع بتفر من عينك
صرحيني يابنت أختي زعلانه انتي
وجوزك.....قوليلي يمكن احل بينكم..."

رفضت عزة البوح....

"مفيش حاجة ياخالتي.....احنا كويسين....."

استنكرت الخالة ردها وهي تقول بضيق مكتوم...

"إزاي مفيش حاجة.... وهو لما بيجي يادوب بيسلم وبيحط الحاجة اللي بيجبها معاه وبيمشي....دا حتى مش بيكلمك كلمتين على بعد... انتي زعلتيه في إيه ياعزة.... ولا
يكونش هو اللي زعلك...." 

هزت عزة راسها نفيًا وهي تقول بعتاب....

"هيزعلني في إيه بس ياخالتي هترجعي تقلبي عليه تاني...... دا انتي كل يوم بتشكري فيه وبتدعيله...." 

قالت الخالة بنبرة صادقة ممتنه....

"ولسه بدعيله اللي بيعمله معايا في رقدتي منسهوش أبدًا...وبقت غلاوته عندي من غلاوتك.." 

ثم اضافت بعد تنهيدة متعبه....

"ولو عايزة أعرف اللي مزعلكم دا عشان ارضيكوا على بعض انتوا لسه صغيرين والحياة قدمكم طويلة يامه هيحصل بينكم المهم متبعدوش عن بعض....البعيد عن القلب بعيد عن العين ياعزة..." 

لسعت الدموع مقلتاها وقد أصبحت على حافة الانهيار والحديث الذي يدور بينهما بنية الإصلاح كان ينبش في جروح تنبض بالوجع لتقول برجفة انكسار...

"بس أنا مش في قلبه يا خالتي... غيري عايشة فيه ما سبّتش مكان ولا أدت لحد فرصة ييجي بعدها..."

قالت الخالة...

"بتهيألك... سلامة ميال ليكي..."

التوى فكها في ابتسامة هزلية بائسة..

"ميال عشان أنا مراته بس..."

طرقت الخالة رأسها محاولة استجماع كلماتها لتشرح لها أنها البداية وأن الحب سيأتي مع الاعتياد على وجودها وستقوى جذوعه عندما يصبح لديهم أطفال...

لكن عزة قالت بصوت بائس تتجرع مرارة الكلمات وحقيقتها على روحها...

"أنا مكنتش بحس بلهفته عليا غير واحنا مع بعض زي أي اتنين متجوزين بس حتى لهفته دي بيخبي وراها حبه لواحدة تانية... كأنه معايا عشان ينساها وكأنه بيفتكرها وأحنا مع بعض..."

ثم توسعت عينيها الصغيرة فجأة وهي تسأل 
خالتها بعذاب..

"معقول بيتخيلها وانا في حضنه؟!"

ضربت الخالة كفًّا بالاخر وهي تستغفر ربها ثم قالت بارتياع....

"دا شيطان... شيطان وعايز يخرب بينكم..."

"هي الشيطان... هي الشيطان اللي مضيعه ومخليه يلف حوالين نفسه... لا عارف يرتاح ولا مديني فرصة أريح قلبه من العذاب ده..."

صاحت عزة على نحو مفاجئ وكرهها لتلك المرأة المجهولة يزداد مع كل دقيقة تعيسة تمر عليها بسببها... بسبب لعنتها على زوجها...

زوجها هي... بينما هو أسير الأخرى بلا منازع...

زفرة الخالة مع حوقلة طويلة ثم تملكت نفسها وبهدوء قالت برفق...

"أنا معرفهاش عشان أدافع عنها... بس هي يا عزة مش بينكم..."

سالَت الدموع من عيني عزة وهي تقول بضعف..

"بينا يا خالتي... بينا والله في قلبه وعقله..."

قالت الخالة بنظرة متعاطفة...

"مع الوقت هينساها طول ما إنتي معاه..."

قالت عزة بمرارة..

"أنا مبقتش معاه خلاص..."

قالت الخالة بلهفة تنصحها...

"بإيدك تبقي معاه من تاني... مش صعب عليكي بعد ما عرفتي إنك..."

انطلق صوت رنين هاتفها العالي بينهما ليوقف الحديث.... مسكت الهاتف الصغير ذي الماركة القديمة جدًا والذي لم يعد أحد يستخدمه في
هذا العصر...

قالت بلهفة وهي تنظر إلى خالتها..

"دا سي سلامة..."

أسبلت الخالة جفنيها داعية أن يصلح حالهم ويلم شملهم من جديد...

حين فتحت الخط لم يترك لها فرصة السؤال عنه ولم يسأل عنها سأل عن الخالة وصحتها فأجابته أنها في تحسن ليقول بعدها بهدوء أقرب إلى الاقتضاب....

(أنا قربت على البيت عايزة حاجة أجبها معايا...)

قالت بخفوت وقلبها ينزف على نصل هذا التجاهل المعتمد والقاسي منه...

"عايزة سلامتك..."

قال سلامة بنفس الهدوء لكن نبرة صوته لم تكن صافية كما تعرفها يملؤها شوائب خلافهما وغضبه الذي ما زال قائمًا بينهما...

(أنا جبت العلاج وكذا نوع فاكهة... جبتلك كمان القرص بالملبن اللي بتحبيها... وجبت عشا معايا... عشان تاكلوا...)

تمتمت عزة بحسرة...

"وزي كل مرة هتحط الحاجة وتمشي..مش هتاكل معانا لقمة..."

تجاهل الرد عليها وهو يقول باقتضاب..

(أنا طالع على السلم... سلام...)

أغلق الهاتف دون سماع رد منها. أسقطت الهاتف عن أذنها وهي تنظر إلى خالتها بروح كئيبة قائلة...

"سلامة طالع على السلم..."

وضعت الخالة الحجاب على رأسها وعدلت جلستها وهي تأمرها برفق...

"حضري طب العشا... لازم يتعشى معانا مش زي كل مرة من على الباب ويمشي..."

قالت عزة بتجهم...

"كلميه إنتي... أنا مش هينفع أقوله..."

تاففت الخالة...

"شكل الغلط من عندك يامايلة... وانتي اللي مزعلاه..."

قالت عزة بتهكم...

"حاجة زي كده... أو هو اللي عملها زعله عشان
يبعد عني..."

قالت الخالة بصلابة...

"طالما الحكاية كده... سبيني أتصرف... بس الباقي عليكي إنك ترجعي الود بينك وبينه تاني..."

سألتها عزة ببلادة....

"أعمل إيه يعني يا خالتي..."

نهرتها الخالة...

"وبتسالي كمان تقوليله طبعًا..."

وضعت يدها المرتجفة بتردد على بطنها وعينيها تغيم بالحزن الدفين بينما قلبها ينتفض بين أضلعها فها هي تحمل قطعة منه ومنها تقربهما للأبد وربما تبعدهما للأبد. لا تعرف ردة فعل سلامة على حملها.

هل سيتحمل معها المسؤولية أم سيتركها لتربيه وحدها؟

لا تعرف ردة فعله كما لا تعرف مستقبل تلك العلاقة وهل ستظل جرعة مخدرة لنسيان أخرى؟ ألم يحين الوقت ليعرف أنها الأحق بهذا القلب

طرق الباب أوقف قلبها لوهلة ثم نزعت يدها عن بطنها بسرعة وهي تتحرك نحو الباب المتهالك لتفتحه وتقف أمام معذبها... من لا يعرف مقدار الألم الذي يسببه لها....

بلعت ريقها ووجهها هائم بالحزن والشوق أم هو وقف أمامها بوسامته الإجرامية وهالته الطاغية على قلبها الولهان يطل عليها بملامح صخرية لكن عيناه تمران عليها بتروٍ كرجُل اشتاق إلى زوجته.

وهل هي تتوهم تلك المشاعر الدافئة بينهما؟

مد يديه إليها بالأكياس ثم ألقى التحية وهو يتجاوزها... تحركت برأسها معه تدقق النظر إليه بحب يصعب مداراته وهذه هي علتها...

تعشق شعره الناعم الذي يلامس آخر عنقه بتمرد وفوضوية محببة كما تعشق عيناه وصوته ولمسته وهمساته... ولو تحمل تلك الهمسات الحب يا إلهي كانت لتطير من شدة السعادة...

رأته يميل على يد خالتها ليقبلها وهو يسألها..

"إزيك يا خالتي... صحتك عاملة إيه دلوقتي؟"

أجابته الخالة مبتسمة بود...

"أحسن الحمدلله...أنت عامل إيه في شغلك
أمورك تمام؟"

أجابها...

"كله تمام الحمدلله..."

نظرت الخالة إلى تسمرها قائلة بأمر حاني...

"لسه واقفة يا عزة حضري العشا... عشان
سلامة يتعشى معانا..."

رفض سلامة كالمعتاد...

"لا يا خالتي أنا جاي هلكان من الشغل يدوبك أروح أستحمى وأنام عشان أصحى الصبح بدري..."

قالت الخالة بلؤم وهي تنظر نحو عزة...

"الله يعينك يا بني... بس مش كل مرة هتيجي تقول الكلمتين دول وتمشي... هتتعشى معانا المرادي وبعدها تاخد مراتك وتروحوا..."

ارتفع حاجب عزة بصدمة من ردة فعل خالتها...

قد قالت أنها ستفعل شيء لكنها لم تتوقع
ذلك.

"أخد عزة؟!... ليه ما هي قاعدة معاك لحد ما ربنا يكمل شفاكي على خير؟"

ارتسمت الدهشة على وجه سلامة وهو يسأل عزة بعيناه عما حدث...

لتسبل عزة أجفانها ملتزمة الصمت بوجوم.

قالت الخالة بهدوء...

"أنا الحمدلله بقيت أحسن يا سلامة ومع الوقت هخف... وبعدين عزة بقالها أسبوعين قاعدة معايا وسايباك أنت لوحدك... وانت جوزها وليك حق عليها... وأكيد بيتها محتاجها..."

قال سلامة بخشونة....

"كل ده مش مهم يتأجل عشان صحتك... احنا لينا بركة غيرك..."

ابتسمت الخالة وهي تصر على رأيها...

"يا بني ما أنا بقولك بقيت أحسن... خليها تروح تشوفك وتشوف طلباتك..."

بتردد قال...

"بس يا خالتي..."

قالت الخالة بضيق...

"مبسش... خلاص بقى كفاية كده. ولو في حاجة بينكم حلوها في بيتكم قعدها عندي مش هيحل حاجة..."

التزم سلامة الصمت على مضض...

المها قلبها وهو يرفضها بإستماته وبشكل مهين لها أمام خالتها التي تعلم عن خلافهما لكنها تجهل سببه الأساسي ومع ذلك تحاول الإصلاح بينهما.

لكن الإصلاح ليس في نيته هو...

رفعت عينيها الحزينتين لتراه يحدج فيها بغضب مكتوم بعد أن فرضت وجودها عليه...

فقالت بخفر وعيناها تهربان من عينيه...

"أنا... أنا هروح أحضر العشا..."
.............................................................
لمعت عيناه بشهوة الجشع وهو يتناول رزمة المال ثم يقربها من أنفه مستنشقًا رائحتها المميّزة...

وفي الجهة الأخرى كانت عبلة مستلقية على الفراش ترتدي قميص نومٍ قصيرًا تتلاعب بين أصابعها بسيجارةٍ تنفث دخانها بتكاسلٍ متعمد وهي تحدق في زوجها بنشوة الظفر... فقد رأته يلهث خلفها كمن فقد رشده بعدما ألقت إليه عظمه فاستجاب بلا تردد.... 

قال هيثم وهو يعيد رزمة المال إلى الحقيبة...

"ده مبلغ مش بطال خالص يعيشنا فترة كويسة..."

قالت عبلة وهي تطفئ السيجار في المنفضة...

"أنا ناوية أحط الفلوس دي في حسابي في البنك ونصرف من الأرباح اللي هتطلع منها كل شهر."

على الاستنكار وجه هيثم وهو يعقب...

"حسابك في البنك وأرباح؟!... بس دي هتبقى
قليلة قوي....وانتي عارفة مصاريفنا..."

قالت عبلة بنظرة ماكرة...

"آن الأوان تشتغل يا حبيبي... وأنا كمان هشتغل ونقدر ندبر مصاريفنا...."

صاح هيثم بتهكم وكراهية...

"نشتغل؟!.... ما لو اشتغلنا هنصرف إزاي.... 
ونتمتع بالدنيا إزاي؟!"

مطت عبلة شفتيها قائلة باستياء..

"في إجازتنا نروح المكان اللي يعجبك... وبعدين جرالك إيه يا هيثم؟.... هي دي أول مرة تشتغل ما انت كنت شغال قبل كده مع شكري أخويا في شركته.... "

هتف هيثم بلهجة وضيعة...

"أديكي قولتي شكري أخوكي يعني مش عند حد غريب... كلمي أخوكي وأنا هرجع أشتغل معاه أكيد الشغل وقف عنده من بعدي.... "

ثم تابع بابتسامة ملتوية متفاخرًا...

"انتي متعرفيش يا عبلة أنا كنت ممشي الشغل ده إزاي... والموظفين كانوا بيعملولي ألف حساب."

قالت بسخرية...

"طبعًا يا حبيبي.... انت هتقولي..."

نظر إليها هيثم بضيق..

"أنا شامم ريحة تريقة... إيه شايفة غير اللي أنا بقولك عليه؟"

قالت عبلة باستهجان...

"لا بس آخر مرة شكري قال إنك سرقته وكام 
موظف شهدوا عليك....."

صاح هيثم في غضب..

"دول حاقدين عليا وكانوا بيوقعوا بيني
وبين أخوكي....وللأسف أخوكي صدقهم."

قالت عبلة بنظرة ذات مغزى...

"بس انت فعلًا سرقت يا هيثم وخدت مبلغ من الشركة..... "

هز كتفيه ببرود قائلًا بوضاعة وخسة..

"ده حقي بعد شغل وتعب متتعتبرش سرقة...."

عارضته عبلة وهي ترمقه بنظرة هازئة...

"بس انت حقك كنت بتاخده من مرتبك آخر كل شهر....."

امتقع وجهه مجيبًا بوقاحة...

"مش كفاية حقي أكتر من كده بكتير.... "

ثم استأنف بسخط قائلًا...

"وبعدين انتي اللي بتتكلمي وانتي جايبة الفلوس دي من ابنك... مش دي تعتبر سرقة برضه يا عبلتي؟"

احتقن وجهها وهي تتلعثم في الحديث قائلة...

"مش سرقة...أنا كنت محتاجة الفلوس دي 
وبعدين أنا وابني واحد...."

التوى فم هيثم بخبث قائلًا...

"آه انتي هتقوليلي... وعلى كده هو موافق."

تأففت عبلة وهي تقول في ضجر...

"غير الموضوع يا هيثم... وخلينا في المهم... أنا هكلم حد من معارفنا يشوفلنا شغل 
معاه... "

ابتسم هيثم بلؤم وهو يسايرها في قرارها
قائلًا...

"آه يا حبيبتي وماله اللي تشوفيه.... "

تعالى رنين هاتفها فتناولت عبلة هاتفها ونظرت إلى الشاشة لترى اسم ابنها عليها...

توترت نظراتها وارتسم على وجهها التردد والخوف من تلك المواجهة فهي لم تُحضّر قصة مُحكمة كالسابقة...

"دا... يا يـاسـيـن..."

ارتفع حاجب هيثم وهو يحثها على الرد قائلًا بجسارة...

"ردي عليه واتعاملي عادي... إنتي مش لسه قايلة إنك إنتي وابنك واحد؟"

ازدردت ريقها بتوترٍ أكبر ثم تسلحت بالشجاعة أمام نظرات هيثم المترقبة لردة فعلها وحين فتحت الخط قالت بثبات....

"ألـو..."

جاء صوت ياسين دون مقدمات حادًا كمشرط 
جرّاح..... وباردًا كصقيع الشتاء...

(اسمعي يا عبلة هانم أنا مش هقولك إنتي خدتي الفلوس ليه... ولا ليه عملتي كده... كل اللي عايز أقولهولك إني قرفان منك... وقرفان إنك المفروض أمي... وقرفان من نفسي إني فتحت لك بيتي وعيشتك وسط أهلي رغم اعتراضهم...)

سالت الدموع من بين عينيه وهو يحرق صدره بالتبغ مضيفًا بكراهية....

(قرفان إني افتكرت إنك تستحقي فرصة تانية... اللي زيك صعب يتغير واللي الأمومة مقدرتش تحرك مشاعره وإنسانيته...صعب تغيرها المواقف والناس...)

(إنتِ اختارتي طريقك من زمان قوي... أنا بس
اللي كنت مستني ضربة تانية عشان أفوق لنفسي...)

ألقى حديثه ثِقلًا غريبًا في صدرها وصل حدّ الاختناق.... فقالت بصعوبة...

"ياسين اسمعني... أنا كنت محتاجة الفلوس دي..."

عقب ياسين بجمود...

(مفهوم... مفهوم... عشان جوزك يفضل معاكي...)

نظرت إلى هيثم الذي بادلها النظرة بتساؤلٍ فضولي فيما تابع ياسين بقنوط...

(الفلوس اللي بتشتري بيها الناس فترة... قادرة تكون تمن بيعتك...مفيش حاجة دايمة...)

ثم هتف ياسين بازدراء...

(مش عايز أشوف وشّك تاني اعتبريني موت
عشان أنا اعتبرتك كده...)

قالت عبلة بلهفة...

"اسمعني بس..."

صاح بلهجة غاضبة مشمئزة...

(اسمعيني إنتي رجلك متخطيش عتبة بيتنا... بقى متحرم عليكي وأنا بنفسي اللي هقف لك بعد كده... فياريت توفري على نفسك وتخليكي جنب النطع بتاعك...)

سمعت انقطاع رنين الهاتف ثم سقط من بين يديها ببطءٍ موجِع وهي تقول لهيثم بنبرةٍ خاوية...

"شكلي خسرت ياسين هو كمان..."

باستهزاء علّق هيثم بحقد...

"بخيل قوي ابنك ده.. عامل زعله على مبلغ تافه زي ده... ده ييجي إيه جنب اللي عنده هو وعمه..."

لم ترد عليه عبلة وظلت عيناها شاردتين في مكانٍ ما...فاقترب منها هيثم وضمها بين ذراعيه قائلًا بلؤم....

"روقي يا حبيبتي... روقي كفاية... أنا معاكي..."

تشبثت بذراعيه وهي تقول بضياع...

"أوعى تسيبني يا هيثم... أنا مبقاش ليا حد غيرك..."

ربت على ذراعها العاري وهو يقول بنبرة زيف بها الحب كنظرات عينيه لها...

"أنا أقدر يا حياتي... إحنا ملناش غير بعض فكي بقى كده... إحنا عايزين نقضي ليلة لذيذة مع بعض..."

بحزنٍ مرير قالت..

"عايزة أنسى يا هيثم..."

أبعدها قليلًا عنه ثم أرجع خصلات شعرها المصبوغ للخلف وهو يميل عليها بشهوة قائلًا بمكر....

"تعالي في حضني وأنا أنسيكي ابنك واللي جابوه..."
............................................................
للأم مكانةٌ عظيمة في حياة أبنائها مكانةٌ لا تتزعزع مهما روَوا من حبٍّ أو منحوا من ودّ...قدسيتها عظمةٌ....كاملة حتى وإن حملت بين طياتها عيوبًا تظل الأم أمًّا إلى النهاية...

لكن ماذا عن أمٍ تجردت من أمومتها؟

كيف يكون حال أبنائها؟

فليس كلُّ من أنجبت تُعد أمًّا...أحيانًا تولد الأمومة في قلبٍ لم يستقبل طفلًا في رحمه وتبقى أمًا بالفطرة....

ما أجمل الأمومة...وما أقسى التجرد منها حين يكون بدافع الأنانية....

كانت تلك الصور ذكرياتٍ يحيا بها وعليها هي الحنين إلى الماضي لكنه اليوم يريد إحراق الماضي بكل ما يحويه من ذكرى....

تطلّع ياسين إلى ألبوم الصور القديم صور عائلته قبل الفراق صور والدته ووالده وهو في سنٍ صغير جدًا....

لا يذكر تفاصيل تلك اللحظات لكن يكفيه أنها كانت تضمّهم ثلاثتهم معًا....

صورٌ كثيرة التُقطت لهم في لحظاتٍ نادرة ودافئة كانت كاميرا والده توثق بها ما استطاعت من دفءٍ لم يدم..... ولقطاتٍ لن تتكرر....

أمسك بالمقص وبدأ يقصّ صورتها من كل صورة حتى شوه ما تبقى من الصور لكنه لم يهتم 

ثم جمع قصاصاتها ووضعها في صندوقٍ خشبي وأشعل فيها النيران أمام عينيه الغائرتين ووجهه المتصلب بقسوةٍ....

توهجت النيران وتآكلت الصور بعضها في بعض حتى تحولت إلى رماد...كما تحولت مشاعره نحوها يومًا وأصبحت خاوية كخواء مكانها في قلبه....

صدح جرس الباب فأغلق ياسين الصندوق ومزال الدخان يخرج منه.....

فتح الباب بملامح شاحبة كئيبة وشعر أشعث وذقن نابته باهمال.....

رأى عمه أمامه على عتبة الباب فانعقد حاجباه في دهشة تميل إلى الاستغراب فلم يمر يومان على خروجه من المشفى فما زال في فترة نقاهة...

لماذا أتى إلى هنا؟

نطقت ملامحه بالسؤال قبل لسانه... تكلم صالح بهدوئه المعتاد....

"عامل إيه يا ياسين؟"

رد عليه ياسين في وئام وهو يبتعد عن الباب ليدعوه للدخول....

"الحمد لله يا عمي..... حمد لله على سلامتك
ادخل استريح جوه... إنت أحسن النهارده؟"

"الحمد لله..."

قالها صالح وهو يدلف إلى الداخل ثم عبست ملامحه قليلًا وهو يسأله بعدما شم رائحة 
الدخان...

"إيه ريحة الدخان دي؟... إيه اللي اتحرق عندك؟!"

بقايا من ذكرى لم تكتمل...

أجابه ياسين...

"شوية أوراق مش مهمين..."

جلسا في الصالون اتخذ صالح مقعدًا بينما جلس ياسين على الأريكة... سأله ياسين وهو ينوي النهوض....

"أعملك حاجة تشربها؟"

رفض صالح وهو يضع يده على ركبته...

"مش عايز أشرب حاجة...أنا مش غريب قعد..."

أنصت له ياسين وظل جالسًا في مكانه صامتًا
حتى قطع الصمت سؤال صالح بنظرة مهتمة حانية...

"مالك شكلك مش مبسوط... في حاجة حصلت؟"

هرب ياسين من نظرات عمه قائلًا بنبرة عادية...

"ولا حاجة.... تمام...يمكن عشان لسه صاحي 
من النوم...."

مال صالح برأسه قليلًا في تساؤل...

"جدتك قالتلي إن أمك مشيت...إنتوا اتخنقتوا سوا؟...."

امتقع وجه ياسين وهو يرد بجمل متقطعة...

"لا... هي مشيت... رجعت لجوزها..."

استفسر صالح..

"وده اللي مضايقك؟"

مط ياسين شفتيه بسخرية قاتمة وقال...

"إيه اللي هيضايقني؟....ما أنا كنت عارف
إنها هترجع له..."

عقّب صالح متعجبًا...
"وطالما إنت عارف... استقبلتها في بيتك ليه؟"

رفع ياسين عيناه إلى عمه قائلًا بحيرة...

"عشان هي أمي وكانت محتاجاني وقتها... إنت شايفني اتصرفت غلط؟"

ابتسم صالح بإشفاق عليه وهو يقول بنظرة تنضح بالعطف...

"اللي عملته كان عين العقل... وكانت فرصة ليها بس ضيّعتها من إيديها... عادتها ولا هتشتريها."

تعالى نبض ياسين كناقوس خطر في أذنيه وهو يزدرد ريقه بتوتر سائلًا بخفوت...

"تقصد إيه يا عمي؟"

تنهد صالح تنهيدة عميقة وهو يمد يده ويربت على كتف ابن أخيه قائلًا بمؤازرة...

"الفلوس بتيجي وتروح يا ياسين... المهم تعرف معادن الناس اللي حواليك... واديك عرفت اللي كنا بنحاول نفهمه لك من زمان..."

شحب وجه ياسين أكثر وهو يستشف الإجابة 
من وجه عمه...

"إنت عرفت كل حاجة صح... بس مين قالك؟"

لم يتردد صالح في إخباره فقال دون مواربة....

"شكلك نسيت الكاميرات اللي ركبناها في الحوش وقدام البيت من ساعة ما ملك اتخطفت..."

أسبل ياسين نظراته إلى الأسفل بحرج ولم يجد ردًا منصفًا عنه أو عنها...

فأي إنصافٍ يبحث عنه بعدما ظهرت والدته في تلك الصورة المزرية...

تحدث إليه صالح بنبرة هادئة حانية...

"نصيحة مني يا ابني... اشتري نفسك... راحة بالك بالدنيا وما فيها... انسى اللي فات وبص قدامك... عشانك وعشان إبرار...."

هتف ياسين بحرارة صادقة...

"إبرار في عنيا يا عمي... اللي حصل بعيد عنها."

ابتسم صالح وعلى الرغم من الغيرة والضيق اللذين يعتملان في صدره كأب إلا أنه واصل الحديث باهتمام واضح...

"مفيش حاجة اسمها بعيد عنها... أي حاجة تخصك تخصها... وأي حاجة وجعاك هتوجعها...مش أنا اللي هقولك بنتي
بتحبك إزاي..."

تلألأت عينا ياسين على نحوٍ لافت والصدق يسبق رده.....

"أنا كمان بحبها أوي..."

تنحنح صالح بخشونة ضاغطًا على نفسه بالتماسك كي لا يندفع فيلكم ذلك العاشق في أنفه لذلك واصل الحديث حول الأمر فذلك الباب وحده قادر على إخراج ياسين من تلك الحالة أبرار.... وحبه لها.

"لو بتحبها... مش هتعمل كده في نفسك ولا فيها..."

نطق ياسين بصعوبة...
"غصب عني يا عمي... دي أمي..."

انكسرت حدة نظرات صالح وحل محلها شفقةٌ وحزنٌ على ما آل إليه حاله وقال...

"متزعلش من اللي هقوله بس لو كنت فارق معاها واحد في المية.... مكنتش هتعمل كده... كانت هتستغل ولو فرصة صغيرة تقربك منها. تفتكر هي حاولت تعمل كده وهي عايشة معاك تحت سقف بيت واحد؟"

لم يُجب ياسين لكن ملامحه نطقت بالإجابة في انكسارٍ حزين فتابع صالح بنصحٍ صادق...

"فوق لنفسك يا ياسين وبلاش تخسر كل حاجة..."

لم يُجادل ياسين كما اعتاد ولم يُخالفه في شيءٍ مما قيل لذلك أومأ برأسه في طاعةٍ صامتة...

"حاضر يا عمي... حاضر..."

ضاقت عينا صالح في مناغشةٍ طريفة...

"يا سلام على الطاعة والأدب... مش لايقين عليك."

ابتسم ياسين عنوةً فمدّ صالح يده يربت على رأسه وشَعره كما اعتاد أن يفعل معه في الصغر...

كم مرّ من السنوات منذ آخر مرة داعب فيها شعره ومازحه على هذا النحو؟...وكأنّ هناك حاجزًا كان يمنعه من ذلك...

"أيوه كده اضحك..."

أعرب ياسين وهو ينظر إلى عمه بمحبة...

"أنا بحبك أوي يا عمي..."

ابتسم صالح وبخبثٍ عقّب...

"بكّاش على قول ستك... بتحبني عشان أنا عمك ولا عشان بنتي؟"

أجابه ياسين ممازحًا...

"عيب يا عمي إنت تصدق عليا كده؟... طبعًا عشان بنتك...."

ضحك صالح وهزّ رأسه في استياء ليأتي بعد ذلك طرقٌ خفيف على باب الشقة ثم همسٌ مألوف من خلفه يقول...

"يـاسـيـن... يـاسـيـن افتح..."

انقلبت نظرات صالح فجأة وهو ينظر نحو ياسين في اتهامٍ صريح...

"بنتي؟!"

هزّ ياسين رأسه نافيًا التهمة عن نفسه...

"أقسم بالله ما أعرف إنها طالعة..."

تكرّر الطرق على الباب ثم همست باسمه بنبرةٍ عاجلة تطلب منه أن يفتح لها فلعن ياسين في
سرّه غباءها وإصرارها فهي وضعتهما في موقفٍ لا يُحسدان عليه...

أشار صالح بملامح غاضبة وهو يحدّق في الباب بنظرةٍ حازمة آمرًا....

"افتح الباب..."

رفض ياسين بتوتر...

"ليه؟.... هي شوية وهتزهق وتمشي..."

هتف صالح بنبرةٍ قوية لا تحتمل الجدال...

"افـتـح بـقـولـك..."

نفذ ياسين الأمر على مضض وهو يفتح باب الشقة لتظهر إبرار أمامه بإسدال الصلاة الذي اعتاد رؤيتها به....

وضعت يدها على صدرها تتنفّس الصعداء وقالت على عَجَل وهي تتلفّت حولها كالصوص ترفع بصرها إلى الأعلى حيث الطابق الثالث ثم تهبط به نحو الدرج في الأسفل حيث الطابق الأرضي وشقة والدها...

"يـاسـيـن أخيرًا فتحت... بسرعة عملتلك زلابية خد مني..."

وضعت الطبق في يده فنظر ياسين إلى تلك الكرات المريعة ولعنها في سره ليظهر الوجوم على ملامحه وهو يقول بسأم..

"زلابية تاني؟!..."

قالت إبرار باهتمام ونبرة تقطر عشقًا خالصًا...

"قولت أعملك حاجة حلوة... حاساك مضايق بقالك كام يوم... حتى مش بترد على مكالماتي... قولت أطلع من وراهم وأتكلم معاك شوية..."

توتر ياسين أكثر بعد حديثها وحاول التعبير بملامحه عن القنبلة الموقوتة التي تقف خلفه 
لكنها لم تفهم تلك الإشارات وأخذت خطوة 
بالقرب منه تسأله بنبرة حنونة...

"مالك يا ياسينو؟... مين زعلك يا حبيبي؟..."

قال من بين أسنانه وهو يود لو يركلها بساقه ركلةً تعيدها إلى شقتها سالمةً آمنة...

"أنا وانتي اللي هنزعل دلوقت... امشي يا إبرار..."

قطّبت إبرار جبينها شاعرةً بأن شيئًا غريبًا يحدث معه وقد بدا قلبها يلتقط إنذارًا غامضًا من نظرات ياسين... وإذا فجأة يظهر والدها من خلف ياسين قائلًا بنبرةٍ خطِرة ونظرةٍ متوعدة....

"وليه تمشي..... دخلها عشان نعرف كلنا إيه اللي مزعل... سـيـنو..."

تفوه بذلك الدلال المائع بملامح منكمشة كمن يمضغ حب الهيل تحت أسنانه قسرًا بينما الغيرة تشتعل في عينيه الخضراوين....

ظهر الهلع في عيني إبرار وقد شحب وجهها وهي تنظر إلى ياسين بصدمة والذي رمقها بضيق ثم نظر إلى طبق الحلوى في اتهامٍ صريح...

رفعت إبرار عينيها إلى والدها قائلةً بصوتٍ مختنق وهي تحت تأثير صدمة وجوده هنا...

"بـا... بـا... بـابـا...".....

تعليقات