رواية تلميذ الجن الفصل السادس والاربعون 46 بقلم جمال الحفني

 

 


رواية تلميذ الجن الفصل السادس والاربعون بقلم جمال الحفني



النار الصغيرة اللي كانت قدامنا كانت بترقص ببطء وسط بحر الرمل، والليل حوالينا واسع بشكل يخوف..

 صحرا ساكتة لدرجة إنك تسمع حبيبات الرمل وهي بتتحرك مع الهوا الخفيف...

 مرهوب كان مختفي من بعد المغرب كعادته، وشدام واقف بعيد فوق صخرة عالية، ضهره لينا وعينيه مرفوعة للسما، كأنه بيعد النجوم أو بيراقب حاجة إحنا مش شايفينها...

 أما جرموق فكان قاعد قصادي لأول مرة من غير سخريته المعتادة، من غير النظرة المستفزة اللي دايما تسبق كلامه، وكان ماسك حجر صغير بين صوابعه يقلبه ببطء وهو باصص لجوه النار بشرود غريب كإنه سرحان في بحر من الذكريات..

فضل ساكت فترة طويلة لدرجة إني افتكرت إنه مش هيتكلم، لكن فجأة قال بصوت واطي وهادي كأن الكلام خارج منه بالعافية
عمرك شفت جني يحب إنسية, مش بتكلم عن العشق والمس والكلام دا, بتكلم عن الحب العادي الطبيعي؟

بصيتله وأنا برشف الشاي وابتسمت نص ابتسامة
الحب عندكم موجود أصلا؟

جرموق ما ابتسمش، ولا حتى رفع عينه، بالعكس وشه بقى أهدى وأبرد، وقال
أغبى المخلوقات هما اللي بيحبوا..

سكت بعدها، والسكوت اللي جه بعد الجملة دي كان تقيل بشكل غريب، كأن النار نفسها سكتت عشان تسمع هو هيقول إيه, بعدها رفع عينه ناحيتي ببطء وقال
المنفذ اللي كان قبلك أخدني مرة لقرية صغيرة جنب الجبل الأسود قرية فقيرة البيوت فيها من الطين، والسقوف كلها خشب قديم، والليل هناك كان أغمق من أي ليل شوفته في الصحرا, أهل القرية وقتها كانوا مرعوبين من بيت في آخر الزرع على أطراف القرية، بيت أرملة اسمها زينب، وكل الناس كانت تقول إنها ساحرة وإن الشياطين تخدمها..

جرموق ابتسم ابتسامة باهتة وهو يهز رأسه وكمل وقال
لكن الحقيقة؟ كانت أطيب من أغلب البشر اللي شفتهم!

بدأ يحكي وهو باصص للنار، وصوته كان هادي بطريقة تخليك تشوف اللي بيقوله قدامك
قال إنهم وصلوا القرية قبل الفجر بشوية، وكانت الضباب نازل على الأرض الزراعية بشكل كثيف، لدرجة إن البيوت كانت طالعة من الضلمة كأنها أشباح, وكل ما كانوا يقربوا من بيت زينب، كان الهدوء يزيد بشكل مش طبيعي! لا صوت كلاب، لا ديكة، لا حتى حشرات! الهوا نفسه كان واقف! وقتها المنفذ القديم وقف فجأة وسط الطريق، ورفع عينه للبيت وقال بهدوء
فيه حارس..

جرموق قال إنه في اللحظة دي حس بحاجة لأول مرة من سنين طويلة, خوف صغير بارد دخل في صدره من غير سبب واضح, لأن المنطقة كلها كان فيها أثر جنّي قديم وثقيل جدا، أثر مش بتاع مخلوق متوحش، لا دا أثر مخلوق صاحي ومراقبهم من أول ما دخلوا البلد!

وصلوا البيت، وكان بيت صغير جدا، حيطانه متشققة، وفيه لمبة جاز ضعيفة بتنور الصالة بلون أصفر باهت, ومن جوه كانوا سامعين صوت العجين وهو بيتفرد على صاج سخن, لما دخلوا لقوا الست قاعدة لوحدها قدام النار، ست كبيرة شوية، وشها مرهق وإيديها كلها آثار حروق وشغل سنين طويلة، لكنها كانت هادية بشكل غريب، كأنها مستنياهم..

زينب رفعت عينها عليهم للحظة واحدة، وبعدين بصت ناحية باب الأوضة اللي وراهم وقالت بهدوء, قوله ميأذيش الضيوف..

في اللحظة دي جرموق قال إنه حس الرمل تحت رجليه برد فجأة، لأن الست مستحيل تشوفهم لكنها ما كانتش بتكلمهم هما أصلا, كانت بتكلم الحارس!
 
المنفذ القديم فضل ثابت مكانه، لكن جرموق قال إنه سمع صوت حركة خفيفة جدا ورا الباب، حركة حد واقف وساحب هدومه على الأرض ببطء, بعدها كباية نحاس كانت فوق الرف اتحركت لوحدها واتحطت قدام زينب، والباب الخشبي اللي كان مفتوح نص فتحة اتقفل بهدوء كأن حد سنده بإيده من الناحية التانية..

المنفذ القديم قعد يوم كامل في البيت من غير ما يعمل حاجة، بس يراقب, وزينب كانت تتعامل طبيعي جدًا، تطبخ، تنظف، تسقي الزرع اللي ورا البيت، وكل شوية تتكلم مع حد مش موجود

متخرجش دلوقتي..
 
 سيب الراجل يا ولدي..

حرام عليك خوفت البهيمة..

وفي كل مرة كانت تحصل حاجة صغيرة تثبت إن فيه حد فعلا موجود, نار الفرن تعلى فجأة من غير سبب, شباك يتفتح لوحده قبل المطر بثواني, حتى القطط كانت ترفض تدخل البيت وتفضل تبص ناحية ركن معين وهي نافشة شعرها..

وفي الليلة التالتة ظهر...

جرموق وقتها كان نايم في أوضة ضلمة جنب الصالة، وفجأة صحى قبل الفجر على إحساس غريب، إحساس إن فيه حد واقف فوق راسه, فتح عينه ببطء ولأول مرة في عمره حس إنه مش قادر يتحرك بسرعة

كان فيه راجل واقف عند باب الأوضة!

طويل بشكل غير طبيعي، لابس جلابية صحراوية قديمة متغطية بالرمل والتراب، ودراعه مرفوعة على الباب كأنه مانع حاجة تدخل, وشه ما كانش واضح بالكامل بسبب الضلمة، لكن عينيه, عينيه كانوا ثابتين على جرموق بنظرة هادية مرعبة، نظرة مخلوق عاش سنين طويلة جدا لوحده..

لا أنياب..
لا نار..
لا شكل شيطاني..

بس وجوده نفسه كان تقيل وبيخنق المكان
جرموق قال بصوت منخفض, كانت أول مرة أخاف من حاجه ساكته!
 
المنفذ القديم خرج من أوضته وقتها، وبمجرد ما شاف الجني وقف مكانه باحترام غريب، لأنه عرف فورا إن دا مش جن عادي, دا واحد من جن الصحراء القدام, الجن اللي بيعيشوا وحيدين في الوديان والمقابر المهجورة عشرات السنين لحد ما ينسوا حتى أسماءهم..

فضلوا يبصوا لبعض فترة طويلة من غير كلمة واحدة، وبعدها الجني بص ناحية زينب اللي كانت نايمة جوه، ورجع بعينه للمنفذ القديم كأنه بيقوله دي تبعي..

وقتها فقط فهموا الحقيقة..

زمان، ابن زينب الصغير ضاع في الصحراء وقت عاصفة، والناس دورت عليه يومين كاملين من غير فايدة, الطفل مات عطشان تحت الجبل، والجني دا كان أول مخلوق يلاقيه, قعد معاه لحد آخر نفس، يسمعه وهو بيعيط وينادي على أمه، ولما الطفل مات فضل الجني أيام جنب جثته من غير ما يمشي..

ومن وقتها اتعلق بالأم, مش حب زي البشر, ولا خدمة, ولا سحر ولا حتى أي حاجه, كان حب أهدى وأحزن من الحب نفسه..

بقى يحرس البيت، ويطرد أي أذى يقرب منها, في البداية كان يخوف الناس بس، لكن مع السنين بقى أعنف، لأن الوحدة الطويلة خلت طبيعته تتوحش, أي حد يدخل البيت بنية سيئة يتكسر، يمرض، أو يختفي يومين ويرجع مجنون!

جرموق قال إن قوانين الجن وقتها كانت واضحة جدا
أي جني يؤذي البشر يعدم..
 
وكان لازم المنفذ القديم ينفذ الحكم, لكن الغريب إنه معملش أي حاجه, فضل واقف قدام الجني فترة طويلة وبعدين قال بهدوء, أنت عارف إنهم هيطلبوا راسك؟
   
الجني ما ردش، فقط بص ناحية أوضة زينب
ساعتها المنفذ القديم تنهد وقال جملة عمر جرموق ما نسيها
أحيانا بعض الوحوش متستحقش القتل, فقط بتحتاج إنها متفقدش الشيء الأخير اللي بيربطها بالرحمة..
وبعدها لف ضهره ومشي..

جرموق قال إنه قبل ما يخرج من البيت بص وراه للحظة، وشاف زينب واقفة عند باب المطبخ، باصة ناحية الركن المظلم اللي واقف فيه الجني، وبتقول بصوت هادي كأنها بتكلم ابنها, متخافش هما مجوش يأذوك..

ولأول مرة الجن ابتسم..

  

تعليقات