رواية حرب بين العمالقة الفصل الرابع
بعد مرور عدة ساعات في مكان مجهول غارق في الظلمة والبرود كان رضوان جالس على كرسي خشبي ويوجد حبال تلتف حول جسده الشرس مقيدة حركته تماماً وتوجد ربطة موضوعة على عينيه تحجب عنه الرؤية تماماً ورغم هذا الموقف الذي قد يزلزل أعلى الرجال إلا أن أنقاص رضوان كانت تخرج هادئة منتظمة وثقته بنفسه لم تهتز شعرة واحده
سمع صوت ابواب حديديه تتحرك و صوت اقدام كانت الرجل يتقدم بخطوات واثقه تدل على هيبة صاحبها وقوته وقف الرجل الغامض أمام رضوان مباشرة وأشار بيده لرجاله فامتدت يد أحدهم لينزع الربطه عن عين رضوان يعنف
أغلق رضوان عينيه لثواني يتأقلم مع الضوء الخافض ثم رفع عينيه ببرود تام لينظر إلى الرجل الواقف أمامه و ما كان إلا رجل في أوائل الأربعينات جسده رياضي وقوي يرتدي بدلة سوداء غالية الثمن فابتسم رضوان وبصق قليل من الدم الذي سال من شفتيه أثر مقاومته ثم قال: جرى إيه يا كبير حد يخطف حد بالشكل ده
ابتسم الرجل وقال : كنت عايز اقابلك يا رضوان
رضوان وهو ينظر بداخل عينيه كي يفهم ما يدور بداخله قائلاً : واللي يعوز يقابل رضوان الشامي لازم يعمل نمرة ميكروبصات خطف العيال دي ما كنت تجيب رقمي وترفع عليا تليفون صغير وكنت جيتلك برجلي ولا ما بقاش في أصول في البلد اليومين دول
ضحك الرجل الغامض ضحكة رجولية قوية هزت أركان المكان ثم أشار لرجاله قائلاً وهو ينظر لرضوان فكوه ده ما يتكتفش رضوان الشامي ما يتخافش منه ده يتخاف عليه
فهم رضوان جملته و بالفعل بدأ رجال هذا الرجل يفكون الحبال فنهض رضوان ثم مدد ذراعه ببطء وهو يحرك رقبته يميناً ويساراً و بعدها سحب كرسي آخر وجلس عليه واضعاً قدم فوق الأخرى بكل ثقة ونظر للرجل قائلاً : فكيتوني قولي بقى انت مين وعايز إيه
جلس الرجل أمامه على مكتب فخم وشبك اصابعه ببعض وقال بجدية : انا اسمي سليم الغرباوي ومعجب بيك اوى ومحتاجك
نهض رضوان بسرعه وقال بغضب: محتاج ايه لا مؤاخذه انت شكلك شايفيني غلط اوي يا باشا
سليم بنبرة قوية : اقعد يا رضوان وفتح دماغك معايا
لم يرد عليه رضوان فرفع سليم نظره له وقال: انت عارف انا براقبك من امتى يا رضوان
انتظر رضوان أن يستكمل حديثه فقال سليم من خمس شهور واقدر دلوقتي افردلك كل العمليات اللي عملتها في خلال الشهور دي وعندي أدلة كثير على كل عملية وعايز الحق انا فرحان أوي إن عيني وقعت على دماغ شغالة زيك
ابتسم رضوان وجلس قائلاً : كده انت بتفهم واقعد و اسمعك للاخر يا باشا اصلي بحب الناس اللي بتفهم
محتاجك في مهمه ولو تمت بنفس الشكل اللي مترتب ليه مش هتكون آخر مهمه بينا والحساب هيتفتح : قال سليم جملته وهو ينظر لرضوان الذي اخرج علبة السجائر ثم أشعل واحده واخذ نفساً كبيراً ونفخ الدخان في الهواء قائلاً : اممم احب ندخل في المفيد على طول يا باشا بس
اعرف ان دماغ رضوان مش للإيجار ودماغي غالية أوي
مال سليم بجسده للأمام وقال بنبرة حملت الكثير من الإغراء والجدية : عارف ده و علشان غاليه أنا عارض عليك صفقة العمر عمليه واحدة العمر كله بعدها هتعيشه في عز مش هتحتاج تنزل تعمل عمليات ولا تدور على زبون يفاصل معاك فى القرشين أنا مش عايزك في الآثار يا ابن
الشامي الآثار شغل عيال لسه بتحبي
أخذ رضوان نفساً وقال: طالما مش آثار يبقى إيه الشغلانة اللي تخلي سليم الغرباوي يعمل الليلة
دي كلها علشان يوصل لي
نظر سليم بداخل عين رضوان قائلاً : السلاح یا رضوان الشغل التقيل اللي بيحرك دول دلوقتي داخلة لينا شحنه صلاح أوتوماتيكي تقيل وأجهزة توجيه حديثه من البحر شحنة بحجم حوت مش سمكة صغيرة الشغل المرة دي مش مع هواة ده مع حيتان تقال بره وجوا مصر والبلد اليومين دول الرقابة فيها على المواني والسواحل زي حد السيف وعلشان كده انا محتاج دماغ زيك يتعرف نقرا الأرض وبتعرف تخرج من خرم الإبره
صمت رضوان للحظات ونفخ الدخان وعقله تدور به الكلمات بدقة شديدة فالأمر هذه المرة ليس مجرد تمثال مرمر إذا قبض عليه به سیسجن بضع سنوات بل تجارة سلاح دولية عقوبتها حبل يلتف حول الرقبه لكن لمعة التحدي والجشع في عينيه كانت أقوى من الخوف فنظر رضوان إلى سليم بعينيه الحادة كالصقر وقال بثقة هزت جدران المكان شغلانة السلاح رقاب طايرة يا غرباوی و مفيش رقبة بتتباع رخيص طالما فيها حيتان برة وجوه والشحن بحر ومخاطرة يبقى نصيبي في الليلة دي مش هيقل عن مليون دولار كاش ونصهم مقدم يوصل لحجر أمي قبل ما أتحرك خطوة واحدة والتسليم والنقل والخط في البلد بطريقتي ودماغي أنا ومحدش لا انت ولا رجالتك يتدخل في خطتي ولا يملي عليا شروطه قولت ايه
نظر له سليم بذهول من جرأته وشروطه الصارمة التي لم يتجرأ أحد على فرضها عليه من قبل ثم ضحك بإعجاب شديد ونهض يمد يده الرضوان قائلاً: اتفقنا يا ابن الشامي المليون دولار بتوعك جاهزين ومن بكرة النص مليون هيكونوا عند والدتك اهو ده الكلام اللي يفتح النفس نورت سوق الكبار اللي بجد يا رضوان يا شامي
نهض رضوان وصافح سليم بقوه وابتسم ابتسامة غامضه وعقله بدأ بالفعل يرسم خطة شيطانية لدخول عالم السلاح من أوسع أبوابه فكيف سيخطط رضوان لتهريب هذه الشحنة وهل ستنقلب حياته بعد هذه الخطوة ام ماذا سيحدث يا ترى
على الجانب الآخر في حارة رضوان كان حاتم يركض و أنفاسه تكاد أن تنقطع من صدره يمسك حقيبة الدولارت بيده ويضمها إلى صدره برعب شديد وعينيه تلتفت يميناً ويساراً يخشي أن يكون أحد قد لحق به وصل وأخيراً إلى منزل فرنسا ثم صعد الدرج بسرعة جنونيه ودق الباب بعنف ففتحت فرنسا سريعا ووضعت يديها على خصرها قائله بغيظ شديد في إيه يا مقصوف الرقبة أنت بتخبط كده ليه وفين رضوان
دخل حاتم وأغلق الباب بسرعة ثم ألقى بالحقيبة على الطاولة وقال بصدمه الريس رضوان اتخطف يا فرنسا ناس بأربع عربيات هجموا علينا وخدوه بس هو صرخ فيا وقالي أفرك بالفلوس
وأجيبهالك هنا لحد عندك
خدمت فرنسا وعينيها لمعت بالجشع على الفور ما إن رأت الحقيبه و ذهبت لها سريعا وفتحتها التظهر بداخلها حزم كثيفة من الدولارات الخضراء و في هذه اللحظة نسيت فرنسا أن ابنها في خطر وأمسكت الحزم بلهفه وقالت : يا مري كل دي فلوس رضوان عملها يا واد يا حاتم
نظر لها حاتم بذهول وقال : فلوس إيه يا فرنسا بقولك ابنك اتخطف مش هندوري عليه ولا نشوف هنعمل ايه
أخذت فرنسا الحقيبه لتخبنها في الخزانة وتغلق عليها و هي تقول : جرى إيه يالا يا غبي أنت رضوان سبع ويشيل بلد ومحدش يقدر يعمل فيه حاجه تلاقيهم ناس من الناس الكبيرة عايزين يشتغلوا معاه المهم دلوقتي الفلوس دي في الحفظ والصون والبت السنيوره صلوي دي ما تشمش ريحة جنيه واحد ولا تعرف إن الفلوس وصلوني فاهم ولا لا
اندهش حاتم منها وخرج من الشقه وهو يضرب كفاً بالآخر مستغرباً من قسوة وجشع هذه الأم التي لم تفكر بولدها دقيقة واحدة بل كل ما فرق معها تلك الأوراق الخضراء
في شقة سعد كانت الأجواء مليئه بالدفء والبهجة بعد رحيل يونس و كانت طيف تقف في المطبخ وابتسامتها لا تفارق وجهها تفكر في فستان زفافها وفي حياتها القادمة مع حبيب عمرها ودخلت عليها مرام وهي تأكل قطعة من البان كيك بشراهة واضحة لكن عينيها كانت مازالت تحمل بعض الحزن نظرت لطيف وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها مرحة:
يا سيدي يا سيدي على اللي هيسيبونا ويروحوا بيت العدل هتوحشيني أوي يا طيف الشقة من
غيرك هتبقى ضلمة اوي
التفتت لها طيف وضمتها بحنان قائلة : انتي قلبي وروحي يا مرام و مفيش حاجة هتغير حبنا البعض وبعدين تعالى هنا أنا هكون معاكي على طول ومفيش حاجه هتتغير
بادلتها مرام العناق وقالت بنبرة بها غصة : ما خلاص انتي هيكون عندك بيتك ولازم تهتمي بحاجات تانيه أهم مني
ابتعدت عنها طيف لترد برفض : مين قال كده لا طبعاً انتي هتفضلي أهم واحده في حياتي ويا ستي أول ما الفرح يخلص هنبدأ انا وانتي نهتم بنفسنا سوا وتروح لدكتور تغذية كويس عشان صحتك ونفسيتك مش علشان كلام الناس وهكون معاكي دايما ما تقلقيش
تغيرت ملامح مرام ووضعت الطبق بضيق قائلة: تغذية تاني يا طيف قولت لك مفيش فايدة أنا هفضل طول عمري كده تخينه والناس بتبص لي بنظرات شفقة أو تريقه انتي يونس بيحبك علشان انتي رشيقة وزي القمر أما أنا محدش هيحبني
تنهدت طيف بحزن على حالة شقيقتها وقبل أن تتحدث دخل والدهما سعد إلى المطبخ وكان يبدو عليه التعب قليلاً وضع يده على كتف مرام وقال بحنان أبوي دافئ مرام يا بنتي الجمال مش برسمة الجسم ولا بالوش الجمال في الروح الطبيبة اللي زيك اللي هيحبك بجد هيشوفك أحلى بنت في الدنيا زي ما انا شايفك دلوقتي غالية وعالية ومفيش منك اثنين بلاش تظلمي نفسك يا حبيبتي بالكلام ده ومالكيش دعوه غير بنفسك
انفجرت مرام في البكاء وضمت والدها بقوة بينما دمعت عينا طيف وهي تدعو الله أن يرزق شقيقتها بشخص يقدر نقاء قلبها ويعوضها عن كل لحظة انكسار عاشتها وقالت مرام بمشاكسه مصطنعه كي لا يحزن أحد أو يشفق عليها كده طیف هتغير يا بابا ماتنساش إن هي العروسه والمفروض تحضنها هي علشان تشيع منها قبل ما حبيب القلب ياخدها ومانشوفهاش تاني
أنهت حديثها وهي تبتعد عن والدها الذي نظر لطيف وفتح ذراعه لها فذهبت إلى أحضانه ليضمها سعد بقوه قائلاً : مين قال الكلام ده ماحدش يقدر ياخد مني بنتي لو كان مين مش كده يا طيف
أومات له طيف واستمعت لرنة هاتفها بنغمة تعلمها جيداً فابتعدت عن والدها و ركضت إلى هاتفها سريعا فضحكت مرام بقوه على تصرفها قائلة: سمعت رنته طلعت تجري علشان تعرف انك مالكش غيري يا سعد باشا
نظر سعد لها و قال بغيظ مصطنع حتى انتي كليه وبكره يجي اللي ياخدك مني خلاص انا راحت عليا معاكم يا بنات نهال
ثم ذهب إلى الخارج فنظرت مرام خلفه وجلست قائله وهي تأكل من قطعة (البان كيك): اطمن يا خويا ماحدش هييص لي ويلا أحسن بلا هم داهيه تاخد الرجاله كلها إلا بابا وعمو جمال و نوسه علشان طيف
وفي وكر سليم الغرباوي نهض رضوان وقال: ماشي يا غرباوي نتقابل بكره أكون رستأت أموري وعرفت كل المعلومات اللي محتاجها
ثم التفت وكاد أن يذهب لكن أوقفه سليم قائلاً : الشحنة دي لو جرالها حاجه أو دماغك لغت يمين ولا شمال مش هيكون ليك مكان فوق الأرض يا رضوان الحيتان اللي ورايا ما بير حموش لو حاسس مجرد إحساس بسيط إنك مش قدها بلاش أحسن لك
نظر له رضوان بكبرياء وعدل الجاكيت وقال وهو يتجه نحو الباب يبرود مميت: اللي يخاف من العفريت يطلع له يا باشا وأنا العفريت بيخاف يخبط في طريقي سلام يا غرباوي تتقابل بكره في نفس المكان
نظر خلفه سليم الغرباوي بنظرة غامضة للغايه ولا أحد يفهم ماذا يخفي سليم خلف تلك النظرة فهل سينجح رضوان في هذه المهمه أم ماذا يحدث
على الجانب الآخر في مبنى (قطاع الأمن الوطني) وتحديداً داخل مكتب اللواء كان يونس يقف بكامل هيبته العسكرية وبملابسه الرسمية عينيه تشتعل من الغضب وهو يضع ملف سري علي مكتب اللواء فنظر اللواء إلى الملف تم رفع عينيه إلى يونس قائلاً : ايه الملف ده يا يونس و ايه وشك اللي ما يطمنش ده
أخذ يونس نفساً عميقاً واستند بيديه على المكتب قائلاً: مصادرنا السرية أكدت إن في شحنة سلاح تقبل وأجهزة توجيه متطورة هتدخل البلد خلال أيام عن طريق البحر
عاد اللواء للخلف وهو يستمع لهذا الحديث فاستكمل يونس قائلاً : الشحنة دي مش تهريب عادي دي جايه لحساب ناس تقيله في البلد وواصلين لبره يا فندم والهدف منها قلب كيان الأمن في المنطقه دي عملية انتحارية للي هيهربها واللي هيديرها دماغ شيطان
تغيرت ملامح اللواء تماماً وفتح الملف بسرعه ونظر للتقارير بذهول ثم قال: والشحنة دي هتنزل فين بالظبط ومين اللي هيستلمها على الأرض هنا يا يونس
رد يونس وعينيه تلمع بالتحدي قائلاً: لسه ماكدناش الاسم اللي هيستلم على الأرض بس الخيوط كلها بتشير لشبكة سليم الغرباوي وعلشان كده يا سيادة اللواء أنا يطلب رسمياً من معاليك إني أطلع المهمة دي بنفسي وأكون على رأس قوة المداهمة والقبض على الشحنة مش هسمح لأي كلب يدخل حتت سلاح واحدة البلد دي حتي لو كان التمن روحي
نظر له اللواء بفخر و رغم أنه خاف علي يونس الذي اقترب موعد زفافه لكنه قال بصوت قوي المهمة دي انتحارية يا يونس واللعب فيها مع ناس ما بيسموش بس أنا واثق فيك وفي رجالتك أجهز والمهمة دى بتاعتك يا بطل ربنا معاك
أدى يونس التحيه العكسرية قائلاً: تمام يا فندم ووعد مني الشحنة دي هتكون مقبرة لكل اللي فكر يلمس تراب البلد
أومأ له اللواء وخرج يونس من المكتب وعقله مشتعل بالخطط دون أن يدري أن الدماغ الشيطانية التي سيتواجه معها في عرض البحر ما هو إلا (رضوان الشامي) فمن سيفوز يا ترى وإلى أين تذهب أول نقطة في حرب بين عمالقة)
