رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الخامس
انتهى «أحمد» من سرد قصة حياته بالكامل لـ «طيف» الذي استمع له بانتباه شديد وما إن أنهى حديثه حتى قال:
- ياااه كل ده؟! طيب ايه اللي خلاك تغير رأيك وترجع دلوقتي؟
ابتسم ابتسامة هادئة وأجاب عليه قائلا:
- حصل حاجة كدا خلتني أفكر في الرجوع، بنت كدا اتعرضت لمشكلة فقولت اجيلكم بما إن خالي لواء وابن خالي تقريبا مقدم ده لو اترقيت عن آخر مرة بس جيت لقيتك فاقد الذاكرة
في تلك اللحظة دلف «أيمن» الذي ما إن رأى ابن شقيقته حتى اتسعت عيناه وقال:
- أحمد
نهض «أحمد» وحضنه بقوة ليقول بنبرة تحمل الندم:
- وحشتني أوي يا خالو
ربت «أيمن» على ظهره وقال بهدوء:
- ليه تبعد وتسيبنا يا أحمد؟! مش كفاية أمك حرمتنا منها ومنك زمان.. ليه كدا يا ابني
ابتعد قليلا عن خاله وردد بحزن:
- معلش يا خالو كنت غبي وماشي ورا دماغي، المهم إننا اتجمعنا تاني
ضم «أيمن» كتفيه وهتف بنبرة معاتبة:
- اللي عملته ده ميتكررش تاني مفهوم؟ اعقل كدا وبطل تفكر تاني من دماغك علشان تفكيرك كله غلط
ابتسم «أحمد» وقال بهدوء:
- حاضر يا خالو بس فيه موضوع عايز أحكيلك عنه يمكن تقدر تساعد الغلبانة اللي جايلك علشانها
عقد «أيمن» ما بين حاجبيه وقال متسائلًا:
- مش فاهم مين دي؟
****
انتهت «فاطمة» من سرد قصتها لـ «نيران» التي كانت تستمع إليها بصدمة كبيرة لتُنهي الأولى حديثها قائلة:
- ده اللي حصل معايا يا نيران.. علشان كدا كان لازم أختفي الفترة دي كلها
هزت «نيران» رأسها لتعبر عن رفضها لما حدث قائلة:
- لا يا فاطمة لا.. تضحي بخطيبك وفرحكم اللي كان قريب وبكل حاجة علشان مهمة؟ معلش أنا معاهدتكيش بالأنانية دي كلها، فاطمة أنتي وجعتي قلوبنا كلنا.. وجعتي قلب رماح اللي كان بيموت كل يوم على فراقك، رماح حالته النفسية اتدمرت وبقى إنسان بدون مشاعر علشان مبقتيش في حياته وتيجي تقولي مهمة؟! أنا لو منك كنت رفضت حتى لو كانت ايه، إحنا بني ادمين لينا إختيار مش مجبرين نضيع حياتنا علشان مهمة، المهمة دي تتعمل بمليون طريقة تانية غير الطريقة دي.. ليه نختار أوجع طريقة علشان نعملها؟
وجهت «فاطمة» بصرها إلى نقطة بالفراغ وشردت للحظات قبل أن تقول:
- أنا حبيت رماح أكتر ما هو حبني.. كنت بتمنى اللحظة اللي تجمعنا ببعض بفارغ الصبر، كنت دايما قبل ما يعرف بحبي ليه ألفت انتباهه لكن مكانش بيفهم حاجة لغاية ما فجأة اتعلق بيا معرفش إزاي بس ساعتها حسيت إن الدنيا ضحكتلي.. خلاص اتفقنا على الفرح وعلى كل حاجة والدنيا ماشية زي ما كنت عايزة لغاية اليوم الملعون اللي خسرت فيه كل حاجة ...
"قــــــبــــــل ســــــنـــــوات"
تحركت «فاطمة» بداخل هذا المبنى الغامض إلى أن وصلت إلى غرفة بباب أسود اللون فتحدث هذا الذي كان يصطحبها وقال بجمود:
- خليكي هنا أما أبلغ الباشا بوجودك
فاقت من شرودها المتعلق بهذا المكان الغريب ونظرت إلى هذا الرجل وهي تقول:
- تمام
طرق هذا الرجل على الباب ودلف إلى الداخل قبل أن يُغلق الباب خلفه وما هي إلا لحظات حتى فُتح الباب من جديد ليخرج من الداخل وهو يقول بجدية:
- اتفضلي الباشا في انتظارك
هزت رأسها موافقة ثم دلفت إلى الداخل لتجد رجلاً يبدو عليه كِبَرُ السن وقد غزا الشيب كامل شعره، وارتسمت على وجهه ملامح الجدية. نهض الرجل من مكانه ورسم ابتسامة رسمية على وجهه وهو يقول:
- الرائد فاطمة... نورتي مكتبي
رسمت ابتسامة هي الأخرى على وجهها ورددت قائلة:
- أهلا بحضرتك
أشار إلى المقعد المقابل لها وهتف بهدوء:
- اتفضلي
نفذت ما طلبه وجلست على المقعد المقابل لمكتبه قبل أن توجه بصرها صوبه وهي تقول:
- بلغوني إن حضرتك عايز تقابلني.. وبما إننا هنا في المبنى ده فأكيد الوضع خطير
عاد بظهره إلى الخلف والتقط أنفاسه قبل أن يقول بجدية:
- أحب أعرفك بنفسي الأول.. أنا اللواء راضي عبد الكريم وطبعا مش ده اسمي الحقيقي بس ده الاسم المتعارف عليا بيه هنا في الجهاز، مركزي حساس جدا ومعنى إني طلبت أقابلك يبقى الموضوع خطير.. أخطر مما تتخيلي
تسرب القلق إلى داخل قلبها لكنها أخفت ذلك ببراعة وقالت بجمود:
- أحب أعرف ايه هو الموضوع الخطير ده يا فندم وايه اللي مطلوب مني؟!
نهض من كرسيه وتحرك بداخل المكتب قبل أن يلتفت إليها وهو يقول بهدوء:
- أختك ريم
في تلك اللحظة لم تتمالك أعصابها ونهضت من مكانها وهي تقول بتساؤل:
- مالها أختي؟
لاحظ انتباهها وقلقها فردد بنبرة أكثر هدوئًا:
- أنا جبتك هنا علشان هادية ياريت تسمعيني للآخر
هزت رأسها موافقة على ما قاله فتابع:
- أختك ريم طبعا بتحضر دراسات عليا برا مصر وده اللي تعرفيه عنها وكل فترة بتكلمك تطمنك عليها لكن في الحقيقة أختك اتورطت مع ناس خطيرة الناس دي عملت كمية مصايب هنا في مصر ملهاش عدد.. في البداية أختك كانت رافضة الوضع لكن بعدين بدأت تتقبل وبقت جزء منهم
حركت «فاطمة» رأسها لتعبر عن رفضها لما يقول وهتفت:
- يا فندم أختي عمرها ما تعمل حاجة غلط.. دي طيبة جدا وقلبها أبيض وأطيب مني أنا شخصيًا.. دي توأمي وأنا عارفها وحافظاها كويس أوي
ابتسم ووضع يديه في جيب بنطاله قائلًا:
- أختك اتقبض عليها هنا في مصر وهي بتنفذ خطة من خططهم
عقدت ما بين حاجبيها وهتفت بنبرة تحمل الصدمة:
- أختي هنا في مصر؟ واتقبض عليها؟
تابعت «فاطمة» سرد ما حدث معها إلى «نيران» وانهمرت عبرة من عينيها وهي تقول:
- ساعتها اللواء راضي خلاني أشوفها ودخلت في نوبة عياط وأنا معاها وفضلت تقولي قد ايه هي ندمانة ومكانتش متخيلة اللي هي دخلت نفسها فيه ده.. بعدها اللواء راضي قالي إني هخش وسط الناس اللي هي دخلت معاهم على إني هربت هنا وهنضم ليهم برا مصر علشان اجمع أكبر كم من المعلومات عنهم وكل ده في سرية علشان معرضش حياة أختي للخطر وفي نفس الوقت أختي هتتقمص دوري بمعرفتكم هنا بمجرد ما أسافر بحيث ميبقاش فيه أي شك إن فيه حاجة متغيرة وده كان الإتفاق مع اللواء راضي
صمتت للحظات ثم تابعت:
- فعلا سافرت وبمجرد ما وصلت قبرص لقيت خبر موتي في كل مكان في مصر.. جريت كلمت اللواء راضي قالي أصعب خبر سمعته في حياتي.. قالي إن أختي اتد..بحت وماتت
نظرت إلى «نيران» بعينان دامعتان وهتفت باكية:
- أختي ماتت علشان تقمصت دوري يعني لو كنت أنا مكاني كنت أنا زماني ميتة دلوقتي.. بس يارتني كنت أنا يا نيران ومكنتش أعيش لحظة زي دي مع أختي، أختي توأمي ونصي التاني اللي كانت أصغر بنوتة تاخد ماجستير وبتحلم بالدكتوراه وفي طريقها ليها.. كل أحلامها اتبخرت ومعاها كل حاجة حلوة، قضيت أسبوع منهارة لكن اضطريت أكمل المهمة اللي طولت أوي، على الرغم من خطورتها إلا إني اندمجت وسطهم أوي وكنت كل لحظة بحلم إني انتقم منهم علشان هم السبب في إن أختي ماتت وأنا لسة عايشة، مكانتش خايفة وفاقدة الشغف من الحياة كلها ومتوقعة في كل لحظة إني اتكشف وأموت لكن أنا أهو لسة عايشة ...
حضنتها «نيران» وربتت على ظهرها بهدوء وهي تقول:
- كلنا موجودين يا فاطمة.. أنا صاحبتك وأختك وعمري أبدا ما نسيتك، ربنا يرحم ريم ويصبرك على فراقها
أبعدتها قليلا ثم تابعت بجدية:
- بس موضوع راضي ده فيه حاجة غريبة، أنتي قولتي إنه قال إننا عندنا علم إن ريم هتاخد مكانك هنا لكن ده محصلش.. وبعدين أنتي كنتي معانا طول اليوم وبعدين حصل اللي حصل في آخر اليوم معنى كدا إنك بمجرد ما سافرتي ريم اتقتلت، فاطمة الموضوع ده فيه إن
أغلقت عينيها للحظات وقالت بحسرة:
- ده اللي اكتشفته لما رجعت.. عرفت إن كلكم عارفين إن أنا اللي مت ورماح اللي حبيته من كل قلبي رجعت لقيته متجوز وفاطمة ملهاش وجود أصلا هنا... حاولت أوصل لـ اللواء راضي لكن ملهوش وجود.. مش عارفة أوصل ليه خالص، حاسة إني في دوامة مش عارفة أقوم منها علشان كدا قررت أظهر لكم من تاني يمكن تنقذوني من الدوامة دي ...
***
أنهى «أحمد» سرد ما حدث مع تلك الفتاة التي ذهب لإنقاذها فتحدث خاله مُعترضًا على ما قاله:
- أنت اتجننت يا أحمد علشان تعرض نفسك لخطر زي ده؟ أفرض كان حصلك حاجة ومكانتش عدت على خير؟
رفع «أحمد» كتفيه وقال بلا مبالاة:
- بس أنا بخير أهو وكويس وبعدين يا خالو واحد حياته فاضية زيي ما صدقت حاجة مختلفة أعملها يمكن يكون ليا دور في إني أنقذها علشان كدا جيتلك يا خالو لأني عارف إنك الوحيد اللي هتقدر تنقذها من اللي هي فيه
زفر «أيمن» بهدوء وربت على كتفه وهو يقول:
- حصل خير يا أحمد.. أنت هتفطر معانا النهاردة وبعد التراويح نقابلها ونفهم منها الدنيا وإن شاء الله نساعدها ونشوف مين جوزها ده
شعر «أحمد» بالسعادة وهتف بنبرة تحمل الرضا:
- ربنا يخليك لينا يا خالو
في تلك اللحظة ارتفع صوت «طيف» الذي قال بسعادة:
- منور بيتك يا ابن عمي
رفع «أحمد» أحد حاجبيه وهتف بتعجب:
- يابني ابن عمتك متلخبطناش بقى أنا ملصم العلاقات العائلية دي بالعافية
- ياعم متدقش المهم فيه صلة قرابة.. مقولتليش بقى أنت شغال ايه؟
ابتسم «أحمد» وأجاب عليه:
- كول سنتر في شركة جيجا بتاعة النت
رفع «طيف» حاجبيه وقال بإعجاب:
- واو حلو ده، طب ما تشوف شغلانة لابن خالتك معاك أحسن أنا زي ما أنت شايف هارد دماغي اتفرمط ومش فاكر طب ولا شرطة
ضحك «أحمد» بصوت مرتفع وردد:
- مسخرة يا طيف والله زي ما أنت.. تقريبا اللي فرمط هارد دماغك نسي يمسح ملف خفة الدم
رن هاتف «أيمن» وظهر اسم «رماح» على الشاشة فسارع بالرد قائلًا:
- أيوة يا رماح.. طمني عملت ايه؟
صمت «رماح» قليلا قبل أن يتنهد قائلا:
- هي يا سيادة اللواء... فاطمة عايشة
نهض «أيمن» من مكانه وتحرك وهو يقول بصدمة:
- ايه؟ أنت متأكد من اللي بتقوله يا رماح؟
على الجانب الآخر أغلق «رماح» عينيه وردد بنبرة تدل على مقدار الصدمة التي تلقاها:
- أيوة متأكد، شوفتها بعيني في الكاميرات بتاعة الشارع من كذا زاوية، أنا لغاية دلوقتي مصدوم ومش قادر أتمالك أعصابي.. أنا شوفتها بين ايدي بتطلع في الروح وبتموت ودلوقتي شايفها واقفة على رجليها من تاني
جاء رد «أيمن» في تلك اللحظة وفسر ما حدث قائلا:
- رماح.. توأم فاطمة كانت بتحضر دكتوراه برا مصر.. بنسبة كبيرة دي ريم أخت فاطمة لأن أنا وأنت عارفين ومتأكدين إن فاطمة ماتت وشوفنا ده بعنينا
في تلك اللحظة نهض «رماح» من مكانه وهتف على الفور:
- ريم.. إزاي مفكرتش في كدا، عندك حق يا فندم ممكن تكون فعلا ريم إزاي نسيت ريم السنين اللي عدت دي، بس ليه متقمصة دور فاطمة؟
جلس «أيمن» على المقعد القريب منه وهتف:
- هنعرف يا رماح.. كل سؤال ليه إجابة المهم دلوقتي نقابلها ونفهم منها
***
حاول «ذاخر» مهاتفتها مرارًا وتكرارًا لكنها كانت تتجاهل مكالمته لها فدلف إلى تطبيق واتساب وقام بإرسال رسالة مسجلة لها:
- "ممكن أعرف ليه مش بتردي عليا؟ معقولة كل اللي بينا هينتهي لمجرد إن أخوكي مش حابب وجودي في حياتك؟ ياريت يا رنة تردي عليا يا إما هجيلك البيت"
ضغط على زر الإرسال وألقى هاتفه أمامه وشرد بوجه يحمل الغضب والحزن في آن واحد إلى أن جاء الرد منها في رسالة. أسرع وفتح الشاشة ليرى ما قامت بإرساله ليجد:
ـ"متنساش إنك اللي اتغيرت من ناحيته من بعد اللي عمله رغم إنك عارف إن كل اللي حصل غصب عنه وإنه مر بظروف صعبة، أنت اعتبرته عدوك يا ذاخر وده مش صح وهو له حق ميقبلكش بعد اللي عملته وطول ما أنت معتبره عدوك سامحني مش هقدر أعيش معاك ودبلتك هبعتهالك"
شعر بالغضب أكثر وقام بتسجيل رسالة صوتية أخرى:
-"يعني أنتي هتستغني عني وعن حبنا علشان أخوكي؟ أنتي مدركة اللي بتعمليه يا رنة؟"
ما هي إلا لحظات وجاء الرد منها:
-"آه مدركة يا ذاخر، أخويا اللي مش عاجبك ده كل اللي حصله وكل العذاب اللي هو فيه علشاني أنا، خسر حياته لمجرد إنه فكر يدافع عني وعن شرفي وعن حياتي.. فـ آه يا ذاخر هختار أخويا ومش هختارك طالما أنت أناني بالشكل ده"
قرأ الرسالة ليتملك الغضب منه فنهض من مكانه وقام بتحطيم كل شيء أمامه قبل أن يجلس مجددًا وهو يقول بتوعد:
- ماشي يا طيف، أنا بقى هحرمك من حياتك زي ما حرمتني من رنة
***
تبقى على آذان المغرب عشرون دقيقة وبدأت التجهيزات في المنزل لتحضير سفرة الطعام وأثناء ذلك أمسك «طيف» هاتفه وهو يقول بنبرة تحمل القلق:
- نيران اتأخرت أوي
وقبل أن يهاتفها سمع صوت فتح الباب ودلفت إلى الداخل فنهض وتحرك صوبها وهو يقول:
- اتأخرتي كدا ليه؟
نظرت له لثوانٍ قبل أن تجيبه:
- معايا حد ظهرلك الفترة اللي فاتت وأنت مش فاكرها
عقد ما بين حاجبيه وقال بتعجب:
- فاطمة؟
حركت رأسها بالإيجاب وقالت:
- أيوة فاطمة.. ليه مقولتليش إنها ظهرتلك
وقبل أن يُجيب جاء «أيمن» من خلفه وقال:
- أنا اللي قولتله يا نيران لأنه مكانش فاكرها ومجرد ظهورها كان شيء خيالي ومش حقيقي بالنسبة لينا.. كلنا شوفنا هي حصلها ايه يعني استحالة تكون عايشة علشان كدا قولتله ميتكلمش في الموضوع لغاية ما نعرف الحقيقة
- وحضرتك عرفت الحقيقة؟
قالتها «نيران» لـ «أيمن» الذي أجابها قائلا:
- كلنا نسينا إن فاطمة ليها أخت توأم اسمها ريم بتحضر دراسات عليا برا مصر.. أكيد دي ريم
في تلك اللحظة دلفت «فاطمة» إلى الداخل وقالت بنبرة تحمل الهدوء:
- ريم هي اللي ماتت.. أنا فاطمة يا سيادة اللواء
