رواية قلبي تحت حراستك الفصل الرابع 4 بقلم هاجر عبدالحليم

 

 

رواية قلبي تحت حراستك الفصل الرابع بقلم هاجر 


قالت صوفيا وهي تحاول تهدئة نفسها، بينما كانت تشبك يديها بتوتر:
— غصب عني… لجأت لك.
رفع يامن عينيه إليها، والقلق واضح في ملامحه.
— وإنتِ كنتِ عايزة تتحملي المصيبة دي لوحدك؟
تنهدت صوفيا ببطء، وبدأت دموع خفيفة تلمع في عينيها.
— آه… عادي. على الأقل كنت هبقى مطمّنة… بدل ما أشوفك خاين.
مرر يامن يده في شعره بعصبية خفيفة، ثم ابتسم ابتسامة باهتة وقال بصوت هادئ، لكنه مليء بالألم:
— خاين؟ بلاش ترمي كلام كده وخلاص. لو كنتِ مكاني… كنتِ هتعرفي إني عملت الصح. لو كنت رفضت… الله أعلم، يمكن ماكنتيش هتكوني قدامي دلوقتي.
بتقطّعي فيا بالكلام… وأنا أخوكي، ومصلحتك تهمني قبل أي حاجة.
أخذت صوفيا نفسًا عميقًا، وكأنها تحاول كتم مشاعرها.
— يامن… بجد، من ساعة ما رجلي خطت القاهرة، أكتر حد وقف جنبي كان أنت.
رغم إننا ما شوفناش بعض قبل كده… ولا اتربّينا سوا… وكبرنا بعيد عن بعض، ومحدش فينا كان يعرف أصل التاني.
ولما جيت ولجأت لك… والدتك رفضت وجودي.
ومقدرش أزعل منها… أنا ست زيها، وفاهمة وجعها.
خفض يامن نظره قليلًا قبل أن يتكلم بنبرة حزينة:
— وليه تتحاسبي على كدب راجل؟
استغل والدتك… وكذب عليها، وما قالش الحقيقة إنه متجوز وعنده بيت وابن.
تنهد ثم أكمل:
— أمي دايمًا بترد غيبته بالخير.
ولما تتكلم عنه تقول إنها هي اللي فرضت نفسها عليه.
وكتير طلب منها الطلاق… لكنها كانت ترفض، لأنها كانت محتاجة حب.
لكن هو… ماكنش قادر يحبها مهما حاول.
ومع ذلك أصرت تكمل.
مدت صوفيا يدها ببطء ووضعتها في كف يامن، وصوتها يرتجف:
— أمي… والله ما عرفت إنه متجوز غير بعد ما حملت فيّ.
وساعتها الفأس وقعت في الرأس.
بس ما قدرتش تعيش في وهم… ولا تكمل في مشاعر مش حقيقية.
طلبت الطلاق… لكنه رفض، وخلاها تكمل معاه غصب.
حياتهم كانت كلها نفور ووجع… لحد ما مات.
توقفت لحظة، ثم نظرت إليه وسألته بصوت خافت:
— بس… ليه ساعدتني يا يامن؟
رفع يامن عينيه إليها وابتسم ابتسامة دافئة:
— عشان أختي يا صفاء.
إحنا إخوات دلوقتي… وإنتِ مالكيش حد غيري بعد ما أمك ماتت.
تنهد قليلًا ثم أكمل:
— عارف إن موت بابا ما أثرش فيكي كتير… لأنك كنتِ صغيرة.
وأمك عوضتك… كانت ليكي الأم والأب والصاحبة.
لكن قلبك فضل حاسس بالغربة…
وعشان كده فضلتي تدوري… لحد ما عرفتي مكاني.
ابتسمت صوفيا ابتسامة حزينة، والدموع تلمع في عينيها.
— ولما عرفت إنك في القاهرة… نزلت ودورت عليك… لحد ما لقيتك.
سكتت فجأة، ونظرت بعيدًا كأنها تهرب من أفكارها.
راقبها يامن لحظة، ثم قال بهدوء:
— لقيتيني غني… صح؟
تنهد قليلًا وأكمل:
— الفلوس دي أنا بنيتها بتعبي وشقايا.
أبونا كان بيدي فلوس لأمي عشان يعوضها…
لكن أنا قدرت أستثمرها وأكبرها.
حد غيري كان ممكن يضيعها… زي ما حصل مع والدتك.
ثم نظر إليها بجدية:
— بس الفلوس دي ليكي فيها زيي…
وطول ما أنا عايش… عمرك ما هتتحوجي لحد.
تأملت صوفيا وجهه بعينين مليئتين بالندم.
— كنت صغيرة وقتها يا يامن… عشر سنين بس.
أفهم إيه؟
يا ريتني كنت واعية أكتر… يمكن ما كانش ده حال أمي.
تنهدت وأكملت:
— هي اللي مسكت الفلوس… وضيعتهـا في مشروع ما كانتش فاهمة فيه.
وده كان سبب في تعبها… والمرض اللي أكل روحها.
اقترب يامن قليلًا، ووضع يده على رأسها بحنان.
— لما طلبتي مساعدتي… فتحت لك دراعي.
لأنك شرفي.
ثم قال:
— عرضت عليكي شغل في الشركات… لكنك أصريتِ تدخلي مجال الأزياء.
ومارضيتش أقف في طريقك.
صمت لحظة، ثم نظر إليها بتركيز شديد.
— بس قولي لي…
بقالك كام سنة هنا، وعمري ما سألتك عن ماضيك.
توقف قليلًا قبل أن يسأل:
— مين اللي بعتلك الورد؟
ثم أضاف وهو يثبت عينيه عليها:
— عايز أعرف حكايته… بالتفصيل.
في المقهى
كان المقهى الشعبي مزدحمًا كعادته في المساء.
اختلطت أصوات الشيشة بضحكات الرجال، وصوت الملاعق وهي تضرب أكواب الشاي.
على إحدى الطاولات في الركن، جلس سامح بثقة واضحة، يقلب بعض الأوراق النقدية بين أصابعه وكأنه يستمتع بالمشهد.
وقف أمامه بسيوني، وجهه متجهم وعيناه حمراوان من الغضب.
قال بصوت مكتوم:
— هات الفلوس.
رفع سامح عينيه إليه ببرود، واتكأ بظهره على الكرسي.
— استرجل شوية يا بني…
مش كل شوية تعيط زي العيال.
اللي مش قد المراهنات… ما يلعبهاش.
ابتسم بسخرية:
— الفلوس؟ راحت.
واللي يدخل الجيب… يبقى في علم الغيب.
قال بسيوني بعصبية:
— طب اديني حق المواصلات أروح.
ضحك سامح ساخرًا:
— يا حرام… هتبات في الشارع؟
ثم عد بعض النقود ومدها له.
— خد حق المواصلات…
بس نصيحة مني… ما تلعبش معايا تاني.
أخذ بسيوني النقود بصمت.
غادر سامح المقهى بهدوء… وكأن شيئًا لم يحدث.
ظل بسيوني واقفًا للحظات… ينظر للنقود في يده.
ثم تمتم بغل:
— هيريح الدنيا كلها من شرك يا سامح…
هقتلك… والله لأقتلك.
وكانت عيناه تلمعان بوعد مظلم.
في القصر
ارتفع صوت صوفيا وهي تحاول منع يامن من حمل السلاح:
— لا يا يامن!
ماقدرش أعيش من غيرك… إنت ضهري وسندي.
أنا ماليش غيرك!
وقف يامن، وعيناه مليئتان بالغضب المكبوت.
— بصي يا صفاء… أنا قدرت أمسك نفسي طول الوقت.
لكن دلوقتي لازم آخد موقف.
ثم قال بمرارة:
— لما بتخيل عمل فيكي إيه… وأنا ماكنتش موجود عشان أحميكي…
وأضاف بصوت مكسور:
— الله يسامحك يا أبويا…
أخذت صوفيا نفسًا عميقًا وقالت بعزم:
— أنا هعمل العملية… ومعايا فلوسها.
هسافر… وروحت لأكبر الدكاترة.
قالوا تصليح الرحم ممكن… حتى لو نسبة النجاح قليلة.
نظرت إليه بعينين مليئتين بالأمل.
— بس عندي أمل.
سألها يامن بقلق:
— طب ليه رجع؟
قالت بصوت مرتبك:
— مش عارفة… يمكن عايز فلوس.
ولو ده آخره… هديله اللي عايزه.
شد يامن كتفيها بحزم.
— متبقيش ضعيفة يا صوفيا.
لكن صوفيا أجهشت بالبكاء.
— أنا وثقت فيه…
وفكرته راجل يسترني…
بس هو عرّاني قدام نفسي والناس.
صمتت لحظة ثم همست:
— ضربني…
وسقطني ضحك عليا بعقد جواز مزور لحد م حملت قولت هيفرح بيه بس اتفجأت بضربه ليا فاكرة كويس منظري لما سمعت بخبر موت ابني اللي ملحقتش افرح بيه وفاكرة ريحة الدم اللي نزل مني واصوات الاقلمة اللي ختها وضربه ف بطني لحد م عملي تهتك ف الرحم منه لله بس تعرف ربنا مش بيعمل حاجة وحشة كنت هقول ل ابني اي؟ انه ابن حرام ابوه خاف يعترف بيه ل احسن مراته ولي نعمته تعرف وتعلقه من رجليه وترميه ف الشوارع انا خايفة منه اوي يايامن انا م صدقت نسيت دا كله.
احتضنها يامن بقوة.
— حقك هيرجع… والله هيرجع.
في مكتب أسر
كان أسر جالسًا على مكتبه، غارقًا في أفكاره، حين طرق الباب.
— يا باشا… يامن مستني برة.
نهض أسر بسرعة.
— دخله.
دخل يامن بخطوات ثابتة.
— أهلاً يا أسر باشا.
ابتسم أسر:
— أسر بس… احنا بقينا صحاب ولا اي؟
جلس يامن وقال بجدية:
— ليا الشرف انا جاي عشان اقولك انه صوفيا ف خطر وعارف كويس انها طلبت منك متكملش معاها. بس صدقني دا ضد رغبتي انا عايزك تكمل حمايتك ليها وواثق كويس انك هتعرف تفصل كويس بين شغلك هنا وهناك
تغيرت ملامح أسر فورًا.
— مين؟
— هي اللي هتقولك مش انا.
تنهد أسر.
— تمام… يلا بينا نروح انا كدا كدا مخلص شغل وكنت مروح لازم اتكلم معاها دلوقت
في القصر
— صوفيا: أسر؟
ارتجف صوتها.
قال يامن بهدوء:
— كان لازم أجيبه.
نظرت صوفيا إليه بغضب.
— ليه؟
ابتسم أسر ابتسامة خفيفة وقال:
— سيبينا لوحدنا شوية.
تردد يامن… ثم خرج أخيرًا.
جلس أسر مقابلها.
— بذمتك… مش أحلى وقت بتقضيه بيكون جنبي؟
نظرت له بحدة.
— بتحبني يا أسر؟
تجمد قليلًا.
— معجب… لسه بدري على كلمة بحبك.
قالت بصوت خافت:
— أنا في حد بيطاردني.
رفع حاجبه.
— وبعدين؟
— بعتلي ورد… وبيهددني إنه راجع ينتقم.
سألها ببرود:
— أذيتيه؟
همست:
— لا… هو اللي أذاني.
اقترب قليلًا، وصوته أصبح أخطر:
— أذاكي في إيه؟
ارتجفت…
— ضربني… وسقطني.
نهض أسر فجأة، وعيناه اشتعلتا بالغضب.
انتي كنتي متجوزة؟
صوفيا وهي تراجعت للخلف بخوف
لا مش متجوزة
شعرت بقوة غضبه… وكأن العاصفة بدأت الآن.
...
اندفع آسر نحوها فجأة، وأمسك ذراعها بقوة قبل أن يدفعها إلى الحائط خلفها.
اصطدم ظهرها بالجدار فخرجت منها آهة ألم مكتومة.
صوفيا وهي تتأوه:
— "آه… دراعي يا آسر… وجعتني."
كانت عيناه مشتعلة بالغضب، وصدره يعلو ويهبط بعنف.
قال بحدة:
— "ارغي."
نظرت إليه بتردد، والخوف واضح في عينيها.
صوفيا بصوت مرتجف:
— "هتسيء الظن بيا."
اقترب منها أكثر، ونبرته ما زالت قاسية:
— "لما أسمع… أبقى أحكم."
رمقته بنظرة متعبة وقالت بمرارة:
— "بتحاسبني كأني أخصك ليه؟"
في تلك اللحظة ضرب آسر الحائط بقبضته بقوة، فارتجف المكان حولهما.
قال بصوت خافت لكنه مخيف:
— "بصي يا صوفيا… أنا راجل دمي حامي. واللي ما أقبلوش على أهل بيتي، عمري ما أقبله على أي ست تانية."
ثم أشار بيده بعصبية قبل أن يكمل:
— "لو فضلتي تأوحي وتعاندي، هتخلي شيطاني يلعب في دماغي على الفاضي… ويخلق مليون سيناريو، كل واحد فيهم أسوأ من التاني."
اقترب خطوة أخرى، وعيناه مثبتتان في عينيها:
— "وده… مش في صالحك خالص."
ظل ينظر إليها لحظة طويلة، ثم تنهد فجأة وكأنه يحاول السيطرة على غضبه.
أمسك بيدها هذه المرة برفق، وجذب الكرسي ليجعلها تجلس عليه.
اتجه إلى الطاولة، سكب لها كوبًا من الماء، ثم وضعه في يدها.
قال بنبرة أخف قليلًا:
— "اشربي."
جلست صوفيا وهي ما تزال ترتجف، ويدها تهتز حول الكوب.
وقف أمامها، يحدق فيها بتركيز، ثم قال ببطء:
— "أنا مش قليل الأدب عشان أقول إنك خاطية… يمكن يكون واحد ضحك عليكي."
توقف لحظة، ثم أكمل بنبرة حازمة:
— "عشان كده هديكي فرصة."
اقترب قليلًا، وصوته أصبح أكثر جدية:
— "احكي الحكاية كلها… من الألف للياء."
ثم أضاف وهو يثبت نظره فيها:
— "ووعد من راجل… اللي عمل كده فيكي، مش هيطلع عليه الصبح غير وهو متشرف في الحبس."
عند تلك الكلمات، انكسرت صوفيا أخيرًا.
انهمرت دموعها، وارتجف صوتها وهي تحاول الكلام.
مسحت وجهها بيد مرتعشة، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
وببطء… بدأت تحكي.
..
كانت ليلة باردة أمام كوبري التحرير.
الأضواء الصفراء تنعكس على صفحة النيل، وصوت السيارات يمتزج بضحكات المارة وباعة الشارع.
وقف سامح بجوار عربة حمص الشام، ثم مد الكوب نحوها بابتسامة واسعة
— "اتفضلي يا برنسيسة صفصف."
ابتسمت صفاء بسعادة وهي تأخذ الكوب من يده.
— "الله يا سامح… تعرف إني بحب حمص الشام أوي."
ابتسم سامح وهو يراقبها وهي تأكل.
— "وأنا بحب أوي اللي بتاكله قدامي دلوقتي."
ضحكت بخفة وضربته على كتفه.
— "على طول كده… بكاش كلام."
هز رأسه مبتسمًا.
— "مش بكش يا بت… أنا بقولك اللي في قلبي ليكي."
رفعت حاجبها وهي تنظر إليه بتحدٍ خفيف.
صفاء:
— "يعني إنت بتاع كلام… ولا فعل؟"
اقترب منها قليلًا، ونظر في عينيها بثقة مصطنعة.
— "كده إنتي بتشميني. الراجل دايمًا بيتربط من كلامه… ومن أول ما عرفتك يا صفاء، وكل وعد وعدتهولك نفذته."
ثم أشار إلى قلبه.
— "بكل عين راضية… وقلب ما بيدقش غير لما يشوف ضحكتك."
احمرّ وجهها قليلًا من الخجل.
صفاء:
— "إيه ده… أخص عليّا. والله ما أقصد… أنا بهزر معاك."
ابتسم سامح ابتسامة خفيفة وهو يراقبها
— "نهايته… شكلك بيقول إنك عايزة حاجة."
ترددت لحظة، ثم قالت بصوت خافت:
— "مش هتتجوزني يا سامح؟ لحد إمتى هنفضل نتقابل في الخفا؟"
تغيرت ملامح سامح قليلًا، لكنه أخفى ذلك بسرعة.
— "إنتي عارفة ظروفي يا صفاء."
قالت بسرعة وكأنها تخشى أن يبتعد:
— "وأنا مش معترضة… بالعكس. أنا قابلة بيك حتى لو هناكل عيش ودقة… المهم يبقى في بيت يجمعنا."
ضحك سامح ضحكة خفيفة.
— "واضح إن الأفلام لحست دماغك."
ثم أشار بيده إلى الشارع المزدحم.
— "شوفي الدنيا مولعة إزاي… اللي معاه فلوس مش عارف يعيش. آخره اللي رايح واللي جاي يديله حسنة ولا صدقة."
هزت رأسها بعناد.
— "دي أرزاق… وكلها متقسمة."
اقترب منها قليلًا وقال بنبرة غامضة 
— "واللي ما يعرفش يمد إيده وياخد رزقه… بيروح لغيره يا صفاء."
نظرت إليه بحيرة
— "كل ده ما يهمنيش. أنا عايزة أعرف… اللي إحنا فيه ده آخره إيه؟"
صمت سامح لحظة وهو يحدق فيها.
ثم قال بهدوء:
— "تعرفي تثقي فيا؟"
ابتسمت فورًا.
— "ودي عايزة كلام؟"
قال وهو ينظر إليها بثبات
— "يبقى الصبر."
خفضت رأسها قليلًا وقالت باستسلام:
صفاء:
— "اللي تشوفه يا سامح."
ابتسمت له بصدق… وهي لا تعرف شيئًا عمّا يدور في داخله.
أما سامح…
فكان ينظر إليها بنظرة مختلفة تمامًا.
اختفت الابتسامة من وجهه للحظة، وظهر في عينيه بريق بارد.
قال في نفسه ساخرًا:
"يا عيني عليكي يا صفاء… طيبة أوي."
...
باك
مسحت صوفيا دموعها بطرف يدها، ثم أخذت نفسًا متقطعًا قبل أن تواصل حديثها. كان صوتها يرتجف، لكنها حاولت أن تجمع شتات نفسها.
صوفيا:
— "فضلنا على الحال ده سنين… كل ما أفتحله سيرة الجواز يتهرب مني."
توقفت لحظة وكأنها تستعيد تلك الأيام.
— "لحد ما في يوم نزلت أشتغل كوافيرة. إيدي كانت حلوة… وكل الستات اللي اشتغلتلهم، سواء بشرة أو شعر، بقوا يطلبوني بالاسم."
رفعت عينيها قليلًا ثم أكملت:
— "وبقيت أروح شقق ومناسبات… زبونة تجيب زبونة، والسمعة جابت رزق. واحدة ورا التانية لحد ما عرفت أجمع قرش."
خفضت رأسها بأسى.
— "وقتها… عينه طمعت في اللي في إيدي."
تنهدت بمرارة.
— "هنا بقى… كل صمته اتحول لزن. طول الوقت كلام عن الفلوس، وعن المستقبل… وفجأة بقى هو اللي بيطلب مني الجواز."
..
فلاش باك
كان المقهى هادئًا نسبيًا في تلك الليلة. ضوء خافت يتسلل من المصابيح المعلقة، وصوت الملاعق وهي تصطدم بالأكواب يملأ المكان. جلس سامح أمام صفاء وهو يبدو متضايقًا، يطرق الطاولة بأصابعه في ضيق.
سامح:
— "وبعدين في أمك دي بقى؟"
تنهدت صفاء بحيرة.
صفاء:
— "مش عارفة يا سامح… رافضة ليه؟"
مال سامح للأمام قليلًا، وقال بنبرة فيها ضيق متعمد:
سامح:
— "عشان تبعدنا عن بعض… مش عاجبها إنك عايزاني ومتمسكة بيا."
عضّت صفاء شفتها بتوتر.
صفاء:
— "خلاص… حاول معاها تاني عشان خاطري."
هز سامح رأسه رافضًا، ثم قال ببرود:
سامح:
— "لا يا صفاء. مش هطلب إيدك منها تاني."
نظر إليها نظرة حاسمة.
— "إنتي مش قاصر… وتقدري تقرري."
ارتبكت صفاء من كلامه.
صفاء:
— "بس أنا… مش هتجوز من وراها يا سامح."
ساد صمت قصير، ثم اعتدل سامح في جلسته وقال بنبرة باردة كأن الأمر لا يعنيه.
سامح:
— "يبقى مالناش نصيب في بعض يا بنت الناس."
ثم وقف من مكانه.
— "يلا… سلام."
استدار ومشى مبتعدًا بخطوات ثابتة.
لكن حين ابتعد قليلًا، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفية.
وقال في نفسه بسخرية:
"دلوقتي بس… هتيجي تجري ورايا."
كان يعرف جيدًا كيف يضغط على قلبها…
وكيف يجعلها تخاف من خسارته.
....
ف بيت صفاء
جلست صفاء أمام أمها، قلبها مليء بالحماس والرجاء:
— "أنا عايزاه يا ماما…"
تنهدت صباح،وعيناها مليئتان بخبرة الحياة:
— "يابنتي… مش كل اللي قلبك يريده يبقى صح ليكي. مش كل اللي يلمع ف عيونك يبقي دهب. تقدري تقولي دا مين نعرف عنه اي واحدة جالنا فجاه وعاش وسط ناسنا وحياته خافية عن الكل بس سمعته وحشة أوي ف الحارة، غريب عننا، يابنتي والله وحاسة إنه مخبي وراه مصيبة. مش هرميكي لواحد شبه دا… مش عشان بتحكم ف حياتك اوعي تحسبيها كدا…بس عشان حاسة باللي ممكن قلبك مش يشوفه."
أصرت صفاء، وعينها تتلألأ بالعاطفة:
— "بس أنا بحبه يا ماما…"
صباح ضغطت على كتفها بحنان وحزم في الوقت نفسه:
— "يا بنتي… الحب مش كله كلام حلو. أهم حاجة… يكون مع حد يقدر يعيشك مرتاحة، يمسح دموعك، يطبطب على قلبك، ميخليش حد يظلمك ولا يجرحك. الحب الحقيقي بيخليكي أحسن، مش يخليكي تعملي حاجات تندمي عليها. وكل دا مش فيه لو ختيه بتجيبي لحياتك الخراب"
تنهدت صفاء، وكأن قلبها يميل لكلام أمها:
— "سامح… بيعمل كل دا…"
صباح رفعت صوتها قليلًا، صارم وحاني معًا:
— "انا شوفت ستات كتير من الحارة اتكسرت قلوبهم، حبوا وطلعت حياتهم كدابة ومنهم انا بلاش الحقايق تكون واضحة قدامك وانتي بنفسك اللي تيجي وتحطي الغشاوة كان بتصطادي الوجع لنفسك . لو اتجوزتي الراجل هيدمرك… هيلعب بمشاعرك… واحساسي عمره م خاب."
صمتت صفاء قليلًا 
وخرجت من غرفه أمها ودخلت الي غرفتها، مسكت شنطتها، تبحث عن فلوس الجمعية… لم تجد شيئًا. صرخت بصوت مكتوم ودموعها تتساقط، محاولةً إخفاء كل شيء عن أمها.
وبيدٍ مرتجفة، حملت الهاتف، وراحت ترن على سامح:
— "الحقني… ياسامح!"
..
باك
— "هو اللي سرق فلوسك؟"
تنهدت صوفيا، ويدها ترتجف قليلاً، والدموع تلمع في عينيها:
— "أه… روحت له وأنا منهارة. فضل يطمني… وقاللي إنه هيرجع الفلوس دي، لأنه يعرف ناس تقيلة، وهيجيبوا الحرامي اللي سرقني… أقنعني إنه ممكن يكون اتاخد مني وأنا معاه ف الكافيه."
ارتفع صوت أسر قليلًا، وامتلأت كلماته بالحدة والدهاء:
— "طب… طبعًا ساومك وطلب منك الجواز مقابل إنه يرجع الفلوس… مش كده؟"
غمضت صوفيا عينيها للحظة، وكأنها تعيد مشهد الألم كله، ثم همست:
— "فعلا… اتجوزته… أو كنت فاكرة كده…"
...
فلاش باك – كتب الكتاب
جلست صوفيا على المقعد، قلبها يختلط فيه الفرح بالندم. كانت سعيدة لأنها أخيراً كتبت الكتاب، لكنها في نفس الوقت شعرت بثقل على صدرها لأنها فعلت كل شيء من ورا أمها. كانت تتمنى أن يكون لها فرح مثل كل البنات، تلبس الفستان الأبيض، ويكون أهلها حولها يفرحوا معاها ويشاركوا لحظتها السعيدة.
ضحكت بمرارة وقالت لنفسها:
— لو عملت فرح هيبان فيه وحدتي وبس…"
قدام الباب
سامح كان واقفاً مبتسماً بخبث، ينظر إليها بعينين ماكرتين:
— "تشكر يا بسيوني… بس صدق، شكلك ماذون قوي."
بسيوني، بخفة دم، رد:
— "ف الخدمة يا باشا… بس وقعت واقف يا ابن المحظوظة البت فرس جامح!"
ابتسم سامح بسخرية:
— "انت هتقر عليا ولا إيه؟ يومين هنتسلى فيهم وخلاص… هي مكنتش هتيجي غير ف الحلال منه."
بسيوني، بجدية:
— "هترجع لها فلوس الجمعية فعلاً."
سأل سامح، بابتسامة خبيثة:
— "تعرف عني كده؟"
رد بسيوني متمتماً:
— "الشهادة لله… تاكل مال النبي."
سامح، بنبرة حازمة:
— "المهم… عايزاك تعرفلي المعلمة فين دلوقتي."
بسيوني، يضحك:
— "يا عم… انت مش بتعرف تفرح أبداً."
قال سامح بخبث، وصوت فيه تهديد خفيف:
— "هفرح لو الموضوع خلص… وهي نايمة ف العسل… مش عايز مصالحي معاها تقف."
بسيوني، مبتسم:
— "سيبها عليا… بس ممكن أقولها لو متحاينتش وانت عارف المعلمة هتجنن لو عرفت انك اتجوزت عليها."
سامح، وهو يبعده:
— "ياباي عليك… خد فلوسك وامشي من هنا."
بسيوني، وهو يضحك ويهز رأسه:
— "هتصل بيك عشان أقولك صباحية مباركة… يا عريس يلا تصبح ع خير!"
...
باك
— "اتجوزته ست شهور…"
أسر، صوته محمّل بالغضب والألم، قلبه يتقطع:
— "ست شهور… ومفكرتيش تسألي عن القسيمة؟ 
صوفيا، تحاول تبرر نفسها وعيونها مليانة حزن:
— "سالته… أول جوازنا قالي هتطلع بعد أسبوع."
أسر، بنبرة صدمة وغيرة، كأن الدنيا ضاقت به:
— "ياسلام… وانتي صدقتي الكلام دا؟"
صوفيا تنهيدة ثقيلة، تحاول شرح نفسها:
— "وراني أيام… أول مرة أعيشها… نسيت نفسي."
أسر، صوته مليان ألم وغيرة ما تتوصفش:
— "يعني… كنتي مبسوطة وانتي معاه؟"
صوفيا بصت له بعينين فيها دموع وصدق:
— "كنت بحبه… طبيعي هكون مبسوطة."
أسر، قلبه بيتقلع من الداخل، صوته صار أشبه بالهمس القاسي:
— "كملي…

صفاء، وهي بتحاول تكتم دموعها، وصوتها بيتقطع:
— "جت عليا فترة تعبت فيها جامد… كنت بنام كتير… مش طايقة ريحة أي أكل… ترجيع طول اليوم… صداع… كسل… شكيت وروحت حللت."
أسر، عينه تتسع من الصدمة:
— "حامل؟"
صفاء، تنهيدة ثقيلة:
— "أه…"
أسر، صوته صار مليان قلق واندهاش:
— "وأمك كانت فين؟"
صفاء، بصوت خافت:
— "ماتت قبل ما تعرف… كان أسوأ يوم ف حياتي… ودعتها من غير ما أقولها عن جوازي منه… حسيت بكسرة كبيرة… بس سامح عرف يخرجني منها."
أسر، بسخرية مرة، عينه فيها ألم وغضب:
— "وكانت الفرحة مش سايعاه طبعا… لما عرف بحملك خدك بالحضن؟"
صفاء، وعيونها مليانة دموع وحزن لا يوصف:
— "أه… بس حضن الوداع… موتني… وضربني… وسقطني… وعملي تهتك ف الرحم… كل دا عشان مردتش أنزل البيبي…
..
فلاش باك
صفاء وقعت على الأرض بعد صفعة مدوية، ودموعها امتزجت بالدهشة والخوف. صوت سامح كان يملأ المكان بقسوة:
— "يعني إيه مش هتنزليه؟ هتنزليه غصب عنك… وعن كل أهلك!"
صفاء، متوترة ومصممة:
— "لو قطعتني… بردو هقولك لا!"
سامح، صارخاً:
— "ابنك دا ابن حرام!"
صفاء، بصوت مرتعش ودموع غزيرة:
— "انت كداااااب! فاهم كدااااااب!"
سامح، بغضب:
— "لا… مش كداب… انتي خاطية… فاهمة!"
صفاء حاولت ترد بضربة بالقلم، لكنه ردّ عليها بشدة اكبرة، شدّ شعرها وسقطت مرة أخرى على الأرض، كل لحظة ألم جديد يغزو جسدها.
 بشدة، وألم حاد اجتاح جسدها، شعرت بخدر ووجع عميق.
سامح، بنبرة حادة:
— "بتمدي إيدك عليا؟ اي الحقيقة وجعتك؟"
صفاء، مرتبكة:
— "حقيقة… اي… انت جوزي؟"
سامح، ببرود:
— "لا يا حبيبي… أنا مش جوزك… انتي متجوزتيش من أصله… وشرفك اتاخد بلوشي!"
صفاء، بالصراخ والبكاء:
— "اسكت… بقولك اسكت!"
وركعت أمامه محاولة التوسل:
— "أبوس إيدك ياسامح… بلاش تتهمني في شرفي… مش دا جزأتي إنه وثقت فيك!"
سامح، بنبرة قاسية:
— "لا… جزاتك عشان مكبرتيش أمك زمان… دا غلطك إنك مسمعتيش كلامها… ابنك ينزل… لأني مش هعترف بيه. أنا واحد مكتفي بمراته وعياله… ابتسطنا يومين وخلاص… انسيني!"
صفاء، بدموع حارقة:
— "أه… ياحقير… والله هشرب من دمك… المأذون دا كان اي؟"
سامح جرّها، لكنها حاولت تخنقه، فمسك يدها بقوة وقال:
— "أنا متجوز معلمة كبيرة… لو عرفت هتقتلني وتقتلك!"
صفاء، بارتباك وخوف:
— "من إمتى؟ وإزاي؟ وليه جيت حارتنا ليه؟"
سامح، ببرود:
— "ملكيش دعوة بكل دا… دلوقتي هنروح سوا… ننزل البيبي."
صفاء، بعنف ورفض:
— "مش هنزله والله… لاروح أفضحك عندها… ياسيد الرجالة… والله عيب!"
سامح، وهو يثبت قبضته:
— "مش هتعرفي توصليها… 
صفاء هوصلها وابني هعرف أحميه كويس."
صفاء سقطت على الأرض من جديد بعد أن ضربها برجله في بطنها، شعرت بألم حاد يخترق جسدها ويجعلها ترتجف ضرب راسها بعنف ودماؤها بدأت تنزف من رأسها وهنا فقدت القدرة ع الأدراك ورحبت بالموت واخر ما نطقت به
ابني
سامح، متفاجئ من منظرها، تراجع خطوة إلى الوراء، وارتجف قلبه للحظة من صدمة ما فعل.
...
باك
بدأت صوفيا تنزل على الأرض، ترتعش كطفل صغير محاط بالخوف، تصرخ بصوت مكتوم يملؤه الألم والذهول.
أسر وقف مذهولاً من منظرها، جسده ارتعش، وعيناه امتلأت بالدموع.
فتح يامن الباب، وجري نحوها:
— "صوفيا… صوفيا… أومي!"
صفحت صوفيا، تتوسل إليه:
— "خليه يبعد عني!"
يامن، بقلق ووجع:
— "هو مين؟"
صفحت صوفيا، بصوت متهدج:
— "سامح… خليه يبطل يضربني… ونبي!"
نظر يامن إلى أسر بوجع:
— "سامح مش هنا، ياصوفيا… افتحي عنيكي."
فتحت صوفيا عينيها، نظرت إلى أسر بنظرة طويلة، ثم غمضت عينيها مجدداً، وبدأت تستسلم للنوم، جسدها ما زال مرتجفاً.
حملها يامن برفق، صعد بها إلى غرفتها، غطاها، قبّل رأسها، وطفأ النور حولها.
عندما خرج، وجد أسر يقف على الشرفة، يدخن سيجارة، وعينه تراقب بقايا الفوضى حوله؛ كذا فازة مكسورة متناثرة على الأرض.
ابتسم يامن بحزن:
— "اتوجعت عليها…"
أجاب أسر بضيق ووجع:
— "أوي يا يامن… شافت كتير."
تابع يامن:
— "بعد الحادثة دي، فضلت شوية في المستشفى… الخير لسة في الناس… حد ابن حلال دفع لها فلوس المستشفى. ولما خرجت، والدتها كانت سايبلها ظرف فيه فلوس وعنواني. اتاري والدتها فضلت تدور لحد ما عرفت أنا فين وشغال إيه."
أضاف أسر، وقد بدا عليه النفخ من شدة القلق:
— "صفاء ما كذبتش الخبر… وجتلي القاهرة وطلبت مساعدتي… وانا فضلت جنبها لحد ما بقت صوفيا اللي قدامك دلوقتي."
نفخ اسر بوجع وضيق وقال:
— "أول ما تفوق… لازم تيجي القسم حالًا… انت وهي."
رد يامن:
— "حاضر… بس مش تقولي ناوي على إيه."
أجاب أسر بحدة:
— "هخليه عبرة لمن لا يعتبر… هجيبه… واحرق جتته… وأعلقه في أوسخ ميدان!"
ابتسم يامن بعزم:
— "وأنا معاك."

تعليقات