رواية حين يجبر العشق الفصل الرابع
هبط ضوء الشمس الباهت فوق دار العامرية الكبيرة،
لكن الدفء لم يدخلها...
كأنّ الدار العتيقة ما زالت تحتفظ بثقل ما حدث بالأمس بين جدرانها.
✦ في جناح سلطان ✦
فتحت حور عينيها ببطء.
لثوانٍ... لم تتذكر أين هي.
ثم عادت الليلة كاملة إلى رأسها دفعة واحدة...
دار العامريه .... المنديل.... سلطان وعيناه المشتعلتان وهو يقف أمامها كأنّه يحارب العالم كله.
تحركت ببطء فوجدت نفسها تنام فوق الفراش بمفردها ولازالت ترتدي فستان زفافها !!!
لا تعرف كيف ومتي غلبها النعاس....
رفعت رأسها تنظر حولها، الجناح صامت.
سلطان غير موجود، لكن آثاره كانت في كل مكان...
قميصه الأسود ملقى فوق المقعد باهمال ...
ورائحة عطره الثقيلة ما زالت تملأ المكان.
أما المنديل الأبيض...
فكان ملقى على الأرض قرب الفراش...
ملطخًا بالدماء.
ثبتت عيناها عليه طويلًا ،وعاد إليها مشهد البارحة...
حين مزّق كبرياءه قبل أن يمسّ كرامتها....
انقبض شيء خفي داخل صدرها... لكنها تماسكت
وتمتمت لنفسها بصوتٍ خافت، وكأنها تخشى حتى من اعترافها الداخلي:
يا ترى حبّك نجاة... ولا الغرقة اللي هتخلّيني ما أعرفش أرجع لنفسي تاني؟؟
ثم نهضت من فوق الفراش....
....................
✦ في الأسفل... ✦
داخل غرفة الطعام الكبيرة...
كانت نساء العامرية يجلسن في صمت مهيب.
وما إن دخلت حور...
حتى تحركت العيون نحوها دفعة واحدة.
عيون تراقب..وتقيّم... وتبحث عن أي انكسار.
لكن حور تقدمت بثبات.
ظهرها مستقيم... ورأسها مرفوع...
كأنها لم تبكِ ليلة أمس داخلها ألف مرة.
وفي صدر المكان...
جلست هانم العامري.
بعباءتها الداكنة... ونظرتها الحادة التي لا تخطئ شيئًا.
توقفت عيناها فوق حور لحظة طويلة...
ثم قالت ببرود : نموسيتك كحلي يا عروسه ، أخيرًا نزلتي.؟؟؟
ثم تابعت ساخره باستهزاء: اااه صحيح صباحيه مباركه ...
كتمت ماجده زوجه عامر ضحكتها بصعوبه ...
اقتربت حور بهدوء:
"صباح الخير."
لكن هانم لم ترد التحية....
جلست حور وتابعت بكيد : معلش يا حاجه عروسه بقي وكده وانهارده صباحيتي
ده انا حتي مردتش اقعد في اوضتي واخاليكم تطلعوا لي الفطار فوق ، قولت ما يصحش لازم انزل وافطر معاكم ....
رفعت هانم حاجبها بغيظ وما ان همت حور ان تجلس علي طاوله الطعام حتي اشارت هانم بعينيها نحو إحدى الخادمات:
"شيلي الفطار."
تجمدت الخادمة وهتفت باحراج : بس يا ست حاجه ؟؟
التفتت لها هانم بنظرة قاسية: سمعتي اللي قولته."
تحركت الخادمة فورًا تسحب الأطباق من أمام حور.
ساد الصمت...
وماجده زوجه عامر والخادمات يتابعن المشهد في توتر.
أما حور...
فلم يتغير وجهها.
رفعت عينيها نحو هانم مباشرة:واضح إن الكرم في دار العامرية ليه مفهوم مختلف...
رفعت هانم حاجبها: اللي يعيش هنا يتعلم الأول أصول الدار."
صمتت لحظة...
ثم أضافت ببطء متعمد: خصوصًا لو جاية من دار بينا وبينهم دم."
اشتدت الهمسات الخافتة حولهما.
لكن حور لم تنكسر.
ثم قالت بثبات:اللي داخلة دار كبيرة طبيعي تتعلم أصولها...
بس الكبير الحقيقي ما يهينش اللي على سفرتُه."
ساد الصمت فجأة.
حتى الخادمات توقفن مكانهن. وماجده اتسعت عينيها متفاجأة من رد حور ....
أما هانم...
فضاقت عيناها ببطء.
لأول مرة تشعر أن هذه الفتاة لا تشبه أي امرأة دخلت دار العامرية قبلها.
✦ في الخارج... ✦
خرج سلطان يتمشي حول أراضيهم، يحاول التفكير بهدوء في حياته التي انقلبت راساً علي عقب ومستقبله كرجل اعمال مهندس اصبح يسوده الغموض
وقف سلطان يحدق في أرض العامرية الممتدة أمامه بصمت ثقيل.
لكن الصمت لم يدم.
مر به أحد الرجال ملقياً عليه التحيه
"صباح الخير يا شيخ سلطان."
اشتدت ملامحه فورًا. شيخ سلطان.!!!!
الكلمة نفسها أصبحت تخنقه.
رد بجمود: صباح النور."
ثم مر آخر... ثم ثالث...
وكلهم بنفس النظرة الجديدة.
احترام...وترقب...وخوف.!!!
كأنهم لا يرونه...
بل يرون الكرسي الذي جلس عليه فجأة.
قبض سلطان على يده بقوة.
ثم استدار بعنف وغادر المكان كله.
.........................
✦ داخل مكتب صفوان ✦
دفع سلطان الباب بعصبية ودخل ملامحه تضج بالغضب....
كان صفوان يجلس بهدوء يحتسي قهوته.
رفع عينيه نحوه دون مفاجأة:صاحي بدري."
هدر سلطان بغضب مكبوت: إنت دفنتني بالحيا.
بترميني بايدك وسط النار....
أخذ صفوان رشفة هادئة: انا حميت ضهرك ...
ضحك سلطان بسخرية حادة:
"حميتني بإيه؟ بجوازة ما اترفضليش فيها رأي؟ ولا بمشيخة ما طلبتهاش؟"
وضع صفوان الفنجان ببط ،ثم رفع عينيه إليه بثبات:
"الشيخ ما بيتخلقش برضاه يا سلطان."
ساد الصمت لحظة.
ثم أردف بنبرة هادئة تخفي خلفها صلابة قاسية:
"الشيخ ما بيتولدش شيخ... الظروف هي اللي بتخلقه.
و المشيخة مش مقام... دي نار، يا تكسر صاحبها يا تخلّيه فوق الكل.
اشتعل الجنون بعين سلطان.
لكن قبل أن يرد...
انفتح الباب فجأة بعنف ودخل عامر.!!!!
كانت عيناه مشتعلة بطريقة أخافت حتى الخدم بالخارج.
نظر أولًا إلى سلطان... ثم إلى والده....
وقال بصوت متحشرج بالغضب: عايز أفهم... ليه هو؟"
ساد الصمت.
أما صفوان...فلم تتغير ملامحه.
وقال بهدوء: سبنا لوحدنا شويه يا سلطان."
نظر سلطان بينهما لحظة...
ثم خرج بصمت ثقيل.
وما إن أغلق الباب...
حتى اقترب عامر خطوة: عمري كله فاكر إني الكبير بعدك."
رد صفوان ببرود: وأنا عمري كله عارف إنك ما تنفعش."
تجمّد عامر موضعه بدهشه غاضبه !!!!
أما صفوان فاكمل : إنت تصلح تبقى دراع اخوك اليمين مش الكبير !!!!
اشتعلت عينا عامر بصدمة وغضب: علشان سلطان أحسن مني؟؟
هو مهندس ورجل اعمال وانا حياله معايا دبلوم!!!
رد صفوان بجمود قاتل:لا ....علشان سلطان لسه عنده قلب...وإنت لو مسكت العامرية هتاكل أخوك حي."
ضربت الجملة صدر عامر بعنف. حتى أنفاسه اختلت للحظة.
لكن صفوان لم يرحمه.
بل مال نحوه قليلًا وقال: وأنا شفت النار اللي في عينك من زمان...
بس كنت مستني أشوف هتطفي... ولا هتحرق الكل."
وقف عامر مكانه...
وعيناه تمتلئان بشيء أسوأ من الغضب.....
امتلأت بالحقد!!!!
.......................
✦ في الطابق العلوي... ✦
كانت حور تسير في الرواق الطويل حين مرت إحدى الخادمات بجانبها مسرعة.
هتفت تحادث احدي الخادمات: انزلي انتي تحت وانا هكمل مكانك ، الشيخ سلطان رجع شوفي لو عاوز حاجه ....
توقفت حور فجأة.
والتفتت اليها ببطء وسالتها باستغراب: شيخ؟"
ارتبكت الخادمة: ايوه ...
اقتربت حور خطوة وتسالت بدهشه: شيخ مين؟"
ابتلعت الخادمة رمقها : الشيخ سلطان...
كبير العامرية."
تجمّدت حور مكانها. كأن الكلمات لم تدخل عقلها فورًا.
ثم اتسعت عيناها ببطء...
سلطان؟؟؟ شيخ العامرية؟؟؟؟
وهي .... زوجه شيخ العامريه،!!!!
عاد إلى احداث الامس....
نظراته...صوته حين كان يتكلم وكأنه يحمل جبلًا فوق كتفيه.
انقبض صدرها فجأة.
لأول مرة... تفهم من هو الرجل الذي تزوجته حقًا.
ولأول مرة...
تشعر أن الحرب بينهما أخطر مما تخيلت....
هي لم تحارب زوج بل تحارب شيخ وهي زوجه الشيخ!!!!!
دفعت حور باب الجناح ببطء...
ودخلت بخطوات هادئة، لكن عقلها كان يعجّ بالأفكار.
"الشيخ سلطان... كبير العامرية."
الجملة ما زالت تدور داخل رأسها منذ سمعتها من الخادمة.
شعرت بوجوده من رائحه عطره القويه التي ملئت الجناح...
رفعت عينيها تبحث عنه...
فوجدته واقفًا عند الشرفة المفتوحة.
معطياً ظهره العريض المتشنج لها...
ويداه تستندان فوق السور الحجري.
كان ثابتًا...صامتاً ...
لكنها شعرت أن الثقل فوق كتفيه يكاد يسحقه.
اقتربت ببطء، حتي وقفت خلفه ومسافه بسيطه تفصل بينهما ....
ولأول مرة منذ عرفته...
لم تر فيه غرور العامرية...
بل رجلًا متعبًا.
قالت بهدوء: مخبي عني إنك بقيت شيخ العامرية؟"
لم يلتفت لها رغم انه شعر بوجودها منذ دخولها الجناح ....
ظل ينظر للخارج وهو يجيب بجمود: هتفرق معاكي يعني...
ضيّقت عينيها:يعني كنت ناوي أفضل آخر واحدة تعرف؟"
ضحك بسخرية قصيرة بلا روح: أنا نفسي عرفت امبارح ومعتقدش ان ده موضوع يهمك ...
ساد الصمت لحظة...
ثم استدار أخيرًا نحوها.
كانت ملامحه مرهقة بشكل واضح.
حتى عينيه...بدت وكأن النوم هجرهما منذ سنين لا ليلة واحدة.
قال بخشونة: لو جاية تباركيلي... وفري كلامك."
نظرت إليه طويلًا...
ثم قالت بهدوء مفاجئ: أنا جاية أقولك إنهم اختاروا صح."
تجمّد مكانه للحظة.
كأنّه لم يتوقع منها هذه الجملة أبدًا.
عقد حاجبيه: تقصدي إيه؟"
اقتربت خطوة.
ثم قالت بثبات:
"إنت متضايق من المشيخة... كأنها مصيبة."
رد بحدة: علشان هي فعلًا مصيبة."
رفعت عينيها إليه مباشرة: لا... المصيبة إن واحد غيرك كان يمسكها."
اشتدت نظراته نحوها.
أما هي فأكملت بهدوء: طالما اختاروك يبقي بيحبوك....واكيد شايفين انك الوحيد اللي تصلح للمشيخه...
ضحك بسخرية مريرة: قصدك بيكرهوني.،
هزّت رأسها ببطء: الشيخ مش لازم الناس تحبه يا سلطان...
بس لازم يحسوا إنه أقوى منهم."
سكت للحظة...
كأن كلامها أصابه في مكان لمسه أحد قبلاً.
ثم قال بصوت أخفض: إنتِ متعرفيش حاجة عن الحمل ده."
اقتربت أكثر...حتى أصبحت تقف أمامه مباشرة.
وقالت بثبات: لا عارفه .... انت ناسي اني بنت شيخ انا كمان ...
انا حاسه بيك وعارفه يعني إيه تتحط غصب في مكان غصب عنك ...
تلاقت أعينهما طويلًا.
ثم أكملت: الفرق بينك وبين أي حد تاني...
إنك لسه عندك ضمير."
ضحك بمرارة: ودي مشكلة الشيخ."
لا..." قالتها فورًا.
ثم تابعت وعيناها ثابتتان داخل عينيه:
"دي الحاجة الوحيدة اللي ممكن تخلي الناس تعيش تحت حكمك من غير ما تكره نفسها."
ساد الصمت...
لكن هذه المرة لم يكن متوترًا كالأمس.
كان شيئًا أهدأ... وأعمق.
نظر إليها سلطان طويلًا...
كأنه يراها بشكل مختلف لأول مرة.
ثم قال بصوت منخفض: إنتِ غريبة."
رفعت حاجبها: علشان بشجعك؟"
هز رأسه ببطء: علشان المفروض تكوني أكتر واحدة تتمني أشيل الحمل ده... مش تساعديني أشيله."
ابتسمت ابتسامة خافتة لأول مرة منذ دخلت الدار.
وقالت بهدوء: يمكن علشان... لو العامرية لازم يبقى ليها شيخ... فأنا أفضل يبقى إنت."
ثبتت عيناه عليها...
وشيء خفي تحرك داخله بعنف.
شيء لم يشعر به منذ زمن.
الراحة.
لكن كبرياءه منعه يُظهر ذلك.
فاكتفى وهو يشيح بنظره عنها:
"ما تتعوديش تقولي كلام يريحني يا حور."
ابتسمت بخفة:
"ليه؟"
نظر لها أخيرًا...
ثم قال بصوت منخفض أجش:
"علشان صوتك ممكن بيخليني أصدقك...
ودي مشكلة.
* ابتسمت بثقه وتابعت : هتصدقني يا سلطان...
ثم اقتربت منه اكثر ونظرت داخل عينيه بقوه :انت الشيخ سلطان .....
همس بصوت مشحون بالرفض: متقوليش كده انا مش الشيخ ومش عاوز المشيخه .....
تجرأت اكتر وكوبت وجهه بين يديها وتابعت تقر حقيقه تزرعها داخل عقله : لا انت الشيخ سلطان وانا حور مرات الشيخ سلطان كبير العامريه .....
.....................
✦ مساءاً داخل مجلس العامرية ✦
كان المجلس ممتلئًا برجال العامرية...
أصوات متداخلة... أحاديث عن الأراضي...
والصلح... وأخبار القبائل.
لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا الليلة...
مكان صفوان العامري.
لأول مرة منذ سنوات...
بدا متعبًا.
يجلس في صدر المجلس كعادته،
لكن ظهره لم يكن مستقيمًا كما اعتاد الرجال رؤيته.
بجانبه سلطان ....
فكان يراقبه بصمت وعيناه تتحركان نحوه بين الحين والآخر...
شيء ما لم يكن مطمئنًا.
تحدث أحد الرجال مخاطبًا صفوان:
لازم ناخد حكمك يا شيخ في موضوع أرض السواقي...
رفع صفوان رأسه ببطء،وتابع بصوت متعب : الشيخ سلطان هو اللي هيحكم ، هو شيخكم دلوقتي ...
ثم انقطع نفسه فجأة.
قبض علي صدره بعنف، واهتز جسده للحظة.
تجمّد المجلس بالكامل.
وقف الرجال دفعة واحدة وارتفع صوتهم بفزع: الشيخ صفوان!"
أما سلطان...
فكان أول من اندفع نحوه.
أمسكه قبل أن يسقط، وعيناه اتسعتا بخوف حقيقي لأول مرة:ابويا ..."
كان وجه صفوان شاحبًا بصورة أخافت الجميع.
رفع عينيه بصعوبة نحو ولده...
ولأول مرة... بدا الرجل الذي أرعب الجنوب كله... ضعيفًا.....ضعيفًا جدًا.
هتف سلطان بعنف: حد يجيب الدكتور حالًا!
تحرك الرجال بسرعة نحو سلطان الذي حمل والده وخرج به من المجلس الي دار العامريه ....
شهقت هانم بفزع وانتفضت من جلستها عندما وجدت سلطان والرجال يحملون جسد صفوان ،
هتفت بجزع :صفوان!
اقتربت منه بسرعة وسالت سلطان الذي كان يحمله بقوة بين ذراعيه.: مال ابوك يا سلطان؟؟؟
لم يجيبها بل هدر في عامر من خلفه : استعجل الدكتور بسرعه يا عامر ...
قال الطبيب بعد دقائق طويلة من الفحص:
الضغط عالي جدًا... والقلب تعبان من الإجهاد.
ثم نظر إلى صفوان بحزم:
ممنوع أي ضغط... ممنوع مجالس...
وممنوع انفعال.
ساد الصمت...
لكن الجميع فهم المعنى الحقيقي للجملة.
صفوان العامري...
خرج نهائياً من ساحة الحكم.
تحركت عين صفوان ببطء نحو سلطان...
ثم قال بصوت متعب لكنه واضح: من الليلة... كل حاجة ترجع للشيخ سلطان.
صمت الجميع ....
أما سلطان فاشتدت ملامحه فورًا: بلاش الكلام ده دلوقتي.
لكن صفوان رفع يده بصعوبة: اسمع الكلام يا ولدي...
العامرية في رقبتك دلوقتي.
ضغط سلطان علي فكه بقوة،
وكأن الكلمات نفسها حمل ثقيل يوضع فوق روحه.
بينما عامر...
كان واقفًا في الخلف. صامتًا.
لكن عينيه امتلأتا بشيء مظلم جداً
✦ بعد قليل... ✦
خرج الطبيب أخيرًا من غرف صفوان ...
فتقدمت هانم تساله بقلق: هيبقى كويس يا ضكتور؟؟؟
رد الطبيب بهدوء: مكدبش عليكم ، قلبه تعبان اوي وصوت نفسه مش عاجبني ...
لو ارتاح... أيوه.
لكن أي ضغط جديد خطر عليه.
وضعت هانم يدها فوق فمها تحاول كتم خوفها.
بينما وقف سلطان صامتًا...
كأن الكلمات لم تعد تصل إليه أصلًا.
اقترب منه عامر أخيرًا.
وقال بنبرة حاول إخفاء ما فيها من خبث: الحمل كبر عليك فجأة يا أخوي.
رفع سلطان عينيه إليه.
فأكمل عامر:ربنا يعينك... أصل المشيخة مش سهلة.
كانت الكلمات في ظاهرها طبيعيه ... لكن بداخلها كان يشبه الشماتة.
لاحظها سلطان فورًا. لكنه لم يرد.
أما عامر...
فاكتفى بنظرة طويلة نحو غرفة صفوان،
ثم رحل ببطء. وفي عينيه نار بدأت تكبر.
⸻
......................................................
روايه حين يجير العشق روايه بقلمي لولا نور ممنوع النقل والنشر والنسخ دون اذن ومن بفعل يعرض نفسه للمساءلة القانونية
.................................................
✦ في الطابق العلوي... ✦
كانت حور تجلس في جناحها بملل ، اقتربت من الشرفه حين سمعت اصوات عاليه في الاسفل ...
خرجت من جناحها ، فلاحظت حركه الدار المضطربة...
الخدم يركضون... والأصوات متوترة.
مرت احدي الخادمات بسرعة من امامها ،فأوقفتها حور:في إيه؟
ردت الخادمة بقلق:
الحج صفوان تعبان يا ست حور...
وكل الرجالة تحت.
انقبض قلبها رغمًا عنها.
ولأول مرة...
شعرت أن الدار كلها تهتز!!!!
ترددت حور للحظة قبل أن تهبط الدرج...
لكن القلق الذي انقبض حول قلبها دفعها للنزول رغم كل شيء.
كلما اقتربت من الأسفل، كانت تشعر أن الدار فقدت هيبتها المعتادة...
الخدم يتحركون بارتباك، والوجوه متجهمة، والهمسات تملأ المكان كأن مصيبة حلّت فوق رؤوس الجميع.
وحين وصلت أخيرًا إلى الصالة الكبيرة، رأت الرجال مجتمعين أمام جناح صفوان العامري، والتوتر ظاهر في كل حركة.
تقدمت بخطوات مترددة وهي تسأل بصوت خافت:
"الحج صفوان عامل إيه؟"
لكن قبل أن يجيبها أحد...
شقّ صوت هانم العامرية المكان ببرود قاسٍ:ايه اللي نزلك من فوق ، اطلعي وما تدخليش في اللي مالكيش فيه ...
التفتت حور فورًا...
كانت هانم تقف أعلى درجات السلم المقابل، بثوبها الأسود وهيبتها المخيفة، تنظر إليها نظرة جعلت جسدها يتصلب دون إرادة.
قالت حور بهدوء حاولت التمسك به:نزلت أطمن عليه."
ابتسمت هانم ابتسامة خالية من الرحمة، ثم نزلت درجة واحدة ببطء وقالت: تطمني؟
من ساعة ما خطت رجلك الدار دي... وخلاص ما بقاش في اطمئنان ...
انعقد حاجبا حور، بينما أكملت هانم بنبرة أعمق، أثقل:دار العامرية عمرها ما عرفت الضعف...
الرجالة فيها كانت تقع وتقوم، الا صفوان العامري عمره ما وقع ....
ثم ثبتت عينيها عليها باحتقار موجع:إلا بعد ما دخلتيه."
شعرت حور وكأن الكلمات صفعتها أمام الجميع، لكن هانم لم تتوقف...
بل اقتربت أكثر وهي تقول بصوت منخفض أرعبها أكثر من الصراخ: اصل النسوان اقدام زي ما بيقولوا وانتي قدمك علينا قدم الشوم...
ابتلعت حور ريقها بصعوبة، بينما تابعت هانم:وأنا من أول يوم شوفتك فيه...عرفت إن ورا عينيكي دي خراب كبير."
ارتجفت أنفاس حور رغم محاولتها الثبات:وانا مالي ..أنا معملتش حاجة."
ضحكت هانم بخفوت مرير: الخراب عمره ما بيستأذن قبل ما يدخل يا بنت الرفاعية."
ثم أشارت ناحية غرفة صفوان بعينين مشتعلة:
الراجل اللي محدش قدر يكسره سنين...
وقع بعد جواز ابنه منك بأيام."
ساد الصمت...
صمت ثقيل حتى الخدم خفضوا أبصارهم خوفًا من قسوة كلماتها.
أما حور... فشعرت للحظة أن الأرض تهتز تحت قدميها فعلًا.
لكنها رفعت رأسها أخيرًا وقالت بصوت قوي رغم اهتزاها وجرح كبرياءها امام الجميع : لو انتي شايفه تعب الحج صفوان بسبب جوازي من سلطان... فاسألي اللي فرض الجوازة قبل ما تلومي اللي اتفرضت عليه.
أنا ما دخلتش الدار دي بإرادتي... لكن مش معني كده اني هسمح لحد يقل مني او من احترامي لاني حور الرفاعي قبل ما اكون حور العامري مرات الشيخ سلطان العامري ......
ثم مرت من جانبها وصعدت الي جناحها براس مرفوع ... لكن بكرامه مجروحه....
✦ بعد ساعات... ✦
دخل سلطان الجناح أخيرًا.
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل.
فتح الباب ببطء...
ودخل بخطوات ثقيلة مرهقة.
فك ياقة قميصه بعصبية،
وعيناه متعبتان بصورة واضحة.
لكنه توقف فجأة عندما وجد حور جالسة تنتظره.
وأمامها...صينية طعام لم تُمس.
رفع حاجبه باستغراب:إيه ده؟؟
ردت بهدوء: العشا...
ضحك بسخرية مرهقة: مليش نفس.
ثم تحرك ليمر من جانبها،
لكن صوتها أوقفه:بس انت ما اكلتش حاجه من الصبح ..
توقف مكانه.
أما هي فتابعت بهدوء:انت طول النهار واقف علي رجلك.
استدار ينظر إليها طويلًا...
وكأنه غير معتاد أن يهتم به أحد.
قال بخشونة أخف من المعتاد:وإنتِ مالك؟؟
رفعت كتفها ببساطة:انت جوزي وده واجبي وبعدين
الشيخ لو وقع ... تقع وراه ناس كتير.
سكنت ملامحه للحظة.
الجملة أصابته في مكان عميق بشكل لم يتوقعه.
اقترب ببطء... ثم جلس أخيرًا أمامها بهدوء هو في امس الحاجه اليه ..
كانت حور تراقبه بصمت.
أما هو... فبدا متعبًا أكثر مما رأته من قبل.
مرر يده فوق وجهه بإرهاق: انا تعبااااااان ..
حاسس إن الحمل أكبر مني.
خرجت الجملة منه لأول مرة دون كبرياء.
رفعت حور عينيها إليه مباشرة: حاسه بيك ...
بس معلش انت قوي وقدها ... وكل حاجه في اولها بتبقي صعبه ....
ضحك بمرارة:إنتِ شايفاني قوي للدرجة دي؟
لمعت عينيها وأجابته بثبات:.فوق ما تتصور
نظر إليها متفاجئاً وتشابكت نظراتهم طويلاً وساد الصمت بينهما...
لكن هذه المرة،لم يكن صمت تحدي....
بل صمت شخصين...
يحاول كل منهما فهم الآخر للمرة الأولى.
قطع الصمت سلطان حين قال بصوت منخفض:إنتِ كل مرة بتفاجئيني أكتر.
ابتسمت بحلاوه : اي خدمه ...
نظر لها للحظة...
ثم خرجت منه ضحكة قصيرة حقيقية لأول مرة.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة...
شعر سلطان العامري...
أنه ليس وحده تمامًا
ثم سالها مره اخري: انتي عندك كام سنه؟
اجابته حور بشموخ: انا مش صغيره علي فكره انا عندي عشرين سنه ..
هز سلطان راسه مبتسماً : فعلاً مش صغيره بس انا بقي عجوز بالنسبه لك انا عندي اتنين وتلاتين سنه يعني انا كنت في اعدادي وانتي لسه في اللفه...
* ابتسمت حور فلمع خضار عينيها وتابعت بصدق:متقولش علي نفسك كده ، انت سيد الرجاله ولسه في عز شبابك .....
* اظلمت النظره في عينه وهمس بصوت اجش: انت عاوزه ايه يا حور ؟؟
* تجمدت نظراتها عليه ...
مررت عينيها علي كل انش في وجهه...
شعره الاسود الكثيف ، سمار بشرته...
هبطت عيناها نحو وجهه المتعب...
شفتيه المنفرجه قليلا يخرج منها انفاسه المعبقه برائحته المختلطه بعبق السجائر .//
ثم انحدرت نحو ياقة قميصه المفتوحة بعشوائية،
وعروقه البارزة من شدة الضغط
تفاحه ادم خاصته التي تتحرك قي حلقه من التوتر
تنفست ببطء... واغمضت عينيها لثواني ثم نهضت فجأة.
عقد سلطان حاجبيه باستغراب وهو يراها تقترب منه.
وقبل أن يسأل... أمسكت يده.
تجمّد مكانه متفاجئا ً....
أما هي...
فشدّته خلفها بهدوء نحو الطاولة الصغيرة.
وقالـت بجمود متعمّد تخفي به ارتباكها:اقعد علشان تاكل ....
ظل ينظر إلى يدها الممسكة به للحظة،
ثم إلى وجهها.
وكأنّه نسي الكلام.
تركت يده بسرعة فور انتباهها لنظراته،
ثم أشاحت بعينيها عنه وهي تعدّل الأطباق بتوتر خفي: ما تبصليش كده...اقعد يالا ...
لكن سلطان لم يتحرك فورًا.
كان ما يزال ينظر إليها بنفس النظرة الصامتة...
نظرة أربكتها أكثر مما أرادت الاعتراف.
جلس أخيرًا ببطء.
أما هي فدفعت الطبق نحوه: كُل قبل ما تقع من طولك."
رفع عينيه إليها وقال لأول مرة بصوت هادئ تمامًا:
ايه خايفه عليا؟؟
ارتبكت للحظة...
لحظة صغيرة جدًا...
لكنّه لاحظها.
فسارعت تقول بحدة خفيفة:ما تبقاش مغرور...
أنا بس مش ناقصة شيخ العامرية يغمى عليه في أوضتي."
خرجت منه ضحكة خافتة رغم تعبه.
بينما جلست هي مقابله أخيرًا...تراقبه وهو يأكل بصمت.
ولم تنتبه...
أن نظرتها إليه كانت أحنّ بكثير مما ينبغي
سالها عندما لاحظ نظراتها اليه: هتفضلي تبصي لي كده ومش هتاكلي.....
همست بتوتر من نظراته : هاكل اهو ... ثم بدات تاكل لقيمات صغيره تحت نظراته المتفحصه.....✦
أنهى طعامه بصمت...
ثم وقف دون كلام، واتجه مباشرة نحو الحمّام الداخلي.
أغلق الباب خلفه، واندفعت من الداخل أصوات الماء لفترة طويلة.
وحور جلست مكانها في الطرف الآخر من الغرفة، تحاول تجاهل التوتر الذي بدأ يتسلل بدون سبب واضح.
حتى الباب انفتح فجأة.
خرج سلطان وهو يلف منشفة حول خصره فقط، وقطرات الماء ما زالت على كتفيه وصدره العريض.
أما حور...
فانتفضت فورًا، وارتبكت عيناها قبل صوتها:
"إنت بتعمل إيه؟!"
رفع حاجبه ببطء، ونظر إليها بهدوء مستفز:واحد خارج من الحمام بعد نص الليل وفي اوضته هيعمل ايه يعني ، اكيد هنام....
اتسعت عيناها:بالشكل ده؟"
نظر لنفسه لثانية، ثم عاد إليها بنفس البرود:مالي شكلي مش عاجب الهانم ولا ايه؟؟
اشتعل وجهها غضبًا وارتباكًا:إظن انت مش لوحدك في الجناح!"
اقترب خطوة وهو يمسح قطرات الماء من شعره:
ومين قال إن ده يهمني؟"
تراجعت خطوة للخلف فورًا: إنت قليل الأدب؟"
ابتسم نصف ابتسامة باردة:أنا في جناحي ....ومراتي موجودة... يبقى قله الأدب فين بالظبط؟"
اتسعت عيناها أكثر: أنا مش مستعدة أتعامل مع جنانك ده!"
اقترب خطوة واحدة فقط، وصوته هادي ولكنه عابث:واضح بدليل انك مش قادرة ترفعي عينك عني؟"
اتسعت عيناها من وقاحته: إنت بتقول إيه؟!"
مال برأسه قليلًا: بقول إنك متوترة زيادة عن اللزوم... وأنا لسه ما عملتش حاجة.
ثم ضحك بخفة وهو يتوجه نحو غرفه الملابس ، غاب فيها لدقائق وخرج مرتدياً بنطالاً اسود فقط وظل عاري الصدر ......
ثم اقترب منها أكثر، فازدادت توترًا ورفعت يدها بسرعة: ابعد لو سمحت!!!
توقف أمامها مباشرة، ونظر لها طويلًا... ثم قال بصوت منخفض: إنتِ عامله مشكلة من حاجة طبيعيه علي فكره...
حاولت تهدأ من توترها : الطبيعي إنك تلبس قبل ما تطلع من الحمام وكمان مش ينفع تنام عريان بالشكل ده وانا معاك هنا....
مال برأسه قليلًا: دي مشكلتك مش مشكلتي انا ...
تجمدت مكانها بصدمه: أنا؟!"
اقترب أكثر خطوة صغيرة، ونظراته ثابتة: أيوه...
عاوزه تتأقلمي عليا وعلي طبعي بما اننا المفروض متجوزين وعايشين في مكان واحد مع بعض ، براحتك ، مش عاوزه ده شيء يرجع لك انا مش هغير طبعي علشان حد .
اتسع صدرها بتوتر واضح، لكنها تمالكت نفسها وعملت علي تغيير الموضوع: أنا عايزة أتكلم معاك بجد."
تراجع أخيرًا، وهو يراقبها: اتفضلي... سامعك..
جلس أمامها على طرف الفراش ثم اشعل سجاره ونفث دخانها في الهواء...
ساد صمت قصير...
ثم قالت حور، بصوت أكثر ثباتًا: أنا عايزة أكمل دراستي."
رفع نظراته اليها وثبتها عليها باهتمام: دراستك؟؟
فأكملت بسرعة قبل أن يرفض: ايوه ...أنا مش هقدر أعيش هنا من غير ما أكون ليا كيان... وعلي فكره ده كان شرطي علشان اوافق علي جوازي منك!!!!
ظل ينظر لها طويلًا...عرف انها ضحت من اجل عائلتها بزواجها منه وتريد الثمن الان...
اخذ نفس من سيجارته واكمل: أنا مش ضد دراستك علي فكره، ده حقك...
رفعت عينيها اله بسرعة وعدم تصديق: بجد؟"
هز رأسه ببطء : اكيد . بس زي ما كان ده شرطك علشان تتجوزيني، انا كمان ليا شرط علشان تكملي دراستك....
اتسعت عينيها بقلق وسالته: وإيه هو الشرط ده؟"
سحب نفسًا هادئًا من سيجارته، ثم قال دون تردد:
"إنك تكملي دراستك وانتي عارفه انك مراتي... مش وانتي مجبرة علي الجوازة دي."
عقدت حاجبيها بعدم فهم:يعني إيه؟"
اعتدل في جلسته وهو يثبت عينيه عليها:يعني محدش يسمع مني أو منك اي حاجه بتحصل في الجناح ده ...
قدام الناس... انتي مرات سلطان العامري، وليكي مكانتك واحترامك.
لا تكسري كلمتي، ولا تحرجيني قدام حد... وأنا هفتحلك باب الدراسة لآخره."
ظلت صامتة للحظات، تحاول فهمه...
فأكمل بهدوء: أنا مش الراجل اللي يمنع واحدة من تعليمها، خصوصًا لو عندها طموح.
بس برضه مش هقبل علي كرامتي إن مراتي تعيش في بيتي وهي رافضة اسمي....
نظرت له بحذر وهي تقول: وأنت هتلتزم بكلامك؟"
رد فورًا، بثقة ثابتة: ليكي كلمتي وكلمتي وعد ..
ساد الصمت بينهما للحظات...
ثم قال سلطان وهو ينهض من مكانه:اول ما الدراسه تبداً هتكوني مقدمه في الجامعه...
رفعت عينيها إليه بسرعة، وكأنها لم تتوقع أن يوافق بهذه السهولة، لكنه أكمل قبل أن تتكلم: بس خليكي فاهمة حاجة يا حور...
أنا ممكن أديكي حرية، دعم، وتعليم...
لكن اللي ياخد اسم العامري، لازم يعرف قيمته."
ثم تحرك ناحية الفراش وتمدد فوقه واعطاها ظهره وتابع : وعلى فكرة...كونك طلبتي الدراسة أول حاجة بعد الجواز... ده خلاني أحترمك أكتر.
تصبحي علي خير .....
ثم اغلق الضوء، واظلم الجناح الا من ضوء خفيف يتسلل من الخارج ، انعكس علي وجه حور التي ظلت مكانها تنظر الي جسده الضخم الممد علي الفراش بشرود ، وقلبها لأول مرة... لا يعرف هل يخاف منه، أم يعشقه اكثر ما يعشقه....
ثم تحركت نحو الاريكه الكبيره المقابله للفراش وتمددت عليها وعقلها وقلبها هناك علي الفراش مع سلطان العامري .....
.....................
