رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل التاسع والستون
الفصل التاسع والستون
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
ها هي الحياة تمضي بنا كما تشاء، تُخبّئ في طرقاتها ما لا نتوقّعه، وتمنحنا ما لا نطلبه، وتنتزع منا ما ظنناه باقياً. بين نبضات القلب وسكون الروح، تولد الحكايات... حكايات تبدأ بنظرة، تكبر بكلمة، وتزهر عشقاً يملأ الوجود دفئاً وحنيناً.
لكن العشق... ذلك الشعور الذي خُلق ليكون داءً ودواءً معًا، لا يمرّ بالقلب مرورًا عابرًا، بل يسكنه حتى يغيّر ملامح الروح. يمنحنا نورًا لم نعرفه من قبل، ثم يعرّفنا على عتمته حين يشتد التعلّق. يجعلنا نبتسم كأن الحياة خُلقت لأجل لحظة قرب، ثم يزرع في صدورنا وجعًا لا يُحتمل حين يبتعد من نحب.
وبين قربٍ يربك الروح وبُعدٍ يرهقها، نقف حائرين، نُخبئ في أعماقنا ألف حديث لا يُقال، ونكتفي بنظراتٍ تروي ما عجز عنه الكلام.
وكأن الله خلق العاشقين ليذوقوا الجنة والنار بالقلب نفسه... في الوقت نفسه.
وقف رجل الأمن أمامها بتوتُّرٍ واضح، يحاول أن يحافظ على هدوئه رغم الغضب المشتعل بعينيها.
_آسف يا فندم...معنديش أي معلومات عن اللي حضرتك بتقولي عليه.
رفعت ضي إصبعها نحوه بعصبية، وهتفت بنبرةٍ خرجت مرتجفة من شدِّة انفعالها:
_بقولَّك افتح الباب!
في تلك اللحظة وصل مالك، فأشار لرجل الأمن أن يبتعد بهدوء، ثم اقترب منها يتأمَّل وجهها المتوتِّر وأنفاسها المتلاحقة.
_فيه إيه يا ضي؟
كوَّرت قبضتها بقوة حتى ابيضَّت أصابعها..رفعت عينيها إليه، وداخلها نار لا تهدأ:
_عايزة أقابل البنت اللي جوَّه يا عمُّو مالك.
نظر إليها طويلًا، ثم أشار نحو سيارتها محاولًا تهدئتها:
_طب ما تيجي نقعد نشرب قهوة زي زمان...وتحكيلي بهدوء، إيه اللي إنتي عايزة تعرفيه منها؟
صمتت للحظات، تحاول أن تلتقط أنفاسها المختنقة، لكن كلَّما تذكَّرت ما حدث، شعرت بأنَّ الدم يغلي داخل عروقها، وكأنَّ قلبها يصرخ طالبًا الانتقام.
خرج صوتها مخنوقًا بالألم:
_لا...خلاص، مالوش لازمة، أنا عارفة إن حضرتك هترفض.
اقترب منها أكثر، وأردف بصوتٍ هادئ:
_ضي..لازم يبقى عندنا تحكُّم في انفعالاتنا، علشان منخسرش حقِّنا. طول ما الغضب متحكِّم فينا، عمرنا ما هنقدر ناخد قرار صح، أتمنَّى تكوني فاهمة قصدي.
التفتت إليه بسرعة، وعيناها امتلأتا بالقهر وهي تشير ناحية الداخل:
_دي كانت ناوية تموِّت يوسف!
ثم وضعت كفَّيها فوق صدرها وكأنَّ الألم عاد يعتصرها من جديد:
_وأنا...أنا كنت بموت يا عمُّو مالك، والكل فاكرها قرحة معدة، وهيَّ كانت بتخطَّط لكلِّ ده! عايزة أفهم...كانت عايزة تقتل يوسف ليه؟!
تنهَّد مالك ببط:
_يا ضي...ليه دي مش وقتها دلوقتي. أهمِّ حاجة إنِّنا نتصرَّف بعقل، وزي ما قلتلك، لازم تهدي..ارجعي البيت... وسيبي أبوكي وعمِّك يتصرَّفوا، علشان نعرف نجيب حقِّك وحقِّ يوسف من غير تهوُّر.
هزَّت رأسها بعناد، ودموع الغضب تلمع بعينيها:
_مش همشي من هنا...غير لمَّا أعرف حكاية البنت دي.
اشتدَّت نبرة مالك قليلًا، لكنها بقيت تحمل احتوائه المعتاد:
_ضي..أنا قلت إيه؟ فيه كبار بيتصرَّفوا، ومش كلِّ حق تنفع نجيبهه بالغضب.
ظلَّت تنظر إليه لثوانٍ طويلة، صدرها يعلو ويهبط بعنف.
ثم أخفضت عينيها أخيرًا، وسحبت نظراتها بعيدًا عنه، قبل أن تستدير ببطء وتتَّجه نحو سيارتها...
بداخل المنزل عند دارين
_متى ستصل إلى مصر؟.
استمعت إلى الطرف الآخر:
_قريبًا حبيبتي...أخبريني هل تمكَّنتي من الوصول إلى ذلك الرجل؟.
_لا...اليوم هاتفت يوسف، وطلبت منه التجوُّل قليلًا، كنت أريد أن أقول له عن زيارة أخته، ولكن لم يعطني فرصة، فقال أنَّه مريضًا ولم يخرج من المنزل.
_حقًّا...أم أنَّه يتلاعب، ألم تعلمي أنه ذئبٌ مكَّار.
_نعم...لكنَّه حقًّا لا يستطع التحرُّك، وزوجته الغبية لم تمت، علمت أن الطبيب لم يكتشف السمّ...الغبية لم ترتشف الكثير، وقامت بسكب الباقي.
_ولا يهمُّك عزيزتي، سآتي بعذرا معي، وأنتي تعلمين أنه لن يترك شيئًا دون أن يكمله، أريدك فقط الوصول لذلك الختيار، لابد أن نحصل على تلك الخريطة.
_كيف لي أن أذهب إلى منزله، ولم ألتقِ بأختِ جو
_دعيني أفكِّر ثم أخبرك...هيَّا سأغلق، موعد محاضرتي.
ألقت الهاتف، ثم أخرجت سجائرها، وجلست تضع ساقًا فوق الأخرى، وقامت بتشغيل الشاشة بعدما أوصلت به أسطوانة.
جلست تشاهد جميع من بمنزل الياس،صور التقطتها ...ذهبت ببصرها إلى علاقة ضي ويوسف.
قرَّبت الصورة تراقب نظراتهما بعناية، ثم تراجعت:
_نعم كما قال عاشقان، صبرًا أيَّتها الغبية ستندمين، لم تعلمي من هي إيڤا.
مرَّرت أناملها على صورة يوسف:
_إنَّك جذَّاب كثيرًا، ليتَ استمعت إلى عرضي، لما كنتَ فريستي المنتظرة، ولكنَّني لن أتنازل عنك.
نفثت رماد سجائرها وعيناها ما زالت تخترقه، تتذكَّر حين عرضت عليه المبيت عندها:
_جو...أريدك الليلة أن تنام معي.
توقَّفت أنفاسه للحظة، ثم التفت إليها ببطء، وعيناه اشتعلتا بنظرةٍ حادَّة أرعبتها رغم هدوء ملامحه:
_ماذا قلتِ؟
اقتربت منه بخطواتٍ ناعمة، تتلاعب بنظراتها بثقةٍ ظنَّت أنها ستربكه، ثم همست بدلال:
_ليس كما فهمت يا عزيزي جو...أنا فقط أريدك أن تسهر معي، كصديق..ألا ترى زملاءنا كيف يزرنَ بعضهن وينمن معًا؟
قبض على فكِّه بقوة، وكأنَّ كلماتها استفزَّت شيئًا عميقًا بداخله، ثم قال بصوتٍ منخفض لكنه مخيف من شدَّة حدَّته:
_وأنا لست هكذا ولا رجلًا بلا مبدأ حتى أتجاوز حدود الله بحجَّة المزاح أو الصداقة.
تراجعت خطوة أمام نبرته، لكنَّه أكمل وهو يشير إليها بإصبعه بصرامةٍ واضحة:
_استمعي إليَّ جيَّدًا يا دارين...أكثر ما أكرهه هو الإنسان الذي يعرف الخطأ ويحاول أن يزيِّنه وكأنه أمرٌ عادي..لا تتلاعبي معي، ولا تختبئي خلف كلمة تحضُّر أو حرية..أشار إليها بتحذير:
_ما تطلبيه اسمه زنا، سواء تقارب أم لا، فهو زنا، والإسلام لم يحرِّمه عبثًا، بل لأنَّ الله أراد لهذا القلب أن يبقى نقيًا، لا تلوِّثه العلاقات القذرة ولا الأجساد العابرة..أراد لنا حبًّا نظيفًا تحت سترٍ وميثاق، لا علاقاتٍ تبدأ بالشهوة وتنتهي بالندم.
ابتعد عنها خطوة، ثم قال بحدَّة قاطعة:
_ديننا دين طهارة وعفَّة، وليس دين شهوات عابرة..لذلك...ابتعدي عنِّي، ولا تضعي نفسك في مكانٍ يهينك قبل أن يهينني، أنتِ ومن حولك ترون الأمر حرية، أمَّا أنا فأراه انهيار قيم وأخلاق، ولا تمسُّ لي بأي صفة.. هذه حقارة وقبل ذلك فهي خيانة
صمت للحظة، ثم رمقها بنظرةٍ أخيرة باردة:
_وحاولي أن تفهمي..الرجل الحقيقي لا يفتخر بأنَّه يقترب من النساء، بل يفتخر بأنه يعرف كيف يحفظ نفسه وحدوده أمام الله..
ألم تقولي أنَّك نصرانية، ليس في دينكم ما يدلُّ على إهانة الروح..وشئ مشمئز مقرف
خرجت من شرودها وعادت بجسدها وعلى شفتيها ابتسامة:
_يبدو أنَّني وقعت بحبِّك أيَّها المسلم.
بمنزل إلياس...
كان يوسف يمارس تدريباته العلاجية بإصرارٍ مرهق، أنفاسه تتصاعد بصعوبة، والعرق يغطِّي جبينه، لكنَّه رغم الألم كان يدفع نفسه بقوة، وكأنه يحارب ضعفه بكلِّ ما تبقَّى داخله.
لقد قطع شوطًا كبيرًا...شوطًا لم يكن يظنُّ يومًا أنه قادر على تجاوزه.
أنهى تدريباته أخيرًا، ثم تحرَّك بخطواتٍ بطيئة نحو غرفته، ليقابله صوت والدته الحنون:
_عملتلك كوباية عصير...اشربها قبل ما تنام.
التفت إليها بابتسامةٍ خافتة متعبة:
_تسلم إيدك يا حبيبتي...هيَّ ضي لسه مرجعتش؟
_زمانها جاية، متخافش.
أومأ بصمت، ثم دلف إلى غرفته، وضع كوب العصير على الطاولة، وتحرَّك ينزع كنزته بتعب، قبل أن يتَّجه إلى غرفة الملابس.
فتح الخزانة يبحث عن ثيابٍ مريحة، لكن يده توقَّفت فجأة...وعيناه تعلَّقت بتلك البدلة.
بدلة الرقص.
تلك اللعينة التي سلبت عقله يوم ارتدتها.
سحبها ببطء، وابتسامة باهتة مرَّت فوق شفتيه، بينما راحت أنامله تمرُّ فوق القماش وكأنه يلمسها هي.
رفعها إلى أنفه يستنشق عبيرها، لتصفعه رائحتها بعنف...رائحة أنثاه التي ما زالت تسكنه رغم كلَّ شيء.
وأخذته ذاكرته قسرًا قبل ساعات
حين دلف خلفها وهي تحاول نزعها بتوتر، وما إن شعرت به حتى ارتجف جسدها بالكامل.
أمسك كفَّيها برفق يمنعها، فالتفتت إليه بعينينِ مرتبكتين، بينما نظراته كانت تلتهمها ببطء، نظرات تحفظها جيِّدًا...وتحفظ ضعفها أمامه أكثر.
اقترب يقول بصوتٍ أجشّ:
_وبعدين معاكي يا بنت عمِّي...عايزة توصلي لإيه؟
استدارت إليه بالكامل، تحاول التماسك رغم اضطراب أنفاسها:
_مش فاهمة قصدك يا يوسف؟.
اقترب خطوة، وعيناه تخترقانها بحدَّة موجعة:
_أنا خفِّيت يا ضي...يعني لو بتعملي كلِّ ده علشان تعبي، فأنا بقيت كويس.
تجعَّد ما بين حاجبيها بدهشة ممزوجة بالألم:
_نعم!! إيه اللي بتقوله ده؟!
إنتَ مفكَّر إني قاعدة معاك علشان تعبك؟!
تنهَّد بضيق، يختنق:
_ضي...بلاش تتعبيني أكتر من كده، قوليلي إنتي عايزة إيه؟ مش هنفضل عايشين بالشكل ده...الكلِّ فاكر إنِّنا زي أي زوجين طبيعيين.
ثم اقترب أكثر حين وجدها تهرب بعينيها منه:
_أنا مش هحققلك أحلامك يا بنت عمِّي، وكده كده هسافر زي ما قولت، وإنتي أخدتي حقِّك منِّي...اللي هو أصلًا ماليش ذنب فيه، كلُّه بسبب عمايلك.
رفعت رأسها إليه ببطء، وكأنَّ كلماته صفعتها:
_حقِّي؟!
ضحكت بمرارة موجوعة، قبل أن تقترب منه خطوة حتى اختلطت أنفاسهما:
_حقِّ إيه يا دكتور؟!
حقِّ السنة ونص اللي كنت بتسيبني فيهم كلِّ ليلة أنام ودموعي على خدِّي؟!
ولَّا حقّ كسرتي وأنا شايفة جوزي بيعاملني كأنِّي واحدة رخيصة...مش مراته اللي بتموت فيه؟!
ارتجف فكُّ يوسف بعنف، بينما أكملت هي بانهيارٍ مكبوت:
كانت تنظر إليه بعينينِ موجوعتين:
_تعرف إيه أصعب حاجة؟
إنِّي رغم كلِّ اللي عملته فيَّا..لسه قلبي بيدق لك، ولسه بخاف عليك أكتر من نفسي.
مدَّ يده إليها وارتجفت أنامله حين لامس جسدها وشعر وكأنَّ شيئًا داخله ينهار ببطء أمام وجعها..
همس باسمها بصوتٍ مختنق:
_ضي...
لكنها أغمضت عينيها بألم، ودموعها انسابت رغمًا عنها.
وضعت كفَّها فوق قلبها، وكأنَّها تحاول أن تمنع ذلك الألم من تمزيقها، ثم همست بصوتٍ مرتجف:
_حقِّ قلبي اللي كسرته...وبقى لا عارف يكرهك ولا قادر يبطَّل يحبَّك.
اقتربت أكثر...أكثر حتى باتت أنفاسها تضرب وجهه، وعيناها غارقتين بدموعٍ موجوعة:
_حقِّي لو عشت عمرك كلُّه تدفع تمنه مش هتعرف...عارف ليه؟
لأنِّي غبية...ومتخلِّفة...رغم كل اللي عملته فيَّا، مش قادرة أبعد عنَّك، كأنك محفور في دمِّي...
شهقت ببكاء، وأشارت إلى صدرها المرتجف:
_مش إنتَ دكتور قلب؟..طب داوي قلبي منك...خلِّيه يكرهك، خلِّيه يبطَّل يدق باسمك...قوله بطَّل يا غبي..بطَّل يحبَّك بالشكل ده.
انسابت دموعها بغزارة، لتراه فجأةً يسحبها بعنفٍ مشتاق، يسحقها بين ذراعيه.
دفنت وجهها بصدره، وذراعاها تحاوطان خصره وهي تبكي بصوتٍ مهزوم:
_أنا تعبت يا يوسف...تعبت أوي... اديني علاج يريَّحني.
أغمض عينيه بقهر، ولم يجد شيئًا يطفئ وجعها سوى أن يحتضن شفتيها بقبلةٍ طويلةٍ مرتجفة، قبلة حملت كلَّ اعتذاراته التي عجز عنها الكلام، وكلَّ شوقه الذي حاربه طويلًا.
ابتعد بصعوبة، وأسند جبينه فوق جبينها، بينما كفَّاه يحتضنان وجهها يمسح دموعها بحنانٍ موجوع:
_آسف...والله عمري ما فكَّرت أوجعك بالشكل ده.
ضحكت وسط بكائها، ضحكة كسيرة مزَّقتها الدموع:
_بس وجعتني...وكسرتني يا يوسف...
مش كفاية بقى؟
أنا عايزة أعيش...عايزة حبيبي اللي حبِّيته من غير خوف.
ارتبكت أنفاسه، وتراجع نصف خطوة وهو يهمس بصوتٍ خافت:
_أنا خايف عليكي...ومنِّك يا ضي.
رمقته بألمٍ حاد:
_يبقى محبتنيش..
ليه دايمًا بتاخد قراراتك لوحدك، إيه اللي مخوِّفك منِّي؟
مش يمكن كلِّ اللي في دماغك أوهام؟
أنا مستحيل أبعد عنك يا يوسف... مستحيل.
أشاح بعينيه يتنفَّس ببطء، وكلماتها تعصف برأسه، بينما خوفه ينهشه من الداخل...
كيف يخبرها الحقيقة ويكسر رجولته أمامها؟.
حاول الهروب من الحديث، فوقعت عيناه على جسدها الملفوف بتلك البدلة.
عاد يقترب منها ببطء، ومرَّر أنامله فوق عنقها المكشوف، بينما عيناه تتجوَّلان فوق تفاصيلها بغيرةٍ واضحة:
_ينفع ترقصي بالشكل ده قدَّامهم،
إزاي هان عليكي جسمك يبان كده؟
فهمت فورًا أنه يهرب..يهرب من الاعتراف الذي يخشاه، لكنها لم تعلِّق.
كلُّ ما شعرت به هو قربه...أنفاسه الساخنة التي بعثرت قلبها.
همس قرب شفتيها:
_أنا كمان مش قادر أبعد عنِّك.
هنا لم تعد تسمع شيئًا..شعرت بأنَّ نبضاتها ستقفز من صدرها...اشتاقت إليه حدَّ الوجع..حدَّ الجنون.
انحنى فجأةً يطبع قبلةً طويلة فوق عنقها، فأغمضت عينيها باستسلام، وتمنَّت لو يتوقَّف الزمن هنا...لم يبقَ ألم..
رفع رأسه ينظر لعينيها المغلقتين بعشقٍ هزم كبريائه أخيرًا، ثم جذبها إلى صدره بقوة.
ولأوَّل مرة منذ فترة تعانقه دون خوف أو نفور منه عمَّا فعله بها...
قبلة أخرى فوق جبينها وهو يهمس بحبِّه المكنون، فشدَّدت احتضانه أكثر، متناسيةً كلَّ شيء، لا تريد سوى البقاء داخل دفء أنفاسه.
ابتسم بحنان وهو يهمس:
_ضي...ساكتة ليه؟
فتحت عينيها ببطء، وقالت بصوتٍ موجوع:
_خايفة أتكلِّم فأجرحك وأجرح نفسي،
كلِّ اللي حاساه إنِّي تعبت من كل حاجة يا يوسف.
على قدِّ ما نفسي أفضل في حضنك... على قدِّ ما خايفة يكون حضنك ده كلُّه شوك.
مرَّر أنامله على ذراعها العاري، بينما عيناه تحترقان بما تكشفه تلك القطعة الصغيرة:
_بالعكس...مش هتلاقي في حضني غير الأمان.
صمت لحظة يحدِّق بها، ثم قال بهدوء:
_عايز أسألك سؤال...وتجاوبيني بصراحة.
ابتسمت رغم دموعها:
_ومن إمتى وأنا مش صريحة معاك؟
رفع ذقنها يتأمَّل عينيها بعمق:
_ليه قولتي لرولا إنك مش عايزة أطفال، وإنك عايزة تكمِّلي ماجستير ودكتوراه؟
ارتجف قلبها للحظة، ثم رفعت ذراعيها تعانقه أكثر، وهمست بهدوء رغم خوفها:
_مدام إنتَ مش عايز...خلاص، أنا كمان مبقتش عايزة.
ولا حتى بفكَّر في الموضوع، أنا عايزاك إنتَ.
حاول إخفاء تلك السعادة التي لمعت بعينيه، لكنَّها رأتها...وشعرت أنَّ قلبها يذوب أكثر لهذا الرجل الذي تعشقه بجنون.
اقتربت تطبع قبلةً خفيفةً فوق شفتيه وهمست:
_أنا بحبَّك أوي...وصدَّقني، موضوع الأطفال مبقاش فارق معايا.
أهمِّ حاجة عندي...أكون جوَّا حضنك.
ارتفع نبضه بعنف، وجذبها لصدره بقوة وكأنه يخشى أن تختفي:
_ضي...إنتي مش مجرَّد بنت عمِّي ولا مراتي..إنتي نبض قلبي.
احتوى وجهها بين كفَّيه، وعيناه ممتلئتان بندمٍ حقيقي:
_آسف على كلِّ اللي حصل...حاولت أبعد، بس مقدرتش.
نفسي أسعدك...وأحققلك كل اللي بتتمنِّيه، بس مش عارف أعمل ده إزاي.
ابتسمت وسط دموعها، ثم قبَّلته برقَّة وهي تهمس:
_إنتَ سعادتي أصلًا...حياتي وحبيبي.
ضحك بخفَّة أخيرًا وهو يضمُّها أكثر:
_نفسي أشيلك دلوقتي وألفِّ بيكي الأوضة كلَّها.
لكزته بخوفٍ مصطنع:
_عشان أموِّتك بقى؟!
أنا ما صدَّقت إنَّك بقيت أحسن شوية...كمِّل علاجك الأوَّل علشان ترجع أحسن من الأول.
ابتسم بعشق وهو يلامس أنفها بخفَّة:
_لأ...هكمِّل علاجي علشان مراتي اللي بعشقها.
لمست وجنته بحنان وهمست:
_وأنا كمان بعشقك.
أشار إلى بدلة الرقص بمكر:
_طيب...مفيش رقصة من اللي كنتي بتعمليها يا زهر؟
ضحكت بخجل وهي تدفن وجهها بصدره:
_خفِّ الأوَّل...وبعدها أبقى أعملَّك اللي إنتَ عايزه.
لكن فجأة تذكَّرت شيئًا، فابتعدت تنظر إليه بشك:
_على فكرة...إنتَ كنت بتعمل إيه عند الزفتة دارين؟!
رفع حاجبيه بدهشة:
_مين قالِّك؟!
شهقت بغيظ:
_نعم! يعني فعلًا كنت عندها ومش عايزني أعرف؟!
ومن إمتى وانتَ بتكلِّم بنات؟!
إيه القعدة مع الأجانب دي نسِّيتك دينك يا محترم؟!
اتَّسعت عيناه بصدمة:
_إيه اللي بتقوليه دا، اتجنِّنتي.
_نعم...طيب ما تفهِّمني يا محترم، إزاي واحدة متخلِّفة زي دي تكلِّمها، ولَّا إزاي سمحت لنفسك تقعد مع متبرِّجة، ولَّا كشف جسمها عجبك وحاجة جديدة عليك؟.
_ضغط على ذراعيها بقوَّة:
_من حقِّك تغيري، لكن إنِّك تتجاوزي حدودك، فدا مستحيل أقبله، ودلوقتي امشي من قدَّامي.
_طيب سيب إيدي، إنتَ بتوجعني.
قالتها بدموع...فتراجع ينظر لذراعها الذي ترك أثرًا عليه من وراء مسكته.
استدارت تواليه ظهرها، ظلَّ ينظر إليها لبرهة ثم تحرَّك للخارج، اتَّجهت إلى خزانتها وبدَّلت ثيابها مغادرةً الغرفة بأكملها، بينما خرج هو لشرفته ينفث رماد سجائره يتذكَّر حقيقة نتيجة التحاليل التي أخفاها والده، وبعد حديثه مع مالك عن دارين ووقوع مالك ببعض الكلمات، التقط منه ما جعله يشكُّ بأمرها، خرج من شروده على إغلاق باب الغرفة، علم بخروجها غاضبةً منه، ظلَّ ينتفَّس بهدوءٍ لبعض اللحظات ثم هبط خلفها، يسأل والدته عنها.
ولكنَّها غير موجودة، فذهب إلى تدريباته الريَّاضية وتركها بعض الوقت.
بينما هي ذهبت إلى دارين بعدما استمعت إلى حديث إلياس وأرسلان، ولكنَّها عادت دون أن تفعل شيئًا
🔥🔥🔥
بمنزل بلال قبل ساعات...
وصل إلى المنزل يبحث عنها بعينينِ مشتعلة بالغيرة، بعدما رأى رقصها،هتف وصوته يملأ المكان:
_إنتي فين يا زهر؟ اطلعيلي برَّة يلا!
بالداخل، أغلقت الباب سريعًا وأسندت ظهرها إليه، تضحك بقوة وهي تحاول كتم أنفاسها:
_بلال عيب بقى! أنا أصلًا ما رقصت، دي أختك اللي كانت بترقص.
اقترب من الباب يضربه بكفِّه بخفَّة:
_اطلعي يا بت...هعلَّقك! رايحة ترقصي في بيوت الناس يا محترمة؟! طيب ما جوزك أولى.
ارتفعت ضحكاتها أكثر، حتى احمرَّ وجهها:
_بس بقى...بقولَّك ما رقصتش!
دفع الباب لتبتعد سريعًا، وتقف فوق الفراش هاربةً منه، تشير له بتحذير وسط ضحكاتها:
_متبقاش مجنون...أنا حامل.
رفع حاجبه وهو يقترب بخطواتٍ بطيئة، وعيناه تلتهمان ملامحها بعشقٍ واضح:
_بقى بترقصي للغريب وجوزك موجود؟
أشارت لنفسها بصدمةٍ مصطنعة:
_يا بني أنا أصلًا معرفش أرقص!
ضحك بسخرية وهو يرفع تلك القماشة اللامعة التي اشترتها:
_آه...وأنا الأهبل اللي هصدَّقك، أومال شرياهم ليه؟
عضَّت شفتيها بخبثٍ طفولي:
_علشان لمَّا أتعلَّم.
توقَّفت خطواته، ثم ابتسم ابتسامة خطيرة جعلتها تبتلع ريقها..
_بس كدا؟ خلاص..وأنا هعلِّمك بنفسي.
ثم أضاف وهو يحرِّك كتفيه بعبث:
_مش بيقولوا هزَّة يمين وهزَّة شمال؟
ضربت كفَّيها ببعض ووقعت تضحك بقوة، تتراجع للخلف فوق السرير، بينما هو يقترب أكثر ممسكًا القماشة:
_هتلبسيها يا رولا.
شهقت وهي تشير إلى بطنها:
_يا ابني أنا حامل! كدا هسقط.
اقترب منها أكثر وهمس عند أذنها بمشاكسة:
_وأنا هشقطه.
وقعت فوق الفراش تضحك بعفوية، ضحكة جعلت قلبه يرقص بالعشق.
جلس على طرف السرير يتأمَّلها طويلًا، ثم مدَّ يده ينزع حجابها برفق، لتنساب خصلاتها حول وجهها.
انحنى عليها ببطء، يدفن وجهه بعنقها يستنشق رائحتها، ثم همس بصوتٍ ممتلئ حبًّا:
_عايزك تفضلي تضحكي كدا على طول يا روليتا...بحبِّك وبحبِّ كل حاجة فيكي.
التفَّت ذراعاها حول عنقه، ونظرت داخل عينيه بحبٍّ صادق يفيض منهما:
_وأنا كمان بحبَّك أوي يا بلال.
ثم وضعت كفَّيها فوق بطنها الصغيرة بحنان، وقالت بصوتٍ مرتجفٍ من فرط السعادة:
_أنا مبسوطة أوي علشان هيجيلنا بيبي.
رفعت عينيها إليه:
_إنتَ كمان مبسوط، صح؟
تغيَّرت نظراته للحظة، ومرَّر أنامله فوق بطنها بحنانٍ بالغ، وكأنه يلمس قطعةً من قلبه:
_طبعًا...هوَّ فيه أحلى من كدا يا روحي؟
ظلَّت تتأمَّله بصمت، ثم اعتدلت قليلًا وقالت بهدوء:
_أومال ليه حاسة إنَّك مش سعيد؟
انعقد حاجباه بدهشةٍ خفيفة:
_ليه بتقولي كدا؟!
عقدت ذراعيها وهي تضيِّق عينيها نحوه بعتاب:
_علشان طلبت نعمل حفلة بالمناسبة دي، وحضرتك رفضت.
تنهَّد ببطء، ثم اقترب يطبع قبلة طويلة بجوار شفتيها:
_حبيبتي..لمَّا تولدي نبقى نعمل أكبر حفلة في الدنيا، بس دلوقتي بلاش مجهود.
ظلَّ ينظر إليها للحظات ثم نهض قائلًا:
_هروح المستشفى كام ساعة وأرجع... تكوني ارتحتي شوية، علشان نسهر سوا.
ابتسمت له بحب وهزَّت رأسها:
_خلِّي بالك من نفسك..ومتتأخَّرش عليَّا.
اقترب منها مجدًّدًا، طبع قبلة حنونة فوق رأسها، ثم غادر الغرفة ببطء.
مضت ساعات، إلى أن أتى الليل..
كانت مستلقية فوق الفراش، تضمُّ الغطاء حول جسدها بإرهاق.
دلفت والدتها تحمل صينية الطعام، وما إن وقعت عيناها على وجه ابنتها الشاحب حتى شعرت بوخزة داخل صدرها:
_حبيبتي...عملتلك شوربة سخنة، اتعدلي كدا وكلي لقمتين، مينفعش تفضلي من غير أكل للوقت دا كلُّه.
أدارت رولا وجهها للجهة الأخرى تتمتم بصوتٍ خافت:
_مالييش نفس يا ماما...
تنهَّدت رحيل بحنان، وجلست جوارها تمسِّد على خصلاتها الطويلة برفقٍ أموميّ:
_لا يا حبيبتي، علشان البيبي..لازم تتغذِّي.
ثم عقدت حاجبيها قليلًا وهي تضيف بعتابٍ خائف:
_وبعدين مين المجنونة اللي ترقص وهيَّ في أوَّل حملها كدا؟ إنتي وقَّعتي قلبي لمَّا اتَّصلتي وقولتي إنِّك تعبتي.
ابتسمت رولا بخفَّة، ابتسامة مرهقة بالكاد ظهرت فوق شفتيها:
_حبِّينا نغيَّر مود شوية بس...والله كانت ساعة حلوة.
تأمَّلتها رحيل طويلًا، ثم أطعمتها بيديها كما لو أنها مازالت طفلتها الصغيرة، ثمَّ ناولتها كوب العصير:
_اشربي دا كمان.
ضحكت رولا بخفوت:
_حرام عليكي يا ماما...بطني خلاص مبقتش مستحملة.
ربتت رحيل فوق كتفها بحنان:
_علشان تنامي مرتاحة بس.
شربته على مهل، بينما والدتها تراقبها بصمت، ثم انحنت تطبع قبلةً طويلة فوق جبينها:
_ارتاحي يا قلبي...هشوف الشغَّالة وراجعة لك.
أومأت لها رولا بهدوء، وما إن خرجت حتى تناولت هاتفها:
_حبيبي...اتأخَّرت ليه؟
جاءها صوته مرهقًا من الطرف الآخر:
_آسف يا روليتا...قدَّامي ساعتين كمان..لو تعبانة روحي عند باباكي أو خدي ماما تنام جنبك.
أغمضت عينيها وهي تستمع لصوته:
_لا...هنام لمَّا تيجي.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال بصوتٍ منخفض مليء بالعشق:
_طيب زعلانة؟.
ابتسمت رغم الألم:
_لا حبيبي.
تنهَّد بعمق، يريد العودة إليها في تلك اللحظة قبل أي شيء، فقال:
_أوَّل ما أخلص هاجي أجري علشان آخدك في حضني وأنام.
أغلقت الهاتف ببطء، ثم ضمَّته إلى صدرها، وابتسامة صغيرة تزيِّن وجهها...
لكن فجأة شعرت بانقباضة حادَّة أسفل بطنها.
شهقت بخفوت، ووضعت كفَّها فوق موضع الألم، تحاول تجاهله.
بمكانٍ لأوَّل مرَّة نذهب إليه..
فيلا بمكانٍ راقي..دلف للداخل على وجهه ابتسامة:
_نانا نوَّرت مصر.
نهضت من مكانها تحتضن حفيدها:
_نانا أزعل من نور، إنتَ قولت آجي وأجيب عروسة..أين العروس؟.
حاوط جسدها بحنان وأجلسها مع خروج والدته:
_حمد الله على سلامتك حبيبي.
نهض يضمُّ والدته:
_الله يسلِّمك يا ماما..عاملة إيه.
_أنا كويسة...ليه ما رجعتش مع باباك؟.
_شغل يا ماما.
زوت حاجبيها بعدم رضا:
_شغل...أي شغل حبيبي اللي بقالي سنة مشفتكش؟!
_ماما، رجاءً أنا جاي مرهق من الشغل، هطلع آخد شاور، وأرتاح بعدين نتكلِّم.
_نور...قاطعتها والدتها.
_اتركيه..سارة، خلِّيه ارتاح، هوَّ زيك تمام..
نسيت ماما لمَّا نزلتي مصر وتركتينا.
كانت تتابع ابنها، استدارت وجلست أمام والدتها:
_ماما حبيبتي إحنا نسينا الموضوع دا، وقولت أنا حبِّيت مصر أكتر من اليونان، ليه زعلانة، وناسية إنِّ بابا مصري؟.
غضبت صائحة:
_لا.. ليس مصري، لا أريدك أن تذكري هذا الرجل، هل سمعتي، إذا ذكرتيه مرَّةً أخرى، سأقاطعك مثل اخوكي.
_حاضر مش هتكلِّم في الموضوع دا يا ستِّي متزعليش...وعلى فكرة أنا عرفت إنِّه نزل مصر.
توسَّعت عيناها:
_ألم تعلمي لماذا أتى إلى هنا؟!.
هزَّت كتفها وردَّت:
_لا...معرفش، حضرتك طلبتي منِّي ما أكلموش، وهوَّ كمان ما حاولش يكلِّمني.
همست لنفسها:
_يا ترى جاي مصر ليه، لسة عايز تنتقم من الماضي، رفعت رأسها الى ابنتها:
_أريدك أن تعلمي أين مكانه.
_ليه؟. أشوف وأقولِّك.
عند آسر بالمكتب..
كان جالسًا شاردًا بحديثها منذ قليل:
_ممكن أعرف مضَّايق ليه، آسر أنا مرتاحة في الشركة دي، رجاءً بلاش تضغط عليَّ.
عاد بجسده بالسيارة وهو صامتًا..
أدارت وجهه إليها:
_هتفضل زعلان كتير، إحنا داخلين على شهرين مش بنكلِّم بعض، هوَّ أنا بدخَّل في شغلك.
ارتجف قلبه للمستها لوجه..
أنا مش مرتاح لشغلك هناك.
زفرت أسيا بضيق، ثم التفتت إليه بعينين ممتلئتينِ بالاختناق، وقالت بنبرةٍ حاولت أن تبدو ثابتة رغم ارتجافها:
_آسفة يا آسر... بس مجرَّد إني جيت أتكلِّم معاك، ده مش معناه إنِّي هسمع أوامرك.
أشارت إلى نفسها بانفعال مكتوم:
دي حياتي، وشغلي أنا...ومن حقِّي أختار..سيبني أتنفَّس شوية، متخلِّينيش أوصل لمرحلة آخد قرار وأسافر لـ أنس...إنتَ بنفسك شوفت، مقدرش يستحمل أسبوع وسافر، وأنا فعلًا بقيت بختنق من طريقتك دي.
سحبت نفسًا طويلًا، تحاول تهدئة غضبها الذي يشتعل داخلها، ثم أردفت بصوتٍ منخفضٍ لكنه أكثر وجعًا:
_تعرف أنا سبت الشغل عندك ليه؟
رفعت عينيها إليه مباشرة:
_مش علشان زي ما قلت لبابا إنه مش مجالي..لا، علشان أسلوبك معايا.
ابتسمت بسخرية مؤلمة:
_أنا عمري ما اتعوِّدت حد يتحكم فيَّ بالشكل ده...حاولت أتقبَّل، حاولت أقول يمكن خوف، يمكن اهتمام...بس بقيت حاسَّة إني مخنوقة.
ساد الصمت لثوانٍ، ثقيلة، خانقة... قبل أن يقول ببرودٍ قاسٍ وهو ينظر أمامه:
_لو خلَّصتي كلامك...انزلي.
التفتت إليه بصدمة، وكأنَّ كلمته صفعتها:
_ده...ده آخر كلام عندك؟
أدار وجهه نحوها أخيرًا، وغرس عيناه داخل عينيها بنظرةٍ حادَّة أوجعتها أكثر من صوته:
_أنا مبحبش البنت اللي ماتحترمش قراراتي.
ضحكت بخفوت، ضحكة مهزوزة مليئة بالقهر، ثم هتفت:
_قراراتك؟
اقتربت منه قليلًا، وعيناها تلمعان بالدموع:
_وإنتَ تبقى إيه أصلًا علشان ألتزم بقراراتك؟
ابتلعت غصَّتها بصعوبة:
_إيه ابن خالي!..دي صلة قرابة، مش من حقَّك تتحكِّم بيَّا وتقرَّر عني أعيش إزاي.
تشنَّج فكَّه بقوة، وخرج صوته ممتلئًا بشيء أخطر من الغضب:
_إنتِ فعلًا شايفة إن كل اللي بعمله معاكي علشان ابن خالك بس يا آسيا؟!
اهتزَّ قلبها رغمًا عنها، لكنها أبعدت عينيها سريعًا، وكأنَّ النظر إليه يفضح ضعفها، ثم قالت ببرودٍ مصطنع يخفي ارتباكها:
_أومال فيه إيه غير كده يا متر؟
ظلَّ يحدِّق بها طويلًا...نظرة موجوعة، حادَّة، وكأن ألف كلمة تحترق خلف شفتيه لكنه رفض إخراجها.
ثم فجأة انحنى، فتح باب السيارة بجمود، وأشار بيده للخارج:
_انزلي.
نظرت إليه للحظات، شفتيها ترتجفان وكانت على وشك قول شيء، لكنه لم يمنحها حتى فرصة للكلام.
نزلت ببطء، وقلبها يهبط داخل صدرها.
وفي اللحظة التي أغلقت فيها الباب، انطلقت السيارة بسرعة جنونية، دون أن يلتفت خلفه.
وقفت مكانها تراقب ابتعاده، تشعر وكأنَّ شيئًا بداخلها يُنتزع بعنف.
قاومت...حاولت لكن دموعها خانتها، فانهمرت بصمتٍ موجع..
رفعت يدها تمسحها سريعًا قبل أن يراها أحد.
ثم تحرَّكت نحو الداخل بخطواتٍ بطيئة.
بمنزل طارق..
تمدَّد على العشب يتوسَّد ساقيها وهو يراقب لعب طفلهما، نادى على المربية:
_خلِّي بالك من علي يا فاطمة.
التفت الصغير اإيه:
_بابا أنا هلعب هنا..
ابتسم طارق إليه وأومأ برأسه:
_مترحش عند البيسين لتوقع.
_حاضر.
كان الآخر يقف بشرفة غرفته يراقبهم بضجر، وقعت عيناه على هند وهي تمرِّر أناملها في خصلات والده، تمنَّى لو والدته التي كانت بمكانه، جلس ورفع ساقيه فوق السور يتذكَّر آخر حديث لوالدته.
_شوفت مرات أبوك عملت إيه، بعد ما اتفقنا يرجع يعيش معانا، بنت الحواري رفضت، وخايف على السنيورة، أبوك دا ظالم.
اقترب الصغير يربت على ظهرها:
_ما تبكيش، إحنا مش عايزينه، طول عمري عايش من غير أب.
بكت بدموع التماسيح، وبثَّت سمَّها في عقل الصغير:
_علشان كدا ما ردتش أعرَّفه بيك يا حبيبي، قولت لازم تكبر علشان تاخد حق ماما منه، من وقت ما اتجوزني وكان بيعاملني زي الخدَّامة، المهم بنت الحواري اللي أكلت عقله كلِّ ليلة رقص وضحك للصبح وأنا أخدِّم عليهم، علشان كدا هربت بيك من غير ما أقولُّه، لو كان عرف كان هياخدك مني، مازن لو بابا حاول يعمل حاجة في ماما لازم تاخد حقِّي، أوعى تسمع للستِّ الشيطانة اللي تنسِّيك إن أمَّك هيَّ ربتك وتعبت عليك، كنت بسهر طول الليل علشان أخيَّط الهدوم وأبعها علشان أجب لك لبس وألعاب زي الأطفال، وهيَّ عايشة في قصر وعربية ومجوهرات، حتى ابنهم الصغير، شوفت المربية بتلبس إزاي وبتاخده تفسَّحه وهوَّ لسة مش فاهم، إنَّما إنتَ يا حبيبي اتحرمت وعيشت في حواري مع خالتك علشان أمَّك تشتغل وتصرف عليك.
_متخافيش يا ماما هاخد حقِّك وحقِّي لو حد فكَّر يقرَّب مننا.
بعدها بعدِّة أيام جلست أمامه:
_اسمعني كويس، إحنا هنروح لأبوك، لازم تتمتَّع بفلوسه، متسبهاش للحرباية مراته، وعايزاك تبقى قوي ومتخلهاش تضحك عليك زي ما ضحكت على أبوك.
احتصنت وجهه ونظرت في عينيه بقوة:
_إنتَ الوريث الوحيد لطارق الشافعي، يعني لو الواد وأمُّه مش موجودين هتكون إنتَ الكنج وتاخد كل حاجة، متقلقش حبيبي، أنا هاخد حقَّك.
خرج من شروده على ضحكات أخيه الصغير، ولعبه بالكرة بجوار المسبح... في تلك اللحظة صدحت كلمات والدته:
_إنتَ هتكون كنج طارق الشافعي، بس الواد والحرباية يختفوا هتكون إنتَ صاحب كل الفلوس دي، عربيات وقصور وفلل، شوف لمَّا تكبر هتشتري البنات بالفلوس...كلِّ يوم مع واحدة أجمل من التانية، إنتَ دلوقتي مش فاهم معنى كلامي، بكرة تكبر وتفهم كلامي، متنساش اللي قولته.
نهض من مكانه وظلَّ يتابع والده وهند بصمت، ثم هبط للأسفل، قابلته الخادمة فقال:
_اعملي لي فواكه وهاتيها عند البيسين.
أومأت له وتحرَّكت فأوقفها:
_مش بتقولي تحت أمرك يا بيه ليه زي ما بتقولي لبابا، عايز بعد كدا تعامليني زيه، أنا هكون وريثه في الامبراطورية دي.
_تحت أمرك يا بيه.
خرج وجلس أمام حمَّام السباحة وشرد بملكوته، اقترب أخيه الأصغر:
_مازن تعال العب مع علي.
_امشي يلا العب عند أبوك، مبقاش غير ابن بنت الحواري.
استمعت هند لصوت ابنها:
_مازن تعال تعال.
طارق نادي على علي، خلِّيه يبعد عن أخوه.
_ليه يا هند بالعكس سبيهم، شوفي مازن هنا من زمان لكن ما لوش علاقة تقريبًا بأخوه.
صمتت ولم تتحدَّث بحرف...بعد فترة تجوَّلت بنظراتها تبحث عن ابنها:
_علي فين مش باين؟.
اعتدل طارق وقال:
_تلاقيه بيلعب هنا ولَّا هنا.
نظر إلى ابنه الآخر وجده منشغلًا بهاتفه:
_مازن شوفت أخوك؟.
_لا..وأنا مالي وماله، لا هوَّ قدِّي ولا أمُّه أمِّي.
نهضت هند تشعر بقبضة تعتصر فؤادها:
_هروح أدوَّر عليه.
_خلِّيكي حبيبتي ما تنسيش إنِّك حامل.
دار طارق بالحديقة وفجأةً توسَّعت عيناه بما رأى، ابنه يغرق بحمَّام السباحة، ركض كالمجنون والطفل يصعد ويهبط وأوشك على الاختناق.. قفز مالك بالميَّة وهو يصرخ وهو يحمله ويخرج به من المياه:
_دكتور.
هرولت هند إليه ودموعها تصرخ فوق وجنتيها:
_علي...علي يا طارق، الواد عايش.
لم يردّ عليها ركض به إلى سيارته وهي تصرخ باسم طفلها:
_علي مات يا طارق، ابني مات.
بمنزل مالك..
توقَّفت تنتظر أطفالها أمام المنزل، دقائق وترجَّل الأطفال من السيارة، ركضت فريدة بحيوية إليها وخلفها فارس يزفر ويمطُّ شفتيه بعناد..
انحنت تقبِّل طفلتها:
_حبيبة مامي عملت إيه في المدرسة، حسِّينا بتعب ولَّا حاجة؟.
_نوووو..نووو..نوو، النهاردة كنت أشطر واحدة في الكلاس والميس خلِّت الكلّ يصفَّق لفريدة.
قبلة حنونة ممزوجة بالفخر على وجنتيها:
برافووو، يبقى كدا فريدة شطورة ومامي وبابي هيكافؤها، نظرت لطفلها الذي يعقد ذراعيه:
_مالك يا فارس؟
أشارت إليها فريدة:
_وطِّي وأنا أقولِّك..
الميس زعَّقت له علشان مكتبش الهوم ورك، وهوَّ اضَّايق واتخانق مع صحابه.
مسَّدت على خصلاتها بحنان ثم أشارت إليها بالدخول:
_طيب حبيبتي اطلعي غيَّري، واغسلي إيدك لحدِّ ما أطلع لك.
_أوكيه مام.
التفتت إلى طفلها وأشارت إليه، اقترب منها:
_أوَّلًا متسمعيش كلام فريدة، أنا مشفتش الهوم ورك، اتفاجئت بيه لمَّا الميس طلبته.
احتضنت وجهه ونظرت لداخل عيناه ثم تحدَّثت بحنان رغم غضبها منه:
_اتكلِّمنا في الموضوع دا حبيبي، قولت العب براحتك، لكن الأهم تخلَّص كلِّ واجباتك، إنما كدا مينفعش يا فارس، شوية على التاب، وشوية تنس وشوية تليفجين، يبقى كدا هتخلِّي ماما تاخد قرار مهم، إنَّها تمنع فارس من كلِّ حاجة لمَّا يخلَّص الامتحانات.
_آسف يا ماما، أوعدك مش هتكرَّر تاني، أنا مشفتوش.
_إنتَ مشفتوش علشان مش مهتم، هتلاحق على اللعب ولَّا المذاكرة.
I'm sorry mom
داعبت خصلاته ثم أشارت إليه بالدخول، مع وقوف سيارة أمام الفيلَّا، أشارت لطفلها بالدخول ثم استدارت لتلك التي دلفت.
_مرحبًا غادة.
_أهلًا يامدام نانسي..خير، إيه اللي فكَّرك فينا؟.
نظرت للمنزل ثم إليها:
_هنتكلِّم على الباب؟.
عقدت غادة ذراعيها أمام صدرها ونظرت إليها:
_أه...لأنِّك مش مرحَّب بيكي، ودا بيتي أدخَّل فيه اللي أنا عايزاه.
_بتطرديني من بيتي يا غادة؟!.
اقتربت غادة منها، حدجتها بنظراتٍ نارية:
_بصي يا بت أنا خلقي ضيَّق، قولت لك قبل كدا مش عايزة أشوف وشِّك في بيتي، خلِّي عندك كرامة وامشي.
اقتربت منها نانسي وغرست عيناها بعيني غادة:
_متخلِّنيش أحطِّك في دماغي، صدَّقيني هندِّمك إنِّك وقفتي قدَّامي.
تبسَّمت غادة بسخرية:
_حطِّي يا حلوة، ورِّيني أخرك، وشوفي هعمل فيكي إيه...اقتربت خطوة حتى أصبحت أمامها مباشرة، ورمقتها بنظرةٍ كالسهام النارية:
_أنا غادة السيوفي، روحي اسألي عن عيلة السيوفي، وإنتِ تعرفي مين هيَّ غادة، مش حتِّة واحدة شمال تحطِّ راسها براس غادة السيوفي، دا أنا لو حطِّيتك في دماغي هخلِّيكي تنسي نفسك ودلوقتي أخدتي من وقتي، ووقتي غالي، عندي ولادي وجوزي زمانه جاي، ولازم أكون في استقباله.
دنت منها تهمس إليها:
_النهاردة عيد جوازنا، فلازم أجهز له، إنتي عارفة بقى اليوم دا بنعمل فيه إيه.
تراجعت للخلف ثم طالعتها بنظراتٍ مشمئزَّة واستدارت تدلف للداخل تنادي على البوَّاب:
_عمُّو حسين، اقفل البوَّابة الإلكترونية، فيه حرامية حول البيت، وشغَّل الصاعق الكهربائي، توقَّفت واستدارت برأسها:
_علشان الحرامية مالهمش أمان، خلِّي الصاعق يتعامل مع الأشكال الزبالة دي، بلاش نوسَّخ إيدينا.
قالتها وتحرَّكت بكلِّ كبرياء..ظلَّت تنظر إليها نانسي ونيران تحرق داخلها لو خرجت لأحرقتها.
بمنزل الجارحي..
نهضت شمس بكسلٍ شديد، تشعر بأنَّ جسدها ثقيل، لاتريد شيئًا سوى النوم، ورغم نومها عيناها مرهقتان كأنَّ النوم خاصمها منذ أيام.
في تلك اللحظة دلفت دينا تحمل صينية الطعام بابتسامةٍ حانية:
_شموسة...يلَّا يا حبيبتي، عملتلك الأكل اللي بتحبِّيه، من إمبارح وإنتِ ما كلتيش لقمة.
اعتدلت ما إن اقتربت منها رائحة الطعام حتى انقبض وجه شمس فجأة، ووضعت يدها على معدتها بتألُّم:
_مش قادرة يا طنط...شيليه من قدَّامي..ريحته وحشة أوي.
قالتها بصوتٍ مرتجف، ثم انتفضت واقفة وركضت نحو المرحاض، لتسقط على ركبتيها تستفرغ بعنف، بينما أنفاسها تتقطَّع وتتأوَّه بصوتٍ مرتفع.
شهقت دينا بفزع، وأسرعت خلفها، ثم انحنت تحاوط جسدها المرتجف بكفَّيها:
_حبيبتي...اهدي...بالراحة.
لكن شمس انفجرت بالبكاء، بكاء طفلة موجوعة تبحث فقط عن حضن أمَّها:
_أنا عايزة ماما...كلِّمي ماما يا طنط.
مرَّرت يدها على شعرها بحنانٍ أمومي:
_حاضر يا بنتي...حاضر، هكلِّمها حالًا... بس اهدي، إن شاء الله خير.
غسلت لها وجهها بحنان، ثم جفَّفته برفق قبل أن تسندها حتى أوصلتها للفراش.
مدَّدتها بعناية، ثم دثَّرتها جيِّدًا وهي تبتسم رغم القلق الذي ينهشها:
_ارتاحي شوية...وأنا هكلِّم الدكتور ومامتك.
تعلَّقت شمس بكفِّها سريعًا، تهزُّ رأسها بخوف وضعف:
_لا...مش عايزة دكتور، أنا بس عايزة ماما...ومعدتي وجعاني أوي.
مالت دينا عليها، تقبِّل جبينها بحنان:
_طيب يا حبيبتي، هنعمل اللي يريَّحك، بس لازم نطمِّن عليكي..
حمزة لو شافك تعبانة كدا هيزعل منِّي جدًّا...يرضيكي؟
انسابت دموع شمس بصمت، بينما أغمضت عينيها بإرهاق، كأنَّها لم تعد تقوى حتى على الكلام.
خرجت دينا من الغرفة وقلبها يخفق بقوة غريبة...خوف ممزوج بشعورٍ دافئ لا تريد أن تصدِّقه قبل أن تتأكَّد.
اتجهت مباشرةً إلى مكتب إسحاق.
كان جالسًا خلف مكتبه منشغلًا بجهازه..رفع رأسه حين دخلت، انتفض من مكانه ما إن رأى دموعها:
_دينا..
بتعيَّطي ليه!! فيه حاجة حصلت للولاد؟!
لم تستطع الرد فورًا...فقط اندفعت نحوه ترتمي بين ذراعيه، تحاوط خصره وهي تضحك وتبكي بنفس اللحظة:
_شمس يا إسحاق...
أبعدها عنه سريعًا ينظر لوجهها بقلقٍ متوتر:
_في إيه؟! خوَّفتيني!
رفعت عينيها له، وفيهما لمعة فرح مرتجفة:
_هتبقى جد يا جدُّو...
شمس مرات حمزة شكلها حامل.
تجمَّد مكانه لثوانٍ، وكأنَّ الكلمات احتاجت وقتًا حتى تصل لقلبه، ثم اتَّسعت عيناه بذهولٍ امتزج بسعادة غامرة ظهرت بكلِّ ملامحه:
_إنتي...إنتي متأكِّدة؟
هزَّت رأسها بسرعة، مع ابتسامة مرتعشة وسط دموعها:
_مش متأكِّدة أوي، بس أنا ملاحظة عليها التغيير من فترة، والنهاردة قلبي بيقول إنَّها حامل...
قول يارب يا إسحاق...قول يارب.
تنهَّد بقوة، ثم رفع وجهه للأعلى وعيناه تلمعان بتأثُّرٍ شديد:
_يارب...يارب يا حبيبتي.
_اتِّصل بالدكتور، وأنا هكلِّم ميرال.
أوقفها قائلًا:
_استني هتكلِّمي ميرال ليه، مش لمَّا نتأكِّد.
ربتت على كتفه:
_البنت بتعيط عايزة أمَّها.
ضحك على طفولية شمس..
ثم التقط هاتفه بسرعة ويداه ترتجفان من فرط السعادة:
_هكلِّم الدكتور حالًا...لازم نتأكِّد ونطمِّن عليها.
بمنزل إلياس...
كانت ميرال تجلس بالحديقة بشرودٍ قاتل، تحدِّق أمامها دون أن ترى شيئًا، بينما تعب الأيام بعينيها. داخلها عاصفة لا تهدأ.
وصل إليها إلياس، وما إن رآها بتلك الحالة حتى انقبض قلبه:
_قاعدة لوحدك كدا ليه يا حبيبتي؟
قالها وهو يجلس أمامها.
_ميرال...
بتعيطي ليه؟
أسرعت تمسح دموعها، ثم أشاحت بوجهها بعيدًا.
تنهَّد وهو يمدُّ يده يدير وجهها إليه برفق:
_بصيلي...
شايفة دا وقت تقلقيني فيه بالشكل دا؟
ارتجفت شفتيها قبل أن تهمس بصوتٍ مكسور:
_إمبارح...لمَّا شمس كانت هنا..
هنا تبدَّلت ملامحه بالكامل وارتفع نبضه بعنف خوفًا على ابنته، وظلَّ ينظر لها بترقُّبٍ منتظرًا حديثها:
_مالها شمس؟
ابتلعت غصَّتها بصعوبة، ثم قالت وهي تحاول التماسك:
_حسِّيت إنها حامل يا إلياس، كلِّ أعراضها بتقول كدا...تعبها، الترجيع، دوختها، ونومها المتواصل.
توقَّفت أنفاسها لحظة، ثم انفجرت دموعها:
_ومقدرتش أتكلِّم...مقدرتش حتى أطلب منها تعمل اختبار حمل.
أخفضت رأسها تبكي بحرقة، تابعت بصوتٍ مرتجف موجوع:
_أنا متأكِّدة إنها حامل..
قولِّي أعمل إيه يا إلياس؟
والله مش اعتراض، بس أنا أم..
ابني من ناحية...وبنتي من ناحية تانية.
شعر بوجعها يخترق قلبه، فاقترب منها سريعًا واحتوى جسدها بين ذراعيه:
_ميرال...إيه الكلام اللي بتقوليه دا؟
شمس ما لهاش ذنب في أي حاجة... زيَّها زي يوسف بالظبط.
ربت على ظهرها بحنان وهو يكمل بثبات:
_وبعدين أنا متأكِّد يوسف هيفرحلها،
إنتِ شفتي عمل إيه مع بلال..
طيب أخته اللي بيعاملها كأنَّها بنته، معقول يزعل منها!! يوسف عاقل... وحنيِّن.
ابتعدت عنه فجأة، وكأنَّ كلمة حنيِّن كسرت شيئًا بداخلها، ثم ازداد بكاءها بصورةٍ موجعة:
_حنيِّن أوي يا إلياس، أوي بس ملوش حظ.
وضعت يدها على صدرها تشعر بأنَّ قلبها يؤلمها وكاد نبضه يتوقَّف:
_يا حبيبي يا ابني..الدنيا جاية عليك بالقوي.
تغيَّرت ملامح إلياس، فاعتدل واقفًا يشير لها بتحذير ، يخفي خلفه آلامه:
_إيه كلام الجهل دا؟
الحمد لله ابننا بخير...عندك راجل يشرَّف أي حد، دكتور ناجح والكلِّ بيشهدله.
ثم اقترب منها أكثر، وقال بصوتٍ هادئ لكنَّه أكثر عمقًا:
_نعمة وجوده جنبنا بالدنيا كلَّها يا ميرال،
تعملي إيه لو ربِّنا رزقه أطفال وحرمك منُّه؟
أو لو حصله حاجة لا قدَّر الله؟
شهقت بخوفٍ حقيقي، وأسرعت تهزُّ رأسها بعنف:
_لا...لا متقولش كدا..أنا راضية، والله راضية.
المهمّ يبقى بخير وجنبي.
تنهَّد بحزن، ثم مسح دموعها بحنان:
_قومي اغسلي وشِّك، وكلِّمي بنتك اطمِّني عليها.
شمس مهما كبرت هتفضل طفلة،
وكلِّ ما تتعب هتجري على حضن أمَّها.
قبل أن ترد، قطع حديثهما رنين الهاتف.
نظرت ميرال للشاشة، وما إن رأت اسم دينا حتى ارتجف قلبها:
_دينا...معقول البنت تعبت!!
التقطت الهاتف سريعًا، وصوتها خرج مرتبكًا:
_أيوة يا دينا؟
على الجانب الآخر جاءها صوت دينا الدافئ:
_مساء الخير يا ميرال.
_مساء النور...
شمس كويسة؟!
ضحكت دينا بخفَّة وكأنها تطمئنها عمدًا:
_هيَّ كويسة...بس محتاجة مامتها شوية.
البنت بتدلَّع، لو فاضية تعالي لها.
أغمضت ميرال عينيها براحة امتزجت بقلقٍ أكبر:
_حاضر...مسافة الطريق وهكون عندكم.
أغلقت الهاتف سريعًا ثم التفتت لإلياس بلهفة:
_البنت تعبانة...لازم أروح أشوفها.
في تلك اللحظة، وصل يوسف إليهما:
_ضي لسة مرجعتش يا ماما؟
وقبل أن تجيبه، دوى صوت سيارة تدخل ساحة الكمبوند.
أشار إلياس نحو الخارج:
_أهي مراتك وصلت.
ثم التفت ليوسف قائلًا بهدوءٍ مقصود:
_خد أمَّك ووصلَّها بيت أختك.
عقد يوسف حاجبيه فورًا:
_شمس!! فيها إيه، هيَّ كانت كويسة إمبارح!
فتحت ميرال فمها لتجيبه، لكن إلياس سبقها بسرعة:
_تعبانة شوية...دينا اتَّصلت وقالت إنها تعبانة.
لم ينتظر تكملة حديث والده، فقال بعجلةٍ وقلقٍ واضح:
_حاضر...هغيَّر هدومي بسرعة..
جهِّزي نفسك يا ماما.
قالها وصعد الدرج بخطواتٍ سريعة، بينما ظلَّت ميرال تنظر لإلياس بعتاب:
_ليه كدا؟
اقترب منها قليلًا، ثم قال بصوتٍ هادئ يحمل حكمة أبٍ موجوع:
_لأن دا الصح...
لازم يكون جنب أخته في تعبها قبل فرحتها.
يسيب قلبه يطمِّن عليها الأوَّل... وبعدها يستقبل الخبر كأخوها، مش كحد موجوع من نصيبه.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة وهو يضيف:
_شفتي خاف عليها إزاي أوَّل ما سمع إنها تعبانة؟
صمتت ميرال، بينما امتلأت عيناها بالدموع من جديد..وتحرَّكت للداخل.
أمَّا إلياس...فعاد يجلس مكانه ببطء، يراقب اختفاءها للداخل، وداخله شعور ثقيل لا يفهمه.
رفع رأسه للسماء وهمس بصوتٍ خافت موجوع:
_يا ترى إيه اللي لسة جاي يا إلياس؟
بالأعلى، بغرفة يوسف...
دلفت ضي للداخل بعصبية، ألقت حقيبتها فوق الأريكة بإهمال، بينما كان يوسف يقف أمام المرآة يرتدي ساعته، التفت إليها فور شعوره بها.
_كنتي فين؟
لم تجبه، فقط اتجهت لغرفة الملابس
لحق بها، وقبض على ذراعها بقوة أوقفتها.
_بكلمك... كنتي في، قلقت عليكي
انتزعت ذراعها منه بعنف، والتفتت إليه بعينين محمرتين.
_كنت بتمشى... ومش طايقة أتكلم معاك ابعد عني دلوقتي يايوسف.
ضي لسة زعلانة
نظرت اليه بحزن، كيف تشكو له عما فعلته تلك الخبيثة، ووالده الذي قام بتزوير التحاليل، صمتت ولم ترد
استدار يلتقط مفاتيحه، لكنها أوقفته.
_إنت رايح فين؟
_مالكيش دعوة
اشتعلت عيناها، وتقدمت منه خطوة.
_لا ليا... أنا مراتك.
من شوية كنت عند الزبالة اللي حضرتك بلتني بيها... عايزة أفهم البنت دي جابِت الجرأة منين تيجي وراك لهنا؟
أغمض عينيه بضيق، ثم قال بنبرة حاول جعلها هادئة:
_ضي... أنا لازم أمشي دلوقتي، ولما أرجع هنتكلم.
_مش هتمشي غير لما تقولي رايح فين.
رفع نظره إليها أخيرًا، وقال باقتضاب:
_رايح لشمس... ارتحتي؟
تجمدت للحظة.
_شمس؟... ليه؟!
ارتدى جاكته سريعًا، وانحنى يلتقط هاتفه.
_تعبانة... كلمت ماما وقالت إنها تعبانة.
خف غضبها فورًا، وظهر القلق بعينيها.
_أنا فعلًا لاحظت امبارح إنها مش كويسة... بس افتكرت مجهدة من قلة النوم
تحرك للخارج سريعًا، فركضت خلفه.
_استنى... هاجي معاك، عايزة أطمن عليها.
رمقها بنظرة طويلة، ثم أكمل طريقه دون اعتراض.
بالاأسفل
كان يوسف يقف بجوار السيارة يبحث بعينيه عن والدته، اقترب إليه إلياس.
توقف أمامه، يطالعه بصمت طويل، ثم قال بصوت هادئ لكنه مثقل بشيء غامض:
_طول ما أنا شايف لهفتك وخوفك على أختك بالشكل ده... بكون مطمن.
علشان لو حصلي حاجة... أبقى متأكد إن فيه راجل وسند يحميها.
تشنج قلب ضي من كلماته، ورفعت ميرال رأسها إليه بسرعة، كأن الجملة طعنت شيئًا داخلها.
_ايه اللي حضرتك بتقوله دا ياعمو، ربنا يخليك لينا
اقترب يوسف من والده، وقال بثبات:
_رغم معرفش ليه بتقولي كدا، لكن تأكظ شمس بنتي قبل ما تكون أختي يا بابا... وإنت عارف علاقتي بيها عاملة إزاي.
تنهد بهدوء ثم تابع
_بس مهما كان الأخ قوي... عمره ما يعوض الأب.
مفيش ابن في الدنيا ميحتاجش ضهر أبوه... ربنا يخليك لينا.
ربت إلياس على كتفه بحنان موجوع.
_مفيش حد بيخلد يا ابني... المهم تفضلوا سند لبعض.
ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة يخفي بها خوفًا لا يراه أحد.
_ويخليك لينا يا إلياس باشا... أصلنا مش متعودين عليك بالكلام ده.
قاطعهم وصول ميرال، فتحت باب السيارة الخلفي وجلست، ثم أشارت لضي بمشاكسة خافتة:
_اركبي جنب جوزك يا حبيبتي.
التفت يوسف إلى ضي، التي فهمت نظرته فعقدت ذراعيها وقالت بتذمر مفتعل:
_لا طبعًا يا ماما، إيه اركبي جنب جوزك دي؟
مش كفاية فوق وتحت... كمان العربية؟
ضحكت ميرال بخفة، رغم الثقل الجاثم فوق قلبها.
_اركبي وبطلي غلبة، يا بنت أرسلان.
بعد قليل...
وصلوا إلى قصر الجارحي.
كان الطبيب يغادر القصر، التفت يوسف لوالدته:
_هي تعبانة للدرجة دي؟
ليه محدش بلغني يا ماما؟
نزلت ميرال من السيارة:
_والله يا حبيبي ما عرفت غير لما دينا كلمتني.
صعد الجميع للأعلى
داخل غرفة شمس...
دلف يوسف خلف والدته، وجلس بجوار اخته يقبل جبينها بحنان بالغ.
_حبيبتي... مالك؟ حاسة بإيه؟
ابتسمت له بخفوت، وتوردت وجنتيها، بينما جلست ضي بالجهة الأخرى تراقبها بقلق.
_شموسة جاوبي اخوكي
أما ميرال...فتوقفت، تتطلع لابنتها بصمت.
شيء ما كان يرتجف داخلها بعنف...
شمسها الصغيرة... طفلتها المدللة، كبرت.
كبرت لدرجة أنها ستصبح أمًا.
أمًا...الكلمة وحدها جعلت قلبها يرتعش.
ارتسمت صورة شمس بعمر الخامسة داخل عقلها، ضفائرها الصغيرة، ضحكتها، ركضها خلف يوسف وهي تصرخ:
"يوسف استناني!"
ثم قفزت صورة أخرى أمام عينيها
يوسف نفسه.
ابنها...ابنها الذي يضحك للجميع بينما يحمل داخله قبرًا صامتًا.
ابنها الذي حُرم من شعور الأبوة، رغم كل اللهفة التي تسكنه إليها
ابنها الذي يخفي انكساره خلف صمته
اختنقت أنفاسها فجأة.
واحدة من روحها تُزهر حياة داخلها،
والآخر يقف محرومًا منها.
يارب...
كيف يجتمع الفرح والوجع بالقلب نفسه هكذا؟
وصلت دينا، وابتسامتها تتجلى بملامحها
اقتربت من شمس بحماس.
_قولتي لماما يا شموسة؟
أغمضت ميرال عينيها فورًا، وكأن قلبها لم يحتمل كل هذا الألم، دقات قلبها ليست تنبض ولكنها تصرخ
هل تبكي؟
أم تضحك؟
هل تحتضن ابنتها فرحًا؟
أم تحتضن ابنها خوفًا من ذلك الوجع الذي سيخفيه حين يسمع الخبر؟
فتحت عينيها ببطء...
لتجد يوسف يساعد شمس على الجلوس بحنان أبوي فطري، وكأنه خُلق ليكون أبًا...
وهنا بالتحديد...
شعرت أن قلبها انكسر.
قال يوسف بلهفة:
_مالك يا حبيبة أخوكي؟
احمرت وجنتا شمس بخجل، وخفضت عينيها للأرض.
لتقف دينا بجوارهما، وتقول بسعادة غامرة:
_مبروك يا دكتور يوسف... هتبقى Uncle.
كلمات ماهي سوى كلمات الا أنها سقطت فوق قلبه، ورغم ذلك ابتسم بحنان بينما
تجمد كل شيء داخل ميرال.
رأت ابتسامة يوسف تتسع تلقائيًا، عيناه تلمعان بفرحة حقيقية لأخته
لكنها، كأم...رأت خلف تلك اللمعة ألف وجع مخبأ.
ورغم ذلك... ابتسم.
ابتسم لأخته بكل الحب الذي يملكه، بينما قلبه ينزف بصمتٍ موجع.
_الله الله... هبقى خال.
خرجت كلماته مرحة، لكن كل حرفٍ فيها كان يصرخ بوجعٍ دفين لا يسمعه أحد.
سحب شمس إلى أحضانه بقوة، بينما عيناه خانتاه حين وقعتا على ضي، التي تجمد جسدها بالكامل.
شعرت وكأن الكلمات سكين بارد انغرس بقلبها.
منذ أيام فقط كان بلال يعلن الخبر، واليوم شمس أيضًا...
وكأن الدنيا كلها تُزهر حولها، بينما رحمها وحده يقف صامتًا، خاليًا، موجوعًا.
قبضة قاسية اعتصرت صدرها حتى كادت تختنق.
ابتلعت غصتها بصعوبة، وحاولت رسم ابتسامة مرتعشة فوق شفتيها، بينما صوتها الداخلي يهمس بانكسار:
_هو أهم من أي حاجة...
الولد لو مجاش من يوسف مش عايزاه.
تلالأت الدموع بعينيها رغمًا عنها، فرفعت رأسها سريعًا حتى لا يفضحها أحد، ثم قالت بابتسامة موجوعة بالكاد تماسكت:
_مبروك يا شموسة... عقبال لما أشيله حبيبتي.
ابتسمت شمس بحنان، غير منتبهة لذلك الخراب المختبئ داخل عينيها.
_ميرسي يا ضي.
ثم التفتت إلى يوسف، الذي مازال يحتضنها، وطبعت قبلة رقيقة على وجنته وهي تهمس بفرحة طفولية:
_هبقى أم يا يوسف.. عقبالك لما تبقى اب، هتكون احسن اب متأكدة
أغمض عينيه للحظة، وكأن الكلمة أصابت شيئًا هشًا بداخله، ثم مسد على خصلاتها بحنانٍ بالغ، وقبل رأسها قائلًا:
_هتكوني أجمل وأرق أم في الدنيا يا حبيبتي.
ثم أضاف بخفةٍ حاول أن يزرع بها البهجة:
_ويكون في علمك بقى... أنا اللي هسمي البيبي، قولي لجوزك.
ضحكت دينا بخفة، و قالت:
_جوزها لسه ميعرفش أصلًا... هو في مكان خارج التغطية.
تنهد يوسف بهدوء:
_إن شاء الله يرجع بالسلامة.
نظرت شمس الى ضي وقالت بعفوية، غير مدركة أنها ستصيب قلب ضي بهذا العنف:
_عقبالك يا ضي.
ساد الصمت لثانية.
ثانية واحدة فقط... لكنها كانت كافية ليشعر يوسف بانطفاء روحها أمامه.
صفقت ضي بكفيها بخفة مصطنعة، ورفعت كتفيها محاولة التظاهر باللامبالاة:
_هقولك زي ما قولت لرولا المجنونة... أنا مش بفكر دلوقتي يا شموسة.
ثم أكملت بسرعة، كأنها تهرب من الحديث كله:
_عايزة أقدم رسالتي، اتأخرت عليها، وكمان جالي عرض من قناة مشهورة جدًا، فرصة أي حد يتمناها بصراحة.
قاطعتها دينا بابتسامة هادئة، لكنها لم تدرك أنها كانت تزيد جرحها عمقًا:
_صدقيني يا ضي... وقت ما تبقي أم، كل الأحلام دي هتحسي إنها ما تسواش نظرة من عيون ابنك.
شعرت ضي وكأن الكلمات سقطت فوق قلبها مباشرة.
انخفضت عيناها سريعًا حتى لا يرى أحد اللمعة المحترقة داخلهما.
تدخلت ميرال ، وقد شعرت باختناق الأجواء:
_لما ربنا يريد يا دينا... خليها براحتها.
في تلك اللحظة نهض يوسف فجأة، وكأن البقاء صار يؤلمه.
_ماما... لو هتقعدي أنا همشي.
انتفضت ضي هي الاخرى، فقالت بسرعة:
_وأنا كمان.
رفعت ميرال عينيها نحو ابنها، وقلبها يتمزق لحالتهما معًا، ثم أومأت بهدوء:
_اه يا حبيبي، هستنى شوية مع أختك، خد مراتك وروح.
تحرك يوسف نحو الباب بخطوات سريعة،و لكن صوت شمس أوقفه:
_يوسف...
استدار فورًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة رغم كل شيء:
_عيونه.
ابتسمت شمس بحب:
_يبقى تعالى تاني... امبارح معرفناش نتكلم.
عاد إليها بخطوات هادئة، وانحنى يقبل جبينها بحنانٍ أخوي صادق:
_خدي بالك من نفسك... ومن البيبي.
عايزه ييجي الدنيا بصحة كويسة، علشان العب معاه... وبكرة هاجي أشوفك يا حبيبتي.
قالها وهو يربت على رأسها بحنان، ثم تحرك للخارج أخيرًا.
لكن قبل أن يغادر...
التقت عيناه بعيني ضي للحظة.
لحظة قصيرة جدًا...
لكنها كانت مليئة بكل شيء لم يستطيعا قوله.. وجع.. حرمان.. وخوف صامت من حلمها الذي لم يتحقق
راقبتهم ميرال بصمتٍ موجوع، ثم غمزت لضي بخفة حتى تلحق به، وكأنها تحاول إنقاذ ما تبقى بين قلبين ينهاران بصمت.
بعد قليل
ترجَّل من السيارة، أوقفه بلال الذي ترجَّل من سيارته في نفس الوقت:
_كنتوا فين؟
التفت إليه يوسف، وعلى شفتيه ابتسامة واسعة:
_عند شمس...
ثم أضاف بمرحٍ وهو يقترب منه:
_شكلي هخسر كلِّ اللي أملكه السنادي عليك إنتَ وشمس.
قطب بلال حاجبيه بعدم فهم:
_مش فاهم.
اتَّسعت ابتسامة يوسف أكثر، ثم ربت فوق كتفه بقوة:
_مبروك يا جحش...هتبقى خال.
لثوانٍ...تجمَّد بلال مكانه يستوعب ما قاله، ثم فجأةً صرخ بفرحة:
_البتِّ العيِّلة حامل؟!
ثم انفجر ضاحكًا بطريقة هستيرية:
_يعني عيِّلة هتشيل عيِّلة!
ضحك يوسف رغماً عنه، ثم لكزه بعنفٍ خفيف:
_ما خلاص يا بغل، إيه عيِّلة دي؟ شمس عندها تلاتة وعشرين سنة.
هزَّ بلال رأسه بعدم اقتناع وهو يتمتم بجديَّة مصطنعة:
_لا لا...وكتاب الله ظلمتوها في التسنين، دي آخرها خمستاشر، إنَّما الرقم اللي بتقولوه ده فيه نصب.
رفع يوسف حاجبه ساخرًا:
_تصدَّق..إنتَ رخم بطريقة مستفزَّة..
ثم دفعه بخفَّة:
_يلَّا غور من وشِّي.
قهقه بلال، بينما التفت يوسف بعينيه يبحث عن ضي فتساءل:
_هيَّ ضي طلعت؟
أجابه بلال:
_راحت بيت أرسلان.
شعر بقبضةٍ تعصر صدره، حين تذكَّر ملامحها أثناء عودتهما وعدم حديثها... عيناها كانت ممتلئتانِ بوجعٍ حاولت تخفيه...وطريقتها وهي تهرب منه.
قهقه فجأة يردُّ على بلال يخفي اضطرابه:
_أرسلان حاف كدا...ده كان بيلعب معاك؟.
ضحك بلال وهو يهزُّ كتفيه:
_والله يا جو كان نفسي ألعب معاه كرة شراب.
تحرَّك يوسف، لكن خطواته تباطأت بظهور أرسلان متَّجهًا إلى منزل والده.
رفع رأسه ينظر إليه، ثم نادى على بلال المتحرِّك لمنزله.
_أرسلان أهو...يلا.
قطب أرسلان حاجبيه فور سماعه:
_ده احترام ده يا بن إلياس؟
ردَّ يوسف ببرودٍ مستفز:
_والله يا عمُّو أنا محترم...بس ابنك أبوه معرفش يربِّيه.
وصل بلال ينظر لوالده
_الله! ده أرسلان صح، إنتَ جيت إمتى يا جدع؟
قهقه يوسف يغمز لأرسلان:
_شوفت، عرفت أبو مين اللي ميعرفش يربِّي؟
زفر أرسلان بضيق وهو ينظر لهما:
_تصدَّقوا؟ أنتوا الاتنين محتاجين إعادة تأهيل.
ثم لوَّح بيده بملل:
_مش فاضي للتفاهة دي، عندي حاجات أهم...قال دكاترة، والله ولا القهوجية.
لكزه بلال وتحرَّك مبتعدًا:
_أنا رايح لمراتي، أرسلان شكله اتجوز على أمِّي وأنا مش فاضي أصالحهم على بعض.
وقف يوسف يتابع ابتعاد بلال بصمت...
واختفت ضحكاته، وشيء ما بداخله انطفأ فجأة.
عادت صورة ضي أمام عينيه بكلِّ تفاصيلها...ارتجافة شفتيها...نظرتها المكسورة...والدموع التي رفضت أن تسقط أمامه.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم رفع عينيه نحو منزل أرسلان.
تراجع خطوةً للخلف.
لا يريد الضغط عليها...لا يريد أن يذهب فتبتعد أكثر.
لكن قلبه كان يرفض فكرة ابتعادها عنه بهذه الطريقة.
زفر بعنف يمرِّر يده بشعره بتوتُّر، ثم استدار وكأنه سيغادر...
لكنَّه توقَّف..
ثوانٍ مرَّت...قبل أن يعود أدراجه مرَّةً أخرى بخطواتٍ أبطأ، أثقل، وكأنَّ شيئًا داخله يُساق إليها رغمًا عنه.
بالداخل...
كانت ضي تجلس بصمتٍ قاتل...بينما قلبها ينهار دون صوت.
ألقت نفسها داخل أحضان والدتها، تبكي بانهيارٍ أفزع غرام
شهقاتها كانت تخرج متقطِّعة، مؤلمة، وكأنَّ قلبها يُنتزع من بين ضلوعها ببطء.
ضمَّتها غرام بسرعة، تمسِّد على خصلاتها بقلق:
_فيه إيه يا حبيبتي؟
ثم همست بخوف:
_ضي...اتخانقتي مع يوسف تاني؟
لم تستطع الرد..فقط جلست على الأريكة وما زالت دموعها تهبط بلا توقُّف، بينما صدرها يعلو ويهبط بعنفٍ من شدِّة اختناقها.
جلست غرام جوارها سريعًا، تمسك وجهها المرتجف بين كفَّيها:
_بصيلي...فيه إيه؟
خرج صوتها مهزوزًا، بالكاد يُسمع:
_كنَّا عند شمس...شمس حامل يا ماما.
اتَّسعت ابتسامة غرام تلقائيًا، ولمعت عيناها بسعادةٍ صادقة:
_ماشاء الله...ربِّنا يكمِّلها بخير يارب...
لكن ابتسامتها اختفت حين رأت الانكسار بعيني ابنتها.
صمتت للحظة...ثم تنهَّدت بوجع، ورفعت ذقن ضي تنظر مباشرةً داخل عينيها الغارقتينِ بالدموع:
_اسمعيني كويس يا ضي...أنا مش ميرال علشان تتكسفي منِّي، أنا أمِّك ومصلحتك أهم من الدنيا كلَّها عندي.
ابتلعت ضي ريقها بصعوبة، بينما أكملت غرام بصوتٍ هادئ رغم الألم الذي ينهشها:
_إنتِ رضيتي بحالة جوزك...وقرَّرتي تكمِّلي معاه، وأنا رغم خوفي وافقت علشان شوفتك بعيد عنه عاملة إزاي، وشوفتك جنبه عاملة إزاي.
احتضنت وجهها أكثر، وعيناها تمتلئان بالعجز:
_بس لازم تفهمي...إنِّ الطريق ده مش سهل.
كلِّ يوم هتشوفي واحدة حامل، واحدة بتولد، واحدة شايلة طفلها، وإنتِ قلبك هيتقطَّع.
بدأت دموع غرام تتجمَّع وهي تهمس باختناق:
_الأمومة مش إحساس سهل يا ضي، والستِّ غير الراجل، العمر بيجري منها أسرع...وكلِّ سنة بتفرق.
انهارت ضي أكثر، تهزُّ رأسها بعنف:
_بس هموت لو بعدت عنه يا ماما... والله هموت.
أنا بحبُّه أوي...أوي لدرجة مخيفة... مش متخيِّلة نفسي مع راجل غيره، حتى لو اتوجعت، حتى لو بموت كلِّ يوم...مش قادرة أبعد.
أغمضت غرام عينيها بألم، ثم مسحت دموعها بحنانٍ أمومي موجوع:
_يبقى ما تزعليش بالشكل ده يا قلبي،
أنا مش مع قرارك، وخايفة عليكي ترجعي تندمي، بس سعادتك أهم عندي.
صمتت للحظة، ثم همست:
_ويوسف بيحبِّك...يمكن بطريقته الغلط، بس بيحبِّك، اللي عمله طول الفترة اللي فاتت ما يبقاش من واحد مش متعلِّق بمراته.
تراجعت ضي للخلف قليلًا، تنظر لوالدتها بنظراتٍ ضائعة، ثم قالت بصوتٍ مكسور:
_أنا أخدت تحاليله...وروحت لدكتور مشهور أوي.
عقدت غرام حاجبيها بقلق:
_تحاليل إيه؟
تنهَّدت ضي وكأنَّ روحها تُسحب منها:
_تحاليل يوسف.
اعتدلت غرام تنظر لها بترقُّب، بينما أكملت ضي بصوتٍ يرتجف:
_تعرفي الدكتور قالِّي إيه؟
قالِّي...لو اتجوز غيرك ممكن يخلِّف، هوَّ أه قال النسبة ضعيفة أقل من عشرين في المية لكن احتمال، الفكرة نفسها موِّتتني يا ماما، أموت ولا يقرَّب من واحدة تانية، مستعدَّة أفضل كدا بس ما يتجوزش يا ماما.
تجمَّدت غرام بالكامل.
اتَّسعت عيناها بصدمة، بينما ضي انفجرت باكية بشكلٍ هستيري:
_شوفتي قهرة أكتر من كدا؟
يعني المشكلة مش منه بالكامل... يعني ممكن في يوم يلاقيني أنا السبب الحقيقي في حرمانه من طفل...
شهقت غرام بقوة:
_استنِّي...يعني إيه؟
يوسف مش عقيم؟!.
هزَّت رأسها بسرعة وسط دموعها:
_كان عنده ضعف، وكان بيتعالج من فترة طويلة وأنا معرفش.
لقيت تحاليل كتير مخبِّيها...أخدتها وروحت للدكتور..
قالِّي حالته بتتحسِّن...وآخر تحليل بيقول إنِّ فيه أمل...بس...
اختنق صوتها تمامًا:
_بس مش معايا أنا...
وضعت كفَّيها فوق وجهها تبكي بانهيار:
_تفتكري كان عارف؟
تفتكري ممكن في يوم يبصلي ويلاقيني أنا اللي حرمته من ابنه؟
ممكن يتجوز عليَّا علشان يخلِّف؟
ثم صرخت فجأة، صرخة خرجت ممزَّقة من أعماق قلبها:
_أنا كدا هموت!
والله هموت يا ماما!
أنا استحملت كتير...استحملت وجع عمري كلُّه...بس دي لأ...دي أكبر منِّي...
مش قادرة أتخيَّل واحدة تانية تدِّيله طفل وهوَّ يبصلَّها بنفس النظرة اللي كنت بحلم يشوف بيها ابن منِّي..
أنا تعبت ومبقتش قادرة أتحمَّل، بختنق، وأنا عمَّال أرسم السعادة، وأنا جوَّايا بيتحرق يا ماما، مبقاش عندي قدرة أتحمَّل دا، قالتها
وانهارت تمامًا داخل أحضان والدتها، تبكي بطريقة تقطع القلب، بينما غرام ضمَّتها بعجزٍ كامل...عاجزة حتى عن مواساتها.
بالخارج...
وصل يوسف على كلماتها الاخيرة،
كلُّ حرف خرج منها..اخترق صدره كالسكاكين.
أغمض عينيه بقوة وهو يسمع انهيارها،
تراجع خطوةً للخلف، ثم أخرى...حتى غادر.
ارتجف جسده بعنف، بينما أنفاسه أصبحت متقطِّعة بصورةٍ مخيفة.
هو نفسه لم يعد يعرف ماذا يفعل.
يعرف فقط...أنَّه يدمِّرها معه يومًا بعد يوم.
رفع كفِّه يمسح وجهه بعنف، ودموعًا ساخنة خانته رغمًا عنه.
لأوَّل مرَّة يشعر بهذا العجز...
لأوَّل مرَّة يشعر أنَّه رجل ناقص أمام المرأة التي يحبُّها أكثر من نفسه.
عند ضي...ظلَّت غرام تمسِّد على خصلاتها تفكِّر بحديث ابنتها، ثم أخرجتها من أحضانها وقالت:
_حبيبتي اسمعيني كويس، بكرة إن شاء نروح لدكتور تاني، كانت دينا قالت لي عليه من فترة لمَّا اتأخَّر حملها، هوَّ الدكتور اتوفَّى، بس بتقولِّي ابنه شاطر زيُّه.
_حضرتك قولتي لطنط دينا؟.
هزَّت رأسها بالنفي وقالت:
_لا..كنَّا في النادي وواحدة صاحبتها كانت بتحكي معاناة مرات ابنها، وهيَّ اتكلِّمت قدَّامي، هكلِّمها ونروح له، مش عايزاكي تيأسي، حتى لو قفلت نعمل حقن مجهري.
_يوسف ميعرفش إنِّي أعرف يا ماما.
مسَّدت على خصلات ابنتها بحنان:
_مش مهم يعرف، الأول نروح للدكتور دا، وإنتي كمان تكشفي، إنتي روحتي لدكتورة واحدة، يمكن فيه مشكلة معاكي مع حالة يوسف وتكون بسيطة.
_ماما يوسف لسة الأمل عنده ضعيف.
اقتربت تزيل دموعها وابتسمت:
_طول ما فيه أمل نقول يارب، المهم قولي لي..إنتي خلِّي بالك من أيام تبويضك، وخلِّينا نمشي وقلوبنا فيها أمل، الأوَّل مكناش عارفين، لكن دلوقتي فيه أمل حتى لو نفس، بس فيه أمل، امسكي فيه، وزي ما الدكتور دا قالِّك ممكن يخلِّف مع حد تاني، ممكن نشوف المشكلة فين.
قبَّلت جبين ابنتها وأزالت دموعها:
_خلِّي ثقتك بربِّنا كبيرة حبيبتي، بطَّلي عياط، وقولي يارب، هوَّ فيه إن واحدة كلِّنا نعرف إنَّها ماتت ورجعت بعد خمس سنين بعد ما فقدنا الأمل، فيه أصعب من كدا؟.
المهم ما تيأسيش حبيبة ماما، وخلِّي بالك يوسف بعد موضوع شمس وبلال ممكن يضايقك، الموضوع صعب عليه، لازم تكوني طويلة البال.
_حاضر يا ماما...ادعي لي لو سمحتي.
ضمَّتها لأحضانها وانسابت دموعها تقول باختناق:
_بدعي لك حبيبتي، وكلِّ اللي يجيبه ربِّنا كويس.
بعد قليل...
عادت ضي إلى المنزل بخطواتٍ منهكة، جسدها بالكاد يحملها.
دلفت الغرفة لتجده جالسًا بشرفة غرفتهما، الظلام يحيط به بالكامل، وسيجارة مشتعلة بين أصابعه.
توقَّفت تنظر إليه للحظات، ثم همست بصوتٍ متعب:
_قاعد كدا ليه؟
لم يرد..و لم ينظر لها.
ظلَّ جالسًا كما هو...وكأنَّ روحه ليست هنا.
اقتربت منه بقلق، وما إن رأته يرفع السيجارة إلى فمه حتى انتزعتها من بين أصابعه بعصبية:
_إنتَ اتجنِّنت..
إيه اللي بتعمله ده؟!
قبض على كفِّها بعنف، وسحبها نحوه بقوة أرعبتها.
رفع عينيه إليها...عينان حمراء بشكلٍ أخافها.
_بلاش شغل الوجوه ده معايا...
بلاش تحسِّسيني إنِّك خايفة عليَّا...
خرج صوته مخنوقًا، حادًّا، كأنه يحاول خنق نفسه قبلها:
_امشي من قدَّامي دلوقتي...عايز أبقى لوحدي.
نظرت له بذهولٍ كامل.
كيف تبدَّل بهذه السرعة؟!.
هذا الرجل نفسه كان صباحًا يحتضنها ويحلم معها.،والآن ينظر لها وكأنَّها عدوِّه.
_يوسف...إنتَ مالك؟
صرخ فجأةً بعنف هزَّها:
_اطلعي برَّة بقولِّك!
ابتسم بوجع:
_وبلاش تمثيل الحب اللي بترسميه عليَّا..خلاص خدتي حقِّك منِّي.
شحب وجهها وشعرت وكأنَّ أحدهم صفعها بقوة.
تراجعت للخلف خطوة، تنظر إليه بعدم تصديق، بينما
استدار يلتقط مفاتيحه، لكنها أوقفته.
_إنت رايح فين؟
_مالكيش دعوة
اشتعلت عيناها، وتقدمت منه خطوة.
_لا ليا... أنا مراتك.
من شوية كنت عند الزبالة اللي حضرتك بلتني بيها... عايزة أفهم البنت دي جابِت الجرأة منين تيجي وراك لهنا؟
أغمض عينيه بضيق، ثم قال بنبرة حاول جعلها هادئة:
_ضي... أنا لازم أمشي دلوقتي، ولما أرجع هنتكلم.
_مش هتمشي غير لما تقولي رايح فين.
رفع نظره إليها أخيرًا، وقال باقتضاب:
_رايح لشمس... ارتحتي؟
تجمدت للحظة.
_شمس؟... ليه؟!
ارتدى جاكته سريعًا، وانحنى يلتقط هاتفه.
_تعبانة... كلمت ماما وقالت إنها تعبانة.
خف غضبها فورًا، وظهر القلق بعينيها.
_أنا فعلًا لاحظت امبارح إنها مش كويسة... بس افتكرت مجهدة من قلة النوم
تحرك للخارج سريعًا، فركضت خلفه.
_استنى... هاجي معاك، عايزة أطمن عليها.
رمقها بنظرة طويلة، ثم أكمل طريقه دون اعتراض.
بالاأسفل
كان يوسف يقف بجوار السيارة يبحث بعينيه عن والدته، اقترب إليه إلياس.
توقف أمامه، يطالعه بصمت طويل، ثم قال بصوت هادئ لكنه مثقل بشيء غامض:
_طول ما أنا شايف لهفتك وخوفك على أختك بالشكل ده... بكون مطمن.
علشان لو حصلي حاجة... أبقى متأكد إن فيه راجل وسند يحميها.
تشنج قلب ضي من كلماته، ورفعت ميرال رأسها إليه بسرعة، كأن الجملة طعنت شيئًا داخلها.
_ايه اللي حضرتك بتقوله دا ياعمو، ربنا يخليك لينا
اقترب يوسف من والده، وقال بثبات:
_رغم معرفش ليه بتقولي كدا، لكن تأكظ شمس بنتي قبل ما تكون أختي يا بابا... وإنت عارف علاقتي بيها عاملة إزاي.
تنهد بهدوء ثم تابع
_بس مهما كان الأخ قوي... عمره ما يعوض الأب.
مفيش ابن في الدنيا ميحتاجش ضهر أبوه... ربنا يخليك لينا.
ربت إلياس على كتفه بحنان موجوع.
_مفيش حد بيخلد يا ابني... المهم تفضلوا سند لبعض.
ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة يخفي بها خوفًا لا يراه أحد.
_ويخليك لينا يا إلياس باشا... أصلنا مش متعودين عليك بالكلام ده.
قاطعهم وصول ميرال، فتحت باب السيارة الخلفي وجلست، ثم أشارت لضي بمشاكسة خافتة:
_اركبي جنب جوزك يا حبيبتي.
التفت يوسف إلى ضي، التي فهمت نظرته فعقدت ذراعيها وقالت بتذمر مفتعل:
_لا طبعًا يا ماما، إيه اركبي جنب جوزك دي؟
مش كفاية فوق وتحت... كمان العربية؟
ضحكت ميرال بخفة، رغم الثقل الجاثم فوق قلبها.
_اركبي وبطلي غلبة، يا بنت أرسلان.
بعد قليل...
وصلوا إلى قصر الجارحي.
كان الطبيب يغادر القصر، التفت يوسف لوالدته:
_هي تعبانة للدرجة دي؟
ليه محدش بلغني يا ماما؟
نزلت ميرال من السيارة:
_والله يا حبيبي ما عرفت غير لما دينا كلمتني.
صعد الجميع للأعلى
داخل غرفة شمس...
دلف يوسف خلف والدته، وجلس بجوار اخته يقبل جبينها بحنان بالغ.
_حبيبتي... مالك؟ حاسة بإيه؟
ابتسمت له بخفوت، وتوردت وجنتيها، بينما جلست ضي بالجهة الأخرى تراقبها بقلق.
_شموسة جاوبي اخوكي
أما ميرال...فتوقفت، تتطلع لابنتها بصمت.
شيء ما كان يرتجف داخلها بعنف...
شمسها الصغيرة... طفلتها المدللة، كبرت.
كبرت لدرجة أنها ستصبح أمًا.
أمًا...الكلمة وحدها جعلت قلبها يرتعش.
ارتسمت صورة شمس بعمر الخامسة داخل عقلها، ضفائرها الصغيرة، ضحكتها، ركضها خلف يوسف وهي تصرخ:
"يوسف استناني!"
ثم قفزت صورة أخرى أمام عينيها
يوسف نفسه.
ابنها...ابنها الذي يضحك للجميع بينما يحمل داخله قبرًا صامتًا.
ابنها الذي حُرم من شعور الأبوة، رغم كل اللهفة التي تسكنه إليها
ابنها الذي يخفي انكساره خلف صمته
اختنقت أنفاسها فجأة.
واحدة من روحها تُزهر حياة داخلها،
والآخر يقف محرومًا منها.
يارب...
كيف يجتمع الفرح والوجع بالقلب نفسه هكذا؟
وصلت دينا، وابتسامتها تتجلى بملامحها
اقتربت من شمس بحماس.
_قولتي لماما يا شموسة؟
أغمضت ميرال عينيها فورًا، وكأن قلبها لم يحتمل كل هذا الألم، دقات قلبها ليست تنبض ولكنها تصرخ
هل تبكي؟
أم تضحك؟
هل تحتضن ابنتها فرحًا؟
أم تحتضن ابنها خوفًا من ذلك الوجع الذي سيخفيه حين يسمع الخبر؟
فتحت عينيها ببطء...
لتجد يوسف يساعد شمس على الجلوس بحنان أبوي فطري، وكأنه خُلق ليكون أبًا...
وهنا بالتحديد...
شعرت أن قلبها انكسر.
قال يوسف بلهفة:
_مالك يا حبيبة أخوكي؟
احمرت وجنتا شمس بخجل، وخفضت عينيها للأرض.
لتقف دينا بجوارهما، وتقول بسعادة غامرة:
_مبروك يا دكتور يوسف... هتبقى Uncle.
كلمات ماهي سوى كلمات الا أنها سقطت فوق قلبه، ورغم ذلك ابتسم بحنان بينما
تجمد كل شيء داخل ميرال.
رأت ابتسامة يوسف تتسع تلقائيًا، عيناه تلمعان بفرحة حقيقية لأخته
لكنها، كأم...رأت خلف تلك اللمعة ألف وجع مخبأ.
ورغم ذلك... ابتسم.
ابتسم لأخته بكل الحب الذي يملكه، بينما قلبه ينزف بصمتٍ موجع.
_الله الله... هبقى خال.
خرجت كلماته مرحة، لكن كل حرفٍ فيها كان يصرخ بوجعٍ دفين لا يسمعه أحد.
سحب شمس إلى أحضانه بقوة، بينما عيناه خانتاه حين وقعتا على ضي، التي تجمد جسدها بالكامل.
شعرت وكأن الكلمات سكين بارد انغرس بقلبها.
منذ أيام فقط كان بلال يعلن الخبر، واليوم شمس أيضًا...
وكأن الدنيا كلها تُزهر حولها، بينما رحمها وحده يقف صامتًا، خاليًا، موجوعًا.
قبضة قاسية اعتصرت صدرها حتى كادت تختنق.
ابتلعت غصتها بصعوبة، وحاولت رسم ابتسامة مرتعشة فوق شفتيها، بينما صوتها الداخلي يهمس بانكسار:
_هو أهم من أي حاجة...
الولد لو مجاش من يوسف مش عايزاه.
تلالأت الدموع بعينيها رغمًا عنها، فرفعت رأسها سريعًا حتى لا يفضحها أحد، ثم قالت بابتسامة موجوعة بالكاد تماسكت:
_مبروك يا شموسة... عقبال لما أشيله حبيبتي.
ابتسمت شمس بحنان، غير منتبهة لذلك الخراب المختبئ داخل عينيها.
_ميرسي يا ضي.
ثم التفتت إلى يوسف، الذي مازال يحتضنها، وطبعت قبلة رقيقة على وجنته وهي تهمس بفرحة طفولية:
_هبقى أم يا يوسف.. عقبالك لما تبقى اب، هتكون احسن اب متأكدة
أغمض عينيه للحظة، وكأن الكلمة أصابت شيئًا هشًا بداخله، ثم مسد على خصلاتها بحنانٍ بالغ، وقبل رأسها قائلًا:
_هتكوني أجمل وأرق أم في الدنيا يا حبيبتي.
ثم أضاف بخفةٍ حاول أن يزرع بها البهجة:
_ويكون في علمك بقى... أنا اللي هسمي البيبي، قولي لجوزك.
ضحكت دينا بخفة، و قالت:
_جوزها لسه ميعرفش أصلًا... هو في مكان خارج التغطية.
تنهد يوسف بهدوء:
_إن شاء الله يرجع بالسلامة.
نظرت شمس الى ضي وقالت بعفوية، غير مدركة أنها ستصيب قلب ضي بهذا العنف:
_عقبالك يا ضي.
ساد الصمت لثانية.
ثانية واحدة فقط... لكنها كانت كافية ليشعر يوسف بانطفاء روحها أمامه.
صفقت ضي بكفيها بخفة مصطنعة، ورفعت كتفيها محاولة التظاهر باللامبالاة:
_هقولك زي ما قولت لرولا المجنونة... أنا مش بفكر دلوقتي يا شموسة.
ثم أكملت بسرعة، كأنها تهرب من الحديث كله:
_عايزة أقدم رسالتي، اتأخرت عليها، وكمان جالي عرض من قناة مشهورة جدًا، فرصة أي حد يتمناها بصراحة.
قاطعتها دينا بابتسامة هادئة، لكنها لم تدرك أنها كانت تزيد جرحها عمقًا:
_صدقيني يا ضي... وقت ما تبقي أم، كل الأحلام دي هتحسي إنها ما تسواش نظرة من عيون ابنك.
شعرت ضي وكأن الكلمات سقطت فوق قلبها مباشرة.
انخفضت عيناها سريعًا حتى لا يرى أحد اللمعة المحترقة داخلهما.
تدخلت ميرال ، وقد شعرت باختناق الأجواء:
_لما ربنا يريد يا دينا... خليها براحتها.
في تلك اللحظة نهض يوسف فجأة، وكأن البقاء صار يؤلمه.
_ماما... لو هتقعدي أنا همشي.
انتفضت ضي هي الاخرى، فقالت بسرعة:
_وأنا كمان.
رفعت ميرال عينيها نحو ابنها، وقلبها يتمزق لحالتهما معًا، ثم أومأت بهدوء:
_اه يا حبيبي، هستنى شوية مع أختك، خد مراتك وروح.
تحرك يوسف نحو الباب بخطوات سريعة،و لكن صوت شمس أوقفه:
_يوسف...
استدار فورًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة رغم كل شيء:
_عيونه.
ابتسمت شمس بحب:
_يبقى تعالى تاني... امبارح معرفناش نتكلم.
عاد إليها بخطوات هادئة، وانحنى يقبل جبينها بحنانٍ أخوي صادق:
_خدي بالك من نفسك... ومن البيبي.
عايزه ييجي الدنيا بصحة كويسة، علشان العب معاه... وبكرة هاجي أشوفك يا حبيبتي.
قالها وهو يربت على رأسها بحنان، ثم تحرك للخارج أخيرًا.
لكن قبل أن يغادر...
التقت عيناه بعيني ضي للحظة.
لحظة قصيرة جدًا...
لكنها كانت مليئة بكل شيء لم يستطيعا قوله.. وجع.. حرمان.. وخوف صامت من حلمها الذي لم يتحقق
راقبتهم ميرال بصمتٍ موجوع، ثم غمزت لضي بخفة حتى تلحق به، وكأنها تحاول إنقاذ ما تبقى بين قلبين ينهاران بصمت.
بعد قليل
ترجَّل من السيارة، أوقفه بلال الذي ترجَّل من سيارته في نفس الوقت:
_كنتوا فين؟
التفت إليه يوسف، وعلى شفتيه ابتسامة واسعة:
_عند شمس...
ثم أضاف بمرحٍ وهو يقترب منه:
_شكلي هخسر كلِّ اللي أملكه السنادي عليك إنتَ وشمس.
قطب بلال حاجبيه بعدم فهم:
_مش فاهم.
اتَّسعت ابتسامة يوسف أكثر، ثم ربت فوق كتفه بقوة:
_مبروك يا جحش...هتبقى خال.
لثوانٍ...تجمَّد بلال مكانه يستوعب ما قاله، ثم فجأةً صرخ بفرحة:
_البتِّ العيِّلة حامل؟!
ثم انفجر ضاحكًا بطريقة هستيرية:
_يعني عيِّلة هتشيل عيِّلة!
ضحك يوسف رغماً عنه، ثم لكزه بعنفٍ خفيف:
_ما خلاص يا بغل، إيه عيِّلة دي؟ شمس عندها تلاتة وعشرين سنة.
هزَّ بلال رأسه بعدم اقتناع وهو يتمتم بجديَّة مصطنعة:
_لا لا...وكتاب الله ظلمتوها في التسنين، دي آخرها خمستاشر، إنَّما الرقم اللي بتقولوه ده فيه نصب.
رفع يوسف حاجبه ساخرًا:
_تصدَّق..إنتَ رخم بطريقة مستفزَّة..
ثم دفعه بخفَّة:
_يلَّا غور من وشِّي.
قهقه بلال، بينما التفت يوسف بعينيه يبحث عن ضي فتساءل:
_هيَّ ضي طلعت؟
أجابه بلال:
_راحت بيت أرسلان.
شعر بقبضةٍ تعصر صدره، حين تذكَّر ملامحها أثناء عودتهما وعدم حديثها... عيناها كانت ممتلئتانِ بوجعٍ حاولت تخفيه...وطريقتها وهي تهرب منه.
قهقه فجأة يردُّ على بلال يخفي اضطرابه:
_أرسلان حاف كدا...ده كان بيلعب معاك؟.
ضحك بلال وهو يهزُّ كتفيه:
_والله يا جو كان نفسي ألعب معاه كرة شراب.
تحرَّك يوسف، لكن خطواته تباطأت بظهور أرسلان متَّجهًا إلى منزل والده.
رفع رأسه ينظر إليه، ثم نادى على بلال المتحرِّك لمنزله.
_أرسلان أهو...يلا.
قطب أرسلان حاجبيه فور سماعه:
_ده احترام ده يا بن إلياس؟
ردَّ يوسف ببرودٍ مستفز:
_والله يا عمُّو أنا محترم...بس ابنك أبوه معرفش يربِّيه.
وصل بلال ينظر لوالده
_الله! ده أرسلان صح، إنتَ جيت إمتى يا جدع؟
قهقه يوسف يغمز لأرسلان:
_شوفت، عرفت أبو مين اللي ميعرفش يربِّي؟
زفر أرسلان بضيق وهو ينظر لهما:
_تصدَّقوا؟ أنتوا الاتنين محتاجين إعادة تأهيل.
ثم لوَّح بيده بملل:
_مش فاضي للتفاهة دي، عندي حاجات أهم...قال دكاترة، والله ولا القهوجية.
لكزه بلال وتحرَّك مبتعدًا:
_أنا رايح لمراتي، أرسلان شكله اتجوز على أمِّي وأنا مش فاضي أصالحهم على بعض.
وقف يوسف يتابع ابتعاد بلال بصمت...
واختفت ضحكاته، وشيء ما بداخله انطفأ فجأة.
عادت صورة ضي أمام عينيه بكلِّ تفاصيلها...ارتجافة شفتيها...نظرتها المكسورة...والدموع التي رفضت أن تسقط أمامه.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم رفع عينيه نحو منزل أرسلان.
تراجع خطوةً للخلف.
لا يريد الضغط عليها...لا يريد أن يذهب فتبتعد أكثر.
لكن قلبه كان يرفض فكرة ابتعادها عنه بهذه الطريقة.
زفر بعنف يمرِّر يده بشعره بتوتُّر، ثم استدار وكأنه سيغادر...
لكنَّه توقَّف..
ثوانٍ مرَّت...قبل أن يعود أدراجه مرَّةً أخرى بخطواتٍ أبطأ، أثقل، وكأنَّ شيئًا داخله يُساق إليها رغمًا عنه.
بالداخل...
كانت ضي تجلس بصمتٍ قاتل...بينما قلبها ينهار دون صوت.
ألقت نفسها داخل أحضان والدتها، تبكي بانهيارٍ أفزع غرام
شهقاتها كانت تخرج متقطِّعة، مؤلمة، وكأنَّ قلبها يُنتزع من بين ضلوعها ببطء.
ضمَّتها غرام بسرعة، تمسِّد على خصلاتها بقلق:
_فيه إيه يا حبيبتي؟
ثم همست بخوف:
_ضي...اتخانقتي مع يوسف تاني؟
لم تستطع الرد..فقط جلست على الأريكة وما زالت دموعها تهبط بلا توقُّف، بينما صدرها يعلو ويهبط بعنفٍ من شدِّة اختناقها.
جلست غرام جوارها سريعًا، تمسك وجهها المرتجف بين كفَّيها:
_بصيلي...فيه إيه؟
خرج صوتها مهزوزًا، بالكاد يُسمع:
_كنَّا عند شمس...شمس حامل يا ماما.
اتَّسعت ابتسامة غرام تلقائيًا، ولمعت عيناها بسعادةٍ صادقة:
_ماشاء الله...ربِّنا يكمِّلها بخير يارب...
لكن ابتسامتها اختفت حين رأت الانكسار بعيني ابنتها.
صمتت للحظة...ثم تنهَّدت بوجع، ورفعت ذقن ضي تنظر مباشرةً داخل عينيها الغارقتينِ بالدموع:
_اسمعيني كويس يا ضي...أنا مش ميرال علشان تتكسفي منِّي، أنا أمِّك ومصلحتك أهم من الدنيا كلَّها عندي.
ابتلعت ضي ريقها بصعوبة، بينما أكملت غرام بصوتٍ هادئ رغم الألم الذي ينهشها:
_إنتِ رضيتي بحالة جوزك...وقرَّرتي تكمِّلي معاه، وأنا رغم خوفي وافقت علشان شوفتك بعيد عنه عاملة إزاي، وشوفتك جنبه عاملة إزاي.
احتضنت وجهها أكثر، وعيناها تمتلئان بالعجز:
_بس لازم تفهمي...إنِّ الطريق ده مش سهل.
كلِّ يوم هتشوفي واحدة حامل، واحدة بتولد، واحدة شايلة طفلها، وإنتِ قلبك هيتقطَّع.
بدأت دموع غرام تتجمَّع وهي تهمس باختناق:
_الأمومة مش إحساس سهل يا ضي، والستِّ غير الراجل، العمر بيجري منها أسرع...وكلِّ سنة بتفرق.
انهارت ضي أكثر، تهزُّ رأسها بعنف:
_بس هموت لو بعدت عنه يا ماما... والله هموت.
أنا بحبُّه أوي...أوي لدرجة مخيفة... مش متخيِّلة نفسي مع راجل غيره، حتى لو اتوجعت، حتى لو بموت كلِّ يوم...مش قادرة أبعد.
أغمضت غرام عينيها بألم، ثم مسحت دموعها بحنانٍ أمومي موجوع:
_يبقى ما تزعليش بالشكل ده يا قلبي،
أنا مش مع قرارك، وخايفة عليكي ترجعي تندمي، بس سعادتك أهم عندي.
صمتت للحظة، ثم همست:
_ويوسف بيحبِّك...يمكن بطريقته الغلط، بس بيحبِّك، اللي عمله طول الفترة اللي فاتت ما يبقاش من واحد مش متعلِّق بمراته.
تراجعت ضي للخلف قليلًا، تنظر لوالدتها بنظراتٍ ضائعة، ثم قالت بصوتٍ مكسور:
_أنا أخدت تحاليله...وروحت لدكتور مشهور أوي.
عقدت غرام حاجبيها بقلق:
_تحاليل إيه؟
تنهَّدت ضي وكأنَّ روحها تُسحب منها:
_تحاليل يوسف.
اعتدلت غرام تنظر لها بترقُّب، بينما أكملت ضي بصوتٍ يرتجف:
_تعرفي الدكتور قالِّي إيه؟
قالِّي...لو اتجوز غيرك ممكن يخلِّف، هوَّ أه قال النسبة ضعيفة أقل من عشرين في المية لكن احتمال، الفكرة نفسها موِّتتني يا ماما، أموت ولا يقرَّب من واحدة تانية، مستعدَّة أفضل كدا بس ما يتجوزش يا ماما.
تجمَّدت غرام بالكامل.
اتَّسعت عيناها بصدمة، بينما ضي انفجرت باكية بشكلٍ هستيري:
_شوفتي قهرة أكتر من كدا؟
يعني المشكلة مش منه بالكامل... يعني ممكن في يوم يلاقيني أنا السبب الحقيقي في حرمانه من طفل...
شهقت غرام بقوة:
_استنِّي...يعني إيه؟
يوسف مش عقيم؟!.
هزَّت رأسها بسرعة وسط دموعها:
_كان عنده ضعف، وكان بيتعالج من فترة طويلة وأنا معرفش.
لقيت تحاليل كتير مخبِّيها...أخدتها وروحت للدكتور..
قالِّي حالته بتتحسِّن...وآخر تحليل بيقول إنِّ فيه أمل...بس...
اختنق صوتها تمامًا:
_بس مش معايا أنا...
وضعت كفَّيها فوق وجهها تبكي بانهيار:
_تفتكري كان عارف؟
تفتكري ممكن في يوم يبصلي ويلاقيني أنا اللي حرمته من ابنه؟
ممكن يتجوز عليَّا علشان يخلِّف؟
ثم صرخت فجأة، صرخة خرجت ممزَّقة من أعماق قلبها:
_أنا كدا هموت!
والله هموت يا ماما!
أنا استحملت كتير...استحملت وجع عمري كلُّه...بس دي لأ...دي أكبر منِّي...
مش قادرة أتخيَّل واحدة تانية تدِّيله طفل وهوَّ يبصلَّها بنفس النظرة اللي كنت بحلم يشوف بيها ابن منِّي..
أنا تعبت ومبقتش قادرة أتحمَّل، بختنق، وأنا عمَّال أرسم السعادة، وأنا جوَّايا بيتحرق يا ماما، مبقاش عندي قدرة أتحمَّل دا، قالتها
وانهارت تمامًا داخل أحضان والدتها، تبكي بطريقة تقطع القلب، بينما غرام ضمَّتها بعجزٍ كامل...عاجزة حتى عن مواساتها.
بالخارج...
وصل يوسف على كلماتها الاخيرة،
كلُّ حرف خرج منها..اخترق صدره كالسكاكين.
أغمض عينيه بقوة وهو يسمع انهيارها،
تراجع خطوةً للخلف، ثم أخرى...حتى غادر.
ارتجف جسده بعنف، بينما أنفاسه أصبحت متقطِّعة بصورةٍ مخيفة.
هو نفسه لم يعد يعرف ماذا يفعل.
يعرف فقط...أنَّه يدمِّرها معه يومًا بعد يوم.
رفع كفِّه يمسح وجهه بعنف، ودموعًا ساخنة خانته رغمًا عنه.
لأوَّل مرَّة يشعر بهذا العجز...
لأوَّل مرَّة يشعر أنَّه رجل ناقص أمام المرأة التي يحبُّها أكثر من نفسه.
عند ضي...ظلَّت غرام تمسِّد على خصلاتها تفكِّر بحديث ابنتها، ثم أخرجتها من أحضانها وقالت:
_حبيبتي اسمعيني كويس، بكرة إن شاء نروح لدكتور تاني، كانت دينا قالت لي عليه من فترة لمَّا اتأخَّر حملها، هوَّ الدكتور اتوفَّى، بس بتقولِّي ابنه شاطر زيُّه.
_حضرتك قولتي لطنط دينا؟.
هزَّت رأسها بالنفي وقالت:
_لا..كنَّا في النادي وواحدة صاحبتها كانت بتحكي معاناة مرات ابنها، وهيَّ اتكلِّمت قدَّامي، هكلِّمها ونروح له، مش عايزاكي تيأسي، حتى لو قفلت نعمل حقن مجهري.
_يوسف ميعرفش إنِّي أعرف يا ماما.
مسَّدت على خصلات ابنتها بحنان:
_مش مهم يعرف، الأول نروح للدكتور دا، وإنتي كمان تكشفي، إنتي روحتي لدكتورة واحدة، يمكن فيه مشكلة معاكي مع حالة يوسف وتكون بسيطة.
_ماما يوسف لسة الأمل عنده ضعيف.
اقتربت تزيل دموعها وابتسمت:
_طول ما فيه أمل نقول يارب، المهم قولي لي..إنتي خلِّي بالك من أيام تبويضك، وخلِّينا نمشي وقلوبنا فيها أمل، الأوَّل مكناش عارفين، لكن دلوقتي فيه أمل حتى لو نفس، بس فيه أمل، امسكي فيه، وزي ما الدكتور دا قالِّك ممكن يخلِّف مع حد تاني، ممكن نشوف المشكلة فين.
قبَّلت جبين ابنتها وأزالت دموعها:
_خلِّي ثقتك بربِّنا كبيرة حبيبتي، بطَّلي عياط، وقولي يارب، هوَّ فيه إن واحدة كلِّنا نعرف إنَّها ماتت ورجعت بعد خمس سنين بعد ما فقدنا الأمل، فيه أصعب من كدا؟.
المهم ما تيأسيش حبيبة ماما، وخلِّي بالك يوسف بعد موضوع شمس وبلال ممكن يضايقك، الموضوع صعب عليه، لازم تكوني طويلة البال.
_حاضر يا ماما...ادعي لي لو سمحتي.
ضمَّتها لأحضانها وانسابت دموعها تقول باختناق:
_بدعي لك حبيبتي، وكلِّ اللي يجيبه ربِّنا كويس.
بعد قليل...
عادت ضي إلى المنزل بخطواتٍ منهكة، جسدها بالكاد يحملها.
دلفت الغرفة لتجده جالسًا بشرفة غرفتهما، الظلام يحيط به بالكامل، وسيجارة مشتعلة بين أصابعه.
توقَّفت تنظر إليه للحظات، ثم همست بصوتٍ متعب:
_قاعد كدا ليه؟
لم يرد..و لم ينظر لها.
ظلَّ جالسًا كما هو...وكأنَّ روحه ليست هنا.
اقتربت منه بقلق، وما إن رأته يرفع السيجارة إلى فمه حتى انتزعتها من بين أصابعه بعصبية:
_إنتَ اتجنِّنت..
إيه اللي بتعمله ده؟!
قبض على كفِّها بعنف، وسحبها نحوه بقوة أرعبتها.
رفع عينيه إليها...عينان حمراء بشكلٍ أخافها.
_بلاش شغل الوجوه ده معايا...
بلاش تحسِّسيني إنِّك خايفة عليَّا...
خرج صوته مخنوقًا، حادًّا، كأنه يحاول خنق نفسه قبلها:
_امشي من قدَّامي دلوقتي...عايز أبقى لوحدي.
نظرت له بذهولٍ كامل.
كيف تبدَّل بهذه السرعة؟!.
هذا الرجل نفسه كان صباحًا يحتضنها ويحلم معها.،والآن ينظر لها وكأنَّها عدوِّه.
_يوسف...إنتَ مالك؟
صرخ فجأةً بعنف هزَّها:
_اطلعي برَّة بقولِّك!
ابتسم بوجع:
_وبلاش تمثيل الحب اللي بترسميه عليَّا..خلاص خدتي حقِّك منِّي.
شحب وجهها وشعرت وكأنَّ أحدهم صفعها بقوة.
تراجعت للخلف خطوة، تنظر إليه بعدم تصديق، بينما هو أشاح بوجهه سريعًا...خوفًا من انهيار ضعفه أمامها
استدارت ببطء وغادرت الشرفة والغرفة بأكملها، قررت تذهب تقضي بعض الوقت مع اخيها، وتتركه إلى أن يهدأ، كانت تعلم انه سينهار بعد عوته من عند شمس
وما إن اختفى صوت خطواتها...
انهار بالكامل.
ألقى سيجارته بعنف، وخرجت منه شهقة موجوعة حاول كتمها، لكنَّه فشل.
قلبه يتمزق من فكرة
أنَّ المرأة التي يحبُّها أكثر من الحياة...
سيكون هو السبب في تحطيم قلبها للأبد.
بعد فترة
دلفت الغرفة بخطواتٍ هادئة، فوجدته غافيًا فوق الأريكة، والظلام يبتلع المكان، ورائحة السجائر تخنق أنفاسها.
انقبض قلبها بعنف، وكأنَّ الغرفة تحمل كلَّ ما دار بينهما من قسوةٍ ووجع.
نزعت حذاءها بصمت حتى لا توقظه، ثم اتَّجهت إلى غرفة الملابس.
انتقت منامة ناعمة بلونٍ عسلي يليق ببشرتها، صفَّفت خصلاتها بعناية، وتعطَّرت بعطره المفضَّل...كلُّ هذا ودموعها تخونها، تنساب بصمت فوق وجنتيها، وكلماته لا تزال تمزِّق روحها بلا رحمة.
كيف استطاع أن يراها بتلك الصورة..
كيف يلقيها بتلك الاتهامات؟!.
نعم...أخطأت، لكنه أيضًا ذبح قلبها، وكأنَّ الحبَّ بينهما لم يكن يومًا كافيًا.
أنهت استعدادها، ثم عادت إليه ببطء.
وقفت أمام الأريكة تتأمَّل أعقاب السجائر المتكدِّسة بالمطفأة، فجمعتها بضيق وألقتها في القمامة، و
عادت بعينيها إليه...
ملامحه كانت هادئة بصورة مؤلمة، بريئة حدَّ الاستفزاز، حتى بدا كطفلٍ ضائعٍ لا رجلٍ حطَّم قلبها منذ ساعات.
ابتسمت رغم ألمها، وجلست أمامه على ركبتيها.
تسلَّلت أناملها بين خصلاته، ثم انحنت تطبع قبلةً طويلة فوق جبينه.
تسلَّلت رائحتها إلى أنفاسه، ففتح عينيه ببطء
اعتدل يمسح وجهه بإرهاق، بينما وقفت هي سريعًا تتصنَّع الجمود، تخفي ارتجافة قلبها.
ـ نايم هنا ليه، مفيش سرير يعني؟
رفع رأسه إليها، فتجمَّد للحظة.
عيناه جالتا فوقها ببطءٍ أشعل ارتباكها؛ شعرها المنسدل، عيناها الباكيتان، وذلك العطر الذي يحفظه عن ظهر قلب.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة متعبة:
ـ نعم؟
أشارت إلى الفراش وهي تتمتم بعنادٍ طفولي:
ـ يلا علشان ننام...الكنبة ضيَّقة، وممكن توقَّعني.
انفلتت منه ضحكة رغمًا عنه، هزَّ رأسه بعدم تصديق:
ـ إنتِ طبيعية؟
رفعت حاجبها بتحدٍّ:
ـ لا طبعًا...هكون طبيعية إزاي وأنا متجوزاك، عمرك شوفت دكتور مجانين حالته كويسة؟
اختفت ضحكته تدريجيًّا، ونهض يقترب منها حتى شعرت بأنفاسه تلفح وجهها:
ـ يعني أنا مجنون؟
تراجعت خطوة للخلف، لكنه استمرَّ بالتقدُّم حتى التصقت بالحائط.
ـ أومال إيه؟ ده العبيط يفهم ...إنتِ جنِّنتي العيلة كلَّها.
قبض على خصرها فجأة وجذبها إليه بعنفٍ أربك أنفاسها، فارتجف جسدها بين ذراعيه.
كانت تعلم أنَّ غضبه لم ينطفئ، وأنَّ بركانه ما زال خامدًا.
مال نحوها بعينينِ مشتعلتين:
ـ وإيه اللي مقعَّدك مع المجنون يا عاقلة؟
ابتسمت رغم رعشة شفتيها:
ـ نصيبي الأسود يا أخويا.
ضغط على خصرها بقوةٍ آلمتها، فشهقت تضرب صدره بقبضتها:
ـ اللي بين إيدك دي أنثى...متفتكرنيش مصارع!
أغمض عينيه للحظة، وكأنَّها تدفعه للجنون عمدًا.
ثم هتف من بين أسنانه:
ـ إنتِ إيه اللي جابك تاني؟
اتَّسعت عيناها بصدمةٍ مصطنعة، ثم دفعت صدره بإصبعها:
ـ إنتَ بتطرد مراتك!!دي الرجولة والشهامة؟
وأنا اللي جاية متشيَّكة، وقولت نقضِّي ليلة العيد زي أي اتنين متجوزين ومتنيِّلين على عينهم!
ثم دفعته بغضبٍ طفوليّ وهي تكمل بحدَّة تخفي انكسارها:
ـ كنت زماني في أوضتي برقص وبحتفل لوحدي.
اشتعلت عيناه بجنونٍ أربكها، وفجأةً دفعها نحو الفراش فسقطت عليه تضحك بصوتٍ مرتفع..ضحكات خرجت ممزوجةً ببكاءٍ موجوع، وكأنَّ قلبها لم يعد قادرًا على التحمُّل لتنهار بصمت.
حاوطها بجسده سريعًا، يحدِّق بها بأنفاسٍ مضطَّربة، ولم يشعر بنفسه سوى وهو يزيل دموعها بخاصَّته، أغمضت عيناها مع ابتسامة، كانت تتيقَّن أنَّ ما قاله ليس سوى كلماتٍ فقط، أقسمت بداخلها أن تؤكِّد له أنه ما زال ساكن الروح والجسد حتى العظم.
رفعت ذراعيها ببطء وأحاطت عنقه، ثم همست بصوتٍ مكسور قرب شفتيه:
ـ أنا بموت كفاية بقى...هترتاح لمَّا تدفنِّي في الآخر، المرَّة اللي فاتت أنقذتني، اوعدك المرَّة دي مش هتلحق.
تجمَّد مكانه وارتجف قلبه بشدَّة، لمست وجنتيه:
_معقول مش حاسس بقلبي؟... معقول تبقى قاسي وجافي كده؟!
كلمات لم تكن عتابًا...بل كانت طعنة اخترقت كل جدار بناه حول قلبه، هدمت غضبه دفعة واحدة، وأسقطت قسوته أرضًا كأنها لم تكن.
دفن وجهه بعنقها، وأنفاسه الساخنة ارتجفت فوق بشرتها، بينما ذراعاه اشتدتا حولها بجنون... كغريق وجد نجاته أخيرًا.
كان يحتضنها بقوة رجل يخشى أن تنفلت منه روحه إن ابتعدت.
أغمض عينيه بألم، يحاول عبثًا أن يداوي جراحها... وجراحه هو أيضًا.
ماذا يفعل أمام قدر يخشاه؟
كيف يحبها بكل هذا الجنون، ثم يحرم نفسه منها خوفًا من الغد؟
أبعدها قليلًا،... ليتأكد أنها مازالت بين يديه، أمام عينيه
كانت دموعها تلمع فوق وجنتيها، تخنق أنفاسه.
همس بصوت متعب:
_ بطلي عياط...
لكن شهقاتها كانت أقوى من احتماله، أقوى من قلبه الذي يتفتت بصمت.
رفع أنامله المرتجفة يمررها فوق شفتيها، ثم اقترب يسرق قبلة موجوعة... قبلة رجل يعترف بعشقه دون أن ينطق كلمة حب واحدة.
ابتعد عنها بصعوبة، وعيناه غارقتان بها:
_مش هقولك إني بحبك... ولا هقول أي كلام من ده... بس عايزك تتأكدي إني مش ناوي أجيب أطفال.
مش عايز أعذب ولادي معايا... مهما حصل، عمري ما فكرت ولا هفكر في الموضوع ده.
علشان كده... ابعدي عني يا ضي.
روحي حققي حلمك بعيد عني... لأن الحلم ده مستحيل يتحقق معايا.
ظلّت تنظر إليه طويلًا... إلى عينيه الضائعتين، إلى صدره الذي يعلو ويهبط بعنف، إلى رجل يبدو وكأنه يحارب نفسه بكل ما يملك.
اقتربت ببطء... حتى أصبحت أنفاسها تختلط بأنفاسه، ثم رفعت كفيها تحتضن وجهه بحنان أذاب ما تبقى من مقاومته.
وهمست بعشق موجوع:
_على فكرة... هتتحاسب عليا.
لأنك متجوزني على الورق بس... وده مش جواز يا يوسف.
يرضيك يبقى جوازنا ناقص!!
ارتجف قلبه بعنف.
نظر إليها بعجز رجل انتهت كل حروبه أمام امرأة واحدة فقط.
كان يشتاقها حد الوجع... يخاف قربها، لكنه يموت كلما ابتعدت.
ثم جاءت رصاصتها الأخيرة... بصوت مرتعش أبكى قلبه:
_يوسف... وحشتني؛ وحشتني أوي.
هنا... انتهى الكلام، ولم يعد للعقل وجود، ولا للخوف مكان.
اجتاحها بين ذراعيه كعاشق وجد جنته بعد تيه طويل، يضمها إليه بكل الشوق الذي أخفاه شهورًا، وكأن قلبه أخيرًا عاد لينبض.
ذابا معًا في لحظة لم يكن بها سوى عاشقين أنهكهما الفراق، فتعانقت الأرواح قبل الأجساد، واشتعلت الغرفة بأنفاسهما المرتجفة، بينما الحب بينهما كان يصرخ بصمتٍ موجع... صمت لا يفهمه إلا قلبان خاضا الحرب وعادا لبعضهما أخيرًا.
مرت ليلتهما كحلم سماوي، كأن الزمن رقّ لهما أخيرًا وقرر أن يتوقف قليلًا.
كانت نائمة فوق صدره، وأنفاسها تداعب عنقه، بينما هو يتأملها بابتسامة رجل امتلك الدنيا كلها بين ذراعيه.
مرر أنامله بخصلاتها بحنان، وقلبه يهمس بدهشة عاشق: هو فيه ست بتحب بالشكل ده؟
انحنى وطبع قبلة على وجنتيها، يمسد على خصلاتها يهمس لنفسه قبله
_حياة يوسف إنتي حبيبتي
ابتسمت بارهاق تهمس له
_وأنا اموت بعيد عن يوسف... قالتها وذهبت بنومها
مرت الشهور...
حتى جاء اليوم الذي نزفت فيه قلوب العاشقين دون رحمة.
خرج يوسف من الحمام، قطرات الماء تنساب فوق عنقه، ليجدها تجلس أمام المرآة، ترتدي قميصها الأسود الذي زادها فتنة، تمرر الكريم فوق بشرتها بنعومة سرقت أنفاسه.
ابتسم دون وعي، واقترب منها ببطء، ثم انحنى يطبع قبلة دافئة بجوار شفتيها.
_هعدي على بلال... أشوف جاب الأشعة ولا لأ.
رفعت عينيها إليه بحبٍ أذاب روحه:
_متتأخرش.
ضحك بخفوت، وعيناه تلتهمان تفاصيلها:
_وأنا أقدر برضه؟
أنا جعان على فكرة... كلميهم يطلعوا العشا هنا.
هنتعشى مع بعض لوحدنا النهارده... احتفالًا بوداع بيت أبويا قبل ما ننقل بيتنا.
ثم اقترب أكثر، يهمس عند شفتيها بعشقٍ مشاكس:
_ البيت اللي لسه ماحاسبتكيش على حُرقة... زي حبي كدا
تورد وجهها بخجل أربكه أكثر، فسرقت قبلة سريعة من شفتيه، وهي تهمس بدلال:
_هدفع التمن... ماتخفاش.
اطلب... وأنا تحت أمرك حبيبي
_اممم... هتقدري
_جدا جدا
_تمام لما ارجع... قالها وخرج
مضت ساعاات ولم يعود، ارتدت اسدالها ونزلت للاسفل
_عمو إلياس... يوسف مرجعش، بكلمه مابيردش
_شوفته داخل المكتب مع ميرال من شوية
اومأت وتحركت، كادت تفتح الباب ولكنها توقفت على حديث ميرال
_يوسف، حبيبي اخدت تحاليلك ورحت لدكتور كويس
رفع رأسه لوالدته ينظر إليها بقهر
_ماما لو سمحتي، مش عايز اتكلم في الموضوع، لو فعلا مش عايزة تضايقيني
جلست امامه واحتوت كفيه
_اسمعني حبيبي، الدكتور قال ان عندك فرصة، بس هتكون صعبة مع ضي،
اشار بيده يوقفها عن الحديث
_ماتكمليش، انا عارف الكلام دا من زمان، ومستحيل افكر في حاجة زي كدا
طالعته بذهول:
_كنت عارف إن عندك فرصة في الإنجاب، طيب ليه ماقولتش، وعلى فكرة أنا مش قصدي اللي فهمته، أنا قصدي مادام فيه فرصة، يبقى فيه أمل
أنا مستحيل اكسر قلب بنت عمك
_ماما... الموضوع منتهي، ومش عايز اتكلم فيه تاني، وخليني مع ضي، اللي متأكد انها عارفة
صمت يدقق النظر في عين والدته
_حضرتك قولتي حاجة لضي ياماما، خيبي ظني وقولي مستحيل اكسرك قدام مراتك
نهضت بجسدٍ مرتجف، تفرك بكفيها
_يوسف... اسمعني
توقف أمامها وشعر بقبضة تعتصر صدره، وتكورت الدموع في عينيه
_كان لازم أشك، ايوة، واحدة كانت تنام وتقوم على طفل، دلوقتي بتقول أنا مش عايزة اطفال، معنديش وقت، وانا الاهبل اللي صدقت طموحها، وفي الاخر انتي اللي...
يوسف... اسمعني.
خرج صوتها مرتجفًا، ضعيفًا، لكنه كان كافيًا ليزيد العاصفة المشتعلة داخله.
استدار إليها فجأة... وعيناه محمرّتان بشكل مرعب، كأن النوم هجره منذ سنوات، يشعر بأن قلبه يُذبح أمامها الآن.
كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه تكاد تحرق المكان، ذكريات ايامهما الأهيرة تضرب رأسه بلا رحمة...
_لياليهما، قربها، عشقها، دموعها، خوفها عليه...
هل كان كل ذلك تمثيلًا؟
اقترب منها بخطوات بطيئة لكنها مخيفة، ثم همس بصوت خرج مكسورًا رغم قسوته:
من إمتى بتعرف...؟!
ارتعشت شفتاها، لكنها لم تستطع الرد.
فابتسم بسخرية موجوعة... تلك السخرية التي تشبه البكاء أكثر مما تشبه الضحك.
انحنى قليلًا نحوها، وعيناه تلتهمان دموعها:
_أقولك أنا!!
من يوم الحادث... صح؟
علشان كده عملت فيها المضحية، وراحت جابت المأذون وأجبرتيني على الجواز... وأنا الأهبل اللي كنت فاكر...
اختنق صوته فجأة.
كور قبضته بعنف حتى ابيضّت مفاصله، ثم ضغط عليها بأسنانه وكأنه يحاول منع نفسه من الانهيار.
لكن الوجع كان أكبر.
وااااه!.. صرخة خرجت ممزقة، موجوعة، هزّت جدران البيت كله، ثم اندفع يدور بالغرفة كالمجنون، يبعثر كل شيء أمامه، وكأن الخراب حوله أهون من الخراب داخله... وهو تذكر كلمات عشقها له
كانت بتعمل كدا شفقة، صعبت عليها
هان عليكي ابنك، مراته تشوفه ناقص، وتتنازل علشانه بدافع الحب
التفت سريعا يصرخ
_انا كنت هسافر، وكنت عايش وهتأقلم، لكن انتي السبب، كل حاجة سيئة حصلت لي كانت انتي السبب
اغمضت عيناها وارتعش جسدها حتى هوت على المقعد بعدما خانتها ساقيها، لم يرحم ضعفها
_حتة سر معرفتيش تحافظي عليه، انا بقول لمين، كنتي حافظتي علي قبل كدا علشان تحافظي على سري
ظلت تستمع اليه بقلبًا ينزف، ودموع تدحرج على وجنتيها بصمت مزق روحها
في الخارج...
كانت ضي تقف كتمثال مكسور، تستمع لكل كلمة قالها لوالدته، ودموعها تنساب بصمت قاتل، حتى شعرت أن قدميها لم تعودا تحملانها.
وصل إلياس على صوت التحطيم، اتجه بسرعة نحوها:
_فيه إيه؟
رفعت إليه عينيها الغارقتين بالدموع، وهمست بشفتين ترتجفان:
_ يوسف... عرف إني عرفت بموضوعه.
انعقد حاجبا إلياس بصدمة:
_ مين قاله...؟!
قاطعه خروج يوسف.
خرج بأنفاس متقطعة، وهيئة رجل انتهى تمامًا.
توقفت عيناه على والده أولًا...
نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتُظهر كم هو مكسور من الداخل.
شعر إلياس أن قلبه يتمزق لرؤية ابنه بهذا الشكل، فابتعد خطوة للخلف... لا يريد أن ينهار أمامه، لا يريد أن يضعف أكثر.
أما يوسف...
فاتجه نحو ضي
يسير إليها ببطء مخيف، وعيناه لا تفارقانها لحظة، بينما هي تهز رأسها بالنفي، تبكي بصمت، كأنها تستجديه أن يصدقها دون كلمات.
وقف أمامها تمامًا.. قريب جدًا...
لدرجة اختلطت أنفاسهما.
ارتجف جسدها بالكامل، بينما هو يحدق بها كأنها الشيء الوحيد الذي يؤلمه... والشيء الوحيد الذي يحبه بنفس القدر.
ثم قال بصوت خافت مرعب
