رواية دكتورة في ورطة الفصل السادس 6 بقلم منه مصطفى

 

 

 

 

رواية دكتورة في ورطة الفصل السادس بقلم منه مصطفى

استيقظت حور قبل سارة وارتدت ملابسها ثم نظرت لها بخبث وذهبت إلى المطبخ لتتفاجئ بسمر التى نظرت لها وقالت بنبرة ساخرة :

 "إيه ده إيه النور ده كله؟ من امتى البرنسيسة بتصحى بدري كدة؟ ده انتي تتحسدي يا بنتي"

انطلقت ضحكة مرحة من بين شفتي حور وهي تتجاهل نظرات سمر الساخرة، ومدت يدها بتلقائية تعدل لياقة قميصها بكبرياء مصطنع وقالت بلهجة واثقة: 
"أكل العيش مر والله يا سوسو.. عندي عملية لمريض مهم وبدري جداً، فلازم أكون هناك قبل الكل، الانضباط في الدم يا حبيبتي."

لوت سمر فمها بابتسامةٍ جانبية تجمع بين السخرية والضحك، وهزت رأسها بقلة حيلة وهي تراقب حماس حور المريب، ثم قالت بنبرة متهكمة : "انضباط ! اممم حبيبى يا انضباط لا ده ربنا يستر على المجتمع منك انتى "

حور بمرح : "شكراً يا مصر.. دايماً محبطاني كدة. ابعدي بقى بعد اذنك وهاتي التلج من الفريزر."

سمر باستغراب : "تلج؟ تلج إيه يا حور؟ إنتي رايحة المستشفى ولا رايحة تبيعي آيس كريم على الصبح كده"

غمزت بعينها بشقاوة، وارتسمت على وجهها ابتسامة خبيثة وهي تبتعد بخطواتٍ راقصة نحو الغرفة وقالت بصوتٍ هامس وصل لمسامع سمر : "ابعدي كدة يا سوسو، حالا وهتعرفي هعمل ايه او بمعنى اصح هتسمعى هعمل ايه "

ضربت كفاً على كف بقلة حيلة وهي تراقب طيف حور المندفع نحو الغرفة، وهزت رأسها بابتسامة يائسة قائلة لنفسها : 
"عوض عليا عوض الصابرين يارب.. البنت اتجننت رسمي فهمى نظمى " 

تسللت حور كالأشباح داخل الغرفة، كاتمةً أنفاسها وهي تقترب من سرير سارة الغارقة في سباتٍ عميق وبحركةٍ سريعة ودقيقة لا تصدر عن غير محترف، وضعت كيس الثلج داخل ملابس سارة من ناحية قفاها

سارة انتفضت وهي بتصرخ: "ااااااااه إيه ده فيه ايه القطب الجنوبي ساح يا ناس الحقواااا البطريق في خطر "

انفجرت حور في نوبة ضحك هيستيرية لدرجة أنها لم تعد تقوى على الوقوف، فارتمت على الأرض وهي تضرب بيديها على السجادة والدموع تفر من عينيها من شدة المشهد. وفي تلك الأثناء، كانت سمر قد وصلت إلى عتبة الباب، وبدلاً من أن تنقذ الموقف، استندت بكتفها على الإطار وهي غارقة في ضحك صامت زلزل كيانها، تراقب سارة التي كانت تدور حول نفسها كالممسوسة محاولة التخلص من مصدر البرودة.

قالت حور وهي تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة، وصوتها يتقطع من بين نوبات الضحك التي لم تنتهِ بعد : 
"البطريق في خطر .... مش قادرة يا سارة، شكلك مسخرة" 

أما سارة فكانت في حالة لا تُحسد عليها؛ انكمشت على نفسها وهي ترتجف بعنف، وقالت بصوتٍ مرتعش ومتقطع:
"ماشي يا حور.. تلج يا مفترية ده أنا قولت إن جبال الهيمالايا وقعت عليا "

نادت سمر بصوتٍ عالٍ من المطبخ، وهي تحاول جاهدة السيطرة على نوبة ضحكها لكي تستطيع الكلام : 
"خلاص يا حور سيبِي البت في حالها، وانتى يا سارة قومى غيري هدومك دي وتعالي الفطار جاهز "

وقفت حور بزهو وهي تنفض ملابسها وتعدلها ببرود مستفز، وكأنها لم تكن منذ لحظات ملقاة على الأرض من الضحك، وقالت وهي ترفع رأسها بغرور مضحك:

"لا انا هفطر في المستشفى عشان كدة اتأخرت.. صحيح، هو ياسين فين؟"

سمر: "ياسين يا ستي جاله تليفون من اللواء رشاد الفجر، بعتله عشان فيه مأمورية أو حاجة خاصة، ونزل من بدري جداً."

حور بهدوء : "ربنا معاه "

توقفت حور للحظات، وبدأت تفرك يديها ببعضهما في حركة تنم عن توتر ملحوظ حاولت جاهدة إخفاءه، لكن لسانها خانها وهي تتلجلج في الكلام محاولةً استجماع شتات نفسها :

"هو.. هو يعني.. ياسين رن على الظابط ده؟ اللي أنا مش فاكرة اسمه إيه.. اللي كان موجود امبارح في النادي؟ شافوا عمل إيه ولا لسه تعبان؟"

تبادلت سارة وسمر نظرة مطولة ذات مغزى، نظرة سريعة كفيلة بتحليل كل هذا الارتباك الذي سقطت فيه حور فجأة، وبدأت ابتسامة خبيثة تترسم ببطء على وجهيهما

سارة بغمزة : 
"مش عارفة اسمه إيه برضه يا حور؟"
حور برقت لسارة بعينيها (بمعنى اسكتي هتفضحيني)

سمر بخبث أكبر: 
"رن عليه بس مردش، ممكن يكون روح بليل متأخر ونام من التعب.. ايوة صح، بالمناسبة اسمه سيف يا دكتورة.. ها سيف."

انفجرت سمر وسارة في نوبة ضحك مدوية هزت أركان الغرفة،وفي المقابل، تحول وجه حور إلى اللون الأحمر القاني مثل حبة طماطم ناضجة من فرط الكسوف والغيظ: 
"مش عايزة اعرف اصلا على فكرة أنا ماشية، سلام"

اندفعت حور خارج المنزل بخطوات سريعة وهي تبرطم بكلمات غير مفهومة من شدة غيظها، محاولةً الهروب من نظراتهما الساخرة وطول الطريق مش في بالها غير كلمة سمر "نام من التعب"، وقلبها كان بيدق وهي بتسأل نفسها:
"يا ترى يا سيف جرحك عامل إيه دلوقتي؟"

°°°°°°°°ـــــــــــــــــــــــــــــ°°°°°°°°
فى مكان آخر فى منطقة المستودعات المهجورة 

كانت الأجواء مشحونة بريحة الرطوبة والبارود. القوة محاصرة مخزن ضخم بيتم فيه تسليم شحنة سلاح تقيلة. اللواء رشاد كان صوته طالع في اللاسلكي بحزم: "سيف.. ياسين.. الهجوم هيبدأ دلوقتي، مش عايز ولا واحد فيهم يهرب، الشحنة دي لازم تتحرز كاملة."

سيف كان لابس سترة واقية، ماسك سلاحه الآلي بسبات مرعب، وجرح كتفه متخيط كروكي ومغطي بضمانة طبية خفيفة. بص لياسين اللي كان بيراجع إشارة القناصة، وهز له راسه.

سيف بفحيح مرعب: "ياسين.. انت هتاخد المجموعة (ب) من اليمين، أنا هقتحم من القلب "

ياسين بصرامة وهو بيعمر سلاحه : "تمام يا صاحبي.. نتقابل جوه."

" هجـوووووووم "

انفجرت القنابل الصوتية، وبدأ ضرب النار يملى المكان زي المطر. سيف كان بيتحرك بخفة ، مبيترددش لحظة، بيقتحم بتحركات محسوبة وسرعة خاطفة،ووهو بيضرب نار بدقة خرافية. واحد من العساكر (مجند شاب) اتصاب في رجله ووقع في مرمى النيران

سيف شاف المشهد، وبدون تفكير، رمى نفسه وسط الرصاص، سحب العسكري بضهر إيده وهو بيضرب نار بالإيد التانية عشان يغطي الانسحاب، الرصاص كان بيخبط في الحيطان جنبه، لكنه متهزش، عينيه كانت حمرا من الغضب والتركيز.

سيف بيصرخ في العساكر : "اثبتوا أماكنكم غطوا المكان كويس محدش يتراجع "

في الجانب التاني، ياسين كان ذي الإعصار، دخل وسط العصابة واشتبك معاهم إيد لإيد بعد ما الرصاص خلص كان بيضرب بقوة ، حركة منه كسرت دراع واحد بيحاول يرفع طبنجة، وحركة تانية نيمت التاني في الأرض.

فجأة، قنابل يدوية اترموا ناحية سيف، ياسين صرخ بأعلى صوته: "سيييييف انبطح!"
سيف رمى نفسه ورا برميل حديد، الانفجار هز المكان وغطى سيف بالتراب والدم

سيف قام من وسط التراب، ملامحه كانت متغطية بالسواد والدم، وشكله بقى مرعب بجد. مسمحش لنفسه يحس بالوجع، كمل هجومه لحد ما وصل لزعيم العصابة، مسكه من رقبته ورفعه لفوق وهو بيضغط بكل قوته.

سيف بصوت فحيح من وسط سنانه : "قولتلك هجيبك.. والطوفان لما بيوعد، بيوفي."

الزعيم بقوة : " وانا مش هسيبك تتهنى يا طوفان " 

انتهت المهمة ، المكان كان مليان دخان، عساكر بتنقل المصابين، وياسين واقف بيمسح العرق والدم من على وشه، وبص لسيف اللى قفل عينه لحظة بياخد نفسه، وياسين قرب منه وضربوا قبضات إيديهم في بعض بقوة 

°°°°°°°°ـــــــــــــــــــــــــــــ°°°°°°°°
كانت سارة واقفة على باب الفصل بإبتسامتها المعهودة، بتستقبل الأطفال بنشاط، وفجأة شافت ليلى جاية، بس المرة دي مش لوحدها، كان آدم ماشي جنبها وماسك إيدها.

سارة وهي بتحضن ليلى : "اهلا بالست لولى نورتي المدرسة يا قمر "
ليلى دخلت الفصل وهي بتضحك، وسارة رفعت عينها لآدم وقالت بفضول ومرح: 

"غريبة يعني أول مرة توصل ليلى بنفسك، ده إيه الكرم ده كله"

آدم بإبتسامة هادية : "ليه يعنى هو أنا مينفعش أوصل أختي ولا ممنوع "

سارة بخبث بسيط : "أبداً ينفع طبعاً بس أصلها كانت بتحكيلي قد إيه بتتحايل عليك توصلها وإنت دايماً يا عيني مشغول ومش وراك غير الشغل، فضيت مرة واحدة كدة"

آدم بإحراج وهو بيحك طرف مناخيره : "هو أنا سمعتي وحشة أوي كدة عندكم" 

سارة برخامة مضحكة : "أكتر مما تتخيل يا بشمهندس "

آدم ضحك، وبعدين ملامحه قلبت جدية مصطنعة وهو بيمد إيده بشنطة شيك:
"طيب حيث كدة بقى، وبما إن كده كده سمعتي بايظة يعنى اكده ميت واكده ميت يبقى هخاف من ايه ....القميص أهو، يا ريت تغسليه أو تجيبلي واحد غيره زي ما اتفقنا "

سارة فتحت الشنطة بصدمة : "هو إنت كنت بتتكلم بجد؟ أنا قولت بتهزر" 

آدم بجدية مصطنعة: "طبعاً بجد، أومال أنا ههزر معاكي القميص انتى اللى بوظتيه "

سارة فضلت تتجادل معاه: "علفكرة انا مجتش جنبه وبعدين حتى لو معندكش غيره مثلاً "

آدم بتفكير : عندى بس انا بحب القميص ده جدا فياريت تحاولى ترجعيه ذى الاول " 

سارة ربعت ايديها وقالت : "تمام جداً، بس أنا مش هجيب قمصان لحد، عايز تاخده تجيلي بنفسك أنا مش بروح لحد "

لسه آدم هيتكلم ، قطع كلامهم صوت نسائي ناعم بزيادة، صوت آدم عارفه كويس:
"أخص عليك يا دومى بقى انت هنا وأنا بقالي يومين برن عليك ومش عارفة أوصلك "

آدم اتنفض مكانه، وبص لها بحدة وصوت منخفض: "انتى ايه اللى جابك هنا وعرفتي مكاني منين "

البنت قربت منه وبدون مقدمات اتعلقت في رقبته بحميمية مبالغ فيها، آدم زقها بسرعة وهو بيبص لسارة بتوتر، لكن البنت كملت بدلع مستفز:

"روحتلك الفيلا ملقتكش، سألت الأمن وقالوا إنك جيت هنا، فجيت وراك علطول يا حبيبي."

بعدين لفت نظرها سارة اللي واقفة بتبص للموقف بذهول وقرف، وبصت لها باحتقار وقالت: "وانتي مين بقى؟ الدادة بتاعة المدرسة ولا إيه؟"

سارة دمها غلي، وحست بنار جواها، بس حافظت على هدوئها وقالت بصوت طالع بالعافية: "لا للأسف.. أنا مدرسة ليلى." 
ووجهت كلامها للبنت: "وحضرتك تبقي مين بقى؟"

البنت اتشبثت في إيد آدم وحضنتها بقوة وقالت : "انا مريم خطيبته يا قلبي، وقريباً إن شاء الله هبقى مراته.. عقبالك يا حلوة."

سارة في اللحظة دي حست كأن جردل مياه سقعة وقع فوق راسها، الدنيا لفت بيها، وبصت لآدم اللي كان واقف مشلول مش عارف يبرر ولا ينطق حرف، وكأنه متثبت في مكانه بصت لعينيه بعتاب وصدمة فى نفس الوقت 

سارة بخنقة : " ربنا يتمم لكم على خير " 
من غير اى كلمة تانى دخلت الفصل وقفلت الباب وراها 

°°°°°°°ـــــــــــــــــــــــــــــ°°°°°°°
وقف سيف وياسين قدام مكتب اللواء رشاد رغم التعب والإصابات، كانوا واقفين بظهر مفروض وكأنهم أسود في عرينهم.

اللواء رشاد قام من مكتبه، ووشه منور بابتسامة فخر حقيقية، وبص لهم بنظرة تقدير وهو بيهز راسه

اللواء رشاد: "عفارم عليكم يا رجالة.. رفعتوا راسي وبيضتوا وش الجهاز كله، العملية كانت شبه مستحيلة، بس بفضل الله وبفضل ذكاءكم وشجاعتكم، الشحنة الحمد لله اتحرزت والعصابة كلها ورا القضبان."

سيف وياسين خبطوا رجليهم في الأرض تحية عسكرية بمنتهى القوة والإنضباظ 

سيف بصوته الرخيم وهدوءه المعتاد : "توجيهات حضرتك يا فندم، إحنا معملناش غير واجبنا تجاه بلدنا وتجاه الثقة اللي حضرتك حاططها فينا."

ياسين (بثقة): "يا باشا إحنا تحت الطلب في أي وقت "

اللواء رشاد قرب منهم وطبطب على كتافهم بقوة
اللواء رشاد:
"عارف يا ياسين.. وعارف إنكم مابتهابوش الموت بس الإصابات المرة دي تقيلة، خصوصاً إنت يا سيف بلّغوني إنك نزلت المأمورية وجرحك لسه ملمش."

سيف بثبات :"الجروح بتلم يا فندم، بس انا كان لازم أكون موجود وسط رجالتي "

اللواء رشاد: "تمام يا أبطال، دلوقتي قدامي على المستشفى فوراً " 

سيف وياسين (بصوت واحد): "تمام يا فندم "

خرجوا من المكتب، وياسين عينه على كتف سيف اللي مش مبطل نزيف 

ياسين بجدية: "سيف بلاش عِند.. لازم تروح المستشفى حالاً تغير على الجرح ده عشان ميتلوثش "

سيف بزهق ونفخة ضيق :"يا عم هو إنت هنا وأمى فى البيت يا جدعان حاضر.. حاااضر إيه ده، مفيش هروب منكم "

ياسين ضحك وقرب منه، وحط إيده على كتافه بحركة حنينة وقال بدلع مضحك: 
"شطور يا سيفو.. هنا يسكن أشطر كتكوت في مجرة درب التبانة"

سيف نفض إيده بسرعة ورفع حاجبه باستنكار: 
"ما تظبط ياض إيه شغل البنات ده"

ياسين بمرح ودلع: "بدلعك يا عم، انا غلطان يعني حد يلاقي الدلع ويقول لأ "

سيف برد قاطع : "لا يا حبيبي، قرة عيني المستقبلية هي اللي مسموح لها تدلعني بس، إنما أنت تدلعني ليه "

ياسين وهو بيلعب حواجبه : " إن مكنتش أنت تدلعنى مين هيدلعني يا سيفو"

سيف فجأة سحب سلاحه من الجراب بحركة سريعة ووجهه ناحية ياسين:
"والله لو ما لميت نفسك لهخلص الخزنة كلها في دماغك دلوقتي، وأرتاح من هبلك ده "

ياسين رفع إيده بسرعة وبخوف مصطنع وكوميدي : "خلاص يا باشا براءة المسدس لا، ده إحنا دافنينه سوا يا راجل"

ياسين سكت لحظة، وبعدين ملامحه اتغيرت وبقى هادي ومحترم بزيادة، وبدأ يتكلم بنبرة الابن البار:
"بقولك إيه يا سيف.. أنا كنت عايز أعوض ليان عن اللي حصل، وكنت ناوي آخدها ونروح المكتبة زي ما اتفقنا، عشان اللوحة بتاعتها وكده يعنى "

سيف بصله من تحت طرف عينه: 
"احترم نفسك بقى عشان أنا مش بحب الدخلة دي، وأنا حافظك كويس أوي يا ياسين"

ياسين بيحاول يقنعه بجدية:
"يا سيف والله ليان دي أختي الصغيرة، وأكيد هخاف عليها زي حور بالظبط، وبعدين إنت مش بتثق في أخوك ولا إيه"

سيف بحدة: "لا.. ومتعصبنيش أكتر ما أنا متعصب"

ياسين مشي وراه وهو بيقلد "محمد هنيدي" في الفيلم وبصوت واطي ومضحك: "باشا ... باشا.. باشا باااااشا"

سيف وقف فجأة واتعصب: "ماشي يا ياسين بس والله العظيم لو حسيت منك بأي غدر، لا هعمل حساب لأي صحوبية بينا، انت عارفني"

ياسين (ضحك بصوت عالي): "لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة أخيراً يا جدع.. متقلقش يا صاحبي، ليان أختي الصغيرة، عيب عليك."

سيف بعدم راحة :" مش مرتاحلك.. بس أنا حذرتك هرن عليها تجهز وإنت تروح تاخدها توديها المكتبة وترجعها بيتها تاني، مفهوم؟"

ياسين بفرحة: "أوامرك يا كبير"
ولسه هيجري على العربية، سيف نادى عليه بقرف:

"إنت ياض انت هتروح لها بريحتك اللي تقرف دي"

ياسين وقف وشم نفسه فجأة وكرمش وشه: "تصدق عندك حق أنا مستحمل نفسي إزاي بس"

سيف: "روح البيت خد دش وغير هدومك دي وبعدين روح لها."

ياسين طار على عربيته وهو بيغني من الفرحة، وسيف ركب عربيته واتنهد بتعب، وفي وسط زحمة أفكاره ملمحتش عينه غير صورة "حور" اللي بقت هي الهدوء الوحيد بعد كل عاصفة بيدخلها. 

°°°°°°°°ـــــــــــــــــــــــــــ°°°°°°°°
خرجت حور من غرفة العمليات، وشها كان شاحب وعلامات الإرهاق باينة تحت عينيها بعد ساعات طويلة من التركيز. كانت بتقلع الكمامة وبتتنفس بتعب، وفجأة لقت دكتور خالد خارج وراها بسرعة

خالد: "دكتورة حور استني بس، بجد عملتى مجهود عظيم النهاردة.. انتي تعبتي جداً ولازم تفصلي، تعالي أعزمك على أي حاجة من الكافتيريا، قهوة أو حتى عصير، مش هينفع تكملي يومك كدة."

حور (بنبرة هادية ورافضة): "شكراً يا دكتور خالد، بجد مش قادرة، أنا محتاجة بس أرتاح شوية في مكتبي."

خالد (بإصرار مستفز): "والله ما يحصل، لازم تعوضي السوائل اللي فقدتيها دي، مش هسيبك غير لما توافقي."

حور لرفعة حاجب : " هو انا اللى كان بيتعملى العملية علشان تقولى تعوضى السوائل "

حور لسه هتمشي، خالد مد إيده ومسك إيدها عشان يوقفها: "يا دكتورة اسمعي بس.."

على الجانب الآخر كان سيف داخل الممر، وعينيه بتدور عليها لحد ما شاف المشهد ده " إيد خالد وهي ماسكة إيد حور" عروق رقبته برزت وعينه قلبت جمر نار سيف مسمحش لنفسه يفكر ثانية واحدة.

بخطوات واسعة، وصل عندهم، وبحركة احترافية شد حور وراه بكتفه السليم، والإيد الثانية نزلت بـ بوكس (لكمة ) قوية في وش خالد، خلت خالد يترمي لورا ويخبط في مكتب التمريض

سيف بحدة : "إنت إزاي تتجرأ وتحط إيدك عليها يا حيوان "

خالد قام وهو ماسك وشه بذهول وألم، وحور وقفت في نص الممر مذهولة، والناس بدأت تتفرج.
خالد (بزعيق): "إنت مين إنت وإزاي تمد إيدك عليا في مكان شغلي أنا هطلب لك الأمن "

حور بصدمة وغضب من سيف : "استنى يا دكتور خالد.. أنا متأسفة جداً، حقك عليا، ارجوك روح دلوقتي وأنا هحل الموضوع ده."
بعد محايلات، خالد مشي وهو بيبص لسيف بوعيد، وحور لفت لسيف وعينيها بتطلع شرار.

حور بغضب : "انت اتجننت إيه اللي إنت عملته ده؟ إنت فاكر نفسك فين ولا بتتعامل مع مين "

سيف بغل وهو بيشاور على خالد : "إنتي مش شايفة الحيوان ده كان بيعمل إيه ولا عاجبك الوضع يا دكتورة "

حور قربت منه : "عاجبني أو مش عاجبني دي حاجة تخصني أنا وعلفكرة انا بعرف احط حدود لكل واحد كويس جدا مش عيلة انا ثم انك بصفتك إيه تدخل في حياتي أو في شغلي إنت مجرد مريض عندي، والظاهر إني غلطت لما سمحت لك تتعدى حدودك معايا "

سيف بضحكة ساخرة : واضح أوي الحدود.. ده كان ناقص يخدك في حضنه وإنتي واقفة تتفرجي "

حور بصوت عالي : "أنا كنت لسه هرد عليه بأسلوبي لكن انت مديتنيش فرصة إنت دائماً كدة مبتفكرش غير بـ دراعك وبس لاغى عقلك خالص ..... اتفضل امشى من قدامى یا سیف لو سمحت ومش عايزة أشوف وشك هنا تاني "

سيف بصلها بنظرة خذلان وغضب مكتوم، وعدل التيشرت بتاعه بجمود وقال بصوت واطي: "تمام يا دكتورة انا غلطان إني جيت أصلاً "

سيف لف ضهره ومشي بخطوات سريعة ومنتظمة رغم جرحه اللي كان بينزف وحور وقفت مكانها، قلبها بيتقطع بس كبريائها منعها تنطق.. دخلت أوضتها ورزعت الباب وراها، ومفكرتش حتى تنادي عليه، وسابت الدموع تنزل من عينها لأول مرة.

°°°°°°°°ـــــــــــــــــــــــ°°°°°°°°
في مكتبة فنية كبيرة في الزمالك، كان المكان هادي وريحته ورق وألوان. ليان كانت ماشية بين الرفوف زي الفراشة، عينيها بتلمع وهي بتلمس الفرش واللوحات. وياسين ماشي وراها شايل السلة وكل شوية يضحك على حماسها.

ياسين (بمرح) : براحة يا ليان، المكتبة مش هتطير انتي لو شفتي علبة ألوان تانية ممكن يغمى عليكي من الفرحة."

ليان بكسوف ورقة : بجد يا ياسين الألوان دى حلوة اوى انا كنت بدور عليها بقالى كتير .. شكراً بجد إنك جبتني هنا، أنا كنت زعلانة على اللوحة القديمة بس دى هتبقى احلى بكتير."

ياسين بص في عينيها: "انتى كده كده مش بترسمى اى حاجة وحشة اختارى اللي إنتي عايزاه انتى النهاردة يومك."

ليان وشها بقى أحمر تماماً وبصت في الأرض وهي بتبتسم، وحست لأول مرة إن كلام سيف عن ياسين وإنه بتاع بنات ممكن يكون غلط، وإنه إنسان حنين بجد

وفجأة، وهما واقفين عند ركن ألوان الزيت، صوت أنثوي ناعم قطع اللحظة:

"ياسووو! مش معقول .. إنت هون بمصر؟"

ياسين لف بصدمة، وفجأة بنت لبنانية صاروخ بملامح جريئة ولبس شيك جداً جريت عليه وحضنته بمنتهى التحرر وسط المكتبة.

ياسين بذهول: "نادين ؟! إيه المفاجأة دي انتي جيتي مصر إمتى ؟"

نادين (وهي لسه ماسكة في إيده وبتتكلم بدلع): "من يومين بس.. لك يا نصاب، قولتلي رح تدقلي أول ما توصل والنا أسبوع ما بعرف عنك شي! اشتقتلك يا وحش."

ياسين ضحك وبدأ يندمج معاها في الكلام ويهزر: "والله الشغل يا نادين إنتي عارفة المأموريات مبتخلصش... بس انتى نورتي القاهرة."

ليان كانت واقفة على بعد خطوة، مستغربة الموقف ومش عارفة تعمل ايه شافت ياسين اللي نسي وجودها تماماً 

لیان حست بوجع في قلبها كأن حد غرز سكين، الدموع لمعت في عينيها بس مسمحتلهاش تنزل بصت لياسين لقته مديها ضهره ومنشغل تماماً بضحكات نادين العالية.

ليان بمنتهى الهدوء، سابت علبة الألوان اللي كانت في إيدها على الرف، ومشت ناحية الكاشير بخطوات سريعة. طلعت فلوس من شنطتها ودفعت تمن الحاجات اللي اختارتها وأخدت الشنطة وخرجت من المكتبة من غير ما تطلع ولا صوت.

ياسين كان لسه بيضحك مع نادين
نادين: "لك مين هيدي البنوتة اللي كانت معك ؟
رفيقتك ؟ "

ياسين لف وهو بيعدل نضارته: "دي ليان أخت سيف
سكت فجأة لما ملقهاش وراه بص يمين وشمال، دور عليها بين الرفوف ملقاش لها أثر.

ياسين (بقلق): "ليان؟ ليان إنتي فين ؟"

جري على الكاشير: " لو سمحت الآنسة اللى كانت معايا راحت فين ؟"

الموظف: "حاسبت على الحاجة وخرجت من دقيقتين يا فندم."

ياسين حس كأن حد ضربه على دماغه. ساب نادين وجري على البوابة بره بس كانت ليان ركبت تاكسي واختفت عن عينه تماماً.

ياسين وهو بيضرب الحيطة بإيده: "يا غبي يا ياسين بوظت كل حاجة في ثانية."

°°°°°°°°ـــــــــــــــــــــــــــ°°°°°°°°
فى مكتب حور 

كانت حور جالسة خلف مكتبها، تسند رأسها بين كفيها المرتجفتين. الصمت في الغرفة كان يجلدها، ونظرة عين سيف لا تفارق خيالها

نظرت إلى يدها التي لامستها يد خالد، ثم نظرت إلى الباب وشعرت بغصة في حلقها 

حور بتأنيب ضمير: "أنا غبية بجد، إزاي أقوله كدة ما أنا لو كنت مكانه أو ياسين كان مكانه كان عمل كدة.. ياربي بقى "

سكتت لحظة وهي بتفتكر شكل الدم اللي كان على هدومه، ورجعت كملت بضيق: "أيوة بس برضه هو فضحني قدام المستشفى كلها، وكمان كان ممكن يضيع نفسه أوف بقى، أنا تعبت من التفكير"

قامت من مكانها وهي بتمسح وشها بتعب، وقررت إنها لازم تنهي الصراع ده:
"لازم أشوفه مش هينفع يمشي وهو فاكر إني فعلاً مش مقدرة اللي عمله.. أعتذر له المرة دى بس وخلاص "

على الجانب الآخر من المستشفى، كان سيف قاعد بجمود تام، ودكتور تاني بيحاول يطهر له الجرح سيف لم يكن يشعر بلسعات المطهر، فبرود كلام حور كان أقوى من أي ألم جسدي كان متضايق من نفسه ومن اندفاعه، وحاسس بتقل مش طبيعي في صدره

فجأة، انقطع حبل أفكاره بصوت صرخة دوت في ممرات المستشفى، صرخة رعب هزت كيانه.. مكنش محتاج يسأل دي مين، قلبه انتفض قبل جسمه وهو بيهمس: "حور!"

سيف قام بانتفاضة خلت الدكتور يرجع لورا بخوف، جري في الممر وهو بيتحامل على وجعه، لحد ما وصل للبهو الرئيسي.

المستشفى كانت في حالة فوضى عارمة، مرضى يجرون في كل اتجاه، ولكن في المنتصف تلاتة ملثمين شايلين سلاح آلي، وشخص رابع ضخم ماسك حور من رقبتها بكل غل، وحاطط سكينة حادة على رقبتها

حور، اللي كانت حاسة إن أنفاسها بتتسحب منها، أول ما لمحت سيف واقف في نهاية الممر حست برعشة في جسمها كله

همست بصوت مبحوح، ممزوج بالبكاء والرجا كأنها طفلة وجدت أمانها أخيراً: 

"سيف.. الحقني يا سيف "

تعليقات