رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الثاني والسبعون 72 بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الثاني والسبعون 

هناك رجالٌ لا يبكون حين تؤلمهم الحياة... بل حين تضع بين أيديهم الحلم الذي حاربوا لأجله طويلًا، ثم تهمس لهم في اللحظة نفسها أنَّه ليس لهم.

وهو... كان يقف على حافَّة ذلك الإدراك القاسي، يحدِّق في الفراغ بعينين أكلتهما الخيبة، بينما شيءٌ داخله ينهار قطعةً بعد أخرى.

وهي... لأوَّل مرَّة، تشعر أنَّ وجعه أكبر من قدرته على الاحتمال... وأنَّ عينيه اللتين أنهكهما الحرمان طويلًا، كانتا تستغيثان بصمتٍ يقتلها.

لهذا ركضت إليه بقلبٍ مرتعش، لا تحمل بيديها حلًّا لمعاناته... بل تحمل نفسها فقط. تركض نحوه كما تركض الأرواح إلى مواطنها الأخيرة، بخوف امرأةٍ تشعر أنَّ من تحبُّه يوشك أن يسقط في هوَّةٍ لن يخرجه منها أحد.

الليلة... لن يكون الانكسار عابرًا.

ولهذا جاءت إليه... لا كنجاةٍ مؤقَّتة، بل كوطنٍ يحاول احتواء ما تبقّى منه. جاءت بقلبٍ مُثقلٍ بالخوف عليه، وبحبٍّ لم يعد يعرف كيف يختبئ، كأنَّ روحها اختارت أخيرًا أن تعترف له بأنَّه أكثر رجلٍ أوجعها... وأكثر رجلٍ أحبَّته.

خرجت ضي بخطواتٍ متعثِّرة، وعيناها لا تفارقان شاشة هاتفها وهي تعيد الاتصال به للمرَّة التي لا تعلم عددها... لكن لا شيء سوى ذلك الصوت البارد يخبرها أنَّ الهاتف مغلق.
توقَّفت أمام الرصيف تلتقط أنفاسها بصعوبة، بينما ارتجفت شفتيها وهمست لنفسها بصوتٍ مختنق:
_ياترى إنتَ فين يا يوسف...ليه دايمًا تاعب قلبي كده؟

فعدم ردِّه وإغلاقه للهاتف سحب الطمأنينة من روحها بالكامل، تشعر بأن قلبها ينعصر بقسوة...وكأنَّ شيئًا سيِّئًا يحدث له الآن.
خاصَّةً بعد ما رأت بعينيها...سعادة الآخرين بمولودهم الجديد، ضحكاتهم، دموع فرحتهم، ولهفة أخيها وأبيها وهما يحملان طفله بين ذراعيهم.
كان مشهدًا كسكِّينٍ يغرس داخل قلبها.. 
ترى ماذا يشعر الآن؟
وهو كان يقف يبتسم للجميع بينما روحه تنزف بصمت؟
هل تألَّم لأنه يحُرم من شعور الأبوة؟
هل يبكي الآن؟
هل انهار مثلها؟
هل يشعر أنه ناقص؟
هل يلوم نفسه؟
هل يختنق كما تختنق هي الآن؟
توالت الأسئلة داخل رأسها بشكلٍ مرعب حتى شعرت أن عقلها لم يعد قادرًا على الاحتمال، وأن أفكارها تحوَّلت إلى دوَّامة تسحب أنفاسها ببطء.
وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئة ضربات قلبها المرتعبة، لكن عبثًا...فقد كان قلبها يركض إليه بكلِّ ما يملك من خوفٍ ولهفة.
وهنا فقط تمنَّت لو أنَّ الله منحها جناحين...جناحين لتطير إليه، لترى بعينيها أنه بخير، لتحتضنه قبل أن يسقط، لتخبره أنَّه في نظرها لا ينقصه شيء، وأنَّه كاملًا بقلبه، بروحه، بحبِّه الذي يغمرها رغم ألمه.
أغمضت عينيها بقوَّة، وانسابت دموعها أخيرًا وهي تهمس باختناق: يارب...متوجعوش أكتر من كده.

أوقفت سيارة أجرة بسرعة، ثم صعدت إليها وما إن أغلقت الباب حتى سارعت بالاتصال بإلياس:
_أيوه يا ضي.
ابتلعت غصَّتها وقالت بلهفة حاولت عبثًا إخفاءها: 
_عمُّو...يوسف رجع البيت ولَّا لسه؟
ساد الصمت لثوانٍ زادت خوفها، قبل أن يجيبها بصوتٍ متعب: 
_عربيته هنا...بس هوَّ مش موجود، ممكن يكون في بيته.
أغمضت عينيها بقوة، تشعر بقلبها يهبط داخل صدرها، ثم تمتمت سريعًا:
_تمام يا عمُّو...
وقبل أن تنهي المكالمة، أوقفها صوته:
_ضي...
ارتعشت أنفاسها وهمست: 
_نعم؟
تنهَّد إلياس طويلًا، وكأنَّ الكلمات تُثقل صدره، ثم قال بنبرةٍ تحمل رجاءً وألمًا معًا:
_بلاش تكلِّميه دلوقتي...واللي إنتِ عايزاه، أوعدك...هخلِّيه يعمله.
_أنا عايزة أطَّمن على جوزي يا عمُّو. 
قالتها وأغلقت الهاتف، التفتت إليه ميرال:
_مالها ضي، لسه مُصرَّة على الطلاق؟
قالتها ميرال بصوتٍ مرهق. 

ألقى هاتفه بإهمال على الأريكة، ثم نزع جاكيته بعصبية واضحة،يشعر بأن الحديث في هذا الموضوع يستنزف روحه.
رفع عينيه إلى ميرال التي كانت تراقبه بقلق، وقال بثبات حاول أن يُقنع به نفسه قبلها:
_ ضي عمرها ما هتطلَّق..ريَّحي بالك يا ميرال.
كل اللي بتعمله ده...وجع وكرامة مكسورة، وبتحاول ترد اعتبار قلبها بس.
نهضت ميرال بعدما شعرت بأنَّ كلماته لم تُطمئنها بل زادت خوفها، واقتربت منه بعينينِ ممتلئتينِ بالدموع: 
_طيب وابنك يا إلياس؟
أنا متأكِّدة بعد النهاردة...مش هيسيبها على ذمِّته.
ترجَّته وهي تتعلَّق بذراعه بيديها، ثم قالت بصوتِ أمٍّ يرتجف خوفًا على فلذة كبدها:
_بيحبَّها أوي يا إلياس...أوي.
وبيعمل كلِّ ده علشان ما يبانش مكسور قدَّامها، بس لو طلَّقها...والله هيموت فعلًا.
ارتجف داخل إلياس وهو يسمعها، لكنَّه أخفى ذلك وربت على كفِّها بحنان:
_متقلقيش...مش هيطلَّقها.
هزَّت رأسها بعنف والدموع تهبط فوق وجنتيها: 
_لا، لا يا إلياس، أنا أمُّه وحاسَّة بيه..
يوسف موجوع، والوجع لمَّا بيزيد على الراجل...بيكسره أو يخلِّيه يهدِّ كل حاجة بإيده.
تنهَّد إلياس طويلًا، ثم سحبها برفق من كفَّيها وأجلسها بجواره، وجلس بجوارها يحاول احتواء انهيارها، 
فقال بهدوءٍ متعب: 
_ممكن تهدي؟.إحنا ماصدَّقنا إنِّك اتحسنتي.

شرد ثم قال:
_وصدَّقيني...يوسف مش هيطلَّقها.
يوسف مستنِّيها هيَّ اللي تتمسِّك بيه... هيَّ اللي ترفض تسيبه.
ابتسم بألمٍ خافت وهو يهزُّ رأسه: 
_لأنُّه صعب عليه يترجاها، حتى لو غلط في حقَّها..
ممكن يراضيها...يعتذرلها...يفضل جنبها العمر كلُّه وهو بيحاول يصالحها...
لكن إنُّه يجري وراها ويطلب منها ترجع، غصب عن كرامته..ابنك مش هيعملها، وانا اتكلمت مع ارسلان في الموضوع دا، وهو اب وغصب عنه، قالي مش هيدخل، هي لو عايزاه مش هتستنى كلام حد 
طالعته بعيونا مرتجفة
_تفتكر ممكن ترفض 
_معرفش، انا مستحيل اتكلم معاها، دي حياتها هي، كفاية اللي عملته فيها في الاول 
هزت رأسها بذعر من فكرة طلاقهما 
_كان عندي امل تدخل ياالياس 
نظر إليها 
_مينفعش، ولا ينفع ابنك يروح لها علشان ترجع له، هو بس يحتوي وجعها ويحسسها انها غالية، ولازم يفهمها الوضع ويسبها تختار
_تفتكر يوسف هيعمل كدا
أغمض عينيه للحظة، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ موجوع:
_ إن شاءالله ربِّنا يصلح حاله. 
رغم محاولته التماسك أمامها إلَّا أنَّه شعر بألمٍ يحرق روحه اليوم، وهو يحمل طفل بلال، تمنَّى أنه يحمل حفيده الذي تمنَّاه كثيرًا، فكيف حاله هو..
سحب نفسًا وزفره بهدوء ونظر إليها.
هزَّت رأسها ودموع محبوسة بعينيها:
_ أنا موجوعة عليه يا إلياس، حاسَّة ابني ضاع.
التفت إليها، وعيناه امتلأتا بحزنِ أبٍ يرى ابنه يحترق بصمت، ثم قال بعد شرودٍ طويل: 
_وأنا..مطمِّن، ارمي حمولك على ربِّنا، وتأكَّدي المرَّة دي لا هوَّ هيسبها ولا هيَّ هتبعد.. وبعدين هو مش اول واحد مايجيبش عيال، غير انه عنده امل
نظرت له ميرال بعدم فهم، فأكمل بابتسامةٍ باهتة موجوعة: 
_انسي كل حاجة وثقي في ضي، لأنِّي واثق في حبَّها ليه...
يمكن أكتر حتى من حبُّه ليها.
ثم تنهَّد بعمق، وقال بصوتٍ خافتٍ يحمل يقين رجلٍ فهم العشق بعد عمر:
_ نسيتي حياتنا كانت إزاي، ورغم كدا مقدرناش نبعد عن بعض، يوسف عايز وقت وضي عايزة صبر، عارف هتتعب معاه، بس حبَّها ليه هيقوِّيها.
وضعت رأسها على صدره ولفَّت ذراعيه حول خصره:
_إنتَ مفيش حد زيك يا إلياس، كلِّ حاجة فيك مميَّزة، حبَّك، وجعك حتى قسوتك. 
رفعت رأسها ونظرت لعينيه بدموعها التي انسابت على وجنتيها:
_بتمنى من ربِّنا يمدِّ في عمرنا علشان ما نتحرمش من بعض، أنا خايفة، خايفة أوي. 
ضمَّها بقوة لأحضانه، وهزَّة عنيفة كادت تسحب روحه:
_ربِّنا ما يحرمني منك يا حبيبة قلبي. 
أغمضت عيناها تستمع إلى دقَّات قلبه العنيفة تحت رأسها وهمست بخفوت: 
_ولا منَّك يا حبيب عمري. 
بالمشفى.. 
فتحت عيناها بإرهاقٍ شديد، همست بصوتٍ واهن:
_بلال، ابني فين؟
كان يجلس قربها، يراقب كلَّ إنشٍ فيها ولما لا وهي أغلى ما يملك، انحنى يطبع قبلةً طويلةً مرتجفة فوق جبينها، ثم همس بحنانٍ غارق بالعشق:
_برَّة يا حبيبتي، الممرِّضة هتودِّيه أوضة الأطفال، بس يوسف رافض يسيبه من إيده.
ابتسمت رغم تعبها، وارتخت ملامحها قليلًا:
_هوَّ مع يوسف يعني؟
أومأ وهو يمسِّد على شعرها بحنان :
_أيوة...ولسه ميعرفش إنِّي سمِّيت الولد على اسمه، بابا وعمُّو إلياس بس.
ابتسمت له وقالت: 
_ربِّنا يرزقه يارب، هوَّ آسر فين؟.
_راح مشوار وراجع، باباكي برَّة ومامتك مع بابا وماما، أغمضت عيناها مرَّةً أخرى، ظلَّ يتأمَّلها للحظات...نعم فهي المرأة التي هزَّت عرش قلبه، واليوم منحته حياةً كاملة، لا طفلًا فقط...رفع كفَّها ثم قبَّله ونهض متَّجهًا للخارج.. 
توقَّف أمام الممرِّضة: 
_عايز الأوضة دي تتزيِّن، ويتكتب على الباب اسم الطفل، بصِّي إنتي أكيد فاهمة هتعملي إيه.
_تحت أمرك يا دكتور... 
_شكرًا...قالها واتَّجه إلى والده. 

ــــــــــــــــــ
بعد فترة... 
كانت تجلس فوق الفراش تحتضن صغيرها بين ذراعيها، تمرِّر أناملها فوق خصلاته الناعمة بعشقٍ لا يوصف، ثم همست بصوتٍ مرتجف من فرط السعادة:
_حلو أوي يا ماما...
ابتسمت رحيل بعينينِ دامعتين ونهضت تقترب منها، وقالت بمشاعر صادقة:
_طبعًا لازم يكون حلو...مامته قمر، وباباه قمرين.
ضحكت بخفوت، بينما رفعت طفلها لصدرها وأغمضت عينيها تستنشق رائحته الصغيرة...رائحة تشبه الجنَّة، جعلت قلبها يرتجف للمرَّة الألف منذ أن حملته بين ذراعيها:
_ياالله...ريحته تجنِّن.
انفتح الباب ودلفت غرام بابتسامتها الحنونة التي أخفت خلفها حزنها على ابنتها، اقتربت منها:
_حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.
ابتسمت رولا بمحبَّة:
_الله يسلِّمك يا طنط.
انحنت غرام تحمل الطفل بحذرٍ شديد، كأنَّها تحمل قطعة من روحها، ثم تمتمت والدموع تلمع بعينيها:
_بسم الله ما شاء الله، ربِّنا يبارك فيك يا حبيبي ويحفظك، ويجعل أيامك كلَّها فرح وسعادة ورضا.
تعلَّقت عيناها بملامحه الصغيرة طويلًا، حتى ارتجفت شفتيها دون إرادة، ثم رفعت بصرها إلى رولا وهمست بحرقة أمٍّ تخفي وجعها خلف الابتسام:
_ادعي لضي يا حبيبتي...بيقولوا دعوة الستّ بعد الولادة بتكون مستجابة.
ضحكت رولا بخفَّة رغم الحزن الذي مرَّ بعينيها للحظة:
_ربِّنا يراضيها يارب...بس دي أكيد خرافات يا طنط.
هزَّت غرام رأسها بابتسامةٍ باهتة، ثم عادت تتأمَّل الطفل كأنها تحفظ ملامحه داخل قلبها:
_عارفة...بس الواحد بيتعلَّق بأي أمل.
صمتت لثوانٍ قبل أن تبتسم فجأة:
_واخد من جدُّه أرسلان.
توقَّفت رحيل تراقبه باهتمام، ثم اقتربت وهي تهزُّ رأسها :
_فعلاً...واخد منه شوية.
في تلك اللحظة دلف بلال يحمل باقة ضخمة من الزهور وعدَّة أكياسٍ بيديه، وبمجرَّد أن وقعت عيناه عليها ابتسم ابتسامة أضاءت قلبها بالكامل فقال:
_إيه ده...أحلى مامي صحيت؟
نظرت للورود ثم إليه بدهشة: 
_ده علشاني؟
اقترب منها وهو يضع الورود بحنانٍ قربها:
_الورد ده للمامي الجميلة...إنما الحاجات دي بقى من خالو آسر الحلوف.
لكزته رولا بكتفه بخفَّة وضحكت:
_خالو مش حلوف، ده أحسن خال في الدنيا.
رفع حاجبه بتمثيلٍ ساخر واضعًا يده فوق قلبه:
_شوفتوا الظلم؟ وأنا اللي كنت فاكره بيكرهني.
تعالت ضحكاتهم الخافتة، لكن بلال انتبه لوالدته التي ما زالت تحدِّق بالطفل، فقال بمشاكسة وهو يقترب:
_خلاص يا غرام...هتاكلي الواد بعينيكي.
ضمَّت غرام الطفل أكثر وقبَّلت جبينه بحنانٍ مرتجف:
_ما شاء الله حبيبي...ربِّنا يبارك فيه.
تأفَّفت رولا بغيرة مصطنعة وهي تشير لطفلها:
_شايف؟ ماما وطنط غرام بيقولوا إنُّه شبه باباك.
هبَّ بلال من مكانه بسرعة وتلقَّف ابنه بين ذراعيه:
_روحي يا غرام يلَّا...أرسلان بيسأل عليكي..
عايزين تلزَّقوا الواد ليكم؟
ثم خفض رأسه ينظر لصغيره، وما زالت ابتسامته تنير وجهه بعشقٍ خالص، ثم قال:
_العسل ده شبه باباه...قال أرسلان قال! هيَّ ناقصة بوران كمان؟
انفجر الجميع ضاحكًا، لكزته غرام: 
_وإنتَ شبه مين يا أخويا، ماشبه باباك. 
_يادي النيلة علينا من بدري، خلاص يا غرام الواد شبه أرسلان ارتحتي، يالَّه على بيتكم. 
ارتفعت ضحكاتها ثم انحنت تحمل حقيبتها: 
_مراتك هترجع البيت النهاردة ولَّا هتبات؟.
_لا هتبات في المستشفى. 
_ليه يا بلال؟.أنا كويسة. 
طالعها بنظرةٍ حنونة: 
_حبيبتي مفيش مشكلة لو قعدتي للصبح، الساعة اتناشر. 
ربتت غرام على كتفه وقالت:
_طيب حبيبي، هنروح أنا وباباك.
التفتت إلى رحيل وتساءلت:
_هتقعدي يا رحيل؟. 
جلست رحيل بجوار رولا تمسِّد على خصلاتها: 
_هفضل شوية كمان، لحدِّ ما ترضَّع يوسف الصغيَّر، لازم ترضَّعه، ماما فريدة اتَّصلت تلات مرَّات تنبه على الموضوع دا. 
_ماما أرضَّعه إزاي، لسة صغنُّون، ومفيش لبن؟!. 
لمست وجه ابنتها بحنان: 
_حبيبتي ما تشغليش بالك حطِّيه زي ما فهَّمتك ورضَّعيه وبس. 
اقتربت غرام منها وانحنت تربت على كتفها: 
_أيوة حبيبتي، لازم يرضع منِّك، سبحان الله هيلاقي رزقه.
_أهو بقى هنقول فلكلوريات يا ماما، لسة مفيش لبن هترضَّعه الهوا؟!.
_اسكت إنتَ يا دكتور الغباء، ثم التفتت اإى رولا:
_حبيبتي البيبي لمَّا بينزل بينزل معاه رزقه، وكلِّنا رضَّعنا ولادنا بعد الولادة على طول. 
_محصلش، إنتي بتجمعي ليه، أنا كنت مؤدَّب وشربت ميَّة بس، شرَّبيه ميَّة يا رولا.
لكزته بحقيبتها مع ضحكات رحيل: 
_لا يا بلال، مامتك بتقول الصح، أنا مكنتش أعرف كدا، وماما الله يرحمها كانت دايمًا تقولِّي رضَّعي الولاد. 
_مخلاص بقى أنا بتكسف، إيه رضَّعي كلِّ شوية دي.
اتَّجه بلال إليها سريعًا يضمُّ رأسها: 
_كسفتوا مراتي،، ومراتي مش لازم تتكسف أبدًا. 
جزَّت غرام على شفتيها بغيظ، ثم نظرت إلى رحيل:
_الله يعينك يا رحيل على جوز المجانين. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عند ضيّ...وصلت إلى الكمبوند، ترجَّلت سريعًا من سيارتها، تكاد تتعثَّر من لهفتها وخوفها عليه.
وقعت عيناها على سيارته المركونة، فتوقَّفت أنفاسها للحظة... 
ارتجفت أصابعها وهي تخرج هاتفها وتهاتفه للمرَّة التي لا تعلم عددها... لكن كالمعتاد، الهاتف مغلق.
أغمضت عينيها باختناق، ثم التفتت نحو أحد أفراد الأمن:
_دكتور يوسف خرج من الكمبوند؟
هزَّ رأسه سريعًا: 
_لا يا مدام.
اقتربت منه أكثر: 
_أومال فين؟ شوف الكاميرات.
ارتبك الرجل وقال باعتذار:
_آسف يا مدام...لازم الباشا الكبير يؤمر بكدا.
زفرت بقوة، تشعر أنَّ قلبها يُسحق داخل صدرها، ثم استدارت وتحرَّكت بخطواتٍ سريعة نحو الداخل... 
دلفت إلى الفيلا، لتجد إلياس يهبط الدرج ببطء، وما إن وقعت عيناه عليها حتى توقَّف: 
_ضي...فيه حاجة؟
اقتربت منه بعينينِ دامعتين: 
_يوسف فين يا عمُّو؟ بتِّصل بيه، تليفونه مقفول.
ظلَّ ينظر إليها للحظات، يرى ارتجاف شفتيها ولهفة قلبها المكشوفة بعينيها، ثم أشار إليها بهدوء: _تعالي...حاوط كتفها وتحرَّك بها نحو الحديقة، أجلسها بجواره..
وقال بصوتٍ هادئ يحمل ما يكفي من الحذر:
_اسمعيني كويس يا حبيبتي، دلوقتي الأفضل ما تكلِّمهوش.
نهضت وكأنَّ كلماته أحرقتها: 
_وأنا بقول لحضرتك عايزة أشوف جوزي يا عمُّو!
ارتفع صوتها رغمًا عنها، وامتلأت عيناها بالدموع.
تنهَّد إلياس طويلًا، ثم رفع رأسه إليها:
_في بيتكم يا ضي.
هنا شعرت بأنَّ روحها عادت إليها... استدارت بسرعة، لكنَّه أمسك ذراعها قبل أن ترحل: 
_حبيبتي...الوقت مش مناسب.
سحبت ذراعها برفق وهي تهمس بصوتٍ مرتجف:
_بعد إذنك يا عمُّو...
ثم ركضت بخطواتٍ متعثِّرة من سرعتها، وكأنَّ قلبها يسبقها إليه.
دقيقتان فقط...وكان جرس الباب يصدح داخل المنزل. 
عند يوسف قبل قليل...
كان يتمدَّد فوق الأريكة منذ عودته من المشفى، بجسدٍ منهك كأنَّ الحياة مرَّت فوقه وسحقت ما تبقَّى منه.
صمتٌ ثقيل، مؤلم، لا يقطعه سوى صوت أنفاسه المتعبة.
رفع يده ببطء أمام عينيه، وظلَّ يحدِّق بها طويلًا.
يشعر وكأنَّه ما زال يحمل الرضيع بين ذراعيه.
ارتعشت أصابعه، وشعر بثقلٍ غريب داخل صدره، وقلبه يُعتصر ببطء.
أغمض عينيه للحظة، فتسلَّلت صورة الطفل إلى عقله...ملامحه الصغيرة... وإحساسه وهو يحمله لأوَّل مرَّة.. إبتسامة شقَّت ثغره للحظات، 
ثم اختفت حين ظهرت أمامه نظرات ضي الحزينة.
تلك النظرة التي حاولت أن تخفي وجعها بها، لكنَّها ذبحته دون كلمة واحدة.
انزلقت دمعة وحيدة من عينه، فتح عينيه..
اعتدل جالسًا بعنف، ثم مرَّر كفَّيه فوق وجهه محاولًا استعادة تماسكه يحدِّث نفسه:
_إنتَ قولت إيه؟
لازم تحمد ربِّنا...
خرج صوته مبحوحًا، متقطِّعًا:
_أكيد فيه حكمة في كدا، 
شعر باختناق يلتفُّ حول عنقه.
رفع يده يمرِّر أصابعه فوق رقبته والألم يتمدَّد داخله ببطءٍ قاتل.
أطرق رأسه وهمس بصوتٍ مرتجف:
_اللهمَّ لا اعتراض يارب...
توقَّفت أنفاسه للحظة، ثم أكمل بانكسار:
_يارب ارزقني الصبر...
واجعل قلبي ليِّن راضي بقضائك وقدرك.
اهتزَّ صوته أكثر، وارتجفت شفتاه، كلَّما تذكَّر عينيها الممتلئتينِ بالحزن، وهي تنظر إليه وهو يحمل الرضيع.
تلك النظرة وحدها كانت كفيلة بأن تهدم كلَّ جدارٍ بناه حول قلبه طوال الشهور الماضية.
انسابت دمعةً أخرى، لكنَّه هذه المرَّة لم يمسحها..تركها تسقط...لم يعد يملك طاقة المقاومة...
كان يشعر أنَّ الحزن تمدَّد داخل صدره حتى صار أثقل من أن يُحتمل.
جلس لدقائق طويلة على حاله..لا يتحرَّك، فقط يحدِّق في الفراغ بعينينِ امتلأتا بالتعب، وكأنَّ روحه أُنهكت من كثرة ما قاومت...ثم فجأةً نهض..
وكأنَّ شيئًا داخله لم يجد ملجأً أخيرًا سوى الله.
اتجه بخطواتٍ بطيئة متعبة نحو الوضوء، ثم اتَّجه إلى سجَّادة صلاته.
عند الذي لا يعجزه شيء.
عند الذي يعلم خفايا القلوب حتى تلك التي نعجز نحن عن تفسيرها.
وقف بين يدي الله منكسرًا...لا طبيبًا، لا رجلًا قويًا، لا شخصًا يحاول التماسك أمام الجميع.
فقط عبدًا مثقلَ القلب.
عبدًا أتعبه الوجع حتى لم يعد يعرف إلى أين يهرب منه.
كبَّر للصلاة، وارتجف صوته مع أوَّل آية...كأنَّ الكلمات تخرج من قلبه لا من شفتيه.
كان يقاوم دموعه عبثًا، حتى إذا سجد...
انهار.
سجد للذي لا ينام ولا يغفل، للَّذي يرى الدموع قبل أن تسقط، ويسمع ارتجاف الروح قبل الصوت.
هنا فقط..يشعر الإنسان أنَّه يستطيع أن يخرج كلَّ ما بقلبه دون خوف، دون خجل، دون شعورٍ بالهوان، هنا لا يوجد تظاهر بالقوَّة.
لا يوجد أنا بخير.
هنا فقط... يسقط كلُّ شيء، ويبقى العبد وقلبه العاري أمام ربِّه.
شهقة مكتومة خرجت منه وهو يضغط جبهته أكثر إلى الأرض، كأنه يفرغ وجعه داخل سجوده.
كان يبكي بصمتٍ موجع...ذلك البكاء الذي لا يسمعه أحد، لكنَّه يصل إلى السماء.
لأنَّ الله أحنُّ على عبده من الدنيا كلَّها.
هو وحده من يرى هذا الخراب المختبئ خلف الهدوء.
هو وحده من يعلم كم مرَّة ادَّعى فيها الصبر بينما قلبه يصرخ من الألم.
ارتجفت شفتاه وهو يهمس داخل سجوده: 
_يارب...أنتَ أعلم بما في قلبي.
انكسر صوته أكثر: 
_وأنتَ وحدك القادر على جبره.
أغمض عينيه بقوة، والدموع تنساب أسفل وجهه: 
_وأنتَ قلت وقولك الحق:
"ادعوني أستجب لكم".
شهقة أخرى هزَّت صدره: 
_فلا تردَّني ياالله..لا تردَّ عبدًا جاءك بقلبٍ أنهكه الحزن.
دموعٌ فقط تركها تخرج دون مقاومة: 
_اللهمَّ إن كان في قلبي اعتراض فاغفره، وإن كان في صدري ضيق فبدِّله طمأنينة، وإن كان حرماني خيرًا لي فارزقني رضا يُنسيني مرارة الفقد.
يارب..لا تؤاخذني على دمعةٍ هربت منِّي، ولا على قلبٍ تمنَّى ما لم تكتبه له.
هوِّن عليَّ ما أثقلني، وخفِّف عنِّي هذا الوجع الذي يسكنني بصمت.
اللهمَّ إنَّك ترى ضعفي وقلَّة حيلتي، فاجبرني جبرًا يليق برحمتك...جبرًا يجعلني أحمدك وكأنَّني لم أحزن يومًا.
شهقة موجوعة كخروجِ الروح من الجسد:
_يارب...احتوي قلبها..
وعوِّضها خيرًا عن كلِّ حزنٍ سكن قلبها...
ثم سكت لثوانٍ، كأنَّ الدعاء التالي يمزِّقه قبل أن يخرجه، فقال بصوتٍ مكسور:
_وانزع حبِّي من قلبها.
خرجت الجملة كطعنة مزَّقت روحه هو قبل أي شيء آخر..لم يعد يملك طاقة المقاومة...ظلَّ ساجدًا طويلًا...
وكأنَّه أخيرًا وجد المكان الوحيد الذي يستطيع أن ينهار فيه بأمان. 

انتهى يجلس مكانه..واستند على الجدار، ثم فتح الهاتف، لحظات أُعلن عن رسالة..سحبه ينظر فيه:
_فيه حجز طيران بكرة الساعة خمسة الفجر، وللأسف النهاردة مفيش، شوف ورد عليَّ. 
وضع الهاتف وجلس يحتوي رأسه يفكِّر كيف سيواجهها عمَّا يفعله، ولكن لابدَّ منه.. 
نعم هو يعمل ذلك دون إرضاءٍ لقلبه، ولكن من أجلها سيفعل المستحيل، أغمض عيناه: 
_هطلَّقها تاني، هتقدر يا يوسف؟!.
شهقة حادَّة أفلتت منه، فرفع كفَّيه يمسح وجهه بعنف، يحاول إخفاء انهياره، لكنَّه لم يستطع..تذكَّر بعد آخر مرَّة ذهب لرؤيتها.
كيف كان يهرب منها كالهارب من النار، يخشى أن تضعف إرادته أمام دمعة واحدة منها.
ليتها تعلم أنها لم تكن امرأة أحبَّها وتزوَّجها فقط، لكنها كانت حياته كلَّها.
تنفَّس بصعوبة، ثم أسند رأسه للخلف وأغمض عينيه، بينما التعب والحزن ينهشان ملامحه..يتذكَّر رقصتهما في الحفل، وكيف كان على وشك الانهيار أمامها بالكامل.
كان يريد أن يضمَّها فقط...أن يخبرها، أنه لم يعد يحتمل هذا البعد، وأنَّ كلَّ ليلة تمرُّ عليه بدونها كانت كالعقاب.. يريدها رغمًا عنها وعن أي شيء، لكنَّه لم يفعل ذلك بل
هرب، لأنَّه يخاف أن يعود إليها بكلِّ هذا الحب، ثم يعجز يومًا عن منحها ما تستحقُّه... 
فتح هاتفه الذي أعلن عدَّة رسائل بعدها عن محاولاتها الاتِّصال به...نظر لاسمها للحظات ثم شعر بالقلق فرفع الهاتف ليحاكيها.

فارتفع رنين جرس المنزل.. 
نهض ببطء متَّجهًا نحو الباب، وما إن فتحه حتى تجمَّد مكانه.
تقف بعينيها الباكيتين...ووجهها الذي يشتاقه حدَّ الألم.
ظلَّ ينظر إليها للحظةٍ طويلة، بينما دموعها انسابت بصمتٍ موجع، ثم دفعت صدره بكلِّ ما بها من خوفٍ وغضب: 
_هتفضل تموِّت فيَّا لحدِّ إمتى؟!
ارتجف قلبه بعنف.
ضربته مرَّةً أخرى بصدره وهي تبكي: _اتَّصلت بيك كام مرَّة! ما بتردِّش ليه؟!
ليه كل مرَّة تخوِّفني عليك كدا؟!
أموِّت نفسي علشان ترتاح؟!
شهقت كلماتها داخل صدره كطعنةٍ حقيقية.
جذبها إليه بعنفٍ، ضمَّها لصدره بقوَّة حتى كادت تختفي داخله، وهو يهمس قرب رأسها بذعر: 
_ما تقوليش كدا... 
قالها بصوتًا مرتجفًا بشكلٍ أخافها أكثر من صراخه.
أبعدها قليلًا، احتوى وجهها بين كفَّيه، وعيناه تدوران على ملامحها بلهفة: _التليفون كان فاصل شحن...إيه اللي حصل؟. 
ثم مرَّر إبهامه فوق دموعها بحنان: _اهدي...وقوليلي فيه إيه..
بلال كويس، والبيبي كويس؟
لكنَّها لم تجب...
فقط ألقت نفسها داخل أحضانه مرَّةً أخرى، 
تردَّد لثانية...ولكنَّه لم يقو على الصمود، لفَّ ذراعيه حولها بقوة، يضمُّها..
همس بصوتٍ منخفضٍ متعب: 
_ممكن تهدي وتقوليلي مالك؟
دفنت وجهها بصدره أكثر، ثم قالت بانهيار:
_عايزة أنام في حضنك..خدني في حضنك وبس يا يوسف.
أغمض عينيه حين شعر بأنَّ كلماتها حطَّمت آخر ما تبقَّى من صموده... سحبها إلى الأريكة، واجلسها بأحضانه، ضمَّها بقوة أكبر، ودفن وجهه بحجابها يستنشق رائحتها بلهفةِ رجلٍ غريقٍ بالعشق 
أمَّا هي...فأغمضت عينيها تستمع لدقَّات قلبه، وتشعر أنَّ العالم كلَّه عاد لمكانه الطبيعي بين ذراعيه.
دقيقتانِ كاملتان مرَّتا عليهما وهما هكذا...
لا صوت سوى أنفاسهما المتعبة... ودقَّات قلبيهما التي كانت أعلى من أي كلام.
ابتعدت عنه قليلًا:
_بتعمل إيه هنا، أوعى أصدَّقك وتقولِّي مستنيكي؟،
قالتها ثم نظرت حولها داخل المنزل وهمست بابتسامةٍ باكية:.
_بيتنا وحشني أوي...
توقَّفت عيناه عليها بألمٍ صامت، بينما هي تحرَّكت للداخل ببطء، تتحرَّك لعلَّها تعود لذكرياتها معه.
نزعت حجابها وحذاءها، واتَّجهت نحو المطبخ حافيةَ القدمين، توقَّفت تتأمَّله بابتسامةٍ صغيرة: 
_ده أحسن من القديم..مش كدا؟
لم يجب.
فقط كان يراقبها بصمتٍ موجع...
تحرَّكت بعدها نحو غرفة المعيشة، تمرِّر عينيها عليها، والذكريات القديمة تنهش قلبها..ظلَّت للحظات، ثم جالت بعينيها في المكان، ثم صعدت للأعلى.
فتحت باب غرفتهما بهدوء...وخطت للداخل، توقَّفت...
كلُّ شيء تغيَّر.. 
اختفت غرفتها القديمة...اختفت ذكرياتها الجميلة مع غرفتها القديمة التي أحرقتها...
وصل يوسف ووقف خلفها بصمت.
التفتت إليه ببطء، وعيناها امتلأتا بوجعٍ لا يُحتمل:
_غبية ضيَّعت ذكرياتنا. 
اقترب منها خطوة، وقال بصوتٍ مبحوح: 
_ضي..
لم ترد عليه دلفت للداخل: 

_تعرف الفرش ده أحسن من القديم؟
قالتها وهي تمرِّر يدها فوق الفراش ثم
رفعت رأسها إليه:
_بس ذكرياتي كلَّها مع القديم، أومأت 

وأضافت بمشاكسة حاولت أن تخفي بها ارتجاف قلبها: 
_المهم ده مريح أكتر...كدا مبقتش هتعرف تصحِّيني، نوم أربعة وعشرين ساعة في أربعة وعشرين ساعة.

نهضت بعدها واتَّجهت نحو غرفة الملابس، فتحت الباب بهدوء...ثم توقَّفت.
حقيبته موضوعة أمام الخزانة. 
ارتجف قلبها، لكنَّها أخفت ذلك سريعًا، والتفتت إليه بابتسامة باهتة: _حلوة أوي..رغم إنِّ الحاجات دي من زمان، بس معرفش ليه ما جتش شوفتها..
الشنطة دي بتعمل إيه هنا؟. 
قالتها واقتربت تجرُّها وهي تقول: 
_أحسن إنُّهم مش فضُّوها، استدارت إليه:
_حاجتك مراتك المسؤولة عنها. 
كان واقفًا عند الباب، صامتًا..
صامتًا بطريقةٍ أوجعتها..ولكن كلماتها هزَّت كيانه بالكامل. 
التفتت إليه، تحاول أن تبدو ثابتة رغم الألم الذي ينهش صدرها:
_عارفة ذوقك كويس...علشان كدا ما ادَّخلتش أصلًا.
خرج صوته أخيرًا، منخفضًا...متعبًا: _جيتي ليه يا ضي؟
سبتي أخوكي ومراته ليه؟
ارتعشت عيناها للحظة..لكنَّها تماسكت بصعوبة: 
_مش عايزني آجي؟
يعني أمشي يا يوسف؟
خطوة واحدة كان أمامها.
رفع كفَّيه يحتضنان وجهها بحنان، ونظر داخل عينيها طويلًا، يحفظ روحها من جديد..ثم همس:
_ضي، إنتي جميلة أوي..
وتستاهلي كلِّ حاجة حلوة في الدنيا.
انحنى حتى استند جبينه إلى جبينها، وأغمض عينيه يحاول أن يهرب من وجعه داخل قربها: 
_تستاهلي تكوني أحسن مامي في الدنيا...
خرجت شهقة موجوعة من صدرها.
رفعت كفَّيها فوق وجهه، تتحسَّس ملامحه.. وانسابت دموعها أخيرًا: 
_لو مش منك...مش عايزاه.
ارتجف قلبه بعنف.. همست بصوتٍ متكسِّر:
_أنا اكتفيت بيك يا يوسف... وماتفكَّرش إن بَعدك ممكن حدّ يسعدني.
شهقت أنفاسها وهي تقترب أكثر تنظر لعينيه وأصابعها فوق وجنتيه:
_إنتَ هتدفنِّي بالحيا...
لو عايز تموِّتني وأنا عايشة خلاص ابعد، بس تأكَّد إن ضي ليوسف وبس.
تعلَّقت أناملها بقميصه وهي تبكي: _أنا حرَّمت نفسي على أي راجل غيرك.. عايز اكتر من كدا ايه
دقيقة واحدة فقط...كانت كافية لينهار كلُّ ما بداخله.
رفعت عينيها المبلَّلتين إليه وهمست: _هتبقى مبسوط وأنا ملك لغيرك؟
هتستحمل تشوفني مع راجل تاني؟
هترتاح وأنا..لم يدعها تكمل.
انحنى إليها فجأة، يلتهم كلماتها بقبلةٍ مجنونة، موجوعة، طويلة...قبلةُ رجلٍ يحاول إسكات أكثر فكرة قتلته.
قبلة حملت شوقَ ايامًا مؤلمة...ألم فراق...خوف، ولهفة، وعشقٍ وصل حدَّ الجنون.
شهقت بين شفتيه، ثم رفعت كفَّيها تحاوط عنقه بتلقائية، تضيع داخله، في تلك اللحظة، لم يبق شيء بالعالم سوى دقَّات قلبيهما.
ابتعد عنها أخيرًا بعدما شعر باختناق أنفاسها، وظلَّ ينظر إليها بعينينِ تلمعانِ بعشقٍ مؤلم.
مرَّر أنامله على وجنتها وهمس: 
_نفسي أخلِّيكي أسعد واحدة في الكون...
علشان إنتِ تستاهلي.
أغمضت عينيها ودفنت نفسها داخل صدره:
_هنا سعادتي..المكان ده وبس.
حضنك، ريحتك، صوت قلبك.
مهما تعمل وتقول، أنا مش عايزة غيرك يا يوسف.
تنفَّس بعنف وكأنَّ كلماتها نزعت روحه من مكانها.
ثم فجأة...انحنى وحملها بين ذراعيه.
شهقت وهي تتشبَّث بعنقه: 
_يوسف! نزِّلني...إنتَ ضهرك تعبان.
ضمَّها أقرب إلى صدره، حتى شعرت بعنف دقَّات قلبه وعيناه تحتضن عيناها، همس بنبرةِ العاشق: 
_مش فداكي ضهري بس...
فداكي يوسف كلُّه يا حبيبة يوسف.
ضحكت وسط دموعها:
_يوسف نزِّلني يا مجنون.
لكنَّه لم يستمع.. تحرَّك بها نحو الفراش ببطء...بحذرٍ شديد، وكأنَّه يحمل شيئًا هشًّا يخاف عليه من الهواء 
وضعها فوق السرير برفقٍ أذاب قلبها، ثم جلس أمامها وغرس أصابعه داخل خصلاتها، ينظر إليها بضعفِ دقَّات قلبه العنيف، ثم همس بصوتٍ مبحوح:
_هتفضلي تحبِّيني كدا، مش هتندمي؟
اقترب أكثر حتى لامس جبينه جبينها: _ممكن أتحمِّل أي حاجة في الدنيا، إلَّا إنِّي أشوف نظرة ندم واحدة في عيونك.
أغمضت عينيها، وابتسامة دامعة مرَّت فوق شفتيها: 
_شايف إنِّ ضي ممكن تندم إنَّها هتعيش مع حبيبها؟
للدرجة دي مصدَّق إنِّي ممكن أبطَّل أحبَّك؟
تنهَّد بوجع، ثم همس:
_ضي...أنا بحبِّك أوي.
لدرجة إني مستعد أتحمَّل أي حاجة قصاد إنِّك تكوني بخير وسعيدة
ارتجف صوته أكثر:
_ لو اتخيَّرت بين موتي وحياتك... والله ما هتردَّد.
ابتلع غصَّته بصعوبة:
_وعملتها قبل كدا.
اتَّسعت عيناها بالدموع، بينما أكمل بابتسامةٍ موجوعة:
_لمَّا طلَّقتك...إنتِ أخدتي روحي وحياتي وكلِّ حاجة حلوة جوَّايا.
أخفض عينيه عنها وكأنَّه يخجل من ضعفه:
_ورغم كدا...كنت مستعد أعيش عمري كلُّه موجوع لو هلاقيكي سعيدة.

اعتدلت واقتربت منه أكثر، ثم احتضنت وجهه بين كفَّيها وهمست باختناق:
_إنتَ تستحق الدنيا كلَّها علشانك.
احتضنها بعينينٍ صامتة؛ ولكنَّها ممتلـئة بالعشق والحنين واللهفة التي أحرقت روحيهما طوال الشهور السابقة.
دنا يحتضن شفتيها بهدوء، ورغم هدوء قبلتهما إلَّا أن دقَّات القلب كانت تصرخ. 
ابتعد ينظر إليها: 
_مادام جيتي لحدِّ هنا، فتأكَّدي دخلتي عرين الأسد يا حبيبة قلبي، وانسي إنِّك تخرجي منه حتى لو إنتي اعترضتي.
اقترب أكثر حتى لامست شفتاه شفتيها:
_انسي يا ضي أتنازل عنِّك بعد كدا ولو لحظة.
لفَّ ذراعه يجذبها إليه:
_شايفة الشنطة دي، فيها هدومي، بس كنت ههرب من قلبي اللي كلِّ يوم يحاربني علشان بعدك. 
سحبها بقوة لأحضانه:
_آسف يا بنت عمِّي، كنت بحارب نفسي بكلِّ قوِّتي بس اكتشفت إنِّي ضعيف جدًّا، فمتحاوليش مهما يحصل بعد كدا.
تراقص قلبها بعنف من كلماته، رفعت رأسها قليلًا لتضرب ذقنه ثم ابتسمت بخبث:
_كنت اعملها كدا يا دكتور، وشوف كنت هعمل إيه. 
رفع ذقنها ينظر لعينيها بشقاوة محب حدَّ الجنون: 
_هتعملي إيه..قالها وهو يمرِّر إصبعه على شفتيها. 
ابتسمت حين علمت بمراوغته، فاقتربت تهمس له:
_هحبَّك أكتر يا بن عمِّي. 
رفرف قلبه بسعادة حتى أراد أن يسعد الجميع بشعوره الآن: 
_تصدَّقي كنت غبي. 
ردَّت ببساطة: 
_أوي أوي. 
ابتسم بخبث يغمز إليها:
_طيب أنا بدأت أذاكر، وإن شاء الله أوعدك هنجح بامتياز. 
ضحكت بصوتٍ مرتفع، اخترقت ضحكاتها قلبه وزلزلت كيانه، لمس وجنتيها:
_قومي غيَّري هدومك، نصلِّي ركعتين مع بعض. 
توقَّفت ضحكاتها تنظر إليه بذهول.. 
دنا وعيناه بعينيها: 
_فرش جديد، وعروسة زي القمر.. جوزها محروم منها بقاله أكتر من شهر، فلازم نعمل ليلة دخلة.
نظرت إليه رغم توُّرد وجنتيها صامتة..
نهض وأمسك كفَّها، متَّجهًا للخزانة: 
_أساعدك تغيَّري؟. 
هزَّت رأسها رافضة، وأمسكت كفَّيه:
_لا، هغيَّر أنا. 
_يابت أساعدك شكلك تعبانة. 
تبسَّمت ودفنت رأسها بصدره:
_وحشتني مشاغبتك معايا أوي. 
ضمَّها وآااااه أخرجها يضع ذقنه فوق رأسها:
_وإنتي كلِّ حاجة فيكي وحشتني، وخاصَّةً جنانك. 
تذكَّرت شيئًا فابتعدت قليلًا تتظر إليه:
_البتِّ اللي اسمها شيطان دي عايزة منَّك إيه يا يوسف، وليه عمُّو إلياس مهتمّ بيها كدا؟.
_قصدك مين؟. 
رفعت حاجبها:
_والله مين في شيطان غيرها، البنت دي أنا مش مرتحالها.
_ضي..إحنا بقالنا أكتر من شهر بعيد عن بعض، هنضيَّع الليلة في كلامنا على واحدة ما تستاهلش كمان. 
_ريَّح قلبي طيب...البنت دي مريبة، محبتهاش.
_واحدة جاية تعمل زيارة لمصر، وأنا ماليش علاقة بيها، ولمَّا جت البيت أنا كنت رافض قعدتها؛ بس بابا قال مينفعش نطرد ضيوفنا مهما كانوا إيه. 
اقتربت تنظر لعينيه:
_طب بتروح لها ليه؟.
_إمتى دا؟!. 
_عمُّو قالي إنَّك رحت عندها، أنا منكرش رحت وقتها هناك، كان نفسي ألاقيك علشان أموِّتك إنتَ وهيَّ. 
ضحك بصوتٍ مرتفع، يسحبها إلى أحضانه:
_حبيبتي الغيورة المجنونة، بعشق كلِّ جنانك يا روحي. 
أشارت إليه بالخروج: 
_طيب اطلع برَّة علشان أغيَّر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقصر الجارحي...
عاد الجميع من المشفى بعدما اطمأنُّوا أخيرًا على رولا.
كانت شمس تتحرَّك ببطء بجوار حمزة، يحيطها بذراعيه بحذرٍ شديد، لما لا وهو يشعر بأنَّها قطعة من قلبه يخشى عليها من الهواء نفسه.
انحنى قليلًا يهمس قرب أذنها بنبرةٍ قلقة:
_حبيبتي..إنتي كويسة؟
رفعت عيناها إليه بابتسامةٍ واهنة رغم الإرهاق الذي يغزو ملامحها:
_أيوة حبيبي الحمدلله، متقلقش... لسة بدري.
أجلسها بحرص وكأنَّها زجاجٍ هش، ثم التفت للخادمة بلهجةٍ آمرة:
_هاتي عصير وفواكه لشمس هانم.
أمسكت كفِّه سريعًا قبل أن تتحرَّك الخادمة، تنظر إليه برجاءٍ طفولي:
_حمزة مش قادرة...ماما أكِّلتني كتير، علشان خاطري بطني مبقاش فيها مكان.
وقبل أن يرد، خرج إسحاق من المطبخ بنفسه، يحمل كوب عصير بيده، وعلى وجهه ملامح سعادة..
اقترب منها قائلًا :
_دا عملته بنفسي لأمِّ حفيدي الجميلة.
شهقت شمس بصدمة، واتَّسعت عيناها بخجلٍ لطيف:
_يا خبر يا عمُّو...حضرتك بنفسك عملتلي عصير، كتير عليَّا والله.
أمَّا حمزة فحدَّق بوالده وكأنه يرى معجزة:
_معقول..إسحاق الجارحي وقف في المطبخ؟!.
رمقه إسحاق بنظرةٍ ساخرة وهو يجلس جوار شمس:
_مش علشانك يا متخلِّف...
ثم أشار إليها بفخرٍ أبويٍّ دافئ:
_دا لأمِّ حفيدي.
رفع حمزة حاجبه ساخرًا:
_وحفيدك دا جاي بالهليكوبتر، مين أبو البيبي يعني؟
احمرَّت وجنتا شمس بخجلٍ واضح، فازدادت ابتسامة إسحاق اتِّساعًا، ومدَّ لها الكوب بحنان:
_سيبك منه..دا حلوف.
أخذت الكوب بخجل وهي تتمتم:
_ميرسي يا عمُّو...والله أنا شبعانة جدًّا، بس علشان تعب حضرتك اللي أخجلني هشربه.
ربت إسحاق على رأسها بحنانٍ أبويٍّ صادق، وكأنَّها ابنته بالفعل:
_حبيبتي...إنتي تستاهلي كلِّ حاجة حلوة غير الحلوف ابني دا.
ضغط حمزة على فكِّه بغيرة مصطنعة، ثم قال بتذمُّر طفولي:
_طيب كويس إنَّك عارف إنِّ ابنك جميل...وبعدين مالك لازق في مراتي كدا؟ قوم شوف دينا، عايز أطلع أرتاح، ابني وحشني ولازم أطمِّن عليه.
شهقت شمس وهي تضربه بخفَّة في ذراعه، ترمقه بغضبٍ طفولي، بينما انفجر إسحاق ضاحكًا قبل أن يقف فجأة ويقول بعناد:
_طيب وحياة ابنك، ما هي مبيِّتة معاك الليلة.
ثم صاح بصوتٍ مرتفع:
_دينااا!
التفت حمزة إليه بذهولٍ حقيقي:
_متهزَّرش يا إسحاق.
وصلت دينا وهي تنظر بينهما باستغراب:
_فيه حاجة يا إسحاق؟
أشار إسحاق إلى شمس:
_خدي مرات ابنك ترتاح معاكي الليلة، أنا وحمزة ورانا مشوار مهم.
قطَّب حمزة حاجبيه بعدم فهم:
_نعم!!.مشوار إيه إن شاءالله؟
لكن إسحاق لم يمنحه فرصة للاعتراض، أمسك ذراعه يسحبه معه وهو يتحرَّك باتِّجاه الباب:
_رايحين نجيب عمَّك من المطار يا حبيب أبوك.
التفت حمزة سريعًا ناحية شمس، وعيناه لا تزالان معلَّقتين بها رغم تحرُّكه:
_شمس...ما تناميش إلَّا لمَّا أرجع.
ثم وجَّه حديثه لوالده بتذمُّر ممتزج بالضحك:
_ماشي يا إسحاق...افتكر إنَّك أخدتني من حضن مراتي وابني علشان أجيب أخوك.
زفر إسحاق بضيق مصطنع وصفعه بخفَّة خلف رأسه:
_امشي يا حيوان من غير كلام...عايزك في موضوع مهم.
راقبتهما شمس بابتسامة دافئة، فلقد شعرت أنَّ هذا البيت لم يعد مجرَّد قصرٍ ضخم، بل عائلة حقيقيَّة تحاوط قلبها بالحب.
جلست دينا بجوارها تنظر إلى بطنها التي بدأت تظهر قليلًا:
_حبيب نانا عامل في مامي إيه؟.
وضعت كفَّيها على بطنها:
_كويس يا نانا، هوَّ بيتحرَّك كتير بس. 
مسَّدت على شعرها: 
_طبيعي حبيبتي، خدي بالك من نفسك، الحمل مرهق، لكن وقت لمَّا تشوفيه هتنسي كلِّ عذاب الدنيا. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل كريم.. 
دلفت إلى غرفة أختها وجدتها منشغلة على جهازها، حمحمت وخطت إليها، رفعت آسيا عيناها إليها: 
_محتاجة حاجة يا حبيبتي؟. 
جلست بمقابلتها، وابتسامة تجلَّت بملامحها الطفولية: 
_جبت هدية لآسر، عايزة آخد رأيك فيها. 
أومأت لها، رغم القبضة التي اعتصرت فؤادها، ركضت سدن للخارج، بينما أغلقت آسيا جهازها واتَّجهت إلى الشرفة تنظر للنجوم التي سطعت بالسماء، وذهبت بذاكرتها إلى كلماته يوم زفاف شمس:
_عايزك تتغيَّري يا آسيا، هيفرق معايا. 
_بس أنا عاجبة نفسي كدا يا آسر، بحبِّ آسيا كدا. 
نظر إليها للحظات ثم قال:
_بس أنا بحبِّ آسيا القديمة، اللي قدَّامي دي مش قادر أتقبَّلها. 
زمَّت شفتيها تنظر للكوب الذي بيدها:
_ما طلبتش منك تحبِّني والله يا بن خالو.
اقترب يستند على الطاولة ينظر لعينيها مباشرة:
_اسمعيني علشان مش هكرَّر كلامي تاني، وحطِّي في قلبك قبل عقلك الغبي دا، إنِّك هتتغيَّري علشاني، نظامك دا كلُّه هيتغيَّر، أنا مش موافق على تصرفاتك الغبية دي. 
رفعت حاجبها تتطلَّع إليه بامتعاض متصنَّع، وداخلها هزَّة عنيفة لا تعلم سببها:
_وإنتَ مين إن شاء الله يا حبيبي علشان أنفِّذ طلباتك؟!. 
ابتسامة ظهرت على وجهه، ثم اقترب منها بجسده وعيناه عانقت عيناها:
_علشان اللي قولتيها دلوقتي يا إفريقيا..
مدَّ يده وأمسك كفَّها، قولتي إيه؟. 
ارتفعت دقَّات قلبها بعنف من نظراته وهمسه ناهيك عن أنفاسه التي ضربت وجنتيها، ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت سحب كفَّها: 
_سيب إيدي، أنا ما قولتش حاجة.
غمز بطرف عينيه وقال:
_لا، قولتي حبيبي. 
سحبت نظرها من مجرى عينيه التي أنهكت دقَّاتها: 
_إنتَ دايمًا موهوم يا متر، كلِّنا بنقولها، ثم التفتت إليه:
_بطَّل أحلام وردية. 
قهقه بصوتٍ مرتفع، كانت تتابعه لأوَّل مرَّة تشعر بضعفها أمام رجولته، ظلَّت تنظر إليه وتاهت بضحكته، دنا برأسه منها: 
_هنتغيَّر يا أفريقتي، علشان نعلي الجواب، ونجيب أستراليا والأمريكتين.
أخيرًا أفلتت ضحكة ناعمة تهزُّ رأسها:
_وماله، مفيش أنتاركتيكا.
هنا ارتفعت ضحكاته أكثر وأكثر، ممَّا جعل البعض يتوجَّهون بالنظر إليهم، وصلت سدن إليه: 
_آسر تعال نرقص. 
خرجت من شرودها على صوت سدن خلفها: 
_شوفي جبت إيه. 
التفتت تنظر للصندوق الذي تحمله.. 
خطت للداخل، وجدتها تضعه فوق المكتب ثم فتحته وأخرجت منه مسبحة، ومصحف وساعة رجالي تجذب الأنظار.
_إيه رأيك يا آسيا هيعجبوه؟.
دنت منها تنظر للأشياء، ولا تعلم لماذا تخيَّلته أمامها، هزَّت رأسها لأختها: _حلوين اوي حبيبتي، هيعحبوه
_بجد؟. 
رفعت عيناها لأختها تراقب فرحتها، فأومأت لها: 
_بجد..إنتي جميلة وأي حاجة بتجبيها بتبقى جميلة أوي. 
ركضت إليها واحتضنتها: 
_أنا بحبِّك أوي يا آسيا، أوي أوي. 
ضمَّتها أختها وفرَّت دمعة من عينيها:
_وأنا كمان، مستحيل حاجة تفرَّقنا مهما كانت. 
ابتعدت عنها تنظر إليها بتساؤل:
_ليه حبيبتي بتقولي كدا، طبعًا مفيش حاجة هتفرَّقنا.
لمست وجه أختها وابتسمت: 
_ربِّنا يسعدك يا قلبي، يالَّه بقى خدي حاجات المتر دي، وظبَّطيهم في بوكس شيك مع كارت لطيف وابعتيهم.
قبَّلت وجنة أختها وانحنت تحمل الصندوق وخرجت به.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل سارة.. 
كانت تجلس بالحديقة ترسم لوحة تعبِّر عن جمال الليل، وصلت والدتها إليها:
_سارة، نور لسة مرجعش؟.
التفتت لوالدتها: 
_لسة يا ماما، هوَّ قالِّي هيسافر لبنان وهيرجع على الخميس عنده كولكشن الصيف.
جلست وهي تنظر إلى لوحتها:
_إنتَ تعرف مين نور يحبَّها؟.
مطت شفتيها وقالت 
_أه..رحت مرَّة أنا وعادل، بس خلاص افترقوا. 
_هوَّ قول حاجة عن موضوع العروس؟.
ألقت ما بيدها واستدارت بكامل جسدها:
_معرفش تفاصيل، أنا كنت مسافرة، حضرت بس الحفلة، البنت كانت جميلة جدًّا، وعجبتني، بس ملحقتش أتكلِّم معاها، وفجأة عرفت تاني يوم إنِّ ليها ابن عم عمل حادث، ووقتها سافرت ولمَّا رجعت كامل كان غضبان علشان اللي حصل، سألت نور احتفظ بقراره، وحضرتك عارفة، أنا مبحبِّش أدخَّل في حياته.
شردت والدتها وقالت:
_هو مثل أبوه، فاكر إنتَ أخوك كان بيعمل إيه؟. 
ضحكت ونهضت مقتربة منها:
_هيجيبوا من بعيد يا ماما، هعمل كابتشينو أعملِّك؟. 
_لا..صمتت للحظات ثم نظرت إليها وهي تقوم بجمع أشيائها:
_أنا قرَّر أزور معتز، يجب علينا المواجهة.
تنهَّدت سارة واعتدلت تنظر لوالدتها:
_هشوفه في مصر ولَّا خارجها يا ماما، أتمنى ما يحصلش زي كلِّ مرَّة 
ـــــــــــــــــــــــــــــ

صباح اليوم التالي...
فتحت عيناها بإرهاق على رنين هاتفه المتواصل، تأوَّهت بخفوت وشعرت بشيءٍ صلب، فتحت عيناها وجدت نفسها بأحضانه، ابتعدت قليلا برأسها، لتجده غارقًا في نومٍ عميق، بملامح هادئة.
سحبت الهاتف بحذر حتى لا توقظه، وحين رأت اسم المتَّصل ابتسمت بخفوت ثم ردَّت بصوتٍ ناعس:
_ألو...
خرج زفير من الطرف الآخر، تبعته همسة ميرال المرتجفة: 
_أخيرًا ردِّيت يا حبيبي...إنتَ فين؟
اعتدلت عنه قليلًا وهي تنظر إليه، ثم قالت بهدوء: 
_أيوة يا طنط ميرال...أنا ضي.
صمتت ميرال لثانية، ثم قالت بلهفة أمٍّ خائفة: 
_إنتِ مع يوسف؟...قوليلي، هوَّ كويس، أوعى يكون تعبان..أو لسه زعلان؟
التفتت إليه مجدَّدًا، تأمَّلت وجهه المسترخي ويده القابضة على خصرها فابتسمت بحنان: 
_اطَّمني...هوَّ كويس، بس لسه نايم.
تنهَّدت ميرال براحةٍ عميقة، ثم قالت بأسف: 
_آسفة يا حبيبتي صحِّيتك...بس لمَّا دخلت أوضته وما لقتوش خفت.
ابتسمت ضي وهي تمرِّر أطراف أصابعها فوق حاجبه: 
_ولا يهمِّك يا حبيبتي...ومتقلقيش عليه، لأنُّه مش هيرجع عندك تاني.
ساد الصمت لثوانٍ، فتسائلت ميرال:
_مش هيرجع عندي تاني؟...إنتِ عملتي فيه إيه يا بنت أرسلان؟
ضحكت ضي بصوتها الناعس، ثم اقتربت أكثر من يوسف وهمست: 
_لسه معملتش...بس ناوية إن شاء الله..ثم أضافت بدلالٍ جعل ميرال تبتسم رغم دموعها:
_يلَّا بقى بتتكلِّمي كتير على الصبح... عايزة أنام في حضن ابنك شوية.. قالتها 
وأغلقت الهاتف ببطء، وعيناها تلمعان بدموع فرحة، ثم همست لنفسها: _ربِّنا يهدِّي سرُّكم يارب...ويهديك يا ابن إلياس.
قاطعها صوتٌ أجش خلفها: 
_ماله ابن إلياس؟.عمل في مرات إلياس إيه؟
استدارت إليه بضحكةٍ، ضحكة أعادتها فتاةً صغيرة لا تحمل هموم السنين، وقالت وهي تنظر له بحب:
_ابن إلياس تاعب أمُّه...زي أبوه بالظبط.
اقترب إلياس منها دون كلمة، حاوط خصرها بذراعيه وجذبها إليه، ثم مال هامسًا قرب شفتيها:
_وأبوه برضو لسه تاعبك؟
رفعت وجهها إليه، وفي عينيها عمرًا كاملًا من الحب والعِشرة، ثم رفعت نفسها لمستواه وطبعت قبلة على وجنته.
تجمَّد مكانه ينظر إليها بذهولٍ، لتضحك بخفَّة من ملامحه.
غمغم وهو يضع كفِّه على جبينها: 
_لا...لا مش سخنة؟...إيه اللي حصلِّك يا حبيبتي؟
اقتربت منه أكثر، وأسندت رأسها على صدره هامسةً بصوتٍ دافئ: 
_ما تيجي تاخدني في حضنك شوية...
اتَّسعت عيناه أكثر، ثم لان وجهه بالكامل، وكأنَّ قلبه ذاب بين ضلوعه، فضمَّها إليه ببطء... 

_مالك النهاردة ياميرو؟
رفعت نفسها قليلًا نحوه، ثم مالت تطبع قبلةً أخرى بجوار شفتيه، قبلة صغيرة...لكنَّها جعلته يحدِّق بها:

_اللهمَّ اجعله خير... 
ضحكت بخفَّة، ثم لكزته بكتفها وهي تتمتم:
_هوَّ أنا للدرجة دي بعيدة عنك؟
ابتسم رغمًا عنه، ثم جذب طبق الطعام يضعه أمامها :
_لا يا حبيبتي...إنتي مش بعيدة، أنا اللي نسيت إنِّي متجوِّز أصلًا.
قهقهت بصوتٍ مرتفع، حتى لمعت عيناها بطبقةٍ شفَّافة من الدموع، كان يتأمَّلها بصمت...وكأنَّ ضحكتها وحدها قادرة تعيد الحياة لقلبٍ شاخ من الوجع..رقص قلبه لذلك..

رفعت عيناها إليه وقالت وسط ابتسامتها:
_أصلي كنت بتَّصل بابنك...قلقت عليه، مرجعش من إمبارح.
تناول لقمة ينتظر باقي حديثها، بينما أكملت وهي تكتم ضحكتها:
_تخيَّل بقى...مين اللي رد عليَّا؟
رفع حاجبه باستفهام، فمالت نحوه هامسةً بمشاكسة:
_مرات ابنك المجنونة.
اختنق الطعام بحلقه، فسعل بعنف وهو يلتفت إليها بعينينِ متَّسعتين، بينما انفجرت هي ضاحكة على منظره.
_بتقولِّي كفاية كلام على الصبح... عايزة أنام في حضن ابنك.
شهقت ضحكتها مجدَّدًا وهي تضيف:
_والله وقفلت السكة في وشِّي كمان!
ابتلع طعامه أخيرًا، ثم هزَّ رأسه بيأسٍ مصطنع:
_يعني ضي هيَّ اللي عاملة فيكي كدا؟...وأنا اللي فكَّرت إنِّي وحشتك.
ضحكت بصوتٍ مرتفع، ثم دفنت وجهها بذراعه بخجلٍ أنثوي ناعم:
_بس بقى...إحنا لسه صغيرين على الكلام دا.
ابتعد بجسده قليلًا ينظر إليها بصدمة ساخرة:
_بحسد ابنك الحلوف على بتاعة الأحضان.
تعالت ضحكاتهما معًا، ضحكات صافية نادرة ملأت أرجاء البيت بعد شهورٍ طويلة من الحزن...قاطعهم دخول أرسلان.
وقف يرمقهم بدهشة، ثم قال وهو يبتسم:
_خير يارب...من زمان مسمعتش الضحك في البيت الكئيب دا.
طالعه ثم قال ساخرًا:
_كلُّه من بتاعة الأحضان.
قطَّب أرسلان حاجبيه بعدم فهم، ونظر نحو ميرال:
_مين دي؟ مش كبرنا على الأحضان دي يا أمِّ يوسف؟!.
هنا انفجرت ميرال ضاحكة من جديد، بينما أشار إليها إلياس بغيظٍ مفتعل:

ثم التفت لأخيه متذمِّرًا:
_لا يا أخويا، وياريت...دي بنت أبوها اللي معرفش يربِّيها أصلًا.
رفع أرسلان حاجبه بفضول:
_ليه، هيَّ فين ضي دلوقتي؟
لم تستطع ميرال التماسك أكثر، فضحكت حتى احمرَّ وجهها، بينما رمقها إلياس بنظرةٍ محذِّرة قبل أن يقول وهو يهزُّ رأسه باستسلام:
_الحمد لله مقولتش حاجة...طليقة ابني نايمة في حضنه دلوقتي.
بنات آخر زمن ما لقتش أب يربِّيها.
اقترب أرسلان منه ببطء، ثم انحنى يستند بكفَّيه على الطاولة، وعيناه تلمعان بخبثٍ واضح قبل أن يقول:
_ علشان تحمد ربِّنا إنِّ ابنك المتخلِّف لقي واحدة هبلة زي البنت اللي أبوها ما ربهاش، ثم نظر إلى ميرال: 
_البركة فيكي إنتي كمان، حد قالِّك تجيبي واد حلو متخلِّف يخلِّي الهبلة تحبُّه. 

ساد المكان البهجة والسعادة، جلس أرسلان بمقابلته:
_ماما فريدة جت وراحت لبلال. 
رفع فنجان قهوته يرتشف بعضها فقال:
_كلَّمتها أوَّل ما صحيت وكانت زعلانة علشان ما اتصلناش إمبارح، هوَّ بلال رجع ولَّا لسة؟.
_راح لهم آسر وغرام، ورحيل وماما في البيت عندهم. 
أومأ قائلًا:
_تمام...التفت إلى ميرال: 
_خلَّصي فطارك واجهزي علشان أوصَّلك لشمس. 
_نهضت تمسح فمها، وقالت:
_خلَّصت...اتَّجهت بنظرها إلى أرسلان: 
_هشوف شمس. 
ــــــــــــــــــــــ
بمنزل معتز.. 
خرج من مرحاضه على رنين الهاتف، رفع الهاتف: 
_أيوة. 
_ البنت ولدت يا باشا.
_تمام...اعمل اللي قولت لك عليه.
_تحت أمرك يا باشا.
جلس يسحب سجائره ينفث رمادها حتى اختفى خلفها:
_باقي تكَّة يا ولاد الشافعي، وكلِّ واحد ياخد حقُّه. 
دقائق واستمع إلى رنين هاتفه مرَّةً أخرى:
_معتز باشا، أستاذة سارة اتَّصلت بالشركة وطلبت عنوان حضرتك. 
_قولت لها إيه؟.
_زي ما حضرتك أمرت، منعرفش. 
_خلاص، جهِّز العربية وهنروح للمحامي. 
_تحت أمرك يا باشا.

بمنزل طارق...
دلف طارق إلى غرفة ابنه بهدوء، فوجد مازن جالسًا على فراشه، عينيه معلَّقتين بشاشة جهازه. 
وقف عند الباب للحظاتٍ يراقبه، ثم قال:
_مازن...هنأجِّل معاد الدكتور النهاردة، بنت عمَّك ولدت ولازم نروح نباركلها.
ثم اقترب أكثر مضيفًا:
_إيه رأيك تيجي معانا؟
لم يرفع مازن عينيه فأردف بصوتٍ بارد:
_مش رايح لحد...اعمل اللي إنتَ عايزه.
انعقد حاجبا طارق، وتحرَّك نحوه بخطواتٍ أبطأ، وفي داخله غضبًا يتصاعد: 
_ممكن أفهم إنتَ قافل على نفسك ليه؟
ولا تدريباتك، ولا نزولك، إنتَ مالك بقى؟
فجأة...ألقى مازن الجهاز بعيدًا بعنف، ونهض واقفًا أمامه وعيناه تشتعلان بالقهر:
_علشان مش عايز أقعد مع الستِّ اللي برَّة دي..
رجَّعني عند ماما...إنتَ واحد ظالم!
وفي ثانية واحدة..دوى صوت الصفعة بالغرفة.

تجمَّد مازن مكانه من الصدمة قبل الألم، انقضَّ طارق عليه يمسك ذراعيه بعنفٍ جعله يتأوَّه.
اقترب بوجهه منه حتى أصبحت أنفاسه تضرب وجهه المرتعش، وهمس بصوتٍ منخفض...مرعب:
_اسمع يلا..متتغرِّش إنِّ أبوك شخص محترم كدا، لو عرفت ماضي أبوك هتتأكِّد
إنُّه ممكن يدفنك مكانك...وميرفلوش جفن.
ارتجف جسد مازن، بينما تابع طارق وعيناه تقدحان شرًّا:
_الستِّ اللي برَّة دي...هتبقى أمَّك من النهاردة.
وإيَّاك أسمعك تتكلِّم عنها بالطريقة دي تاني.
ازدادت قبضته على ذراعيه حتى تألَّم الطفل بوضوح، لكن طارق لم يهتم، بل مال أكثر يهمس بفحيحٍ مخيف:
_أنا دلَّعتك كتير...فوق ما تستحق كمان.
ومتفكَّرش إن عمايلك مستخبية عنِّي.
رفع عينيه يشير نحو إحدى زوايا الغرفة، فالتفت مازن بعينينِ دامعتينِ ليرى الكاميرا المعلَّقة بالسقف.
فقال طارق ببطءٍ متعمَّد:
_شايف دي؟
البيت كلُّه فيه كاميرات.
يعني نفسك اللي بتتنفِّسه بيوصلني.
شحب وجه الطفل، بينما أكمل طارق بقسوةٍ أشد:
_وأنا لسه ما حاسبتكش على اللي عملته في أخوك.
آه...مش إنتَ اللي وقَّعته.
بس شوفته وهوَّ بيقع...وسبته ومشيت زي الحيوان.
اتَّسعت عينا مازن بصدمة وارتباك، وكأنَّ الكلمات تخنقه، لكن طارق لم يمنحه فرصة للدفاع عن نفسه.
أشار نحو الخزانة بحدَّة:
_قوم غيَّر هدومك.
هنروح لبنت عمَّك، وهتدخل معايا هناك ولد محترم يليق باسم أبوه.
ثم نظر إليه باحتقارٍ باردٍ وأضاف:
_واحمد ربِّنا إنَّك لاقي ستِّ محترمة مستحملاك وبتعاملك كويس بعد قرفك دا كلُّه.
أخرج هاتفه ينظر إلى الساعة، قبل أن يقول بنبرةٍ أنهت الحديث تمامًا:
_قدَّامك عشر دقايق...وتكون تحت.
تركه ودلف للخارج، بينما ظلَّ مازن واقفًا مكانه...
أنفاسه متقطِّعة، وجسده يرتجف، وكفَّ يده الصغيرة ترتفع ببطء نحو خدِّه الملتهب.
أمَّا عيناه فامتلأتا بذلك الانكسار الصامت الذي لا يخرج صوتًا...لكنَّه يقتل شيئًا داخله.

بمنزل يوسف...
بعدما أنهت ضي مكالمتها مع ميرال، التفتت ببطء نحو يوسف النائم، وكأنَّ قلبها يُسحب إليه دون إرادة منها.
تسلَّلت إلى أحضانه مرَّةً أخرى، تدفن نفسها بين ذراعيه، تغمض عينيها وهي تسحب رائحته إلى أعماق روحها...تلك الرائحة التي أصبحت وطنها الوحيد.
رفرفت ذكريات ليلة الأمس داخلها كفراشاتٍ مضيئة، فأغرقت قلبها بسعادةٍ دافئة جعلتها تتمنَّى لو يتوقَّف الزمن عند تلك اللحظات للأبد.
رفعت رأسها قليلًا تنظر إلى ملامحه...
ذلك الوجه الذي عشقته حدَّ الألم، حدَّ الجنون، حدَّ أنَّها لم تعد تعرف كيف كانت تعيش قبل أن يصبح هو حياتها كلَّها.
مرَّرت أناملها برقَّة فوق وجنته، ثم أغمضت عينيها بطمأنينة، وما هي إلَّا لحظات حتى غفت سريعًا...
وكأنَّ أحضانه قلاعًا آمنة، لا يصل إليها خوفٌ ولا وجع.
بعد فترة...
تململ يوسف بنومه، فتح عينيه ببطء بعدما داعبت خصلاتها وجهه.. ورائحتها التي يميِّزها دون نساء العالمين.

هنا أدرك أنَّها نائمة بين ذراعيه، 
ارتجف قلبه فرحًا بطريقةٍ موجعة.
تذكَّر كلماتها ليلة أمس، وكيف جعلته لأوَّل مرَّة يريد أن يحارب نفسه..من أجلها هي فقط.
اقترب منها أكثر، ودفن وجهه بعنقها يستنشقها بوله، يترك قبلاتٍ دافئة خفيفة جعلتها تفتح عينيها ببطء.
رفع أنامله يزيح خصلاتها عن وجهها، ثم همس بصوتٍ مبحوح مليء بالعشق:
_صباح الورد يا حياتي.
ابتسمت له تلك الابتسامة التي تذيب قلبه، وأجابته بصوتٍ ناعم:
_صباح الحب..حبيبي.
دنا يطبع قبلةً طويلةً على شفتيها، ثم ابتعد يسند جبينه على جبينها وهمس:
_أحسن صباح..إنِّي أفتح عيوني وألاقيكي في حضني.
أغمضت عينيها بسعادة، ثم دفنت نفسها أكثر بين ذراعيه:
_مش قلتلك...سعادتي هنا.
ملَّس على خصلاتها بحنانٍ غارق بها:
_وأنا سعادتي..تكوني قريبة منِّي.
تعانقت العيون طويلًا...
نظرات مشبعة بالعشق، والاشتياق، والخوف من الفقد.
حتى أصبحت أنفاسهما متلاحقة، وكأنَّ الغرفة كلَّها تحوَّلت إلى نبضاتِ حبٍّ تضجُّ بهما وحدهما.
ضمَّها إليه أكثر، يغرقها بجنَّةِ عشقه التي لا تشبه شيئًا غير قربهما، مرَّت الدقائق عليهما كنسيمٍ دافئ، خفيف، عابر من شدَّة جمال ما عاشاه معًا.
وبعد وقتٍ ليس بقليل.. 
دفنت وجهها بصدره خجلًا، تهرب من نظراته التي تحفظها جيِّدًا..تلك النظرات التي تجعلها تذوب بين يديه دون مقاومة.
أمَّا هو...فأغمض عينيه بقوَّة، يحاول أن يهدِّئ جنونه بها.
لا يعلم كيف استطاعت أن تحوِّله من رجلٍ هادئ...إلى عاشقٍ يضعف أمام دمعةٍ منها.
شعر بها تنسحب من بين ذراعيه، ففتح عينيه فورًا يتمتم باعتراض طفلٍ تعلَّق بلعبته الوحيدة:
_رايحة فين؟
ابتسمت وهي ترتِّب خصلاتها المبعثرة:
_هاخد شاور..زمانهم رجعوا من المستشفى..
يلَّا قوم اجهز علشان نروح لهم.
لكنَّه جذبها إليه مجدَّدًا بسرعة، حتى سقطت فوق صدره، وهمس بصوتٍ متعب:
_لا..خلِّيكي للِّيل، مش قادر دلوقتي.
تبدَّلت ملامحها، ورفعت وجهه بين كفَّيها بخوفٍ:
_مالك حبيبي، إنت َتعبان؟
نظر داخل عينيها المرتجفتين عليه، وقال بصوتٍ صادقٍ أوجعها:
_أوي...تعبان أوي.
وضعت يدها على جبينه تتحسَّس حرارته بقلق:
_حاسس بإيه؟ مفيش حرارة...
فجأة التفَّ بذراعيه حولها.

أطلق ضحكةً رجوليَّة خافتة وهو يدفن وجهه بعنقها:
_لا..بس خلِّيكي شوية.
قطَّبت حاجبيها، ثم همست بقلق أكبر:
_يوسف...ضهرك وجعك صح؟
علشان شلتني إمبارح وإنتَ مخبِّي ومش عايز تقول؟
رفع رأسه إليها ببطء، ونبرة صوتها الخائف لمست مكانًا هشًّا داخله:
_ليه بتقولي كدا؟
اغرورقت عيناها بالدموع فورًا:
_يبقى صح...قولتلك متشلنيش.
وضع إصبعه على شفتيها يمنعها من الكلام، ثم قال بصوتٍ دافئ هزَّ قلبها:
_ششش..بتقولي إيه؟
لو طايل أحطِّك جوَّا قلبي وأقفل عليكي...هعملها.
اتَّسعت ابتسامتها وسط دموعها، وهمست بسعادةِ طفلة:
_بجد؟
مرَّر أنامله على وجهها ببطء حتى وصل إلى شفتيها، ثم قال وهو يتأمَّلها:
_ضي...إنتي نور قلبي.
انسابت دموعها رغماً عنها، وهمست بألمٍ عاد يخنقها:
_طيب ليه عملت فينا كدا؟
ليه وجعتني وكسرتني؟
أغمض عينيه للحظة، و السؤال يمزِّق روحه، ثم قال بصوتٍ مختنق:
_علشان بحبِّك...وبموت فيكي.
شهقت باكية:
_في حد بيحبِّ حد...ويوافق يسيبه لغيره؟
مسح دموعها بحنانٍ موجوع، ثم ابتسم ابتسامة حزينة أرهقتها:
_لو هتبقي سعيدة... آه.
المهم تكوني سعيدة.
لكمته بصدره بضعف وهي تبكي أكثر:
_إنتَ غبي يا يوسف..غبي.
متعرفش إنِّي من غيرك بموت؟
ارتجفت عيناه، بينما رفع يده يمسِّد خصلاتها بحنانِ عاشق ومتألِّم في آنٍ واحد:
_غبي...ومتخلِّف كمان.
بس متزعليش منِّي يا حياتي...يارب ماكونش أناني وظلمتك.
شهقت بخفوت، ورفعت عيناها المغرقتين بالدموع إليه، ثم همست بصوتٍ مرتجف:
_اظلمني، أنا راضية..
مالكش دعوة بأي حاجة...المهم ما توجعش قلبي وقلبك، أنا مبقتش قادرة على الوجع...والله تعبت.
ارتعش قلبه لكلماتها، وكأنَّها نزعت روحه بين ضلوعها دون رحمة.
شدَّها إليه بقوة، يضمُّ رأسها لصدره، ودفن وجهه بين خصلاتها يستنشقها بأنفاسٍ متعبة موجوعة:
_مبقاش فيه مفر يا ضي، حتى لو إنتِ اللي عايزة تبعدي.
رفع وجهها إليه، و عيناه كانتا غارقتين بها حدَّ الضياع.
تأمَّل ملامحها بعشقٍ مؤلم، ثم قال بصوتٍ أجش خرج من أعماق قلبه:
_إنتِ دخلتي سجني بإيدك...وانسي إنِّك تخرجي منه.
أنا خلاص بقيت مدمنك..أنفاسي، ضعفي، جنوني كلُّه بقى مربوط بيكي.
حتى لو حاولتي تهربي منِّي...هرجَّعك لحضني غصب عنك و عن الدنيا كلَّها.
انسابت دموعها بصمت، فمال عليها يمسحها بشفتيه، وكأنَّه يتألَّم لكلِّ دمعة تسقط منها.
ثم همس قرب شفتيها بنبرةٍ مرتعشة عاشقة:
_أنا بخاف عليكي قدِّ ما بخاف منك...
لأنِّك الحاجة الوحيدة اللي لو ضاعت مني...هضيع بعدها للأبد.. 
"بحبِّك يا وهج روحي وحياتي" 
لحظة تنظر ألى عينيه التي تعشقها، ثم دنت وهمست مثله: 
"وأنا بعشقك يا سلطان قلبي، حياتي وروحي وكلِّ ما أملك.
_ضي قومي روحي الحمَّام، أحسن لك. 
ضحكت تدفن نفسها بصدره...ابتسم على سعادتها يدعو الله في سريرته: 
" يارب السعادة لقلبها، يارب امنحها السعادة دايمًا"
بعد أسبوع...
تحوَّل كمبوند الشافعي إلى قطعة من البهجة، وكأنَّ السعادة أخيرًا قرَّرت أن تطرق أبوابه. 
زُيِّن بالأضواء الذهبية بالممرَّات والحدائق، والزينة الملوَّنة وأصوات ضحكات الأطفال وغنائهم تملأ المكان بحياةٍ مختلفة...حياة تشبه الأعياد.
لم يكن هناك منزل محدَّد للاحتفال...
فالكمبوند بأكمله كان يحتفل بذلك الصغير الذي جاء للدنيا فأنارها ببكائه.
كلُّ بيت ٍوضع الزينة على بابه، وكلُّ قلبٍ كان سعيدًا وكأنَّ الطفل ابنه هو.
بمنزل بلال...
كانت الحركة لا تتوقَّف، الخادمات يتنقلنَّ بين المطبخ والحديقة، وروائح الطعام المصري تملأ الأجواء..صواني الفتَّة، اللحوم، الحلويات، وأكياس السبوع المزيَّنة بشرائط زرقاء وذهبية مصطفَّة بعناية على الطاولات.
وقفت ميرال بالمطبخ بكامل هيبتها، تتابع كلَّ شيء ،رغم الابتسامة التي لم تفارق وجهها منذ الصباح:
_مش عايزة أي نقص في الحفلة...
الكلِّ لازم يكون سعيد.
هدايا الأطفال تتحطّ لوحدها، والحاجات اللي الباشا جابها تطلع كلَّها، فاهمة؟
أومأت رئيسة الخدم سريعًا:
_حاضر يا هانم.
خرجت ميرال إلى الحديقة الواسعة، تتأمَّل الأضواء المعلَّقة حول النافورة الكبيرة، ثم أشارت للرجل الذي يثبِّت لافتة مضيئة باسم الطفل:
_حطَّها في نصِّ المكان لو سمحت... أيوة كدا.
عايزة الاسم ينوَّر من الجانبين.
_تحت أمرك يا هانم.
دلفت رحيل وهي تحمل أكياسًا مليئة بألعاب الأطفال والهدايا الصغيرة:
_ميرال...شوفي العدد ده كويس ولَّا أجيب كمان؟
ماما فريدة بتقولِّي حطِّي زيادة، الأطفال بيحبُّوا الهدايا.
ضحكت ميرال ، ثم أشارت للداخل:
_شوفي سيدة، لسه موصياها على حاجات جوَّا...
ودول من إلياس، لو عايزة تديلها دول كمان يبقى كويس..الخير ملوش عدد.
ابتسمت رحيل بحب:
_خلاص يا حبيبتي، هودِّيهم حالًا.
ثم التفتت حولها تبحث بعينيها:
_هوَّ إلياس وأرسلان لسه مرجعوش؟
نظرت ميرال إلى ساعة يدها بقلق:
_معرفش...
قالوا هيوزَّعوا هدايا على العمَّال والموظفين في الشركات بمناسبة يوسف الصغير، ولسه مرجعوش.
ثم هتفت وهي تتحرَّك:
_هشوف يوسف يتِّصل ببلال كدا.
وتركتها وتحرَّكت نحو غرفة الصغير، وما إن فتحت الباب حتى تباطأت خطواتها. 

كانت الغرفة مزيَّنة بالونات زرقاء وبيضاء، إضاءة هادئة، واسمه معلَّق أعلى الفراش بحروفٍ مضيئة.

نظرت للداخل، ضي تجلس بجوار الصغير، تحمله بعشق، بينما يوسف يجلس بالجهة الأخرى، يراقبه بصمتٍ غارقٍ في هذا الجزء الصغير.
حرَّك يده بحذر فوق أصابعه الصغيرة، وعيناه ممتلئتانِ بذلك الضعف. 
توقَّفت ميرال تراقبهم بصمت...
وشعرت بغصَّة بقلبها، ثم رفعت عيناها للسماء تهمس من أعماقها:
"يارب...لا تحرمهم أبدًا من الفرحة دي."
فجأة...بكى الصغير بصوته الضعيف، فانحنت ضي تحمله سريعًا، تضمُّه لصدرها. 
ابتسم يوسف وهو يقترب:
_أهو...صحِّيتيه.
مش قولتلك بلاش رغي جنبه؟
رمقته بضي بعينين متَّسعتين:
_أنا؟!
ضحك بخفوت:
_أمال مين اللي صدَّعني من الصبح؟
"عايزة أجيب للواد بدلة...وعايزة بطانية...وعايزة..."
دخلت ميرال عليهم وهي تهزُّ رأسها بيأسٍ مصطنع:
_يوسف...قوم شوف بلال رجع ولَّا لسه، وسيب الواد مع المجنونة مراتك دي.
رفع رأسه باستغراب:
_همَّا راحوا فين؟
ربتت على كتفه بحنان:
_عمَّك أرسلان جايب عجول بيوزَّع لحومها على الغلابة، وبلال بيدبح للطفل...
إنتَ ناسي إنِّ النهاردة السبوع؟
عقد حاجبيه سريعًا:
_لازم يدبح يعني؟
ابتسمت ميرال بحنان:
_مش لازم يا حبيبي...دي سنَّة.
الولد له شاتين للمقتدر...وربِّنا يبارك فيه ويحفظه.
خفض رأسه يتمتم بخشوع:
_اللهمَّ آمين...
تمام، هشوفه.
ثم التفت نحو ضي التي كانت تداعب الصغير وتغني له بصوتٍ خافت، فتوقَّفت عيناه عليها للحظاتٍ طويلة، كأنه يرى الدنيا كلَّها مجتمعة بين يديها.
ربتت ميرال على كتفه:
_يلَّا يا حبيبي.
اقترب يوسف من ضي:
_هشوف بلال...عايزة حاجة؟
رفعت عينيها إليه بسرعة:
_متتأخَّرش...
عارفة مدام تخرج من البوابة، مبتدخلش غير على نصِّ الليل.
ضحك بخفَّة وقرص وجنتها بحب:
_حاضر يا ستِّ الكل.
ثم طبع قبلة صغيرة فوق رأس الطفل، وغادر الغرفة...
بينما بقيت ضي تضمُّه إلى صدرها، 
_ضي حطِّي الواد في سريره، واطلعي لرولا ومامتك ، شوفيهم ليكونوا محتاجين حاجة.
بالأعلى...
كانت تقف أمام المرآة تُنهي زينتها بعناية، نظرت لفستانها الأخضر الذي زادها جمالًا ونعومة..رغم شحوبها قليلًا من الولادة.

دلفت ضي إلى الغرفة، و اتَّسعت ابتسامتها تنظر إليها: 
_إيه الجمال ده يا مامي رولا...والله القمر نفسه يغير منكِ.
ضحكت رولا بخجل، ثم وضعت يدها فوق بطنها تنتحب بمشاكسة:
_أعمل في دي إيه يا ضي..شكلي وحش أوي.
زمَّت ضي شفتيها، وهزَّت رأسها بتصنُّعٍ بالغ:
_يا حرام..تصدَّقي؟ عندك حق فعلًا.
شهقت رولا وهي تضرب ذراعها..
_يا حبيبتي...إنتِ لسه والدة من كام يوم، طبيعي جسمك يكون تعبان. شوية شوية وهترجعي أحلى من الأوَّل كمان، أهمِّ حاجة تاكلي كويس وتشربي سوايل كتير علشان البيبي.
نظرت لها رولا بابتسامة ممتنَّة:
_بجد يا ضي؟
مرَّرت ضي أناملها على وجنتها بحنانٍ دافئ..بجد يا قلبي.
ثم ابتسمت بخفَّة تخفي خلفها غصَّة صغيرة:
_كنت بقرأ عن الحاجات دي...المهم يلَّا، طنط ميرال هتولَّع تحت، الناس كلَّها وصلت.
تأمَّلت فستانها الأخضر المزيَّن برباطٍ أحمر، واتَّسعت عيناها بإعجاب:
_إيه القمر ده! والله زي الأميرات.
اقتربت رولا منها وطَبعت قبلة على خدِّها:
_عقبالك يارب...يرزقك بطفل يفرَّح قلبك.
ارتجفت ابتسامة ضي للحظة، لكنها رفعت عينيها للسماء وهمست برجاءٍ صادق:
_يارب...يرزقني أنا ويوسف.
_إن شاء الله يا حبيبتي.
في تلك اللحظة اندفعت آسيا وسدن إلى الداخل بحماس: 
أم كلالة ولدت! يلَّا نروح لها!
صفَّقت ضي فجأة، وأخذت تدور حول رولا وهي تغني بصوتٍ طفولي جعل الجميع ينفجر ضحكًا:
_أمِّ كلالة ولدت يالَّا نروح لها...ناخد لوز وبندق ونروح نبارك لها...
ماما جابت له عسلية...كالابالا عيونه عسلية...خدوده وردية...
أمُّه فرحانة...أم كلالا ولدت...يالَّا نروح لها...
كالابالا ده أمل العيلة...وكلِّ العيلة بتستناه من خالو!
تعالت الضحكات داخل الغرفة حتى امتلأت دفئًا وحياة، فقاطعها طرقات خفيفة على الباب..ثم دخول بلال.
انسحبت الفتيات للخارج، لكن توقَّفت ضي أمامه بمكر، تمدُّ يدها له:
_فين هدية عمِّة البيبي؟ لا وعايزة هديتين...هدية لعمِّة ابنك، وهدية لعمُّو اللي الواد متسمِّي على اسمه!
رفع بلال حاجبه: 
_إيه ده، همَّ قلبوا الآية ولَّا إيه؟
غمزت له وهي تتراجع للخلف:
أنا اللي هشيل الواد...وكلِّ الهدايا هتبقى بتاعتي، يا إمَّا تلمِّ نفسك وتجيب هدايانا.
في لحظة جذبها من ذراعها حتى اصطدمت بصدره بقوة، فانفجرت ضحكًا.
لحظة واحدة يا بت...لو لقيتك هنا، هعلَّقك على باب الكمبوند.
شهقت ضي بضحك وهي تفلت منه:
_حذَّرتك إنتَ حر.
أغلق الباب خلفه، ثم التفت ببطء نحو رولا..سكنت عيناه عليها كأنَّ العالم كلَّه اختفى فجأة.
اقترب منها بخطواتٍ هادئة، مليئة بعشقٍ لم يتغيَّر رغم كلِّ ما مرّا به، ثم همس بصوتٍ خافت خرج من قلبه مباشرة:
_أجمل مامي في الدنيا.
ارتجف قلبها من طريقته، ومن نظراته التي تجعلها الملكة الوحيدة على الأرض.
أخرج من جيبه سلسلة رقيقة، تتوسَّطها قطعة صغيرة منقوش عليها اسمها.
اتَّسعت عيناها بسعادةٍ طفولية:
_حلوة أوي يا بلال...
ابتسم وهو يعلِّقها حول عنقها بحذر، ثم طبع قبلةً طويلة أعلى جبينها:
_هدية يوسف لمامي.
رفعت رأسها تنظر له بدهشة:
_طيب...ما كتبتش اسمه ليه؟
مرَّر أنامله على وجنتها بحنان:
_لأن مفيش اسم يتكتب على قلبك غير اسمي.
اختنقت أنفاسها من وقع كلماته، فجذبها إليه ببطء، يضمُّها لصدره بحنانٍ شديد.
دفنت وجهها بعنقه، وأغمضت عينيها بسعادةٍ كاملة...
أبعدها ينظر إليها:
_عايز أقولِّك حاجة.
انتظرت حديثه، فاتَّجه إلى حقيبة صغيرة ووضعها بين يدها:
_كارما بعتت دي ليوسف، رجاءً اقبليها البنت يتيمة يا رولا، وانسي أي حاجة.
أمسك كفَّها ووضعه على صدره:
_إنتي هنا وجوَّا روحي، ومفيش ست تهزِّني غيرك.
نظرت للحقيبة ثم إليه، وأومأت قائلة:
_اتِّصل بيها خلِّيها تيجي تحتفل معانا، أنا خلاص مش زعلانة منها. 
ضمَّها وطبع قبلة مطوَّلة على رأسها:
_ربِّنا يباركلك في يوسف يا أمِّ يوسف.
حاوطت جسده وهمست إليه:
_ويباركلي فيك يا حبيبي. 

بعد فترة.. 
جلست فريدة على الأرض واضعةً الطفل الصغير داخل الغربال المزخرف، تشير إلى رولا بحماس :
_عدِّي سبع مرَّات حبيبتي. 
شهقت رولا وانحنت تضمُّ طفلها بخوف:
_ لا يا تيتا...أنا خايفة أقع فوقيه!
ضحكت فريدة وهي تهزُّ رأسها:
_ ماتخافيش يا بنتي.
في الجهة الأخرى، كان آسر يستند على كتف يوسف يتابعان المشهد بعينينِ متَّسعتين وكأنهما يشاهدان طقوسًا من عصر الفراعنة، ثم همس آسر بصدمةٍ مصطنعة:
_ جوو...همَّ بيعملوا إيه؟
ردَّ يوسف بملل وهو يعقد ذراعيه: خزعبلات.
شهق آسر واضعًا يده على صدره: 
_يا للهول...
غمز إليه بمكر وهو ينظر إلى بلال: 
_الواد هيعيش مُخزعبل.
قطَّب يوسف جبينه:
_ يعني إيه البتاعة اللي قولتها دي يا لا؟
رفع آسر حاجبه بثقة مستفزَّة: 
_دي من مفردات الكلمة اللي إنتَ قولتها...إنتَ ساقط شعر.
أومأ يوسف ساخرًا:
_ أيوه صح...أنا ساقط شعر وإنتَ ناجح في الجغرافيا.
طالعهم بلال متسائلًا: 
_همَّ بيعملوا إيه؟!. 
_ما قولنا هيخزبعوا الولا.
اقترب منهم سريعًا، بينما كانت رولا تستعدُّ لطقوس السبوع، وهناك امرأة تمسك الـ"هون" وتبدأ بالدقِّ عليه وسط الزغاريد:
يلَّا يا رولا...
ثم انحنت فريدة نحو الطفل وهزَّت الغربال برفق: 
_اسمع كلام أمَّك...ومتسمعش كلام أبوك..قالتها بضحك وهي تنظر إلى بلال..
تعالت الضحكات، لكن فجأة دوى صوته القوي: 
_باااااس...إيه الخزعبلات دي؟!
نظرت فريدة إليه:
_ما تتفرَّجش يا بن أرسلان على الخزعبلات. 
_تيتا...أشارت إليه بالتوقُّف:
_يوسف...خد أبو يوسف واطلعوا برَّة.
توسَّعت عيناه: 
_بتطرديني من سبوع ابني؟!. 
_اطلع عند أبوك يا واد، قاعد مع الستَّات ليه. 
نظرت للأطفال التي تحمل الشموع: 
_ياله يا حلوين غنُّوا. 
يارب..ياربِّنا يكبر ويبقى قدِّنا. 
سحبه يوسف للخارج:
_يا بني متخافش، تيتا مستحيل تعمل حاجة تضرُّه. 

بعد عدَّة أيام.. 
كانت تجلس بأحضانه على سطح اليخت تنظر لجمال الطبيعة، وتلتقط بعض الصور:
_حلو أوي البحر الأحمر، الميَّة حلوة وصافية. 
صمتت تنظر إليه:
_ماتجي نغطس يا يوسف، من زمان أوي، عايزة أصوَّر قاع البحر، من أيام الجامعة ما نزلتش البحر من جوَّا.
_بلاش حبيبتي، في إجازة تانية، لازم نرجع الشاليه، عندنا سفر بكرة. 
اعتدلت تجلس أمامه:
_أنا فكَّرت في موضوع السفر دا، إيه رأيك تسافر إنتَ الأسبوعين دول، وأنا أ فضل هنا؟. 
_لا...هتيجي معايا، مينفعش أكون في مكان وإنتي في مكان. 
رفع ذقنها ونظر إليها: 
_بعد كدا المكان اللي أروحه هتكوني معايا فيه حتى لو يوم واحد. 
تنهَّدت تهزُّ رأسها بصمت، ضمَّ رأسها وقال:
_عايزة تغطسي؟. 
أومأت سريعًا بسعادة. 
نهض وأمسك كفَّها: 
_تؤمري حبيبي...يالَّه اجهزي، هتلاقي في اليخت بدل غطس. 
صفَّقت بيدها كالأطفال، ثم تعلَّقت بعنقه تقبِّله: 
_خمس دقايق بس. 
ارتدت بدلة غطس، وخرجت وجدته يقف فوق اليخت:
_أنا جاهزة...التفت إليها مبتسمًا:
_تمام يالَّه، مش عايزين نطوِّل.
_المهم نصوَّر علشان خاطري.
دنا منها ورفع جهاز تنفُّسها حتى ظهر وجهها:
_طيب عايز رشوة الأوَّل.
ضربت قدمها بأرض اليخت:
_يوسف بس بقى، الدنيا هتليِّل وعايزة صور كتير لو سمحت.
_اتحايلي كمان.
أشارت للباسها:
_ماهو مش عارفة، شوف عاملة زي السمكة.
ضحك عليها واتجه إلى بدلته وأشار إلى البحر:
_أوعي تبعدي عنِّي تمام؟.
_تمام حبيبي.
​مرّت دقائق ، وكان الظلام في قاع البحر يهبط فوق المكان، دار بعينيه في كلِّ اتجاه، وقلبه يخفق بعنفٍ يكاد يمزّق صدره..كان يراقبها طوال الوقت، لم يشيح نظره عنها لحظة، لكن لحظة واحدة كانت كافية..انشغل بالكاميرا.
ثوانٍ قليلة فقط ليضبط زاوية الرؤية، ليحفظ مشهدًا ظنَّه آمنًا..وحين رفع رأسه..لم تكن موجودة..
تجمَّد الدم في عروقه، أدار جسده ببطء أوَّلاً، ثم بعجلةٍ مضطَّربة..لم يرَ سوى زرقةٍ داكنة تميل إلى السواد، وصخورٍ صامتة، وفقاعاتٍ تتلاشى في العتمة.
«ضي»
تمتم باسمها داخل خوذته، يعلم أنَّها لن تسمعه.
تحرَّك يبحث بعينينِ متوتِّرتين، يزداد اضطرابه مع كلِّ ثانية تمرُّ بلا أثر..كان البحر من حوله هادئًا على نحوٍ مخيف، كأنما يخفي سرَّه ببرودٍ قاسٍ.
حاول أن يقنع نفسه أنَّها لم تبتعد، أنَّها تختبئ خلف صخرةٍ قريبة، أو تنشغل بتأمُّل شيءٍ ما، لكنها ليست متهوِّرة... ليست إلى هذا الحد.
ازداد خفقان قلبه، وصار النفس داخل الأسطوانة أثقل، كأنَّ الأكسجين نفسه يتآمر عليه..راح يدور أسرع، يمدُّ ضوءه في كلِّ زاوية، يتتبَّع أي حركة، أي ظل، أي خيال قد يكون لها.
لحظات فقط...كيف يمكن للحظاتٍ عابرة أن تبتلع إنسانًا كاملًا؟
شعور بارد تسلَّل إلى أطرافه، ليس من ماء البحر، بل من خوفٍ بدأ يتشكَّل ببطءٍ مرعب:
ماذا لو لم تكن قريبة؟
ماذا لو حدث لها شيء...وهو كان منشغلًا بصورة؟


تعليقات