رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الرابع والسبعون 74 بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الرابع والسبعون 

اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك 

كلُّ قلبٍ يحمل حكايته الخاصة، وكلُّ نظرةٍ تخفي وراءها شيئًا أعظم من الكلمات.

روحين يعيشان ذلك النوع من العشق الذي يجعل العالم يبدو أخفّ، وكأنّ وجود أحدهما بجانب الآخر يكفي ليُصلح كلّ شيء. نظراتهما وحدها كانت تحمل من الحنان ما تعجز عنه الكلمات، وكأنّ قلبيهما تعاهدا سرًّا ألّا يفترقا أبدًا.

وفي حكايةٍ أخرى، كانت المشاعر أكثر اشتعالًا وحياة. ضحكات لا تنتهي، واشتياقٌ يظهر في أبسط التفاصيل. كان الحبّ بينهما واضحًا حدّ أنّه يُرى في العيون قبل الكلمات.

لكنّ القدر لم يكن رحيمًا مع الجميع…
ففي مكانٍ آخر، وُلد الحبّ فعلًا، صادقًا وواضحًا، قبل أن يأتي حدثٌ واحد يقلب الموازين كلّها. وكأنّ المسافة بدأت تكبر رغم قربهما.

وهناك، كانت شرارةٌ صغيرة تبدأ بالتكوّن ببطء؛ توترٌ غريب، تحدياتٌ مستمرة، ونظراتٌ تحمل شيئًا لا يفهمانه بعد. شيءٌ يشبه بداية حبٍّ يحاول الاختباء خلف العناد.

أمّا الحكاية الأكثر وجعًا، فكانت صامتة إلى حدٍّ مؤلم. مشاعر مخبأة، اعترافات لا تُقال، وقلوبٌ تخشى أن تؤذي غيرها إن تحدّثت.

وصلت رولا إلى شقَّة بلال، وتوقَّفت أمام الباب لثوانٍ بدت لها كالعمر كلِّه. سحبت نفسًا مرتجفًا، تحاول عبثًا تهدئة ذلك الخوف الذي ينهش صدرها دون سببٍ واضح..كان الباب مواربًا، فانعقد حاجباها باستغراب.
مدَّت يدها المرتعشة ودفعته ببطء.
خطوة...ثم أخرى، خطت و دقَّات قلبها تتسارع حتى شعرت بتوقُّفها
فجأة...تجمَّدت في مكانها واتَّسعت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وانحبس الهواء في رئتيها وهي تحدِّق 
بكارما الملقاة على الأرض وسط بركةٍ من الدماء.
وبجوارها آسر، غارقًا في غيبوبة أشبه بالموت، وسلاحه ملقى بالقرب من يده.
شهقت شهقة حادَّة، وارتفعت كفَّاها إلى فمها تلقائيًا..ارتجف جسدها بعنف وتراجع عقلها عن العمل تمامًا، وكأنَّ الزمن توقَّف عند تلك اللحظة، لم تعد تسمع شيئًا...لا ترى سوى الدماء التي تزحف على الأرض، ولا تشعر إلَّا بالرعب الذي يلتهم روحها.
مرَّت ثوانٍ طويلة قبل أن تستعيد القدرة على الحركة.
خطت نحوهم بقدمينِ مرتجفتين، وركبتاها تكادان تخونانها.
ثم هوت بجوار شقيقها:
_ آسر...آسر!
رفعت رأسه بين ذراعيها وانهارت دموعها بغزارة:
_ آسر فوق...بالله عليك فوق!
ضربت وجنته بخفَّة وهي تنتحب:
_ آسر...رد عليَّا!
تأوَّه بصوتٍ خافت، ثم تحرَّكت أهدابه ببطء.
رمش عدَّة مرَّات محاولًا استيعاب ما يراه.
كانت صورة أخته أمامه مشوَّشة، بعيدة، وكأنه يحلم..همس بصوتٍ مبحوح:
_ رولا..
لكنها لم تنتظر..نهضت مذعورة واتَّجهت نحو كارما.
جثت بجوارها بسرعة، ووضعت أصابعها المرتعشة على عنقها ثوانٍ.. بدت كأنها سنوات، ثم شهقت باكية حين شعرت بنبضٍ ضعيف:
_ عايشة...لسه عايشة!
انهمرت دموعها أكثر وهي تهزُّها برفق:
_ كارما...افتحي عيونك.
رفعت رأسها نحو آسر تصرخ وسط بكاءها:
_ إيه اللي حصل، وجيت هنا إزاي؟!
كان آسر قد بدأ يستعيد وعيه تدريجيًا.
طافت عيناه بالمكان بذهول، ثم وقعتا على الدماء وعلى كارما...ثم على السلاح الملقى بجواره.
وفجأةً انتفض واقفًا وكأنَّ صاعقة ضربته.
تراجع خطوة للخلف وعيناه متَّسعتان برعب:
_لا...نظر إلى يديه، ثم إلى السلاح، ثم إلى كارما:
_ لا...لا...مستحيل!
جاءه صوت رولا المذعور:
_ آسر! الحقها...لسه عايشة!
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب بهدوء:
_دكتور بلال إنتَ هنا، كارما عندك؟.
قالتها كندا ثم دلفت إلى الداخل وهي تبحث بعينيها عن ابنة عمِّها:
_ دكتور بلال.
لكن الكلمات ماتت على شفتيها وتوقَّفت فجأة، وشحب وجهها.حينوق نظراتها على  الدماء... وكارما...وآسر.
سمعت رولا تصرخ بانهيار:
_ الحقها يا آسر!
تراجعت كندا خطوة وهي تهزُّ رأسها بعدم تصديق.
ثم خرج صوتها ممزَّقًا:
_كا. رما، ثم فجأة ركضت نحو كارما وهي تصرخ بجنون:
_ كارماااا!
ارتمت بجوارها ورفعت رأسها بين ذراعيها:
_ لا...لا...افتحي عيونك!
ثم رفعت رأسها نحو آسر ورولا، وعيناها تمتلئان بالاتِّهام والرعب:
_ إنتوا اللي عملتوا فيها كده؟!
تراجع آسر خطوة أخرى، عاجزًا عن الكلام.
وهو ينظر إلى كارما التي شحب وجهها وكأنَّها فارقت الحياة. 
لكن صراخ كندا كان قد وصل إلى خارج الشقة.
وفي أقلِّ من دقيقة، بدأ الجيران يتجمَّعون أمام الباب..همسات مذعورة، وصيحات مرتفعة:
_في جريمة! حد اتقتل!.. اتِّصلوا بالإسعاف!
أخرج آسر هاتفه بأصابع مرتعشة وكاد يسقط منه أكثر من مرَّة قبل أن ينجح في طلب الإسعاف.
وبعد لحظات، كانت سيارات الإسعاف والشرطة في طريقها إلى المكان.
أمَّا داخل الشقَّة...
فلم يكن يُسمع سوى شهقات رولا المنهارة، وصراخ كندا وهي تحتضن كارما، ونظرات آسر الضائعة بين الدماء والسلاح، وكأنَّ عقله يحاول عبثًا تذكُّر اللحظة التي حوَّلت حياته إلى كابوس لن يفيق منه أبدًا.

بالمشفى...
كانت شمس تتمدَّد بصعوبة فوق سرير الكشف، بينما وقف حمزة إلى جوارها ممسكًا بكفِّها، يحاول أن يخفي قلقه خلف ابتسامة مطمئنة.
منذ يوم كامل لم تشعر بحركة طفلها كما اعتادت.
في البداية أقنعت نفسها أنَّ كل شيء على ما يرام، لكن الخوف تسلَّل إلى قلبها شيئًا فشيئًا، حتى تحدَّثت مع والدتها التي أجبرتها على الذهاب للطبيبة.
جلست الطبيبة أمام جهاز السونار، تمرِّر الجهاز بالسائل فوق بطنها، ساد الصمت.
وعينا الطبيبة معلَّقتين بالشاشة، تتحرَّكان بين الأرقام والقياسات.
أمَّا شمس فكانت تراقب ملامحها بترقُّب، تبحث عن أي إشارة تطمئنها.
وبعد دقائق طويلة رسمت الطبيبة ابتسامة صغيرة وقالت:
_ إن شاء الله هنولد النهاردة يا مدام شمس.
ارتجف جسد شمس:
_ هولد دلوقتي؟!
انحنى حمزة وهو يربت على كفِّها بحنان:
_ إن شاء الله يا حبيبتي...خير بإذن الله.
قالها وعيناه لم تغادرا ملامح وجه الطبيبة الغير راضية التي حاولت إخفائها بابتسامة.

ساعد زوجته على النهوض بعدما رفض مساعدة  الممرِّضة في الاقتراب منها، ثم أحاط خصرها بحذر:
_ يلَّا يا حبيبتي.
وقبل أن يخرج، قال للطبيبة:
_ خليهم يدخَّلوها أوضة ترتاح فيها لحدِّ ما تجهزوا...أومأت الطبيبة برأسها:
_ حاضر.
ثم التفتت إلى الممرِّضة:
_ وصَّلي مدام شمس للأوضة وخلِّيكي معاها.
تحرَّك مع شمس و الممرِّضة، غاب لدقائق معدودة ثم عاد إلى الطبيبة..
وقف أمام مكتبها مباشرة:
_عايز أفهم...إيه اللي عند مراتي؟
رفعت الطبيبة عينيها إليه:
_ تقصد إيه؟
_ المفروض دا أوَّل أسبوع في التاسع، وفجأة ولادة النهاردة؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم تنهَّدت الطبيبة وأغلقت الملف أمامها:
_ بصراحة يا أستاذ حمزة...فيه مشكلة عند الجنين.
شحب وجهه:
_مشكلة إيه؟...تمتم بها بتقطُّع، فأومأت له:
_ السائل الأمنيوسي حواليه قليل جدًّا...أقل من الطبيعي بكتير.
ازدادت ضربات قلبه:
_ يعني إيه؟
_ يعني الطفل بقى في خطر لو استنينا أكتر، كمان حركته قلِّت، ودا غالبًا السبب اللي خلَّا مدام شمس تحس إنُّه مش بيتحرَّك.
ابتلع ريقه بصعوبة:
_ طيب...هتولد طبيعي؟
هزَّت الطبيبة رأسها بالنفي:
_ مستحيل.
ظهر القلق بعينيه:
_ ليه؟.. 
ردَّت بعملية:
_ لأن الجنين وضعه عرضي...نايم بالعرض داخل الرحم، مش نازل بالرأس.
ثم أضافت بجديَّة أكبر:
_ والأسوأ إن نبضاته بدأت تنخفض عن المعدل اللي يطمنَّا.
شعر وكأنَّ روحه تنسحب منه فتساءل بقلقٍ أكبر:
_ يعني إيه الكلام ده؟
_ يعني لازم ندخل عمليات في أسرع وقت، قيصرية عاجلة.
هبَّ واقفًا فجأة:
_يعني ممكن نفقد البيبي؟
نظرت إليه الطبيبة وحاولت طمأنته:
_ إن شاء الله نلحقه..إحنا اكتشفنا المشكلة في الوقت المناسب، لكن التأخير مش في صالحه.
ارتجف قلبه برعب وقال بنبرةٍ متقطِّعة:
_وشمس، دا هيأثَّر عليها؟. 
_لا...إن شاء الله العملية تكون سهلة ومفيهاش مشكلة على الاتنين. 

بعد فترة، خرج متَّجهًا إلى غرفة زوجته، وبعد أن اطمأنَّ عليها لثوانٍ معدودة، ابتعد قليلًا وأخرج هاتفه.
هاتف والدته أوَّلًا وأخبرها بما حدث، محاولًا أن يبدو هادئًا رغم الارتجاف الذي ينهش صوته.
ثم اتَّصل برئيسه في العمل وأخبره أنه لن يستطيع الحضور.
لم يكن قادرًا على التفكير في شيء سوى شمس.

عاد وجلس على المقعد المقابل لغرفتها.
تشابكت أصابعه بقوة حتى ابيضَّت مفاصله، بينما كانت عيناه معلَّقتين ببابها المغلق.

حاول السيطرة على ارتعاش جسده، لكنَّه فشل.
لأوَّل مرَّة يشعر بكلِّ هذا الألم...وكل هذا العجز.
_شمس...
نطق اسمها بصوتٍ خافت، وكأنَّ حروفه تحمل الحياة لقلبه المنهك... لما لا وهي شمس روحه ودفئها، فهي لم تكن زوجته فقط، ولم تكن مجرَّد امرأة أحبَّها..
بل كانت المعنى الأجمل الذي منحه الله إيَّاه بعد سنواتٍ طويلة من الوحدة.
كانت السكينة التي تهدأ عندها روحه كلَّما أثقلتها الحياة.
وكانت النور الذي أضاء زوايا قلبه دون أن تشعر، قطعة من روحه، بل روحه كلَّها.
طفلته المدلَّلة التي أحبَّها بعاطفة لم يعرف لها اسمًا.
فلم يكن حبُّ رجلٍ لزوجته فقط.
بل حبُّ قلبٍ وجد نصفه الآخر أخيرًا.
حبًّا جعل ابتسامتها قادرة على إصلاح يومه بأكمله، ودمعتها قادرة على هدمه بالكامل.
أغمض عينيه للحظة، فتدفَّقت الذكريات أمامه، ضحكتها حين تناديه..
خوفها الطفولي عندما تتعلَّق بذراعه.
طريقتها في الحديث معه وكأنه ملاذها الوحيد في هذا العالم.
وكم كان يعشق ذلك...يعشق احتياجها إليه.
ويعشق شعوره بأنًّها أمانه وأمانها.
ارتجف قلبه بعنف، فاليوم...كانت تتألَّم..
وهو يقف عاجزًا.
لأوَّل مرَّة لا يستطيع أن يمدَّ يده لينتزع عنها الوجع.
ولا أن يضمُّها إلى صدره ويخبرها أنَّ كل شيء سيكون بخير.
ولو استطاع لأخذ عنها الألم كلِّه.
ولو استطاع لدخل مكانها وتحمَّل عنها كل لحظة خوف.
ولو استطاع لمنحها من عمره أعوامًا فوق أعوامها.
فما قيمة عمرٍ تعيشه روحه إن غابت هي عنه؟
رفع رأسه نحو الباب المغلق، وعيناه تلمعان بالدموع.
شعر لأوَّل مرَّة أن قلبه موجود خلف ذلك الباب معها.
وأن ما يجلس هنا ليس سوى جسد ينتظر عودته.

أغمض عينيه للحظة، فخانته دمعة ساخنة وانزلقت على خدِّه.
رفع كفِّه سريعًا يمسحها.
لا...لن يفكِّر إلَّا بشيء واحد..
ستخرج بخير..ستخرج وتنظر إليه بعينيها البريئة، وسيحمل طفلهما بين ذراعيه ويخبره كم أرهقه قبل أن يأتي إلى الدنيا.
تنهَّد بعمق وأخرج هاتفه.

توقَّف عند اسم إلياس..ثم عند اسم ميرال، أراد أن يخبرهما..
لكن ماذا سيقول؟
وكيف سيمنعهما من القلق؟
ظلَّ الهاتف بين يديه للحظاتٍ طويلة قبل أن يعيده إلى جيبه بصمت.

قبل يوما من الحادثة وولادة شمس

بمنزل إلياس...
كانت ميرال تجلس في الحديقة منذ أكثر من ساعة.
كلَّ بضعة دقائق تنظر إلى ساعة يدها ثمَّ إلى هاتفها.
شيء ما داخلها لم يكن مطمئنًّا.
وفجأةً توقَّفت سيارة أمام المنزل.
رفعت رأسها سريعًا..
وما إن وقع بصرها على السيارة حتى نهضت بلهفة.
وصل يوسف بعد شهرين كاملين من الغياب، توقَّف السائق أمام المنزل.
التفت يوسف إلى زوجته مبتسمًا:
ـ هشوف ماما وبابا الأوَّل...وبعدين باباكي ومامتك، وبعد كدا نروح بيتنا.
فتحت ضي الباب بسرعة:
ـ تمام...بس  هنعدِّي على بلال، يوسف الصغير وحشني أوي.
ابتسم وهو يحتضن كفَّها:
ـ حاضر.
وما إن ترجَّل حتى أسرعت ميرال نحوه.
كانت السعادة تملأ عينيها كطفلةٍ رأت ابنها بعد غيابٍ طويل:
ـ حبيبي...وحشتني أوي.
احتضنها بقوة، ثم انحنى يقبِّل كفَّيها:
ـ وإنتي أكتر يا حبيبتي.
أمسكت وجهه بين يديها.
راحت تتأمَّله تتأكَّد أنه أمامها فعلًا:
ـ إنتَ كويس؟
وقبل أن يجيب، تدخَّلت ضي ضاحكة:
ـ يعني هيكون إزاي يا طنط وهوَّ معايا؟ أكيد هيكون كويس.
ضحكت ميرال رغمًا عنها، ثم فتحت ذراعيها لها:
ـ تعالي يا بت في حضني...طول عمرك غلباوية.
ارتمت ضي بين ذراعيها:
ـ وحشتيني والله يا حبيبتي.
ـ وإنتي كمان.
ثم سألتها بحنانٍ أمومي صادق:
ـ عاملة إيه، الرحلة كانت حلوة؟
التصقت ضي بذراع يوسف وقالت بدلال:
ـ أكيد طبعًا..يعني كنت مع جوزي حبيبي، هينقصني إيه تاني؟
ضحكت ميرال:
ـ لا والله...ومن إمتى وإنتي بتحبِّي السفر يا بنت أرسلان؟
ضحكت ضي هي الأخرى:
ـ فكَّرتيني ببابا...هروح أشوفه، هتيجي يا يوسف؟
أجابتها ميرال بهدوء:
ـ باباكي ومامتك مش هنا..عند جدِّك فاروق وعمِّتك ملك، هيرجعوا بكرة
تغيَّرت ملامح ضي:
ـ ليه!!.جدُّو كويس، وعمِّتو؟
ـ أه يا حبيبتي...متقلقيش، راح يطمِّن عليهم بس.
قاطعهم يوسف وهو ينظر حوله:
ـ وبابا؟
ـ جوَّا في المكتب، مع جوز عمِّتك وفي واحد كمان.
ـ مين؟
ـ معرفش...اسمه مألوف بس مش فاكرة.
هزَّ رأسه مبتسمًا:
ـ خلاص، خلِّيه يخلَّص شغله. أنا هروح أشوف بلال وخالو.
ربتت ميرال على ظهره بحنان:
ـ روح يا حبيبي...وأنا هخليهم يجَّهزوا الغدا..تاكلوا وترتاحوا من السفر.
راقبته وهو يبتعد..
وظلَّت الابتسامة على شفتيها.
لكن ذلك القلق الغامض داخل قلبها لم يختفِ.
بل ازداد دون أن تعرف السبب.
بمنزل بلال...
كانت ضحكات يوسف الصغير تملأ المكان دفئًا وحياة.
جلس بلال على الأريكة يحمل طفله بين ذراعيه، يرفعه عاليًا ثم يعيده إلى صدره، فتتعالى ضحكات الصغير أكثر.
وكأنَّ الدنيا كلَّها اختُصرت في تلك الضحكات.
خرجت رولا من المطبخ تحمل زجاجة الحليب.
لكنَّها توقَّفت مكانها، تأمَّلته بصمت.
وتأمَّلت ذلك الحب الذي يفيض من عينيه نحو طفله، كان يذوب عشقًا في طفله.
قبَّل وجنته الصغيرة، ثم أنفه..
ثم كفِّه الصغير، كأنه لا يكتفي منه أبدًا:
ـ يا ناس على اللي سرق قلب بابي ده...
ضحك الطفل بصوتٍ عالٍ، فابتسم بلال ابتسامة واسعة أضاءت وجهه بالكامل.
شعرت رولا بحرارة الدموع تملأ عينيها، كم تحبُّ هذا المشهد...
كم تحبُّ رؤية الرجل الذي اختاره قلبها أبًا لطفلها.
اقتربت منه بهدوء.
رفع رأسه نحوها، فابتسمت وهي تمدُّ له الزجاجة:
ـ شكله قرَّر يضحك ويلعب وينسى إنه جعان.
نظر بلال إلى طفله ثم إليها..
وقال بصوتٍ مفعم بالحب:
ـ أعمل إيه، ده كلِّ يوم بيخلِّيني أحبُّه أكتر من اللي قبله.
ارتجف قلبها.
ما أبسط الكلمات...وما أعمق أثرها.
جلست بجواره تستند إلى كتفه..
بينما كان طفلهما مستلقيًا بين ذراعيه.
وفي تلك اللحظة تحديدًا...
لم يكن أحدًا منهما يعلم أنَّ ساعات قليلة فقط تفصلهم عن خبرٍ سيقلب فرحتهم وقلقهم معًا إلى عاصفة من المشاعر.

لفَّ ذراعيه حول جسدها الذي ضعف..والأخرى كان يطعم طفله الحليب:
_حبيبتي هتفضلي كدا، كلِّ ما أجيب مربيَّة مش تعجبك. 
نظرت إليه من فوق كتفه:
_مش عايزة..أنا كويسة.
_رولا، مش شايفة نفسك؟. 
اعتدلت مبتعدة عن أحضانه:
_يا سيدي أنا مبسوطة كدا، ولَّا عايز واحدة زي البنت العيِّلة تتلزَّق فيك وكلِّ شوية تقول، دكتور بلال المفروض نعمل كذا وكذا، أنا آخد أوامر من حتِّة بت عيِّلة. 

ارتفعت ضحكاته يضمُّها لصدره بقوة: 
_أفهم من كدا إنِّك بتغيري عليَّا؟. 
لكمته بقوة وابتعدت عنه، ترفع سبَّباتها بتحذير:
_غيرة إيه يا أبو غيرة، إنتَ بس اللي مالكش أمان، خلصت من زفتة كارما تطلعلي اللي أخرها تجعير، قال هناء، دي يسمُّوها عناء، شقاء. 

ارتفعت ضحكاته الرجولية يسحبها بقوة تحت ذراعيه، ثم طبع قبلة مطوَّلة فوق رأسها: 
_حبيبتي الغيرانة.
_إيه مش من حقِّي ولَّا إيه، ولَّا إنتَ ما تستهالش؟.
_أممم...خلِّي بالك غلطِّي من شوية وإنتي بتقولي ما ليش أمان. 
ابتعدت قليلًا وتنهَّدت قائلة:
 إنتَ عارف بضايقك، ما قصدش، بس مضحكش عليك موضوع كارما لسة مأثَّر فيَّا يا بلال.
فتح فاهه للحديث، وضعت كفَّها على فمه، ونظرت لعينيه القريبة:
_مش معنى كدا بشك في حبَّك، لكن مش قادرة أنسى، بحاول أنسى إنَّك كنت  على علاقة بحد غيري. 
هزَّ رأسه رافضاً حديثها:
_مفيش حاجة من دي، انسي يا رولا علشان نعرف نعيش، وثقي في جوزك حبيبك، لازم مربيَّة تساعدك في تربية يوسف.
رفع ذقنها وتاه في عينيها: 
_حبيبتي تلات شهور كفاية أوي، نسياني خالص. 
نظرت إليه بصمت للحظات، ثم قالت:
_عارفة مقصَّرة معاك، هحاول يا بلال، بس مربية ما تقلِّش عن أربعين سنة. 
قالتها بتحذير، انحنى يطبع قبلة بجوار شفتيها وهمس ببحَّته الرجولية:
_وحشتيني أوي أوي. 
نظرت لطفلها الذي غفا، ثم إليه: 
_وإنتَ كمان حبيبي، نيِّم يوسف في سريره، هاخد شاور بسرعة، وحشني حضنك أوي. 
لمعت عيناه بالسعادة، ضمَّها لأحضانه بقوة كادت تذيب ضلوعها:
_أخيرًا رضيتي عنِّي. 
رفعت ذراعيها تحاوط عنقه، ابتسم ثم ابتعد قليلًا ينظر لشفتيها التي يعتبرها مذاق الحياة الحلوة، احتضن ثغرها يقبِّلها باشتياقٍ عنيف، تاهت في قبلته حتى شعرت باختناقها فدفعته بعيدًا.
ابتعد أخيرًا بأنفاسٍ سريعة، يضع جبينه فوق جبهتها: 
_آسف محستش بنفسي..وحشتيني أوي. 
رفعت كفَّيها تلمس وجنتيه، أمسك كفَّها وقبَّله ينظر لعينيها: 
_قومي خدي شاور، هنيِّم يوسف، وغيَّري الهدوم دي كلَّها ريحتها لبن يا حبيبتي. 
شعرت بالحزن فنظرت للأسفل، رفع ذقنها ينظر لعينيها: 
_ما تزعليش منِّي يا رولا، إنتي بقيتي مهملة في نفسك، عارف إنِّك منشغلة بيوسف، علشان كدا عايز مربيَّة معاكي، مش هنفضل على الحال دا كتير.
_زهقت منِّي يا بلال؟.

احتضن وجهها بين كفَّيه، وعيناه تجولان فوق ملامحها وكأنَّه يحفظها من جديد، ثم قال بصوتٍ غارق بالحب:
_إنتِ شايفة بعد الحبِّ ده كلُّه أزهق منك يا أمِّ يوسف؟
ارتجف قلبها بعنف، وشعرت بحرارة كلماته تتسلَّل إلى أعماقها..اقتربت منه ببطء، وأسندت رأسها فوق صدره، مغمضةً عينيها، تستمع إلى دقَّات قلبه التي تشعر بأنَّها ملاذها الآمن.
همست بصوتٍ خافت:
_آسفة...عارفة إنِّي تعبتك معايا كتير، بكرة إن شاء الله هقابل المربيَّات وأشوف المناسبة...وأوعدك مش هقصَّر تاني.
تنهَّد وهو يضمُّها أكثر، ثم مرَّر أصابعه بين خصلاتها بحنانٍ بالغ:
_حبيبتي...أنا مش زعلان منك علشاني، أنا خايف عليكي..سهرك كلِّ ليلة مع يوسف وتفكيرك الزايد هيتعبك، إنتِ بقيتي تنسي نفسك علشان الكتكوت ده.
ابتسمت رغم الدموع التي لمعت بعينيها، وقبل أن ترد، قطع اللحظة رنين جرس الباب.
اعتدلت من بين ذراعيه وهي تقول باستغراب:
_معقول تكون ماما جت؟!.
نهض وهو يلقي نظرة أخيرة على طفلهما النائم، ثم قال:
_دخَّلي يوسف جوه، وأنا هشوف مين. وخدي شاور دافي كمان علشان تعرفي تنامي شوية...وإيَّاكي أدخل ألاقيكي نايمة جنبه كالعادة.
ضحكت بخفَّة، تلك الضحكة التي يعشقها، ثم حملت طفلها وتحرَّكت للداخل.
أمَّا هو فاتَّجه نحو الباب، وما إن فتحه حتى توقَّفت أنفاسه للحظة، وارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة:
_رجعتوا إمتى؟
لم تنتظر ضي ثانية واحدة، بل اندفعت نحوه وارتمت بين ذراعيه بقوة:
_وحشتني أوي يا بلال.
أغلق ذراعيه حولها بحنان الأخ الذي طال شوقه، وطبع قبلة فوق رأسها:
_وإنتِ كمان يا قلب أخوكي... وحشتيني أكتر.
رفع عينيه نحو يوسف الذي كان يقف خلفها، فابتسم ابتسامة صادقة خرجت من قلبه:
_وحشتني يا جو...البيت من غيرك عامل فراغ والله.
اقترب يوسف وعانقه بحرارة:
_وإنتَ كمان يا صاحبي..عامل إيه؟
ابتعد عنه قليلًا وهو يضيف بلهفة:
_وحبيب عمُّو عامل إيه؟
فتح الباب وأشار لهم بالدخول:
_لسه نايم من شوية..ادعوا بس يكمِّل نوم، الواد ده مطلَّع عين أمُّه.
ضحك يوسف وهو يدخل:
_ليه، عامل فيكم إيه؟
هزَّ بلال رأسه باستسلام،  وابتسامته لم تغادر وجهه:
_عامل نفسه مدير البيت..محدش بينام غير على مزاجه.
تحرَّكت ضي بسرعة نحو الداخل وهي تقول بشوق:
_أنا هروح أشوفه، وحشني أوي..رولا صاحية؟
_في الحمَّام يا حبيبتي..بس ادخلي بهدوء، ولو صحي واتعلَّق بيكي متجيش تشتكي، وخلِّي بالك لو شلتيه خلاص مش هيرضى ينزل.
ابتسمت ضي وتحرَّكت سريعًا، فقد اشتاقت للصغير كما لو كان ابنها.
جلس يوسف بجوار بلال، ثم قال وهو ينظر حوله:
_ليه عامل فيكم كدا وفين النانا بتاعته؟
زفر بلال بعمق، ومسح على وجهه بإرهاقٍ واضح:
_مش موجودة...ورولا رافضة أي مربيَّة.
ثم أضاف بابتسامة متعبَة:
_كلِّ واحدة تيجي، تلاقي فيها ألف عيب، مرَّة تقول دي عصبية، ومرَّة تقول دي مبتضحكش، وهتخلِّي الواد معقَّد ومرَّة تقول شكلها مش مطمِّن، لحدِّ ما بنت صغيرة في الجامعة جت، وشوف المصايب  بتاعة رولا، لا دي عايزة اللي يربِّيها، لا دي بتراقبك، دي جاية علشانك، وكلام بقى ما تشبعش من هبله.
ارتفعت ضحكات يوسف، حتى لاحت عليه ذكرى زهرة:
_فكَّرتني بالبنت الغلبانة، اللي ضي جبتها من شعرها.
_أه صح...أهي قالت كدا، دي زي زهرة، وجاية علشان تستلقط راجل غني، فكَّرتني صح هيَّ البنت زهرة فين أراضيها دلوقتي؟. 
_معرفش، آخر مرَّة لمَّا كلِّموني في المستشفى ورحت أنا وبابا، منكرش البنت حالتها صعبت عليَّا، بابا اتولَّى أمرها، كان قال حوَّلها لجامعة قريبة من عمامها، وعلى ما أظن اتجوِّزت، مش فاكر. 
اومأ بلال متنهدًا:
_الغلط للأسف عندنا يا يوسف. 
عاد يوسف برأسه على المقعد وراحت ذاكرته بأحداث ليلته مع زوجته، وكلام الخادمة عمَّا صدر من زهرة. 
لكزه بلال بكتفه:
_إيه رحت فين؟. 
اتَّجه برأسه إليه: 
_ساعات بنغلط بحسن نيَّة وبنضرِّ غيرنا، زي ما قولت من شوية، الغلط عندنا، ورولا عندها حق، هيَّ استوعبت اللي ممكن يحصل بعد كدا، خلِّيها هيَّ اللي تقابل وتتفق مع النانا، إنتَ هترتاح أكتر.
_بس طلباتها صعبة أوي يا يوسف، أنا فكَّرت أتكلِّم مع عمِّو يزن، بتقولِّي عايزة واحدة فوق الأربعين، طيب دي هتقدر تسهر مع الولد؟. 

_معلش..هيَّ خايفة على ابنها، ولسه مامي سنة أولى..وزي ما قولت لك كدا إنتَ هترتاح، أقلّ مشكلة هتقول إنتَ وإنتَ، وبنت خالي وعارفها سمَّاوية ودمَّها حامي، احنا مصدقنا موضوع كارما انتهى

انكسرت ملامح بلال قليلًا:
_عارف..وعشان كده ساكت، بس والله يا يوسف أنا خايف عليها، بتسهر الليالي كلَّها معاه، ولو نام خمس دقايق تفضل تبصّ عليه وتتأكِّد إنه بيتنفَّس كويس، ولو نامت ثواني غصب عنها تقوم زي المجنونة تقول هيعيَّط لو نمت. 

نظر إليه يوسف بتفهُّم وربت على كتفه:
_دي أم ولأوَّل مرَّة، طبيعي تكون كدا... ومتزعلش من غيرتها عليك، دي هبلة معرفش بتحبَّك على إيه، جتك نيلة إنتَ وهيَّ. 
لكزه بلال وهو يضحك:
_إنتَ تطول واحد زيي. 
_أنا أطول منك يا متخلِّف، ورغم كدا متجوز أختك.
قهقه بصوتٍ مرتفع: 
_والله زمان يا جو..أغمض عيناه ورد:
_جو هلكان وعايز ينام، وأختك ليلتها طويلة ومش هتخرج من هنا. 
_طيب ما تسبها تبات هنا الليلة وروح بيتكم. 
اعتدل ينظر إليه: 
_نعم يا أخويا، بقولَّك إيه قوم ناديها، بدل مراتك المجنونة تشعللها بيوسف، وأضيع بينكم. 
قاطعهم خروج ضي وهي تحمل الطفل:
_والله يا عمِّتو أنا صحيت من غير ما تصحِّيني، شمِّيت ريحتك كنتي وحشاني. 
ضرب بلال على جبينه بخفَّة يسبُّها: 
_كنت عارف إنِّك هتصحيه.
نهض يوسف يلتقطه من بين ذراعيها:
_حبيب عمُّو...ضمَّه يقبِّله على جبينه، بينما ضي تمرِّر أناملها على وجنتيه:
_ناعم أوي يا يوسف. 
نهض بلال من مكانه: 
_بقولُّكم إيه..ماتباتوا معانا الليلة، والله ما هناخده منكم، خلِّيه معاكم طول الليل.
جلس يوسف وهو ما زال يحمله وعيناه تتجوَّل فوق ملامحه، رفع الصغير كفِّه الناعم فوق وجنته، فقبَّله مبتسمًا حتى لمعت عيناه بالدموع وهو يرد على بلال:
_ماشي، لو عايز ترتاح إنتَ ورولا، وإحنا هنقعد بيه.
رفع عيناه لضي: 
_إيه رأيك حبيبتي؟. 
جلست بجواره، وهي تمسك كفَّ الصغير:
_لو مش تعبانة من السفر موافقة طبعًا.. 
بس هاته وقوم اخلع الجاكيت علشان ترتاح، ثم اتَّجهت بنظرها لأخيها:
_حبيبي روح ارتاح مع مراتك شوية ويوسف معانا متخافش عليه.

ابتسم بلال وهو يرفع عينيه نحو الطابق العلوي حيث توجد زوجته.
ابتسامة رجلٍ امتلأ قلبه حبًّا وامتنانًا. 
أشار إلى علبة الحليب وأغراض الطفل وقال:
_لو جاع حطِّي دي في ميَّة سخنة بس ورضَّعيه.
غمز له يوسف الآخر ضاحكًا:
_والله رولا هبلة...تجيب ناني ليه وإنتَ أستاذ في الموضوع.
لكمه بلال في ذراعه بقوة وهو يتمتم:
_اتلم..بدل ما أشغَّلك إنتَ ناني عندنا.
انفجر ضاحكا، قطع ضحكاتهما رنين هاتف يوسف.
رفع الهاتف و ارتسمت ابتسامة دافئة على وجهه:
_أيوة يا حبيبتي.
جاءه صوت والدته من الطرف الآخر:
_الغدا جاهز، وباباك خلَّص شغله... إنتَ فين؟
_عند بلال، حاضر يا ماما جايين حالًا.
ما إن أغلق الهاتف حتى لكزته ضي وهي تشير إلى يوسف الصغير النائم بين ذراعيها:
_مش قولت هنبات هنا؟
نهض يوسف من مكانه ناظرًا إلى ساعته:
_الساعة لسه تسعة، وبعدين أنا ما شوفتش بابا..نتغدَّى معاهم ونرجع تاني، مش قصدي هنقعد من دلوقتي.
ثم التفت إلى بلال قائلًا بمشاكسة:
_وهنرجع كمان عدِّ الجمايل..من دلوقتي بقولَّك.
ضحك بلال وهزَّ رأسه:
_هنعد يا أخويا..المهم ما تتأخروش.
_ما تيجي تتغدَّى معانا، هات رولا ويوسف.
تنهَّد بلال وهو يميل برأسه للخلف:
_لا..أنا عايز أنام شوية، ورولا أصلًا مش هتوافق.
أومأ يوسف متفهِّمًا، ثم أخذ يوسف الصغير من ضي وقبَّل وجنته الممتلئة قبل أن يعيده إلى بلال وتحرَّك مغادرًا مع زوجته.
بعد قليل...
اجتمعت العائلة حول مائدة الطعام التي امتلأت بالأحاديث والضحكات بعد غياب يوسف وضي.
قطع إلياس قطعة من اللحم ووضعها في طبقه ثم قال وهو يرمق ابنه:
_خلَّصت يا يوسف ولَّا لسه في مركز أبحاثك؟
رفع يوسف رأسه عن طبقه وأجاب:
_لسه يا بابا..فيه كام بحث ودراسة محتاجين مجهود كبير..أنا أصلًا رجعت علشان ولادة شمس.
توقَّفت يداه لحظة ثم أكمل بابتسامة:
_كلِّمتني من يومين وقالت إنَّها حاسَّة إن معادها قرَّب، وما حبيتش أسيبها لوحدها.
توقَّفت أنامل إلياس فوق الشوكة والسكين، ثم رفع عينيه نحو ابنه ببطء وكأنه لم يصدِّق ما سمعه:
_وقَّفت مشروع أبحاثك...علشان تحضر ولادة أختك؟!.
عقد يوسف حاجبيه باستغراب من ردِّة فعله:
_أيوة يعني..فيها إيه؟
ثم تابع بهدوءٍ صادق:
_حضرتك ناسي إنِّي قبل كدا ضحِّيت علشانها؟ قبل فرحها بأيام كان عندي شغل مهم جدًّا، والحادث وقتها لخبط كلِّ حاجة..بس ما اهتمِّتش.
تنهَّد وهو يبتسم بحنان: 
_المهم عندي إنَّها تكون بخير وسعيدة.
ثبَّت إلياس نظره على ابنه طويلًا.
كان يعرف مدى أهمية تلك الأبحاث بالنسبة له.
يعرف أنَّ مستقبله في نتيجة عمله في تلك الفترة 
ومع ذلك..ترك كلَّ شيء وعاد.
ليس من أجل نفسه، ولا من أجل عمله..
بل من أجل أخته.
ابتلع إلياس غصَّة حارَّة تشكَّلت في حلقه وهو يسأله بصوتٍ أكثر خفوتًا:
_ولو كنت في أهمِّ مرحلة من المشروع؟
ابتسم يوسف دون تردُّد:
_حتى لو كنت على بعد خطوة واحدة من النجاح...كنت هرجع برضه.
اتَّسعت عينا ضي قليلًا وهي تنظر إلى زوجها:
_فعلًا يا عمُّو، رغم مشاغله قالِّي لازم أرجع علشان شمس،أانا فيه أيَّام مكنتش بشوفه فيها غير وهوَّ نايم. 
طالعه إلياس للحظات:
_عارف حبَّك لأختك، بس مكنتش أتوقع انك هتنزل على الولادة اللي لسة ما اتحددتش.
مسَّدت ميرال على ظهره بحنان: 
_ليه مستغرب يا إلياس، ابني طول عمره حنين على أخته..أومأ بسعادة قائلًا: 
_شمس مش مجرَّد أخت يا بابا.
رفع عينيه نحو والده وأكمل:
_دي نصِّ عمري..وقطعة منِّي..أنا ممكن أستغنى عن أي حاجة إلا إنِّي أكون جنبها وقت ما تحتاجني.
ساد الصمت بين الجميع، صمت امتزج بالفخر والتأثُّر.
أمَّا إلياس فظلَّ ينظر إلى ابنه طويلًا، وكأنَّ قلبه يخبره للمرَّة الألف أنه لم يخطئ يومًا حين راهن على طيبته ونبله مع اخته
فمدَّ يده وربت على كتفه بقوة قائلًا بصوت اختلط فيه الفخر بالمحبَّة:
_ربِّنا يديم المحبَّة اللي بينكم يا بني.
ابتسم يوسف وهو ينظر إلى مقعد شمس الفارغ بجواره.
ثم تمتم بحبٍّ صادق:
_آمين يارب...ويقوِّمها بالسلامة، علشان أكون خالو رسمي بقى.
شعرت ميرال بغصَّة منعت تنفسها، فهمست قائلة: 
_عقبال لمَّا أشيل ابنك يا حبيبي. 
قالتها ودموعها لمعت بعينيها. 
قبضة قوية اعتصرت فؤاده فطالعها وهو يهزُّ رأسه:
_حتى لو ربِّنا ما أردش يا ماما، ولاد أخواتي ولادي، أنا خلاص رضيت بنصيبي.
اتَّجه بنظره إلى ضي التي كانت تتابعه بألم تنطقه عيناها: 
_المهم نكون راضيين، لمَّا بقعد مع نفسي وأفكَّر باللي حصل، بحس إنِّي صغير أوي، إزاي عملت كدا؟!.
_كلُّه نصيب يا حبيبي، وكن على يقين ربِّنا عنده العوض. 
_ونعم بالله يا بابا. 
حاول إلياس تغيير الحديث فتساءل:
_لسة قدَّامك كتير في مركز الأبحاث، ما قولتليش إزاي قبلوا إنَّك ترجع بعد ستِّ شهور؟.
_لسة شوية، بس خلاص هانت، مدِّة الغياب اللي حصلت بعد الحادث متحسبتش عليَّا...اللجنة وافقت أرجع أكمِّل باقي فترة البحث.
صمت قليلًا قبل أن يضيف:
_لسه قدَّامي حوالي سنة ونص.
أومأ إلياس وقال:
_مش أي مركز في العالم يعمل كدا.
ابتسم يوسف: 
_الموضوع أكبر من مجرَّد مركز يا بابا..
إحنا شغَّالين على قاعدة بيانات ضخمة لمرضى الاعتلال العضلي القلبي الوراثي من أكتر من عشرين دولة..كلِّ حالة جديدة بتضيف معلومة ممكن تنقذ عائلات كاملة قبل ما المرض يظهر أصلًا.
ظلَّ الجميع صامتًا يستمع إليه، فتابع بعينين امتلأتا بالشغف:
_إحنا مش بنعالج مريض دخل المستشفى وخلاص...إحنا بنحاول نعرف مين ممكن يمرض بعد عشر سنين قبل ما قلبه يبدأ ينهار... كان باقي خطوة وانهي لكن الحمدلله على كل حال 
_اايه اللي حصل حبيبي 
تنهَّد ثم أكمل:
_الحادث ضيَّع منِّي شهور...لكنهم رفضوا استبعادي من المشروع.
_ليه؟ تسائل بها الياس
ابتسم يوسف: 
_لأن النتائج اللي اشتغلت عليها قبل الحادث كانت من أهمِّ النتائج اللي اتقدِّمت للفريق..ويمكن حضرتك عارف كنت اتعيِّنت مسؤول على فريقي، لكن الإجازة والحادث أثَّروا بشكل، بس مش المضر.
_ربِّنا يوفَّقك يا حبيبي. 
هكذا نطقتها ميرال.. 
انحنت ضي تهمس إليه:
_على فكرة أنا غيرانة ولازم تراضيني.

أنا أقدر برضو، تحت أمر أميرة قلبي.
تمتم بها يوسف وهو ينظر إليها بعينينِ تفيض منهما العشق، فابتسمت ضي ابتسامة عاشقة، ثم أسندت ذقنها فوق كتفه بدلال: 
_أممم...
غمز لها بخفَّة وهمس:
_بابا وماما موجودين يا روحي..عيب كده.
اعتدلت فجأة، ثم قالت بصوتٍ مرتفع :
_هوَّ أنا مش مراتك، ولَّا شاقطني؟
توقَّف يوسف عن المضغ للحظة، واتَّسعت عيناه بذهول من جرأتها المعتادة، بينما انفجر الضحك في عيني ميرال.
أمَّا إلياس فرفع رأسه عن طبقه ببطء وقال:
_مالك يا بنت أرسلان، صوتك عالي ليه؟
التفتت إليه وقالت ببراءة مصطنعة:
_مفيش يا عمُّو...بقولُّه اللحمة طعمها حلو.
زمَّ إلياس شفتيه ساخرًا، ثم أشار بشوكته إليها:
_ويا ترى الأبيض ولَّا الأحمر؟
رمشت بحيرة، غير مستوعبة ما يقصده، بينما كتم يوسف ضحكته بصعوبة حتى اهتزَّ كتفاه.
استدارت إليه فورًا:
_هوَّ باباك يقصد إيه؟
أسرع يملأ طبقها يشير إليها: 
_بقولِّك كلي يا ضي..اللحمة مفيدة.
وضعت المنديل على الطاولة وقالت:
_بس ما بتتهضمش بسهولة يا عمُّو... حاول ما تكتَّرش منها، خصوصًا في سنَّك ده.
شهقت ميرال وضربت ذراعها بخفَّة:
_تعرفي تاكلي وإنتِ ساكتة، ماله سنُّه يا أختي؟ أحسن من اللي قاعد جنبك.
طالعها يوسف:
_ الله! وأنا مالي..بتحشريني بينكم ليه؟
مدَّ إلياس يده فجذب كفَّ ميرال وقبَّل ظهره بحب، ثم قال وهو ينظر إليها بعشق لم تخفت ناره رغم السنوات:
_حبيبة قلبي يا ميرو.
احمرَّ وجه ميرال ورغم ذلك طالعته بعشق،  شهقت ضي واضعةً يدها فوق صدرها..
ثم التفتت إلى يوسف صارخة:
_شوفت يا حبيبي؟! ياللي مكسوف من باباك ومامتك! وقال إيه عيب بابا وماما قاعدين! أبوك ناقص يشيلها ويقولِّنا بعد إذنكم.
انفجرت ميرال ضاحكة، ثم أخفت وجهها في كتف زوجها خجلًا، بينما ارتفعت ضحكة يوسف.
أمَّا إلياس فحدج ضي بنظرة ساخرة وقال:
_وأنا أقول بعد إذنكم ليه يا طليقة ابني؟ هو إنتِ في مقام أستأذن منك أصلًا؟
اختفت ابتسامتها بغيظ، ثم نهضت من مكانها
_طب والله ما أنا واكلة! إنتَ بتغظني صح؟!
وأشارت إليه بإصبعها:
_إيه طليقة ابنك دي؟!
رفع إلياس حاجبًا واحدًا وهو يمضغ طعامه بهدوءٍ مستفز:
مش كنتِ عايزة تطلَّقي يا بت؟
اتَّسعت عيناها أكثر، والتفتت إلى يوسف تستنجد به، لكنَّه كان يضحك حتى كاد يختنق.
فصاحت فيه:
_وإنتَ بتضحك؟! بدل ما تدافع عنِّي!
_الله مش كنتِ عاملة ثورة، التفت إلى يوسف: 
_لو مكانك أطلَّقها. 
التقطت حقيبتها بعصبيَّة مصطنعة، ثم هتفت:
_يوسف، أبوك رايق النهاردة ومش عايز يسيبني في حالي، وأنا تعبانة وعايزة أنام..هروح عند بلال لحدِّ ما تخلَّصوا تريقة
ثم أشارت إلى إلياس بتحذيرٍ طفولي:
_ولمَّا أفوق هنتحاسب يا عمُّو.
ضحك إلياس وقال دون أن يرفع عينيه عن طبقه:
_ابوك يابيئة
_والله بحفظ كلماتك لابنك
قالتها وتحركت بعض الخطوات،الى ان نطق الياس
_خدي بالك لا يطردك بلال، أصلك لا تطاقي

تعالت ضحكاتهما، فضربت الأرض بقدمها في غيظٍ جعلها أشبه بطفلة مدلَّلة، قبل أن تخرج من الغرفة وهي تتمتم بكلماتٍ غاضبة، ظلَّ يوسف يتابعها بعينينِ مليئتينِ بالحب والافتتان، حتى في  غضبها تخطفه فحبَّها استوطن وتشعَّب في القلب. 

بمنزل معتز..
كان جالسًا على مقعده الجلدي، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، والموسيقى الاجنبية الهادئة تنساب بالمكان، يدور بكأسه بين أصابعه وابتسامة باهتة تستقرُّ على شفتيه.
قطع سكونه طرقٌ خافت على الباب:
_معتز بيه...فيه واحدة برَّة عايزة تقابل حضرتك.
رفع عينيه نحو الخادمة بفتور:
_مين؟
اقتربت منه ووضعت بطاقة تعريف أمامه:
_اسمها هنا.
التقط البطاقة، وما إن وقعت عيناه على الاسم حتى تجمَّدت ابتسامته لثوانٍ فقط، قبل أن يرتسم على فمه انحناء ساخر:
_دخَّليها.
غادرت الخادمة، وبعد دقائق دوى صوت كعبها فوق الأرضية الرخامية.
أخرج سيجاره وأشعله بهدوءٍ متعمَّد، نافثًا الدخان ببطء وهو يراقبها من طرف عينيه.
توقَّفت عند الباب.
أشار بيده دون أن ينظر إليها مباشرة:
_ادخلي يا أستاذة سارة...متخافيش، مش هاكلك.
نظرت إليه صامتة للحظات ثم قالت بجمود:
_دي مقابلة مش أكتر يا معتز.
نهض من مكانه واتَّجه نحو النافذة.
ظلَّ صامتًا لبرهة من الوقت، ثم قال دون أن يلتفت:
_قولي جاية ليه؟
استدار بنصف جسده:
_إيه اللي فكَّرك بيَّا فجأة؟
صمتت..فضحك بسخرية مريرة:
_بقالك سنين هنا..أوعي تقولي إنك لسه عارفة النهاردة إنِّي موجود.
ابتلعت غصَّتها، ثم اقتربت منه خطوة تلو الأخرى حتى وقفت خلفه مباشرة:
_من يوم ما عرفت إن ليَّا أخ كبير... كنت مستنية تيجي.
أغمضت عينيها للحظة:
_كنت مستنية تاخدني في حضنك و تعوَّضني عن مهند.
ارتجف شيء داخله رغمًا عنه..
_استنيتك كتير يا معتز...بس إنتَ مكنتش بتيجي.
استدار فجأة..وفي لحظة تحوَّلت ملامحه إلى كتلة من الغضب:
_جيت!.صاح بها.
_جيت ومامتك طردتني!
قالها  أنفاسٍ متسارعة:
_كلِّ مرَّة أحاول أقرَّب منك..كانت تقفل الباب في وشِّي.
ضرب بيده فوق الطاولة بقوة:
_كلِّ مرَّة أحاول أبقى أخ…كانت تفكَّرني إنِّي مش اخوكي، أومال لو كنت ابن المجرم.
نزلت دموعها رغمًا عنها:
_ليه يا معتز؟
هزَّ رأسه ضاحكًا بمرارة:
_ليه؟
ردَّت عليه بصوتٍ مرتفع:
_مش علشان اللي بتعمله؟
وكأنَّ كلماتها سكبت الزيت فوق النار.
تراجع خطوة وهو يصرخ:
_بعمل إيه؟!
أشار إلى نفسه بعنف:
_مش علشان تعيشوا؟
_مش علشان أرجَّع حقِّنا اللي الكلب أبوكي سرقه؟
اقترب منها وعيناه تشتعلان:
_جايَّة ليه؟
_مش أنا اللي قولتيلي قبل كده إنِّ ما لكيش إخوات غير مهند؟
انحنى أمامها حتى شعرت بحرارة أنفاسه:
_وأنا أصلًا مش معترف بيكم.
ثم خرجت الكلمات من بين أسنانه كالرصاص:
_عارفة ليه؟
_لأن أبوكي كان مجرم.. صمت لحظة، وتابع بقهر:
_ومغتصب..وحقير..وربِّنا ينتقم منه.
اهتزَّ جسدها بالكامل..
نظرت إليه بصدمة وألم..
ثم قالت بصوتٍ مختنق:
_وإنتَ إيه، مبقتش زيه؟.
رفع عينيه إليها..غرست عيناها بعينيه:
_إنتَ ما فرقتش عنه حاجة..مجرم ومغتصب.
ساد الصمت ثانية، ثانية واحدة فقط.
قبل أن تهوي يده على وجهها بقوَّة.
ارتطم رأسها جانبًا من شدِّة الصفعة.
أمسك فكَّها بعنف حتى تأوَّهت..
ثم همس بصوتٍ مرعب:
_إياكي..ضغط أكثر.
_إياكي تنطقي اسمي جنب اسمه.
كانت الدموع تنهمر من عينيها.
أمَّا هو فكانت عيناه مليئتينِ بجنونٍ حقيقي..
_فاكرة إنِّي مش عارف إنك اللي بلَّغتي عنِّي في أثينا؟..
 عارف كلِّ خطوة بتعمليها يا بنتِ المجرم.
دفعها بقوة، فسقطت أرضًا وهي تتأوَّه.
انحنى فوقها..
وأشار إليها بإصبع مرتجف من شدِّة الغضب:
_متفكَّريش إنِّي هسيبكوا..
أخلص بس من الحيوانات اللي اسمهم إخواتك..ابتسم ابتسامة مخيفة..
_وساعتها...هتدِّفنوا كلُّكم.
مسحت دموعها بعنف.
ورغم الألم، وقفت من جديد.
رفعت رأسها في مواجهته:
_إلى الجحيم إنتَ وكلِّ اللي شبهك.
تصلَّبت ملامحه.
أمَّا هي فتابعت بشجاعة لم تكن تعرف من أين جاءت:
_أنا جيت علشان ماما كانت نفسها تشوفك..
 إنما إنتَ؟
هزَّت رأسها باشمئزاز:
_آخر شخص ممكن أفكَّر فيه.
 إنسان قذر، وحيوان..
 واللي بتعيِّب عليها...
أشارت إليه:
_نفس عيِّنتك بالظبط.
في لحظة فقد السيطرة تمامًا.
قبض على خصلات شعرها بعنف.
صرخت متألِّمة..فسحبها حتى الباب، ثم دفعها إلى الخارج.
ارتطم جسدها بالأرض، وقف فوقها كإعصارٍ هائج:
_اطلعي برَّة!..وإياكي تقرَّبي منِّي تاني!
 وقولي لمامتك...
ارتجف صوته رغمًا عنه:
_لو حاولت تقف في طريقي...
هموِّتك..مش هيَّ خايفة عليكي هموِّتك يا بنت المجرم...قالها وأغلق الباب بعنف اهتزَّ له المكان، ثم استند بظهره إليه.
أنفاسه تعلو وتهبط بعنف.
رفع يده المرتجفة إلى وجهه..
ثم فجأة..انكسرت قسوته للحظة، وانهمرت دمعة ساخنة رغماً عنه.. أطبق عينيه بقوة..
كأنه يحاول خنق ذلك الألم القديم الذي يرفض الموت.
في الخارج كان يسمع بكاءها.
بكاء أخته..كلمة لم يسمح لنفسه يومًا بالاعتراف بها.
قبض على صدره بقوَّة..
وكأنَّ قلبه يعاقبه على كلِّ كلمة قالها.
لكن كبريائه كان أكبر من أن يفتح الباب...
وأقسى من أن يركض خلفها...
فبقي واقفًا في مكانه، يستمع إلى صوت بكائها يبتعد شيئًا فشيئًا، بينما داخله يصرخ بألم لم يسمعه أحد.

بمنزل يزن...
كان الجميع ملتفًّا حول مائدة الطعام، تتعالى الأحاديث والضحكات بين أفراد العائلة، في جوٍّ دافئ يملؤه الألفة والمحبَّة.
إيمان تتحدَّث مع رحيل، وكريم يمازح سدن، بينما كانت آسيا تجلس بصمت على غير عادتها، تعبث بطعامها دون شهية، وكأنَّ عقلها بعيد عن المكان كلِّه.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يقطعه يزن وهو يلتفت إلى ابنه:
_آسر..عندك شغل برَّة القاهرة الأسبوع ده؟
رفع آسر رأسه عن طبقه، لكن عينيه خانتاه للحظة واتَّجهتا نحو آسيا.
كانت ما تزال تحدِّق في الطعام أمامها.
أجاب بهدوء:
_عندي قضية مهمَّة بكرة..وبعدها هسافر قنا، فيه قضية هناك وهقعد كام يوم.
شهقت رحيل بخفوت:
_ليه قنا يا حبيبي؟ بعيدة أوي.
ابتسم يزن وهو يربت على يدها:
_ومالها قنا يا رحيل، المهم يلاقي نجاحه في أي مكان.
اعتدلت سدن بحماس:
_بعد إذنك يا بابا...أنا عايزة أروح مع آسر.
ثم التفتت نحو آسر بابتسامةٍ واسعة:
_أكيد هتحتاجني هناك، صح؟
ظلَّ ينظر إليها للحظة دون رد.
فقالت رحيل ضاحكة:
_وماله يا حبيبتي، خدها يا آسر..وخد آسيا كمان، ما دام مفيش جامعة ولا حاجة.
ارتجف قلب آسيا فور سماع اسمها بالقرب منه.
نهضت سريعًا قبل أن تتلاقى عيناها مع آسر:
_آسفة يا طنط...عندي شغل.
ثم أضافت محاولةً التهرُّب:
_وبعدين أنا أصلًا مبحبِّش خنقة المتر.
قالتها وغادرت المائدة بسرعة. 
تابعها يزن بعينيه حتى اختفت، ثم التفت إلى آسر متسائلًا:
_إنتَ مزعَّل بنت عمِّتك ليه يا آسر؟
تنهَّد آسر وهو ينظر إلى إيمان:
_والله يا عمِّتو أنا تقريبًا مبتكلمش معاها أصلًا.
ابتسمت إيمان بحنان:
_عارفة يا حبيبي...شكل عندها مشكلة في الشغل بس.
لكن سدن هزَّت رأسها فجأة:
_أنا عارفة مالها.
التفتت إليها جميع الأنظار.
أمَّا آسر فشعر بانقباضٍ مجهول يعتصر صدره.
_مالها؟
تردَّدت سدن للحظة:
_نور...
رفع آسر رأسه إليها سريعًا، وكادت عيناه تخرج عن محجريها.
فأكملت مرتبكة:
_يعني..هو...
قاطعها آسر بحدَّة أخافت الجميع:
_عمل إيه الزفت ده؟
ارتبكت أكثر:
_لا..معملش حاجة.
_أومال؟
تدخَّل كريم هذه المرَّة:
_قولي يا سدن، ماله نور؟
ابتلعت ريقها ثم قالت دفعةً واحدة:
_عايز يتجوِّز آسيا.

سقطت الكلمات كالرصاص، ثوانٍ مرَّت...
لكنَّها بدت لآسر كأنها عمرٌ كامل.
شعر وكأنَّ شيئًا ثقيلًا هبط فوق صدره دفعةً واحدة.
قبضة قاسية اعتصرت قلبه حتى كاد يتألَّم جسديًا...
ضحكت سدن قائلة:
_أنا سمعته بيقولَّها منتظر ردِّك بفارغ الصبر، وهيَّ قالت له اديني يومين.
هنا شحب وجهه..وتاهت عيناه في الفراغ.
كانت رحيل تراقبه بصمت.
ورأت في عينيه العشق، رغم محاولاته  إخفائه...تذكَّرت بداية قصَّتها مع زوجها..
ذلك الرجل الذي وقع في الحب..وخسر معركته أمام قلبه..فهل ابنه سيحظى مثل والده؟.
حمحمت وهي تحاول كسر ذلك الصمت الثقيل:
_أنا بصراحة مش مقتنعة.
التفتت الأنظار إليها.
_واحد كان خاطب بنت من العيلة من كام شهر...فجأة بقى عايز يتجوز آسيا؟ الموضوع مش مريح.
نهض آسر فجأة.
ألقى المحرمة فوق الطاولة بعصبية مكتومة...ثم قال بسخريةٍ جارحة:
_بس واضح إنِّ الموضوع جاي على هوى الأستاذة.
رفع عينيه نحو الباب حيث خرجت آسيا قبل قليل:
_خلِّيها براحتها.
قالها واستدار مغادرًا المكان..
تحرَّك للخارج و الغضب يشتعل داخله كحريقٍ لا يجد ما يطفئه.
فتح باب سيارته بعنف، لكنَّه تجمَّد مكانه..

حين وجدها  تقف غير بعيدة عنه.. تتحدَّث 
بهاتفها، وصوت ضحكاتها يصل إليه.
ضحكات مشرقة..وكأنَّه لا يحدث شيئًا حولها.
أمَّا هو..فكان يشعر أنَّ شيئًا بداخله ينهار.
ضاقت عيناه..وتسلَّل اسمٌ واحد إلى رأسه...أكيد هو..
من غيره سيجعلها تضحك هكذا؟
تحرَّك نحوها بخطواتٍ سريعة..
متوتِّرة، غاضبة، مجنونة.
رفعت رأسها فور رؤيته.
واختفت ابتسامتها، أغلقت الهاتف تلقائيًا.
توقَّف أمامها مباشرة..ينظر إليها.
ينظر فقط..كأنه يبحث في وجهها 
عن كذبةٍ واحدة تطمئنه.
لكنها كانت تنظر إليه بحيرةٍ صادقة.
فقال بصوتٍ خرج أكثر ألمًا ممَّا يخرج غضبًا:
_قفلتي ليه؟.
عقدت حاجبيها بعدم فهم:
_إيه؟
ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي مرح:
_مش تكمِّلي حديث الغرام؟
تسارعت أنفاسها...واتَّسعت عيناها بصدمة:
_إنتَ بتقول إيه؟!.
اقترب خطوة...فتراجعت هي لا إراديًا.
لكن عينيه ظلَّتا معلَّقتين بها..عينا رجلٍ يختنق...رجلٍ أدرك متأخِّرًا جدًّا أنه أحب:
_أنا أغبى واحد في الدنيا.
همسها وكأنه يعترف لنفسه أكثر ممَّا يحدِّثها.
ثم ابتسم ابتسامة موجوعة.
ابتسامة رجلٍ خسر شيئًا لم يمتلكه أصلًا:
_وبعتذر لحضرتك يا أستاذة.
ارتعش قلبها دون أن تفهم.
أمَّا هو فأكمل بصوتٍ مبحوح:
_بس متنسيش تدعيني على الفرح.
شعرت وكأنَّ الكلمات صفعتها.
تجمَّدت مكانها...تريد أن تسأله...
أن توقفه..أن تفهم، لكن الكلمات اختنقت داخلها...استدار آسر وغادر.
بينما هي ظلَّت واقفة مكانها...تراقب ابتعاده..
وعيناها ممتلئتانِ بالذهول.
وقلبها..لأوَّل مرَّة يشعر بالخوف، رغم أنها كانت تعانده، ولكنَّه ارتجف من مجرَّد فكرة البعد.

بمنزل بلال.. 
وخاصَّةً بغرفة الطفل. 
كانت تجلس بجوار ضي: 
_أنا غيَّرت له، وهوَّ رضع دلوقتي، لو عيَّط يبقى عايز يتشال وتمشي بيه. 
لمست ضي وجنته ولمعت عيناها بالسعادة:
_متقلقيش عليه. 
ربتت رولا على كتفها رغم تردُّدها وقلقها أن تتركه معها، ولكن تصميم بلال أن يتركه اليوم معهما.
نهضت بعدما قبَّلت طفلها: 
_ياله تصبحوا على خير...قالتها وخرجت خارج الغرفة، كان يجلس مع بلال، يبدو أنهما يتحدَّثان في شيءٍ ما: 
_يوسف مع ضي، هدخل أنام شوية، لأنِّي متأكِّدة ضي مش هتتحمِّله.
اقترب منها بلال يسحب كفَّها:
_تصبح على خير يا جو، خلِّي بالك من الواد يالا. 

ضحك ضحكة قصيرة وهو يرى بلال يختفي خلف الباب، ثم استدار نحو الشرفة.
رفع عينيه إلى السماء، يتأمَّل القمر الذي يختبئ خلف الغيوم تارةً ويظهر تارةً أخرى..ظلَّ واقفًا لدقائق طويلة، صامتًا، وكأنَّ روحه تسبح بعيدًا مع ذلك الضوء الهادئ.
شعر بذراعينِ تلتفَّان حول خصره من الخلف:
_واقف لوحدك ليه، وكمان سرحان مع القمر؟
التفت إليها، ابتسم ابتسامة دافئة، ومدَّ يده يلامس وجنتها برفق:
_هسرح مع القمر ليه...وأنا معايا قمري كلُّه هنا؟
ابتسمت بخجل، ثم أمسكت كفَّه وقبَّلته قبلة صغيرة:
_المهم أكون قادرة أنوَّر حياتك يا يوسف...مش عايزة أكون قمر، عايزة أكون راحتك وسعادتك وبس.
ارتخت ملامحه أكثر، وشدَّها إلى صدره حتى استقرَّت بين ذراعيه.
طبع قبلة طويلة فوق رأسها وهمس:
_إنتِ مش بس سعادتي...إنتِ الحياة كلَّها، اليوم اللي دخلتي فيه حياتي هوَّ أوَّل يوم حسِّيت فيه بالحياة علشان كدا بقولِّك حياتي. 
أغمضت عينيها وهي تستمع إلى دقَّات قلبه، لكن قاطعها صوت الصغير وثرثرة طفولية خرجت من الغرفة.
ضحكت وهي ترفع رأسها:
_تعال بقى..أصل الواد ده خلاص، بموت فيه.
سحبت يده ودلفت به إلى الداخل.
وجد الصغير مستلقيًا فوق الفراش، يلوِّح بساقيه الصغيرتين في الهواء، ممسكًا بلعبةٍ تضيء بألوانٍ مختلفة وتصدر أصواتًا مضحكة.
انحنى يوسف وحمله بين ذراعيه، ارتفعت ضحكات الصغير، ومدَّ كفَّيه الصغيرتين ليحيط وجهه بهما.
تجمَّد يوسف للحظة وهو يتأمَّله.
تلك العينان..تلك الملامح..ابتسم دون أن يشعر:
_شبه باباكي أوي.
وقفت بجواره ولمست أصابع الصغير:
_هوَّ فعلًا شبه بابا.
ظلَّ يوسف يتأمَّل الطفل وكأنه يراه للمرَّة الأولى، ثم رفع عينيه إليها:
_بس عنده عيونك...ودي أحلى حاجة فيه.
احمرَّ وجهها بينما ابتسم هو بحب.
ثم نظر حوله مستغربًا:
_ليه جايباه هنا، مش المفروض ينام في سريره؟
رفعت كتفيها بمشاكسة:
_أنا اللي طلبت...عايزة ننام كلِّنا مع بعض الليلة.
شعر بدفءٍ غريب يغمر صدره، ليست مجرَّد ليلة عادية..تمنَّى أن تكون دائمة، كل يوم تجعله يتمنَّى أن يحقِّق لها السعادة.

وضعت الطفل فوق الفراش وانحنت تخرج له بيجامته:
_وجبتلك دي كمان...علشان تعرف تنام.
مرَّر يوسف أصابعه بين خصلات شعرها بحنان:
_مش هنام دلوقتي، هقعد أشتغل شوية.
رفعت رأسها إليه بنظرةٍ معاتبة، ثم قالت بصوتٍ هادئ:
_أنا أصلًا مجبتش اللاب.
رفع حاجبه بدهشة:
_ضي..اقتربت منه أكثر، وأمسكت طرف قميصه:
_عارفة إنِّ شغلك مهم...بس علشان خاطري، ارتاح الليلة..سيب الشغل كلُّه برَّا، وخليك معايا كام ساعة بس.
انتقلت نظراتها إلى الطفل الذي كان يضحك وحده فوق السرير:
_وعلى العموم...الواد ده هينسِّيك الوقت أصلًا.
ابتسم رغمًا عنه...اقتربت منه أكثر، وبدأت تفكُّ أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر.
تأمَّلها بحبٍّ عميق، ذلك الحب الذي تضاعف بعدما كاد يفقدها يومًا.
همست وهي ترفع عينيها إليه:
_أنا بستأذن ليه أصلًا؟
ضحك بخفوت، ثم أمسك يدها، وجذبها إليه حتى اصطدمت بصدره.
أحاط وجهها بكفَّيه، وكأنَّها أثمن ما يملك:
_عشان إنتِ لسه متعرفيش إن كلِّ حاجة ليَّا...بقت ملكك من زمان.
ارتجف قلبها لكلماته، بينما مال هو يقبِّل جبينها بحب.

صباح اليوم التالي.. 
استيقظا على بكاء الصغير، اعتدل يوسف أوَّلًا، ينظر إليه باستغراب كأنه نسي أنَّه كان ينام معهما..
انحنى يحمله: 
_إيه..إيه، إنتَ لحقت تنام يلا، صاحي ليه دلوقتي؟. 
بكى الطفل وهو ينظر إليه..ظلَّ يوسف يطالعه بجهل لا يعلم ماذا عليه أن يفعل. 
لحظات واستمع إلى طرقاتٍ على الباب: 
_ادخل يا بلال... 
_صباح الخير، سمعت صوته، هاته بقى علشان رولا تغيَّرله.
اتَّجه بنظره إلى ضي الغافية:
_أنتوا منمتوش صح؟.
تثاءب يوسف وهو ينظر بساعته:
_ما لحقناش ساعتين بس، المهم هرجع على البيت، لمَّا ضي تصحى قولَّها. 

مساء اليوم التالي...
في منزل إلياس، كانت الأجواء العائلية تملأ المكان دفئًا.
جلس الجميع في الحديقة الواسعة، تتعالى الضحكات بين الحين والآخر، وأحاديث متفرِّقة تدور بين أفراد العائلة.
وسط تلك الأجواء المريحة...ارتفع رنين هاتف إلياس..نظر إلى الشاشة، ليجد اسم حمزة.
قطَّب حاجبيه قليلًا، ثم أجاب:
_أيوة يا حمزة.
_عمُّو إلياس...شمس هتولد النهاردة...وهيَّ عايزة مامتها.
هبَّ واقفًا، اختفت الابتسامة عن وجهه بالكامل.
ابتعد عدَّة خطوات عن الجميع، وارتفعت دقَّاته:
_شمس كويسة يا حمزة؟
ساد الصمت لثانية..ثانية كانت كفيلة بأن تعصر قلب الأب، ثم أجابه حمزة:
_إن شاء الله كويسة.
لكن نبرة صوته لم تكن مطمئنة.
بل كانت محمَّلة بالخوف..خوف حاول إخفائه وفشل.
شعر إلياس بانقباضٍ حاد داخل صدره.
فقال بسرعة:
_إحنا جايين حالًا..أغلق الهاتف..
استدار نحو الجميع.
وكان يكفي أن يروا وجهه حتى تتلاشى الضحكات دفعةً واحدة.
نهضت ميرال بفزع:
_في إيه يا إلياس؟
نظر إليها للحظات قبل أن يقول:
_شمس في المستشفى... 
شحب وجه ميرال: 
_هيَّ كويسة؟...أومأ وتحرَّك للداخل. 
بعد فترة...
كانت العائلة بأكملها متجمِّعة داخل المستشفى.
كلَّ دقيقة تمرُّ كانت تزيد توتُّر الجميع وخاصَّةً بعد حديث الطبيبة. 
بينما وقف إلياس أمام غرفة العمليات مباشرة...عيناه مثبَّتتان على الباب.
لا يرى شيئًا سواه.
ولا يسمع شيئًا سوى صدى اسم ابنته داخل رأسه...شمس..طفلته الصغيرة.
التي كان يحملها على كتفيه يومًا.
كيف أصبحت الآن خلف ذلك الباب؟
كيف أصبحت بين الحياة والموت في لحظة واحدة؟
شعر بغصَّة حادَّة تخنقه، لكنَّه أجبر نفسه على التماسك، من أجل زوجته التي انهارت ولم تهدأ سوى بالمهدِّئات.
أمَّا يوسف...
فكان في عالمٍ آخر تمامًا.
جلس على المقعد ورأسه بين كفَّيه.
وجهه شاحب بصورة أخافت الجميع.
لم يكن يتحدَّث..لم يكن يسمع.
كل ما يراه أمامه هو وجه شمس.
ضحكتها...عيناها.
صوتها وهي تطلب منه أن يبقى بجوارها.
كان قلبه يرتجف بعنف داخل صدره، 
خوفًا لم يعرفه من قبل.
حتى يوم تعرَّض هو للخطر، لم يشعر بهذا القدر من الرعب..لكنَّها شمسه، بنته الصغيرة..صراع عنيف بين الخوف والأمان، يريد أن يدخل خلف هذا الباب ويطمئن قلبه على ابنته. 

اقترب بلال منه ووضع يده على كتفه:
_إن شاء الله هتبقى كويسة.
رفع يوسف رأسه إليه..
وعيناه كانتا ممتلئتينِ برعبٍ حقيقي:
_أنا خايف عليها أوي يا بلال، شوفتها قالتلي إيه؟.
قالها بصوتٍ مبحوح كأنَّه يخرج بصعوبة:
_عمري ما خوفت كده.
شعر بلال بانقباض قلبه..
لأنَّ يوسف لم يكن من الرجال الذين يعترفون بالخوف بسهولة أبدًا... 
_يوسف بلاش قلق لو سمحت، أنا بحاول أصبَّر نفسي.

عند حمزة.. 
حين أُغلقت أبواب غرفة العمليات خلف شمس، شعر حمزة وكأنَّ الباب لم يُغلق عليها وحدها..بل أُغلق على قلبه معها.
كانت آخر صورة رآها لها وهي مستلقية فوق السرير المتحرِّك، شاحبة الوجه، تحاول أن تبدو قوية من أجله.
لكن دموعها التي لمعت بعينيها فضحت خوفها:
_ متسبنيش...
همست بها قبل أن تُسحب للداخل.
فانحنى سريعًا يقبِّل جبينها:
_ والله هتخرجيلي بالسلامة...إنتِ والبيبي كمان.
ارتجفت شفتاها وهي تبتسم بصعوبة.
ثم اختفت..وأُغلق الباب.
في البداية كان يحاول التماسك.
أخبر نفسه أنها عمليَّة قيصرية فقط.
عملية تُجرى كل يوم.
لكن شيئًا ما في حديث الطبيبة...
وفي نظراتها..وفي طول الوقت الذي استغرقته العملية...كان ينهش أعصابه ببطء، مرَّت نصف ساعة..ثم ساعة.
ثم ساعة وعشر دقائق..وباب العمليات ما زال مغلقًا..بدأ القلق يتحوَّل إلى رعب.
وقف فجأةً أمام الباب...ينظر إليه.
كأنه ينتظر أن يخرج منه أحد ويخبره بأي شيء..أي شيء فقط..حتى لو كان خبرًا سيِّئًا...ذلك الصمت كان يقتله أكثر.
داخل غرفة العمليات...
ارتفع صوت الطبيبة:
_ النبض بينزل!
تحرَّك الجميع بسرعة.
كانت شمس شبه غائبة تحت تأثير التخدير، لكن جسدها بدأ يفقد لونه تدريجيًا...راقبت الطبيبة الشاشة أمامها..
ثم قالت بحزم:
_ لازم نطلَّع البيبي حالًا.
حاولت إخراجه.
لكن الوضعية العرضية جعلت الأمر أكثر صعوبة...مرَّّت الدقائق ثقيلة.
وكلَّ ثانية كانت تعني خطرًا أكبر.
_ بسرعة!
_ حاضر دكتورة.
وأخيرًا...خرج الطفل..لكن لم يبكِ.
ساد صمتٌ مرعب داخل الغرفة.
صمت جعل الجميع ينظرون إلى بعضهم.
حتى الطبيبة تجمَّدت للحظة:
_ مالوش صوت ليه؟!
خطفه طبيب الأطفال بسرعة.
بدأت محاولات تنشيطه.
ثانية...اثنتان...ثلاث...أربع...ولا شيء.
بدأ التوتُّر يزداد.
_ يلَّا يا بطل...يلَّا، ثم فجأة...
انطلق صوت بكائه...صوت صغير...
لكنَّه كان كافيًا ليعيد الحياة إلى الغرفة.
تنفَّس الجميع براحة.
إلَّا أنَّ تلك الراحة لم تعش طويلًا:
_ دكتورة...النزيف شديد.
التفتت الطبيبة فورًا.
شحب وجه الممرِّضة:
_ كميِّة الدم كبيرة.
اقتربت الطبيبة بسرعة..
ثم قالت بصوتٍ خافت لكنَّه حازم:
_ زوِّدوا الأدوية...مرَّت دقائق.
والدم ما زال ينزف... 
_الضغط بينزل..النبض سريع..
جهِّزوا الدم فورًا.
تحوَّلت الغرفة إلى خليَّة نحل.
أجهزة تصدر أصواتًا متواصلة..
أطباء يتحرَّكون بسرعة.
وأعين تراقب كل رقمٍ يظهر على الشاشة.
بينما كانت شمس ترقد بلا حراك.
هادئة أكثر ممَّا ينبغي.
حتى إن الطبيبة نظرت إليها للحظة وشعرت بانقباضٍ في صدرها:
_مدام شمس.
.
في الخارج...مرَّت ساعة ونصف.
ثم اقتربت الساعتان..لم يعد حمزة يجلس.
كان يدور حول نفسه كالمجنون.
كلما فُتح باب في الممر انتفض.
كلَّما مرَّت ممرِّضة ركض إليها:
_ أخبارها إيه؟
_ لسه يا فندم.

"لسه".
تلك الكلمة أصبحت عذابه...نهض يوسف وتوقَّف أمام الغرفة:
_أنا عايز أدخل العمليات، ليه الوقت دا كلُّه؟.
أختي جوا حصلَّها إيه؟. 
أمسكه بلال وحاول السيطرة عليه:
_يوسف...اهدى، الكلِّ على أعصابه.
طالعه بغضبٍ أكثر:
_ساعتين يا بلال، بتولد في ساعتين، أكيد فيه حاجة حصلت جوَّا.
أبعده عن الجميع:
_يا بني..إنتَ هتقلق الكلِّ كدا، إحنا بنحاول نتماسك، أبوك واقف بالعافية.
قاطعهم وصول أرسلان وغرام، اللذان أتيا من المطار: 
_إيه الأخبار؟..قالها وهو يراقب جلوس إلياس.
_لسه مفيش أخبار.
هكذا تمتم إسحاق.

وفجأةً خرجت ممرِّضة تركض..
تبعها عامل يحمل أكياس دم.
تجمَّد حمزة.
شعر ببرودة تسري في أطرافه:
_ الدم ده لمين؟!
لم تجبه.
أكملت طريقها نحو غرفة العمليات.
نظر إلى الأكياس الحمراء..توقَّف قلبه للحظة..ثم ركض خلفها.
لكن أحد الممرِّضين منعه:
_ممنوع يا فندم.
_ مراتي جوَّه!
_ لو سمحت ارجع مكانك.
رفع يديه إلى رأسه...وكأنَّ العالم بدأ يضيق حوله...لأوَّل مرَّة منذ سنوات...
بكى..بكى بصمت.
جلس فوق أحد المقاعد وأخفى وجهه بين كفَّيه.
كانت صورة شمس لا تفارق عقله.
ضحكتها...عنادها...صوتها.
كيف كانت تضع يده فوق بطنها ليشعر بحركة الطفل.
كيف كانت تتحدَّث معه كلَّ ليلة عن أحلامها له.
ماذا لو..أغلق عينيه بعنف.
لم يستطع حتى إكمال الفكرة.
وبعد أكثر من ساعتين...
اتَّجه يوسف سريعًا إليه، وسحبه بقوة:
_ادخل شوف مراتك، ليه ما دخلتش معاها؟.
هزَّ كتفه وقال بتقطُّع:
_رفضوا.
أشار يوسف إلى باب غرفة العمليات:
_ادخل شوف مراتك، يا أمَّا هدخل أنا. 
قالها وهو يشير للممرِّضة: دخَّليه بقولِّك. 
هبلَّغ الدكتورة الأوَّل. 

تنفَّس إلياس بهدوء بعد خروج الممرِّضة تحمل الطفل:
_مبروك ولد.
سحب أقدامه بصعوبة مقتربًا من إسحاق الذي تناول حفيده وعيناه على الممرِّضة:
_شمس عاملة إيه؟.
_الدكتور معاها. 
التفت إلى بلال ويوسف: 
_شوفوا أختكم، مش قادر أتحرَّك.
أومأ يوسف واتَّجه إلى غرفة أخته، بينما ساعده بلال في الجلوس: 
_عمُّو حاول تتنفَّس بهدوء، شمس كويسة إن شاء الله.

بعد فترة هرب بها الدم فُتح باب العمليات أخيرًا.
خرجت الطبيبة..
لكن ملامحها كانت مرهقة بصورةٍ أخافته أكثر.
توقَّف الياس يسند نفسه بصعوبة:
_ شمس؟!
لم تردّ فورًا.
وكانت تلك الثانية كافية لتسحق روحه.
شعر أنَّ قدميه لم تعد تحملانه..
حتى نطقت أخيرًا:
_ الحمد لله...
خرجت الكلمة..
فانهار الحائط الذي كان يقاوم به.
_ الأم بخير...والطفل بخير.
لم يسمع ما بعدها، اختنق بالبكاء فجأة.
بكاء عنيف.
بكاء رجلٍ عاش ساعتينِ كاملتين وهو ينتظر أن يخبره أحد إن كانت ابنته ستبقى كما هي...
أم ستنتهي خلف ذلك الباب المغلق.. حمد ربَّه بنوم ميرال بذلك المهدِّئ
أمَّا الطبيبة فأكملت بهدوء:
_ كانت من أصعب العمليات اللي عدِّت عليَّا الفترة الأخيرة...لكن ربِّنا لطف بيها.
ورفع رأسه نحو السماء، والدموع تملأ عينيه..
يهمس بصوتٍ مرتجف:
- الحمد لله...

بمنزل بلال.. 
كان الصغير يبكي بحرقة، وكأنَّه لم يبك من قبل.
حملته وظلَّت تتحرَّك به، في محاولاتٍ عديدة الاتِّصال برولا، ولكن لا رد..
اتَّجهت إلى أخيها وحاولت الاتصال به، ولكن الهاتف ما زال مغلقًا، شعرت بأنَّ هناك أمرٌ سيئ: 
_يا ترى إيه اللي حصل؟. 
جلست وحاولت أن تلهي الطفل بعدما فقدت صبرها، نظرت إلى رقم زوجها وقامت بمحاولةٍ أخيرة: 
_يوسف...قالتها بصراخٍ وبكاء غير مسيطرة:
_ينفع كدا، أنا مت رعب، أومال لو مش قايلة لك طمِّني.
_ضي... الوضع هنا سيء، أنا قولت أرد علشان تطمِّني.
ارتجف قلبها من الخوف:
_إيه اللي حصل؟.
_شمس تعبت ونزفت في العملية، ولسة ما فقتش لحدِّ دلوقتي، أنا مش قادر أقف على رجلي من الرعب عليها.
_طيب أنا جاية حالًا. 
_تمام. 
تذكَّرت يوسف الصغير، وعدم وجود رولا:
_معقول رولا تكون راحت المستشفى، ومش رضيت تاخدني؟. 
نظرت للصغير، وتحرَّكت إلى غرفته:
_تعال حبيبي أغيَّر لك، وننزل والله لأحاسب مامتك. 
بعد قليل كانت تدلف إلى المشفى وهي تحمل الصغير...توقَّفت غرام سريعًا بعدما وجدتها تقترب منهما وهي تحمل حفيدها:
_حبيبتي حمد الله على السلامة..
ضمَّتها والدتها: 
_الله يسلِّمك يا ماما...تلقَّت غرام حفيدها الذي بكى مرَّةً أخرى:
_مالك يا حبيبي...بتعيَّط ليه؟. 
نظرت إلى ابنتها التي تركتها واتَّجهت تبحث عن زوجها، وجدته يقف بالداخل بغرفة شمس ومعه حمزة وميرال.
اقتربت تهمس اسمه...استدار إليها ثم تحرَّك.. 
خطت إليه سريعًا، كانت تعلم حالته ستكون سيئة خوفًا على أخته، ضمَّته وقالت:
_إنتَ كويس؟. 
حاوط جسدها يهزُّ رأسه:
_الحمد لله، نظرت لسكون شمس ثم اقتربت منها: 
_حبيبتي ألف سلامة...قالتها وانحنت تقبِّل جبينها، ثم نظرت إلى حمزة: 
_حمد الله على سلامتها، ومبروك البيبي.
أومأ دون حديث، كان يحتضن كفَّ زوجته كأنَّها ستتركه. 
ربتت على كتف ميرال التي تجلس بجوار ابنتها تمسِّد على شعرها بحنان:
_إن شاءلله هتفوق يا طنط، حمد الله على سلامتها.
_إن شاء الله حبيبتي. 
رفعت عيناها إلى يوسف:
_كلِّ حاجة تمام، أكيد مش مخبِّي حاجة عليَّا؟.
_ماما هخبِّي عليكي إيه بس، إنتي سمعتي كلام الدكتورة، وقت وتفوق إن شاء الله.
بالخارج ارتفع بكاء الصغير وهو بيد غرام. 
استمع بلال إلى صوت طفله، فخرج سريعًا..
وجد الصغير يبكي بين يدي والدته، أخذته رحيل في محاولةٍ لتهدئته ولكنَّه لم يهدأ.
اقترب منهما:
_فين رولا، ليه بيعيَّط كدا؟. 
نظر الصغير لأبيه وازداد بكائه، فحمله يهدِّئه:
_اهدى حبيبي...اااااش، خلاص. 
_فين رولا يا ماما؟.
_معرفش، أختك اللي جابته.
_ضي!..ليه أومال رولا فين؟!. 
قالها بخروج ضي بجوار يوسف من الغرفة.
اتَّجه إليها متسائلًا:
_ضي، فين رولا؟. 
هزَّت كتفها بجهل وقالت:
_معرفش...قالت لي من ساعتين هروح مشوار على السريع وخلِّي معاكي يوسف، اتَّصلت بيها ما بتردش، فكَّرتها جت هنا.
طالعها مستغربًا:
_راحت فين دي؟!.
أخرج هاتفه ولكن وجد شحنه فارغًا، أشار إلى يوسف:
_كلِّمها شوفها فين. 
عند إلياس ويزن وأرسلان..
_الحمدلله يا إلياس، الدكتورة طمِّنتنا.
تمتم قائلًا:
_الحمد لله، كويس إنَّك جيت.. 
روح إنتَ ويزن، بلاش كلِّنا نبقى هنا، والمكان هناك فاضي. 
_نطمِّن الأوَّل على شمس. 
قالها يزن، هزَّ إلياس رأسه بالرفض:
_مينفعش يا يزن، هيَّ بقت كويسة، الكمبوند مفهوش حد، قالها بمغزى وهو ينظر إلى أرسلان.
توقَّف أرسلان وقال:
_تمام...هشوف إسحاق ونمشي. 

بعد فترة كان يجلس بغرفة ابنته ينظر إلى شحوب وجهها، كأنَّها ذهبت للموت وعادت. 
رفع كفَّها وقبَّله: 
_حبيبة بابا كدا تخضِّيني عليكي، ياله افتحي عيونك. 
نظر إلى ميرال التي تنحني تحتضن ابنتها، ثم ربت على كتفها:
_ميرال وحِّدي الله، البنت كويسة، الحمدلله عدِّت على خير.
_مش هطمِّن غير لمَّا تفتح عيونها. 
فجأةً ارتفع رنين هاتفه: 
_أيوة يا أرسلان؟.
_مصيبة يا إلياس.
انقبض قلبه، ابتعد قليلًا، رغم ثقل جسده من الألم: 
_إيه اللي حصل؟.
_كارما، مضروبة بالنار في شقَّة بلال في وجود رولا وآسر، متَّهمين بقتلها.
هنا شعر إلياس بدوران الأرض به، حتى كاد أن يُغشى عليه:
_أنا جاي...قالها واقترب من ميرال:
_ميرال عندي مشوار مهم، لمَّا شمس تفوق بوسيهالي.
رفعت عيناها إليه:
_معقول هتسيب البنت وتمشي في ظروفها؟!.
انحنى يقبِّل جبين ابنته:
_غصب عنِّي حبيبتي، يوسف معاكي مش هيسيبك.
قالها وتحرَّك للخارج سريعًا، ثم رفع هاتفه:
_مالك..تكون في قسم الشرطة( ) 
خلال عشر دقايق، وكلِّم المحامي. 
_إيه اللي حصل؟. 
_لمَّا تيجي هتعرف... 
عند إسحاق بالخارج: 
_شوفت مامتك فين؟. 
أشار إلى غرفة الأطفال وقال:
_بتشوف الولد...اقترب منه إسحاق: 
_هتسميه إيه يا حبيبي؟. 
مسح على وجهه يكاد يسحب أنفاسه بصعوبة:
_معرفش يا بابا، مفكَّرتش في اسمه، لمَّا مامته تقوم بالسلامة. 
ربت على كتفه بهدوء: 
_إن شاء الله هتقوم بالسلامة، الدكتورة طمِّنتنا..ادخل شوف ابنك، اطمِّن عليه.
اتَّجه بنظراته إلى خروج إلياس من المشفى وهو يتحدَّث بهاتفه:
_فيه إيه، إلياس مشي ليه قبل ما بنته تفوق؟.
_معرفش...أكيد حصل حاجة، اتِّصل بيه وشوف إيه اللي حصل. 
رفع إسحاق هاتفه واتَّصل بأحدهم:
_إيه اللي حصل في حي الشافعي؟.
أجاب الآخر ببعض الكلمات، ليهبَّ من مكانه فزعًا:
_إزاي دا حصل، والبنت ماتت؟!.

تعليقات