رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل السابع
حضر «أحمد» إلى المنزل وصافح زوجة خاله قبل أن يقول بتساؤل:
- أومال فين طيف أنا عايزه
أشارت إلى الأعلى ورددت بهدوء:
- فوق يا أحمد... كان هنا من شوية وطلع يجيب حاجة، اطلعله هتلاقيه فوق
ابتسم وحرك رأسه بالإيجاب وهو يقول:
- تمام
بالفعل صعد إلى الأعلى حيث شقته وقبل أن يطرق على الباب وجده مفتوحًا فردد بنبرة هادئة وهو يطرق بخفة:
- طيف؟ يا ابن خالي
لم يجد ردًا فدفع الباب بهدوء وتقدم إلى الداخل وإذا به يرى هذا المشهد أمامه. كان «طيف» يجلس على مقعد السفرة ويُعطيه ظهره وأمامه بعض البودرة التي كان يستنشقها بنهم شديد وكان مُنفصلا عن العالم من حوله.
عقد «أحمد» حاجبيه وتقدم بوجه سيطر عليه الصدمة وما إن أصبح قريبًا منه بشكل مباشر حتى قال بنبرة تحمل الحزن:
- ليه كدا يا طيف؟!
انتبه «طيف» في تلك اللحظة لوجوده ونهض من مكانه على الفور وكأنه شاهد ما يُخيفه للتو. عرف في تلك اللحظة أنه ابن عمته فقال بنبرة تحمل الغضب:
- أنت إزاي تخش عليا من غير ما تخبط؟
هنا جاء رد «أحمد» الهادئ:
- على فكرة أنا خبطت لكن محدش رد فقولت ادخل أشوفك فين بس مش ده المهم يا طيف، أنت ايه اللي بتعمله في نفسك ده؟ بقى ده طيف ابن خالي اللي كنت بفتخر بيه
هرب «طيف» ببصره بعيدًا وردد بنبرة مهتزة:
- ملكش دعوة يا أحمد، أنت يا دوب لسة داخل حياتي امبارح على الأقل بالنسبة ليا.. أنا ابن خالك آه لكن أنا مش فاكر حاجة عنك
لوى ثغره وحرك رأسه بأسف قبل أن يقول:
- ده مش رد على اللي أنت بتعمله يا طيف، طيف أنت بتعمل حاجة غلط وأنا واقف قصادك دلوقتي بتكلم معاك علشان أنت تهمني، اعتبرني صاحبك أو أخوك حتى واتكلم معايا.. ليه عملت كدا؟
جلس على المقعد الخاص به وابتسم ابتسامة ساخرة وهو يقول:
- ياااه صاحب وأخ؟ أنا عمري ما كان ليا صاحب أو أخ، بيقولوا طيف القديم كان عنده صحاب لكن اللي قدامك ده معندوش حد ومش فاكر حد حتى لما ظهر صاحب ليا كله كان بيقول صاحب عمري طلع هو السبب الرئيسي في اللي أنا فيه دلوقتي وقتلته بأيدي
جلس «أحمد» على المقعد المجاور له ووضع يده على كتفه وهو يقول بهدوء:
- طيب يا سيدي اعتبرني أنا صاحبك وأخوك من دلوقتي، يبقى أنا صاحب الشخصية الجديدة من طيف وابن عمته وأخوه كمان... قولي ليه بقى عملت كدا، أنت الكل كان بيشهد بأخلاقك ومن الشخصيات المرحة والمحترمة، أنت عمرك ما شربت سيجارة تقوم تخش سكة المخدرات كدا؟
نظر له نظرة تعبر عن مدى انكساره وهتف:
- هي دي المشكلة يا أحمد، المشكلة إني مش فاكر شخصيتي اللي الكل كان بيشهد بأخلاقها ولا فاكر شخصيتي اللي كانت محترمة وعمرها ما شربت سيجارة، أنا فتحت عيني وسط ناس مش عارفهم ولا فاكرهم، فتحت عيني في عالم مش فاكر فيه طفولتي ولا شبابب حتى... تخيل تفتح عينك تلاقي نفسك في مكان مش عارفه ومش فاكر أي حاجة قبل كدا، أنت كل اللي عارفه إنك هنا بس أنت مين وذكريات حياتك اللي وصلتك لحالك دلوقتي؟! زي العيل الصغير بالظبط بس الفرق إن العيل الصغير بيبدأ يتعلم واحدة واحدة لغاية ما يكبر ويشوف كل اللي بيحبوه وبيهتموا بيه لغاية ما يكبر على حبهم ويبدأ يحبهم هو كمان وتكون حياته مألوفة لكن أنا؟ بالنسبة ليا اتولدت كبير مفيش حتى فرصة اتعود على اللي بيحبوني ومش فاكرهم وكلهم بيتعاملوا على إني عارفهم وعشت معاهم سنين وطباعي القديمة هي اللي سائدة
صمت للحظات قبل أن تنهمر عبرة من عينيه وهو يقول:
- أنا تعبت نفسيًا من تمثيلي إني متقبل الوضع وعايشه، أنا جوايا نار بتاكل كل جزء جوايا بالبطيء، عرفت إنهم بيحبوا شخصية طيف المرحة اللي بتهزر علطول فبقيت أهزر علشان أبسطهم لكن أنا من جوايا بتحرق، حاسس إني بقيت عامل زي أراجوز على مسرح.. ملهوش نفس يهزر ولا يمثل بس مضطر علشان وراه التزامات وورا القناع بتاعه وش كله حزن
ربت «أحمد» على كتفه وقال بنبرة هادئة:
- أنا عمري ما كنت مكانك علشان كدا مش هنصح النصايح اللي من نوعية استحمل وعدي وكدا لأن اللي يوصلك لكدا أكيد شيء صعب جدا وده باين من اللي بتحكيه بس كل اللي هقدر أقولهولك هو إنك تدي لنفسك فرصة بمعنى إنك متعرفش ايه اللي هيحصل في المستقبل صح؟ مش يمكن الذاكرة ترجعلك وترجع طيف بتاع زمان؟ طيب لو رجعتلك ولكن أنت مدمن مخدرات وصحتك وجسمك اتدمروا هل ساعتها هتقدر تكون شخصيتك اللي بتحلم ترجع؟! أكيد لا يا طيف ده غير مراتك وولادك وأهلك حزنهم عليك هيبقى الضعف، طيف أنت كدا بتموت نفسك بالبطيء
أغلق عينيه وحرك رأسه بأسف وهو يقول:
- للأسف المخدرات دي هي اللي بتغيب عقلي عن الواقع وبتهون عني شوية من اللي حاسس بيه
حرك الآخر رأسه رافضًا لما يقول وردد:
- بيتهيألك إنها بتهون لكن في الحقيقة هي بتدمرك واحدة واحدة، بص لشكلك في المراية يا طيف.. بص لوشك اللي بقى شاحب والسواد اللي سيطر على عنيك ده بس اللي ظاهر ما بالك بقى باللي بتسببه جوا جسمك؟! طيف متبقاش أناني لو مش فارق معاك نفسك فكر في مراتك وعيالك وأهلك اللي هتفرق أنت معاهم، مش بقولك متحزنش ومتزعلش ومتشيلش الهم لكن بقولك متخليش كل ده يدمرك أنت شخصيًا
رفع «طيف» رأسه ونظر له ليقول متسائلا:
- ايه اللي يخليك تنصح فيا وتهتم بحد ملهوش لازمة زيي؟! فارق بالنسبة ليك ايه تضيع وقتك علشان تنصح واحد ضايع زيي
ابتسم «أحمد» وأجاب على سؤاله بنبرة مؤثرة:
- علشان أنا زيك.. معنديش صحاب ولا أخوات، لوحدي كدا في الدنيا دي وما صدقت لقيت صاحب وأخ قبل ما يكون قريب، الصاحب ده هو أنت ومحدش بيقبل يشوف صاحبه وأخوه بيتدمر ويقف يتفرج
***
جلس «رماح» أمام اللواء «أيمن» الذي استدعاه من أجل مهمة جديدة. ترك «أيمن» ما بيده ورفع بصره صوب «رماح» ليقول يهدوء:
- أنا عارف إن وجود فاطمة في الوقت ده لخبطك ولخبط كل اللي كنت مخططله
ابتسم «رماح» وقال بهدوء مماثل:
- هو لخبطني أيوة لكن ملخبطش كل اللي مخططله يا فندم، فاطمة ماضي أينعم ماضي مؤلم لكن ماضي ومش هدمر بيتي اللي هو حاضري ومستقبلي علشان ماضي حتى لو قلبي شايف عكس كدا
لوى «أيمن» ثغره وهتف:
- مكتوب عليك يا رماح تعيش صراع داخلي بس أنا متأكد إنك قوي ومش أي عاصفة تقدر تهزك، الصراحة أنا كنت متوقع رد فعل غير ده خالص لكن رد الفعل ده أثبت قد ايه أنت راجل وفعلا يعتمد عليك
ابتسم وقال بامتنان:
- ربنا يعزك يا فندم
في تلك اللحظة أمسك بصورة ووضعها أمامه وهو يقول:
- اتفضل.. ده اسمه مرزوق الشيمي، المعلم ده له في أي شغل شمال يخطر على بالك لكن مفيش حاجة تدينه علشان كدا هتشتغل أنت على القضية دي أنت وفهد، عايز أعرف كل حاجة عن الراجل ده وعايز كل الأدلة اللي تخلينا نقبض عليه مستريح
نظر مُطولا إلى الصورة قبل أن يرفع رأسه قائلا:
- تمام يا فندم اعتبره حصل
***
كانت تجلس شاردة عندما دلفت «نيران» مكتبها وقالت بابتسامة:
- والله مكتبك نور يا فاطمة، ياااه ده انـ...
توقفت عن الحديث عندما وجدتها بهذه الحال واقتربت منها قائلة:
- مالك يا فاطمة
فاقت من شرودها بعد سؤال صديقتها ورددت:
- لا مفيش أنا بس سرحت شوية
علمت أنها تهرب من الإجابة عليها فجلست أعلى مكتبها ورددت بجدية:
- رماح صح؟
انهمرت عبرة سريعة من عينيها قبل أن تقول بنبرة منكسرة:
- أنا مش بس خسرت أختي.. أنا خسرت رماح كمان، واضح إني مليش حظ في الدنيا وبخسر كل حاجة
شعرت بالحزن لحزنها وربتت على كتفها وهي تقول:
- الموقف كان صعب يا فاطمة، رماح فضل وقت طويل أوي يعاني من خسارتك ويا دوب اتجوز وخلف وبيحاول يتخطى فجأة ظهرتي من تاني ومن معرفتي برماح فهو هيحط سيزكا وبنته قدام عينيه قبل ما يفكر في أي حاجة مش علشان كرهك بالعكس.. رماح من رد فعله يدل إنه كان بيعشقك ومازال بس دلوقتي الدنيا بقت صعبة ده غير إنه مش هيعدي إنك مكلمتيهوش الفترة دي كلها
جاء رد «فاطمة» المهتز:
- أنا فعلا غلطانة إني مطمنتهوش عليا الفترة دي كلها، مش عارفة دماغي كانت فين وإزاي كان ده تصرفي، على الأقل كنت هونت عليه الفترة دي وفي نفس الوقت كان استناني بس أنا زعلي على أختي عماني.. للأسف ندمت في وقت معدش ينفع فيه الندم يا نيران
حاولت التهوين عليها رغم حزنها الشديد لحالها:
- ده قدر ربنا يا فاطمة، كلنا ماشيين في الطريق اللي ربنا مخططهولنا، يمكن رماح مكانش نصيبك من الأول ويمكن نصيبك بس مش مكتوب دلوقتي، الفكرة إننا نفوض أمرنا لربنا.. ربنا خططه لينا أفضل وأحسن مليون مرة من الخطط اللي بنحطها لنفسنا
نظرت إلى الأسفل وقالت بحزن:
- ونعم بالله
***
- تعرف إن المخدرات دي بتفطر؟
قالها «أحمد» لـ «طيف» الذي نظر إليه قائلا:
- ياعم لا دي شم مش حقن
رفع «أحمد» أحد حاجبيه وردد:
- ده أنت مدمن بقى، يابني ما الشم بيدخل على الدم وبكدا تبقى فطرت وبعدين أنا بقولك ايه أنت هيفرق معاك ذنوب الفطار مع ذنوب الإدمان دي
لوى «طيف» ثغره وعقد ذراعيه أمام صدره وهو يقول:
- يا عم أنا لسة على صيامي وبعدين المخدرات مش بتفطر تحب نسأل شيخ؟!
خبط كفيه ببعضهما وردد بنفاذ صبر:
- يبني بالله عليك متطلعش فتاوي وأنت مسطول كدا ده أنت شامم كمية بودرة تخليك تشوفني سبونج بوب
ارتفع ضحك «طيف» الذي أشار إليه وردد قائلا:
- تصدق فعلا فيك شبه منه، يخربيتك فولة واتقسمت نصين ولا نقول سفنجة
رمقه «أحمد» بضيق قبل أن يقول:
- لا ده أنت فعلا مسطول، طيب السكران بيحطوا دماغوا تحت المياة علشان يفوق.. دلوقتي أنا أفوقك إزاي؟
رفع كتفيه وقال بنبرة هادئة:
- يبني أنا فايق.. أينعم أنا دماغي طايرة دلوقتي بس الحاجات دي مش بتأثر عليا
وضع يده على وجهه ليعبر عن نفاذ صبره تجاه ابن خاله وما هي إلا لحظات حتى نهض وهتف بجدية وهو يسحبه من يده:
- تعالى.. هرميك تحت الدش بدل ما مامتك تشوفك بالوضع ده والدنيا تخرب
جذبه من يده ودفعه إلى المرحاض قبل أن يفتح صنبور المياة، ثم جذب رأسه ووضعها أسفل المياة وما هي إلا لحظات حتى ردد «طيف»:
- المياة سقعة حولها على السخن
- شششش مسمعش صوت سيادتك.. خليها سقعة خليك تفوق
***
دلف «فهد» إلى مكتب «رماح» ووضع أمامه ملف ثم جلس وهو يقول:
- مرزوق الشيمي، صاحب مجموعة شركات الشيمي المشهورة، له فروع كتير برا مصر وجوا مصر ده غير سيطرته آخر فترة على جزء كبير من سوق العقارات ودخل مؤخرًا مجال المقاولات وماسك مشاريع كبيرة جدا، ملياردير وشغال في كل حاجة تقريبًا وسمعته نضيفة جدا والملف بتاعه أبيض بس ده يدعو للشك
عاد «رماح» بظهره إلى الخلف وردد بتساؤل:
- ايه اللي يدعو للشك؟
أشار إلى الملف الخاص به وأجاب عليه:
- مرزوق الشيمي قدر يعمل الاسم ده وكمية الشركات دي في وقت صغير جدا وتحول من بيزنس مان عادي جدا لملياردير في وقت قياسي ده غير المشاريع الكبيرة اللي ماسكها استحالة شركة مقاولات جديدة لسة في السوق تمسك مشاريع زي دي، كل ده بيقول إن الراجل ده فعلا وراه حاجة وحاجة كبيرة كمان
مال «رماح» إلى الأمام وهتف بنبرة جادة:
- حلو أوي.. مرزوق الشيمي ده بقى مهمتنا الفترة الجاية، لازم نعرف كل حاجة عن الراجل ده وايه اللي وصله للمركز ده بالسرعة دي، أنا عايز عليه مراقبة 24 ساعة وطبعا مش مراقبة عادية.. أنا مش عايزه يحس بنسبة 1% إنه متراقب علشان لو ده حصل فكل اللي إحنا بنعمله هيروح على الفاضي
حرك «فهد» رأسه إيجابًا وهتف بجدية:
- تمام يا رماح باشا اعتبره حصل
***
دلفت «نيران» إلى مكتب اللواء «أيمن» بعد أن سمح لها بالدخول وتقدمت بهدوء قبل أن تقول بجدية:
- بعد اذن سيادك أنا جالي معلومات جديدة عن الدكتور، تسمحلي اتحرك ومعايا فاطمة
رفع «أيمن» بصره وقال بنبرة معترضة:
- أنا شايف إن الفترة الأخيرة بقيتي شغالة من دماغك يا نيران وده غلط، لو تفتكري لما مشيتي من دماغك قبل كدا حصلك ايه وحصل لزين ايه
نظرت إلى الأسفل للحظات قبل أن ترفع رأسها وهي تقول:
- لو فعلا شغالة من دماغي مكنتش هاجي لسيادتك علشان آخد الإذن بإني اتحرك، كل اللي عملته إني حطيت رجالة الدكتور ده تحت المراقبة والمرة اللي فاتت كنت قريبة جدا لكن حصل اللي حصل وفاطمة لحقتني ودلوقتي فرصة جديدة... سيادة اللواء الدكتور ده أملنا الوحيد في إننا ننقذ طيف، هو السبب في اللي حصله وأكيد عنده الحل في رجوع الذاكرة لطيف
مسح وجهه سريعًا بكفيه قبل أن يرمقها بهدوء شديد وهو يقول:
- تمام يا نيران اتحركي بس خدي بالك وحطي خطة بديلة وبلاش تسرع
- تمام يا فندم
***
في مكتب واسع وضخم بأحد المباني المبنية حديثًا والتي يبدو عليها الفخامة والرُقي دلفت السكرتيرة إلى الداخل ورددت بهدوء:
- الضيف اللي حضرتك مستنيه وصل يا مستر مرزوق
اعتدل ورفع رأسه قبل أن يخلع نظارته وهو يقول:
- دخليه
- حاضر يا فندم
خرجت وما هي إلا لحظات حتى دلف هذا الضيف الذي نهض «مرزوق» ليستقبله استقبال حار وهو يقول:
- نورت يا سيادة الرائد
هنا جاء رد الضيف الذي قال مُبتسمًا:
- بنورك يا مرزوق بس شكلها كدا الفترة الجاية مفيش نور ولا حاجة
ضحك «مرزوق» بصوت مرتفع وردد قائلا:
- ليه بس بتقول كدا
جلس هذا الضيف ووضع قدمًا فوق الأخرى وهو يقول:
- اتحطيت تحت المراقبة المشددة يا معلم، قولتلك مراتك دي خطر عليك أهي بلغت عنك ولسوء حظك وقعت مع اللواء أيمن وده هو ورجالته مبيرحموش ..
