رواية وجع قلب الفصل الثامن
زيدونا نورًا بالصلاة على محمد
أم سهى قفلت الباب بالمفتاح عشان محدش يدخل عليهم.
عينيها القلقانة بقت تفرز حالة بنتها اللي واضحة للأعمى.
سهى متغيرة تغيير جذري.
سألتها بقلق وهمس:
- مالك يا بنتي.. طارق عامل فيكي إيه.. وشك مخطوف وجسمك متلج.
سهى للحظة كانت خلاص هتنهار وتحكي كل حاجة.. بس افتكرت تهديد طارق ليها.
سكتت ودموعها نزلت.
- سهى بوجع:
مفيش يا ماما.. تعبانة شوية بس.
الأم قربت منها وركزت في عينيها بطريقة خلت سهى تنزل عيونها عشان متعرفش إيه فيهم:
- لا ده مش حكاية تعب بقى.. في حاجة أكبر.. يا بنتي احب على إيدك قوليلي مالك.. إيه مشقلب حالك كده.. من ساعة ما اتجوزتي وإنتي مش بنتي اللي أنا عارفاها لا.. لو في حاجة حصلت قوليلي.. أنا أمك وهمي مصلحتك.. قولي لو فيه حاجة نحلها سوا.
سهى اتنهدت بخنقة رهيييبة كفيلة تجيب سكتة قلبية..
لكن رغم ده كله كملت كذبتها لما ابتسمت وقالت:
- يا ماما صدقيني مفيش أي حاجة.. أنا تمام.. كل الحكاية إني لسه مش متعودة على بعادي عنكم وقلقانة لأن طارق بيقضي أكتر من نص اليوم في شغله ومش واخدة إني أفضل لوحدي الفترة دي كلها.. وبصراحة لسه مش متعودة على طارق وبتعامل معاه بحدود..
ابتسمت بسمة مزيفة وكملت:
- بس هو متفهم وبيحاول يفك الجو شوية عشان آخد عليه وهتلاقيه على طول بيهزر معايا عشان آخد عليه وكده... لكن مفيش أي حاجة مش كويسة ولا مشاكل بينا اتطمني.
أمها اتنفست براحة أخيرًا لما سمعت إجابتها رغم إن قلبها برضو مش مصدق.
لكن كل حاجة بتقول كده.. حتى بنتها نفسها بتعترف إنها سعيدة ومبسوطة.
قربت منها حضنتها وطبطبت عليها وهي بتهمس في ودنها:
- أنا بقول كده عشان خايفة عليكي وحسيتك متغيرة.. بس طالما إنتي مبسوطة ومتهنية.. يبقى ربنا يزيدك يا حبيبتي..
بعدت عنها وشدتها وهي تتكلم بحماس:
- تعالي بقى نحضر الغدا وأقولك على شوية نصايح كده عشان متبقيش لخمة وتتلحلحي شوية مع جوزك أحسن الرجالة بتزهق بسرعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
- سهى عاملة معاك إيه يا طارق يا بني.. تعباك ولا بتسمع الكلام؟
طارق انتبه لكلام حماه بعد ما كان مركز مع باب الأوضة اللي دخلت فيها هي وأمها ومتوقع في أي لحظة إن أمها هتخرج تضربه بالقلم وتنتقم منه على كل اللي عمله في بنتها.
ابتسم بصعوبة وهز راسه بمعنى كويسة وعلق:
- تمام الحمد لله يا عمي احنا الاتنين كويسين ومفيش أي حاجة..
- أيوه يا بني فاهم.. قصدي يعني اتعودتوا على بعض ولا لسه.. لأن سهى بتاخد وقت على بال ما تتعود على الناس.
طارق ببسمة سمجة:
- بس أنا مش أي حد يا عمي.. أنا جوزها.. وأخدنا فترة خطوبة اتعودنا فيها على بعض.. وسهى كويسة معايا والدنيا ماشية تمام بينا احنا الاتنين ومفيش أي مشاكل.
الأب ابتسم براحة لما سمع كده وعلق ببشاشة:
- ربنا ما يجيب مشاكل يا بني..
محمد بصله وهو حاسس بغيرة غصب عنه لأنه أخد أخته منه بين يوم وليلة ورغم كده مقدرش يتكلم معاه.
على عكس مروان اللي مستلطفه وشايفه حاجة كبيرة لأنه نفسه يدخل شرطة وشايف إن طارق هو كارت الدخول بتاعه.
بينما معاذ الصغير كان إحساسه مزيج بين محمد ومروان.
غيران من طارق لأنه أخد منه أخته وفي نفس الوقت بيحب طارق زي أخوه الكبير.
قلبه اتطمن لما شاف الاتنين خارجين من الاوضه وأم سهي بتبتسم ورايحين ناحيه المطبخ وهنا عرف إن سهي محكتش حاجه وقدر ياخد نفسه براحه أخيرًا
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
طلعوا وقعدوا ياكلوا. السفرة مليانة على آخرها. محشي وملوخية وبط ولحمة وكل الأكل اللي سهى بتحبه من إيد أمها.. ريحة البيت اللي كانت بتوحشها خلت عينيها تدمع ثانية، بس بلعت دموعها مع اللقمة.
أم سهى قاعدة فرحانة ولمّة عيالها حواليها رجعت:
- أم سهى وهي بتحط في طبق سهى: كلي يا ضنايا، خسيتي أوي من ساعة ما اتجوزتي يا حبيبتي.. وحشتيني يا بت.
أبو سهى بيضحك وبيهزر:
- أبو سهى: سيبي البنت تاكل براحتها.. تلاقي طارق ده مدلعها وفاتح نفسه في البيت على البحري.. مش كده يا طارق؟
هنا طارق رفع عينه من الطبق وبص لسهى.. نظرة سريعة كلها تحذير ووعيد.. نظرة بتقول "فكري بس تنطقي".
سهى فهمت الرسالة. بلعت ريقها بالعافية وابتسمت بالعافية:
- سهى: آه يا بابا.. طارق مش مخليني محتاجة حاجة خالص.
طارق ضحك ضحكة عالية مصطنعة ومد إيده مسك إيد سهى قدامهم:
- طارق: ده أنا مقدرش على زعلها.. دي حبيبة قلبي.
إيده كانت بتضغط على إيدها تحت الترابيزة لدرجة إن ضوافره علمت في كفها.. بس وشها ثابت ومبتسمة.
أخوها الصغير "معاذ" شدها من كم العباية:
- معاذ: سهى هاتيلي اللعبة اللي قولتي إنك هتجيبيها ليا لما تتجوزي.
سهى حضنته وحست إنه الأمان الوحيد في الأوضة:
- سهى وهي بتبوس راسه: عيوني ليك يا معاذ.. أجيبلك أحلى لعبة.
أمها بصتلها بحنان:
- أم سهى: مالك يا بنتي سرحانة ليه؟ تعبانة؟
سهى اتنفضت ومسكت المعلقة بسرعة:
- سهى: لا يا ماما ده الأكل بس حلو أوي رجعني لأيام زمان.. تعرفي إني كنت بحلم بالمحشي بتاعك؟
أبوها حطلها حتة بط كبيرة:
- أبو سهى: طيب كلي واتغذي.. عايزينك ترجعي السهى بتاعة زمان اللي كانت بتاكل صوابعها ورا الأكل.
كلمة "السهي بتاعة زمان" وجعتها.. هي فين السهي بتاعة زمان؟ ماتت.
في اللحظة دي طارق خبط بكوباية المية على الترابيزة خبطة خفيفة.. تنبيه.. وعينه لسه عليها.
سهى نزلت عينها في الطبق وكملت أكل وهي مش حاسة بطعم أي حاجة.. كل لقمة كانت بتنزل معاها كلمة "اسكتي" اللي طارق قالها لها في العربية.
أم سهى قامت تجيب حاجة ساقعة من المطبخ، وهي معدية ميلت على بنتها وباستها من خدها:
- أم سهى بهمس: ربنا يسعدك يا بنتي ويريح بالك.
البوسة دي كانت زي سكينة في قلب سهى.. كان نفسها تصرخ وتقول "مفيش راحة يا ماما، الحقيني". بس بصت لطارق لقيته بيتابعها.. سكتت وهزت راسها بابتسامة مكسورة.
عملت مقارنة سريعة بين عيشتها مع أهلها وعيشتها مع طارق.
شفايفها اتقوست بحسرة على اللي وصلتله وبعد ما كانت ملكة متوّجة بقت مش محصلة خدامة لطارق واللي معاه.
افتكرت مرة لما خدها بيت أهله بعد إصرار من أهله نفسهم وهناك عرفت طارق طالع لمين بعد ما أمه خلتها تطبخ كل الأكل وتيجي البيت ليها من طلعة النّهار ورغم إنها باين عليها مش عارفة حاجة من اللي بين لمار وطارق ومي.. لكنها كانت بتتكلم كأنها بتُمُن عليها
لأنها وافقت بجوازتها من ابنها وهنا عرفت إن العيلة كلها نرجسية وبيحبوا يتباهوا باللي معاهم على خلق الله الغلابة.
ساعتها اكتشفت إنه مفيش مقارنة بين الاتنين.
لأن أهلها ناس بمعنى كلمة ناس وبشر.
لكن طارق وأهله مجرد أجسام مجوفة مجردة من كافة أنواع المشاعر والأحاسيس كل هدفهم في الحياة التباهي والتفاخر والفشخرة الكدابة.
اكتشفت ان جوازها من طارق كان أكبر غلطه عملتها في حياتها وهتفضل تندم عليها هي وأهلها الباقي من عمرهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
خلصوا الأكل وقعدوا شوية يشربوا شاي. سهى كانت قاعدة على طرف الكنبة زي الضيفة.. بتضحك لما أبوها يقول نكتة، وبترد على أمها، بس عقلها مش معاهم. عقلها مع إيد طارق اللي مرتاحة على ركبته... مستنية أي غلطة.
- أبو سهى وهو بيطفي التلفزيون: طب يلا يا ولاد عشان منتأخرش عليكم الجو بدأ يبرد وأنا عارف إنكم مش عايزين تحرجونا.
طارق قام وقف بسرعة وعدل جاكتته:
- طارق بابتسامة واسعة: عندك حق يا عمي عشان سهى كمان ترتاح، شكلها تعبانة من السفر.
رمى لسهى نظرة سريعة. النظرة اللي معناها قومي يلا قبل ما أعملك فضيحة.
سهى بلعت ريقها وقامت وقفت جنبه رجليها مش شايلاها.
أم سهى جت حضنتها حضن طويل حضن أم حقيقي ودافي كانت بتشم في شعرها زي ما كانت بتعمل وهي صغيرة:
- أم سهى بصوت واطي في ودنها: مالك يا بنتي؟ حاسة إنك مش مبسوطة لو حد دايقك في حاجة قوليلي.
قلب سهى اتقبض كانت هتنطق.. كانت الكلمة على طرف لسانها.. بصت بطرف عينها لقت طارق واقف ورا أمها بالظبط مبتسم نص ابتسامة، وإيده اليمين في جيبه.
- سهى وهي بتحضن أمها أجمد وبتكتم العياط:
- مفيش يا ماما والله... بس... وحشتيني أوي.
- أم سهى وهي بتمسح على ضهرها: وانتي أكتر يا قلب أمك. متغيبيش تاني كده.. بيت أبوكِ مفتوحلك في أي وقت.
الجملة دي كسرت سهى. "بيت أبوكِ مفتوحلك"... وهو مقفول بجنزير من طارق.
أخوها معاذ اتعلق في رجلها:
- معاذ بزعل: متروحيش يا سهى، اقعدي معانا كمان شوية.. أو أقولك باتي النهاردة عندنا أنا ملحقتش أشبع منك.
سهى نزلت على ركبها وحضنته وهي بتبوس وشه كله:
- سهى بصوت مخنوق: هاجي قريب يا حبيبي وهجيبلك اللعبة اللي وعدتك بيها وعد.
أبوها جه طبطب على كتفها:
- أبو سهى: خلي بالك من نفسك ومن جوزك يا بنتي. وطارق أمانة في رقبتك.
سهى هزت راسها وهي مش قادرة تبص في عين أبوها حاسة إنها خاينة عشان ساكتة.
طارق مد إيده يسلم على حماه، وبعدين مسك إيد سهى بقوة:
- طارق: يلا يا حبيبتي عشان منتأخرش تسلم إيدك يا حماتي على الأكل.
- أم سهى: الله يسلمك يا بني دي بنتي سهى وصية رسول الله.
طارق ضغط على إيد سهى وهو بيرد:
- طارق: وفي عينيا يا حماتي سهى دي في نني عيني.
وهما نازلين على السلم، أمها وقفت على الباب تنادي:
- أم سهى: سهى!
سهى لفت بسرعة وقلبها بيدق فاكرة أمها حست بحاجة.
- أم سهى وهي بتحدف كيس: نسيتي علبة المحشي اللي عملتهالك مخصوص سخنيه بكرة على الغدا.
سهى مسكت الكيس وإيديها بتترعش بصت لأمها الواقفة فوق مبتسمة، وبصت لطارق الواقف جنبها وشه قلب شيطان.
- سهى بهمس مش مسموع: حاضر يا ماما...
الباب اتقفل وراهم. صوت المفتاح وهو بيلف كان زي حكم الإعدام رجعت للسجن تاني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
أول ما باب العربية اتقفل، الصمت اللي كان كاتم على قلب سهى انفجر.
طارق دور العربية ومشي.. دقيقة كاملة ساكت.. ساكت بس عروق إيده اللي ماسكة الدركسيون كانت هتنفجر من الغضب..
سهى لازقة في الباب وباصة من الشباك. حتى علبة المحشي حاضناها في إيديها كأنها آخر حاجة فاضلة من ريحة أمها.
فجأة كسر الصمت بصوته وهو بارد زي التلج:
- طارق من غير ما يبص لها: كنتِ هتنطقي، صح؟
سهى اتنفضت.
- سهى بهمس: لا والله... مقولتش.
طارق ضرب فرامل مرة واحدة.
العربية وقفت في نص الشارع الفاضي.. لف ومسك دراعها جامد...
طارق بوشه في وشها:
-عينك.. عينك كانت هتفضحك. لما أمك حضنتك شوفتها. الدمعة اللي حبستيها.
سهى بقت بترتعش:
- سهى بعياط مكتوم: مقولتش حاجة... عشان خاطري أنا سكت زي ما قولتلي أنا خايفة.
طارق ساب دراعها وزقها في الكرسي:
- طارق بسخرية: خايفة؟ وده المطلوب.. الخوف هو اللي هيخليكي تعيشي.
رجع يسوق تاني كأن مفيش حاجة.
شغل الراديو وعلي الصوت. أغنية رومانسية.
- طارق: عارفة بقى إيه اللي هيحصل لما نروح؟ هتتعاقبي على الدمعة اللي كانت في عينك.. عشان المرة الجاية تتعلمي تمثلي أحسن وأمك متاخدش بالها.
سهى بصت لعلبة المحشي في حجرها.. دمعة واحدة نزلت غصب عنها ووقعت على الكيس. مسحتها بسرعة قبل ما يشوفها.
*_**_*
فتح باب الشقة بمفتاحه ورماها لجوه.
قفل الباب وراه بالمفتاح والترباس. صوت الترباس كان زي حكم الإعدام التاني.
سهى واقفة في الصالة ماسكة كيس المحشي.. الشقة كانت ضلمة وساقعة، عكس شقة أهلها اللي كانت دفا ونور.
طارق قلع جاكتته ورماها على الكنبة وقرب منها بهدوء يخوّف:
- طارق: هاتي الكيس ده.
سهى حضنت الكيس أكتر.. دي آخر حاجة لمستها إيد أمها:
- سهى برعب: ده... ده أكل ماما... سيبهولي.
طارق شد الكيس منها بقوة وفتحه.. شم المحشي ورماه في الزبالة بكل برود قدام عينيها:
- قولتلك مفيش حاجة اسمها ماما هنا.. هنا فيه أنا وبس.. أي حاجة تفكرك بيهم هتترمي.. فاهمة؟
سهى بصت للزبالة وقلبها بيتقطع.. دي مش علبة أكل، دي كانت آخر خيط أمان.
قرب منها ومسك وشها بإيده وضغط على خدها:
- طارق بهمس: بصيلي. قوليلي دلوقتي، تحبي مين أكتر؟ أنا ولا أهلك؟
سهى باصة في الأرض وشفايفها بتترعش.. عارفة إن الإجابة الغلط معناها كسر جديد.. عارفة إن ملهاش مهرب.
- سهى بصوت ميت: أنت.
طارق ضحك ضحكة قصيرة ومريرة:
- طارق: كذابة.. عينك بتقول العكس.. بس هعلمك. هعلمك لحد ما قلبك يصدق لسانك.. هقطعك منهم حتة حتة لحد ما أبقى أنا أهلك، وأنا بيتك، وأنا نفسك.
زقها على الحيطة وبص في عينيها:
- طارق: ودمعة العربية دي حسابها لسه مجاش.. قومي على الأوضة.. ممنوع تطلعي منها إلا لما أنا أقول.
سهى مشيت لأوضتها وهي حاسة إنها داخلة قبر.. أول ما دخلت وقفلت الباب، سمعت صوته من بره وهو بيقفل عليها بالمفتاح من بره.
_تكّة القفل_ رنت في ودنها.
وقعت على الأرض وضمت ركبها لصدرها في الضلمة.. مفيش موبايل.. مفيش شباك تعرف تهرب منه.. مفيش حد تكلمه.. مفيش دليل معاها.. مفيش غيرها ووجعها.
بصت للحيطة وهمست لنفسها:
- سهى: يارب... أنا لوحدي بجد مليش غيرك.. يارب زيح الغمة دي من على قلبي قبل ما يقف من كتر الحزن اللي أنا فيه... ياااااااارب.
جاها صوت طارق من بره وهو بيتكلم في التليفون وبيضحك:
- طارق: متقلقيش يا روحي... البت اتأدبت وأهلها شربوا العسل.. مفيش حد هيصدقها لو نطقت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
تاني يوم العصر سهى قاعدة على الأرض في أوضة النوم طارق فاتح عليها الباب وسايبه موارب عشان تفضل سامعة صوتها وهي بتتهان.
افتكرت كلامه لما قالها "خليكي هنا، جايلك ضيوف".
الباب اتفتح ودخلت لمار وراها مي وفي إيد لمار شنطتين كبار بتوع براندات، ومي شايلة شماعة عليها فستان.. فستان سهى الجديد.. اللي لسه متشال التكت بتاعه واللي كانت شرياه لعيد جوازهم الأول.
سهى رفعت راسها وبصتلهم.. قلبها وقع في رجلها.
- لمار بدلع وهي بترمي الشنط على السرير: إيه يا سهى، قاعدة في الأرض ليه؟ ده إحنا جايين نعملك عرض أزياء.
مي فتحت الدولاب بتاع سهى بالمفتاح اللي طارق اداهولها وبدأت تطلع الهدوم اللي لسه جديدة.. بلوزة حرير بيضا، جيبة سوده، طقم بيتي ستان كان طارق جايبهولها هدية.
- مي وهي بتشم البلوزة البيضا: يااه الله يرحم.. فاكرة يا سهى لما كنتي بتقولي لطارق نفسي ألبسها في خروجة حلوة؟
لمار شدت الفستان من على الشماعة ولفّت بيه قدام المراية:
- لمار: بس الخروجة الحلوة دي من نصيب ميوش بقى.. طارق بيقولها الأحمر ده بيبقى يجنن عليكي يا ميمو.
سهى إيديها بتترعش. لسانها مربوط. عايزة تصرخ "دي هدومي"، "اخرجوا بره أوضتي"، "يا رب خدني". بس افتكرت كلام طارق في العربية: "نفسك، فكري بس تنطقي". بصت للباب الموارب.. سامعة صوته في الصالة بيضحك في التليفون.. مستنيها تغلط.
- لمار رمت البلوزة الحرير على الأرض وداست عليها برجلها وهي بتقيس الطقم الستان بتاع سهى: أوبس، اتوسخت.. خلاص مبقتش تنفعك.
سهى غمضت عينيها ونزلت دمعة واحدة سخنة.. دمعة العجز.
لمار قربت منها وهي لابسة الفستان الأحمر بتاع سهى. وطت على ركبها ومسكت دقن سهى بقوة خلتها تبص لها:
- لمار بهمس زي التعبان: بتعيطي؟ على قماش؟ يا حرام... بتعيطي على الهدوم ومش بتعيطي على جوزك اللي بقى مش بتاعك ومع واحدة غيرك بالجسم والعقل؟
طلعت موبايلها وفتحت صورة.. صورة ليها هي وطارق ومي في المصيف.
- لمار: بصي.. اتفرجي كويس.. عشان المرة الجاية لما تفكري تبصي لأهلك بصة استغاثة، تفتكري المنظر ده وتفتكري إنك خسرتي كل حاجة.. هدومك، جوزك، وبيتك.
سهى شهقت وحطت إيديها على بوقها عشان تكتم صوتها.. جسمها كله بيتنفض بس من غير صوت.. قهرة الساكت أصعب من صريخ الموجوع.
- مي وهي بتعدل الطقم الستان عليها: ما تردي يا سهى.. قولي رأيك في اللبس.. مش دي حاجتك؟ ولا خلاص بقيتي ضيفة في بيتك؟
في اللحظة دي طارق دخل الأوضة. بص للمنظر: مراته على الأرض مكسورة، والاتنين التانيين لابسين هدومها.
- طارق بابتسامة:
إيه يا بنات، عجبكم اللبس؟
- مي بدلع: أوي يا روحي. بس صاحبة الهدوم شكلها مش فرحانة لنا.
طارق قرب من سهى ومسكها من شعرها خلاها تقف.
- طارق: ما تفرحي لأسيادك يا سهى. ولا إنتي ناكرة للجميل؟ دي لمار ومي بيحاولوا يبسطوكي.
سهى باصة في الأرض ودموعها نازلة سيل.. مفيش صوت.. مفيش نفس.
- طارق وهو بيبصلها بقرف: شايفين؟ حتى الفرحة مش عارفة تمثلها.. خلاص يا شيخة سهى، من النهاردة الهدوم دي مش بتاعتك.. إنتي متستاهليش تلبسيها.
شاور للبنات:
- طارق: خدوا اللي أنتو عايزينه يا بنات.. والباقي ارموه.
لمار ومي لموا كل الهدوم الجديدة في الشنط وخرجوا وهما بيضحكوا. سابوا وراهم الدولاب فاضي، وسهى واقفة في نص الأوضة بهدوم بيت قديمة ومهربدة.
الباب اتقفل. طارق بصلها من فوق لتحت:
- طارق: ده أول درس. الدرس الجاي لما تفكري في أهلك تاني.
وسابها وخرج.
سهى وقعت على الأرض تاني.. زحفت للدولاب الفاضي وحضنت الرف الخشب. كان لسه فيه ريحة برفانها. ريحة السهي بتاعة زمان.
واللي كانت عكس السهي بتاعة دلوقتي بكل المقاييس.
الفرق بين الاتنين زي الفرق بين الحي والميت وسهى خلاص
ما/تت من ليلة دخلتها بعد ما طلعت خاطية في عيون الكل.
حطت إيديها على بوقها وهي بتكتم صرختها بإيديها الاتنين عشان الصوت ميطلعش.. عينيها مفتوحين على آخرهم، بس مفيش صوت.. بس قهر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى ده الحال بقى ده اللي بيحصل كل يوم.
ما بين قهر ووجع وضرب ومذلة وإهانة.
أيام وشهور بتعدي.
كانت هي دي عيشة سهى الجديدة واللي اتقبلتها بعد ما استسلمت واتقبلت الواقع اللي بقى يدينها.
لحد ما جه اليوم اللي خلى كل حاجة تتقلب بين يوم وليلة واتكشف المستور.
