رواية دكتورة في ورطة الفصل التاسع بقلم منه مصطفى
يامن بهمس : "كله تمام.. الخطة نجحت بالحرف، والهدف معايا دلوقتي في الحفظ والصون.. الخطوة الأولى تمت، ومستني الإشارة عشان نبدأ في الخطوة التانية.. تمام، مش هسمح بأي غلط."
في تلك اللحظة، بدأت حور تستيقظ وفتحت عينيها ببطء، بينما وصل إلى مسمعها صوت يامن وهو يهمس بالخارج. فجأة، التفت يامن وكأنه شعر بها، وبمجرد أن رآها تتحرك، أغلق هاتفه بسرعة محاولاً أن يبدو هادئاً وطبيعياً
دلف يامن إلى الكوخ تعلو وجهه ابتسامة هادئة، ثم أردف قائلاً :
" صباح الخير يا دكتورة اخيرا صحيتى ده انتى نمتى نوم اهل الكهف "
جلست حور وهي تُزيح خصلات شعرها إلى الخلف، ثم رَمقتهُ بنظرةٍ ذات مغزى واردفت بشك:
" صباح النور .... هو انت كنت بتكلم مين اسفة على التطفل بس اصلى سمعت خطة وهدف وحاجات غريبة كده انت حكايتك ايه بالظبط؟"
استند يامن في جلسته براحةٍ غريبة، ثم قال بنبرةٍ تملؤها الثقة :
" خيالك بيروح لبعيد اوى يا دكتورة علفكرة بس على العموم مشكلة فى الشغل متشغليش بالك انتى "
حور برفعة حاجب :
" ماشى يا سيدى هصدقك واكدب عينيا بس انا حساك كده انسان مش سالك علفكرة انا برده قولت الناس اللى بتنور فى الضلمة دى بيبقى وراها حوارات كتير خاصة لو عينيها ملونة "
رمقها بنظرةٍ ساخرة، ثم قال والتهكم يرتسم على فمه :
" طب ما انتى عينيكى ملونة "
حور :" لا معلش انا بنوتة كده كده معروفة ان البنات الطف الكائنات ... على العموم هات موبايلك بقى اكلم حد من اهلى علشان اخلص من اللى انا فيه ده عايزة اروح"
مدت حور يدها بانتظار الموبايل، لكن يامن لم يعطه لها فوراً، بل رفعه بعيداً عنها قليلاً وهو ينظر للشاشة بهدوء
يامن: "هتكلمي مين؟ الموبايل فيه 1% شحن بالظبط، يعني لو طولتي ثانية زيادة هيفصل في وشك"
زفرت بضيق وهي تنظر له بملل :
"هات يا يامن متهزرش، بطل رخامة بقى خليني أخلص وبعدين انت عندك حل تانى ."
ابتسم يامن بخفة ثم سلمها الهاتف وهو يردف بجدية:
"خدي.. بس قولي المفيد علطول يا اما هتلاقيه قفل في وشك وإنتي في نص الجملة."
سحبت الموبايل من بين يديه بابتسامة مصطنعة، ثم أردفت وهي تنظر إليه :
" مش رغاية انا علفكرة "
رفعت حور الهاتف ليدها بلهفة وضغطت على الأرقام، وما هي إلا ثانية حتى جاء الرد بصوتٍ يملؤه القلق :
"أيوة.. مين؟"
حور بصوتٍ يرتجف من الراحة : "أيوة يا ياسين.. أنا حور، اهدى يا حبيبي أنا كويسة والله والحمد لله أنا بخير."
لم تكد تُنهي جملتها حتى سحب سيف الموبايل من يد ياسين بلهفة واضحة حاول مداراتها، وهتف بنبرةٍ حادة:
"حور! أنتي كويسة؟ حد لمسك؟ حد جه جنبك؟ انطقي يا حور "
رغم الموقف، لم تستطع حور منع نفسها من الابتسام بخفة، فها هو سيف الذي تعرفه، يبدأ بالاستجواب فوراً، فقالت بنبرةٍ هادئة:
"على فكرة المفروض تقول حمد الله على السلامة الأول يا سيادة النقيب.. أنا كويسة والله، ومحدش يستجرأ أصلاً ييجي جنبي."
تنهد سيف براحة، ثم أردف بجدية:
" طيب أنتي فين وإيه اللي حصل بالظبط؟"
حور: " مفيش كل اللى حصل أن فيه شاب ابن حلال هو اللي خرجني من المكان اللي كنت مخطوفة فيه، بس العربية عطلت بينا والموبايل بتاعه كان فاصل شحن طول الليل، فـ اضطرينا نقعد في كوخ خشب قديم هنا لحد الصبح."
ساد صمتٌ مخيف لثانية، ثم جاء صوت سيف كالفحيح المكتوم بالغضب:
"وحياة أمك قاعدة مع شاب غريب من امبارح في كوخ لوحدكم؟ أنتي بتستعبطي يا حور؟"
تلعثمت حور وشعرت بالارتباك من نبرته، فردت بتلعثم:
"ما.. ما هي الظروف اللي حطتني في كدة يا سيف كنت أعمل إيه يعني؟ وبعدين هو كان بره طول الليل وأنا اللي كنت جوا الكوخ."
زفر سيف بضيقٍ شديد، ثم قال بصوتٍ جهوري
"ما علينا.. أنتي فين دلوقتي بالظبط؟"
حور رفعت كتفيها واردفت :
"مش عارفة أوصفلك المكان، خد يامن انت كلمه هو يوصفلك ."
همس في سره بغضب: "اللهم طولك يا روح"
أعطت حور الهاتف ليامن وهي تهمس له بتوتر: "خد كلمه.. بس براحة عليه والنبي."
أخذ يامن الموبايل ببروده المعتاد، وضعه على أذنه، وبالفعل كان صوت سيف في الجهة الأخرى كأنه بركان على وشك الانفجار.
يامن (بهدوء): "أيوة.. معاك يامن."
سيف بنبرة حادة ممزوجة بلهفة وغيظ:
"خلصني يا جدع إنت.. إنتوا فين بالظبط؟ وإياك تقفل السكة"
يامن بضحكة خفيفة وهو يغمز لحور:
"يا باشا أنا أقدر بص يا سيدي، إحنا في كوخ مهجور، لو مشيت على طريق الواحات القديم فيه مدق ترابي على يمينك بعد الكيلو 10، هتمشي فيه شوية هتلاقي شجرة كبيرة مفيش غيرها في الصحراء دي، الكوخ مستخبي وراها."
سيف بلهفة وأمر "مسافة الطريق وهكون عندك.. حور متتحركش خطوة واحدة بعيد عن عينك، فاهم؟"
يامن ببرود مضحك: "فاهم فاهم بس ياريت تنجزوا عشان الدكتورة شكلها جعانة وممكن تتهور وتأكلني أنا شخصياً."
وقبل أن يرد سيف بكلمة، انطفأت شاشة الموبايل تماماً.
يامن وهو بيبص للموبايل بيأس:
"البقاء لله.. الموبايل خلاص فصل."
نظرت حور للموبايل الذي انطفأ فجأة في يد يامن، ثم نظرت له بذهول وهي ترفع حاجبيها
حور: "ده فصل بجد انت موبايلك ده جايبه من سوق الجمعة ده مکملش دقيقتين على بعضهم "
يامن رجع سكن مكانه ببرود وربع إيديه وهو بيبتسم :
"والله يا دكتورة الموبايل عمل اللي عليه وزيادة كفاية إنه فضل مكمل قدام التحقيق اللي كان شغال ده.. وبعدين قولي الحمد لله إننا لحقناه قبل ما يفصل، وإلا كان زماننا مكملين ليلتنا هنا ."
حور بضيق من بروده : ونكمل ليلتنا هنا ليه إن شاء الله انت عاجبك الكوخ المكركب ده ؟ وبعدين إنت قاعد بارد كدة ليه؟ أنا أعصابي باظت بجد.
يامن بص لها بروقان :
"بارد؟ ليه يا دكتورة هو أنا تلاجة ؟ أنا بس إنسان متصالح مع الطبيعة وبعدين بصي برا كدة، الشمس بدأت تطلع والجو تحفة ايه أزمتها التكشيرة اللى على الصبح دى شكلك بيبقى عامل ذى بوجى وانتى زعلانة "
برقت بعينيها بذهول :
" بوجى ! انا شبه بوجى يا يامن"
يامن ضحك بخفة وهز رأسه:
" يا ستي حقك عليا، بلاش بوجي.. خليها طمطم عشان شعرك المنكوش ده.وبعدين فكيها بقى، استغلي الهدوء، الصحراء في الوقت ده بتبقى تحفة ومحتاجة كوباية شاى "
حور نفخت بضيق :
" تصدق وتؤمن بأيه شوف انا عيشت حياتى دى كلها مشوفتش حد مستفز اكتر منى إنما انت جيت فى غمضة عين وحسستنى انى كنت ملاك انت بجد ملك الاستفزاز .... انا هطلع اقف برة احسن ممكن ارتكب جريمة هنا وانا مش واخدة بالى "
يامن وهو بيضحك :
"ماشي يا دكتورة، بس خدي بالك من العصافير احسن تغير منك هى كمان ذى العربية وتعمل عليكي مؤامرة.. أنا قاعد هنا مستني الشوكولاتة اللي المفروض تجيلي مكافأة وياريت تكون بالبندق.
حور وهي ماشية للباب:
"شوكولاتة بالبندق؟ ده إنت تاخد علقة معتبرة على برودك ده.. سلام يا يامن سلام "
يامن نادى عليها وهي خارجة بابتسامة: "خدى بالك من نفسك يا طمطم "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عاد يحيى إلى الفيلا بخطوات ثقيلة، كان يشعر بصداع يمزق رأسه، فكلما انسحبت شخصية "آدم" وتركته يعود لوعيه (يحيى)، شعر وكأنه كان في غيبوبة طويلة. دخل من الباب بهدوء، وتوقف مكانه حين وصل لمسمعه صوت ضحكات مألوفة.
في صالة المعيشة، كانت مريم تجلس على الأرض، تلعب مع ليلى بإبتسامة صافية ومرح حقيقي، وكأنها طفلة مثلها. وقف يحيى يراقبهما لثوانٍ، وشعر بغصة في حلقه؛ فمريم هي الوحيدة التي تتقبل كل انكساراته، هي التي تلملم شتاته بعد كل مرة يضيع فيها في شخصية "آدم".
انتبهت مريم لوجوده، فالتفتت بسرعة ونهضت، وبمجرد أن رأت نظرة التيه والارتباك في عينيه، أدركت فوراً أن "يحيى" قد عاد. ركضت نحوه بلهفة:
"يحيى حمد الله على سلامتك يا حبيبي."
ارتمى يحيى في حضنها كغريق وجد طوق نجاة، ودفن رأسه في عنقها وبدأ جسده يرتجف بشهقات مكتومة. مريم لم تسأل عن شيء، بل ظلت تحتضنه بقوة وتمسح على ظهره بحنان، وقلبها يعتصر ألماً على حاله.
ليلى الصغيرة اقتربت منهما براءة، وشدت قميص يحيى برفق. رفع يحيى رأسه وهو يمسح دموعه بصعوبة، فمدت ليلى يدها الصغيرة بقطعة بونبوني وقالت برقة:
"متزعلش .. خد دي عشان تخف."
ابتسم يحيى من وسط دموعه وقبل يدها، فقالت مريم وهي تحاول تلطيف الجو:
"يلا يا ليلى يا حبيبتي، روحي اطلعي البسي بسرعة عشان المدرسة، الباص زمانه على وصول."
ركضت ليلى للأعلى، بينما سحبت مريم يحيى من يده برفق واتجهت به نحو الكنبة. جلست وجعلته يجلس بجانبها، بل وسحبت رأسه لتضعه على كتفها، وبدأت تخلل أصابعها في شعره بحنان الأم وعشق الحبيبة.
مريم بهمس حنون :
"مالك يا حبيبي إيه اللي تاعب قلبك كدة؟ احكيلي.. فضفض يا يحيى."
يحيى بصوت مجهد :
"تعبان يا مريم.. حاسس إني تايه في دوامة. "آدم" بياخد مني كل حاجة، حتى مشاعري.. بقيت بخاف أصحي الصبح ألاقي نفسي عملت حاجات أنا مش راضي عنها، أنا مش عايز أكون غير يحيى اللي بيحبك، بس الماضي مش سايبني في حالي."
مريم قيدت يديه بيديها وقبلتهما : "هتهون يا حبيبي.. أنا معاك، وعمري ما هسيبك للدوامة دي تسحبك دي كلها فترة وهتعدي وهترجع احسن من الاول المهم إنك بترجعلي في الآخر.. بترجع ليحيى بتاعي."
ظل يحيى متمسكاً بيدها وكأنها خيط الحياة الوحيد له، وبدأ يحكي لها عن الثقل الذي يشعر به، وهي تسمعه بصبر لا ينفد، تهون عليه بكلماتها التي كانت تداوي جروح روحه النازفة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرت الدقائق كأنها ساعات، حتى دوت أصوات محركات قوية تقترب من الكوخ بسرعة جنونية. انتفضت حور من مكانها، لتجد سيارة ياسين تقف بعنف وسط الأتربة. لم يكد ياسين يغلق الباب حتى ارتمت حور في أحضانه وهي تبكي بصمت، بينما شدد ياسين من قبضة ذراعيه حولها وكأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه ليحميها.
ياسين بصوت مخنوق:
"الحمد لله.. الحمد لله إنك بخير يا حبيبتي، أنا كان هيحصلي حاجة من غيرك."
خلفهما، ترجل سيف من السيارة بخطوات ثقيلة، كان وجهه شاحباً وعيناه حمراوان. توقف على بُعد خطوات، يراقب حور وهي في حضن أخيها بنظرات مليانة كلام. لمحته حور، فابتعدت عن ياسين قليلاً ورسمت ابتسامة خفيفة باهتة على وجهها.
سيف بنبرة مجهدة ومبحوحة:
"حمد الله على السلامة يا حور.. انتي متعرفيش الساعات دي مرت علينا إزاي."
حور بصوت هادئ : "الله يسلمك يا سيف.. أنا عارفة إنك تعبت بسببي، حقك عليا."
سيف هز راسه بجمود وهو بيحاول يداري لهفته، ورمق يامن الواقف ببرود وراه بنظرة نارية، وبعدين قال لياسين:
"ياسين.. خد حور وروحوا يلا، حور زمانها تعبانة من اللى حصل والجماعة في البيت أعصابهم بايظة.. أنا هاخد الأستاذ يامن في طريقي، عشان لسه فيه شوية إجراءات لازم تخلص."
ياسين نظر لسيف بقلق، فهو يعرف نظرة "الطوفان" هذه جيداً: "سيف.. الراجل أنقذها، بلاش تـ..."
سيف (بلهجة قاطعة): "قلت روح يا ياسين.. أنا هقوم بالواجب معاه وزيادة. يلا!"
اتجه ياسين نحو يامن، ومد يده بشكر حقيقي:
"أنا مش عارف أشكرك إزاي يا أستاذ يامن، إنت عملت معانا جميل مش هننساه العمر كله."
يامن بإبتسامة وهو يصافح ياسين : "ولا جميل ولا حاجة، ده الواجب.. المهم الدكتورة بخير."
حور ركبت مع ياسين وانطلقت السيارة،وبمجرد ما اختفى طيف عربية ياسين وسط غبار الصحراء، الهدوء اللي كان مسيطر انفجر بركان.. سيف ملمحش قدامه، لف ببرق لـ يامن اللي كان واقف بيعدل ياقة قميصه ببرود مستفز.
وبدون مقدمة، سيف أطلق العنان لقبضة إيده اللي نزلت بوكس عنيف في وش يامن، خلت يامن يترجع لورا ووشه يلف. سيف صرخ فيه بغل:
"إنت إزاي تدخلها في القرف ده؟ إنت متخلف؟ حور كانت هتروح فيها بسبب غباءك "
يامن ممسحش الدم اللي نزل من طرف شفايفه، بالعكس، رد بضحكة ساخرة وهجم هو كمان بضربة قوية في بطن سيف ردت له القلم قلمين:
"لا يا سيف باشا.. إنت اللي متخلف ما انت لو كنت قايم بشغلك صح ومصحصح، مكنتش اضطريت أنا أتدخل وأصلح وراك العك اللي عملته.. انت سبتها تتخطف من تحت عينك "
سيف مسكه من قميصه وهبده في جسم العربية:
"وانت بقى اللى بتقولى اعمل ايه ومعملش ايه لا فوق يا بابا "
يامن زق إيد سيف بقوة وعينه بتطلع شرار:
"والله القضية دي كان زمانها خلصانة من زمان والكل اتقبض عليه ، بس طبعاً سيف باشا مش فاضي، موراكش حاجة غير إنك تقع في الحب وتعيش المراهقة المتأخرة.. الحب عمى عينك عن المهمة يا سيف "
سيف سدد له ركلة تانية وهو بيصرخ:
"حور خط أحمر يا يامن فاهم يعني إيه؟ المهمة دي لو تمنها شعرة واحدة منها ، فـ طز في المهمة وطز في أي حد.. وصدقني لو حصلها حاجة بجد، أنا مش هيكفيني موتك، أنا همحيك من الدنيا!"
يامن رد عليه بـ بوكس في كتفه المصاب خلى سيف يتأوه، وفضلوا يشتبكوا بالأيدي، ضرب متبادل كله غيظ وتراكمات من بداية القضية.. مكنش ضرب عداوة، كان ضرب عتاب بالدم بين اتنين عارفين قدر بعض كويس.
وبعد دقايق من العراك العنيف، القوة بدأت تنسحب من جسمهم، والنهجان بقى هو الصوت الوحيد اللي مسموع في المكان.
سيف وقع على ضهره فوق الرمل السخن وهو بياخد نفسه بصعوبة، وجنبه يامن وقع بنفس الطريقة وهو بيمسح وشه اللي اتبهدل تراب ودم.. الاتنين بقوا نايمين على الأرض، باصين للسما الصافية وصدورهم بتطلع وتنزل بسرعة من المجهود البدني الرهيب.
يامن وهو بينهج بصعوبة : "إيدك لسه تقيلة.. يا غبي."
سيف وهو بيغمض عينه بتعب : "عشان تتعلم متلعبش في ممتلكات غيرك.. حور مش جزء من اللعبة يا يامن."
يامن بصوت هادي ومرهق : "أنا أنقذتها يا سيف.. مكنتش هسمح بجد إن حد يلمسها، انت عارفني."
سيف سكت لحظة، وبعدين طلع زفير طويل ومال بجسمه لـ يامن:
"عارف.. وعلشان كدة مموتكش لسه.. بس قسماً بالله لو الحركة دي اتكررت، هنسى إننا كنا في يوم زمايل."
يامن ابتسم بوجع وهو بيحاول يقوم:
"طب قوم يا عاشق يا ولهان .. خلينا نرجع نلم العك ده، القوات زمانها بتسأل الطوفان راح فين."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت سمر قاعدة على سجادة الصلاة، ماسكة المصحف وإيدها بترتعش، وعينيها من كتر العياط والسهر بقوا حمر وشكلها يصعب على الكافر. أما سارة، فكانت رايحة جاية في الصالة ذى النحلة، بتاكل في ضوافرها وكل شوية تفتح الباب وتبص في الممر وتدخله تاني، والبيت فيه حالة صمت مرعبة.
فجأة.. سمعوا صوت مفتاح في الباب.
سمر وضعت المصحف على الكنبة وقامت وقفت بلهفة، وسارة جريت على الباب وفتحته بآلية.. لتظهر حور. كانت متبهدلة، وشها مطفي من التعب، وهدومها كلها تراب وعفرة، بس أول ما شافتهم رسمت ابتسامة تعبانة.
سمر مقدرتش تنطق، أطلقت صرخة مكتومة واترمت في حضن بنتها وهي بتشهق بالعياط، وسارة وقفت مكانها ثانية مش مصدقة، وبعدين هجمت عليهم وهي بتعيط وتضحك في نفس الوقت:
"يا جزمة.. يا واطية يا حور حرام عليكي اللي عملتيه فينا ده "
حور وهي بتحاول تتماسك وتطبطب على سمر:
"يا سوسو خلاص بقى والله أنا زي الفل أهو.. يا ست الكل اهدي، ده أنا جيت أهو وبقيت لزقة فيكي، كنتي وفري شوية العياط دول لما أتجوز وأسيبك يا سمر.. اضحكي بقى يا قمر."
سمر وهي بتبعد وبتمسح وش حور بإيدها:
"يا بنتي قلبي كان هيوقف، عملوا فيكي إيه؟ إنتي كويسة؟ فيكي حاجة بتوجعك؟"
حور بمرح عشان تفك الجو:
"أنا كويسة جداً والله، ده أنا كنت في مغامرة فى برنامج ناشيونال جيوغرافيك، والحمد لله طلعت منها سليمة.. اطلعي إنتي بس هاتي لي لقمة آكلها لأني حرفياً مأكلتش من امبارح غير نص شيكولاتة، وبطني بتصوت يا سمورة."
سمر بابتسامة من وسط دموعها:
"من عيني يا نور عيني، ثانية والكل هيكون جاهز.. ادخلي غيري هدومك وهتخرجى تلاقينى عملالك احلى اكل ليكى "
انسحبت سمر للمطبخ وهي تحمد الله، بينما سحبت سارة حور من يدها ودخلتا الغرفة. بمجرد أن أُغلق الباب، ارتمت سارة في حضن حور مرة ثانية، لكن هذه المرة كان حضناً طويلاً، هادئاً، ومليئاً بالصدق
سارة بصوت مبحوح:
"حور.. أنا بجد حسيت إن روحي بتتسحب مني. الدنيا كانت سودة أوي من غيرك، مكنتش أتخيل إني ممكن أعيش لحظة وأنا مش عارفة أنتي فين."
حور شددت من حضنها واردفت بحنان ممزوج بمرح : "يا هبلة، أنا بسبع ترواح متخافيش.. وبعدين مين هيصدعك غيري؟ اهدى يا سوسو أنا جنبك أهو."
ظلا هكذا لثوانٍ، جو مليء بالمشاعر والدموع، حتى بدأت حور تشعر بالاسترخاء، وفجأة.. شعرت بسارة تبتعد عنها بسرعة وهي تكمش أنفها بقرف، وتضع يدها على وجهها.
سارة بذهول: "إيه ده حور.. إيه الريحة دي؟ يا نهار أسود.. دي ريحة كلب ميت، لا لا.. ده فار منتحر بقاله أسبوع أنتي وقعتى في بلاعة؟"
حور بصت لها بصدمة : "ريحة إيه يا بنتي إنتي؟"
سارة وهي بتبعد وبتكرمش وشها بقرف :
"يا بنتي ابعدي ريحتك صعبة أوي ريحة كمكمة وتراب بشكل مش طبيعي.. ده أنا كنت لسه بعيط ومتأثرة، إيه القرف ده! قومي استحمي يا حور، بجد ريحتك تسد النفس"
حور بدأت تشم في كمها وضحكت : "يا واطية ده بدل ما تحمدي ربنا إني رجعت؟ ما أنا كنت بايتة في كوخ قديم كله تراب وعنكبوت، عايزة ريحتي تبقى إيه يعني "
سارة وهي بتزقها ناحية الحمام : " يا بنتى دى ريحة متتوصفش غوري استحمي، ده إنتي هدومك دي المفروض تترمي في الزبالة أو تتحرق فوراً.. ياعيني على منظري وأنا حاضنة القرف ده ومتأثرة "
حور وهي بتجري للحمام وبتضحك:
"ماشي يا سارة، بكرة لما أطلع ريحتي فل هتيجي تتحايلي عليا عشان أحضنك وهرفض.. خليكي انتي بقى مع ريحة الكلاب الميتة دي "
سارة حدفت وراها المخدة: "اغسلي شعرك خمس مرات يا حور.. خمس مرات بقولك "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصل سيف إلى منزله بجسدٍ يئن من الألم، ركن سيارته وصعد الدرجات ببطء وهو يحاول استجماع شتات نفسه. فتح الباب بهدوء، ليجد والدته تجلس في الصالة تتابع شاشة التلفاز بتركيز، بينما كان باب غرفة أخته الصغير (ليان) مفتوحاً قليلاً، ويصدر منه صوت تحريك أقلامها فوق الورق؛ فهي غارقة في عالمها الفني كالعادة
أول ما نادية سمعت صوت مفتاح الباب، قامت وقفت بلهفة وجريت عليه:
"أخيراً يا سيف برن عليك من امبارح وتليفونك مقفول، قلبي كان واكلني عليك يا بني.."
وفجأة سكتت ومكملتش باقي الجملة، برقت عينيها وهي بتبص لوشه المتورم وهدومه المتبهدلة تراب ودم، وقالت بشهقة مكتومة:
"يا مصيبتي إيه اللي عمل فيك كدة؟ إيه المنظر ده يا سيف أنا مش عارفة ايه اللى خلاك تدخل كلية الغم والهم دي هو أنا كل يوم لازم اشوفك كده "
سيف اتنهد بتعب وقرب منها باس راسها وإيدها وهو بيحاول يطمنها:
"يا حبيبتي اهدي بس، أنا كويس قدامك أهو.. والله جروح بسيطة ومفيش حاجة تقلق."
نادية بعصبية وخوف:
"جروح بسيطة إيه يا بني ده وشك مش باين منه حتة سليمة الشغل ده هيقصر عمري."
سيف سحبها وقعدها وهو بيمسح على كتفها:
"طب اهدي بس عشان أقولك.. الصراحة المرة دي ملهاش علاقة بالشغل خالص، حور هي اللي كانت مخطوفة امبارح، وأنا وياسين كنا بنحاول نوصل لها."
نادية اتخضت وحطت إيدها على صدرها:
"يا مري! حور ومتقوليش ليه يا بني من امبارح؟ يا حبيبتي يا بنتي.. تلاقيها ميتة من الرعب دلوقتي."
وقامت وقفت بسرعة وهي بتقول بلهفة:
"ثواني أنا هدخل ألبس بسرعة ووديني عندها حالاً، لازم أكون جنب سمر وأطمن على البنت بنفسي."
سيف مسك إيدها وهو بيبتسم بتعب:
"يا ست الكل تروحي فين دلوقتي؟ البنت زمانها نايمة أصلاً من كتر التعب والارهاق اللي شافته، ومش هتحس بيكي لو رحتي."
نادية سكنت مكانها وفكرت شوية وقالت بأسى: "عندك حق والله يا بني، هي تلاقيها مش شايفة قدامها دلوقتي.. خلاص، أنا هكلم سمر في التليفون أطمنها وأقولها إننا رايحين لهم بكرة الصبح أول ما يصحوا."
سيف قام وقف وهو بيجر رجله بالعافية ناحية أوضته، وقال وهو بيفتح الباب بنبرة كلها نوم:
"اعملي اللي إنتي عايزاه يا أمي.. المهم دلوقتي سيبيني أنام لأني حرفياً مش حاسس بجسمي."
ارتمى سيف على السرير بملابسه المتربة، أغمض عينيه بتعب، لكن عقله لم يستسلم للنوم بعد؛ بل سافر به عبر الزمن لسنوات طويلة مضت..
تذكر أول مرة خفق فيها قلبه، لم تكن حور حينها الدكتورة الناضجة، بل كانت الطفلة المشاكسة ذات العشر سنوات، بضفائرها المتمردة وفساتينها الملونة. كان هو في بداية مراهقته، يرافق والده في زيارة لصديقه المقرب والد حور.
يتذكرها جيداً وهي تركض في حديقة منزلهم، سقطت حينها واصطدمت ركبتها بالأرض، لم تبكِ كما تفعل البنات، بل وقفت بشموخ طفولي وهي تمسح التراب عن فستانها. هو الوحيد الذي ركض نحوها بلهفة غريبة عليه، أخرج من جيبه منديله الصغير وحاول بقلة خبرة أن يمسح لها جرحها يومها رفعت عينيها الملونة إليه وقالت بتحدى طفولى:
"أنا مش خايفة علفكره.. أنا هبقى دكتورة وهخيط الجرح ده بنفسي لما أكبر"
ابتسم سيف في ظلام غرفته وهو يتذكر كيف سحرته تلك النظرة منذ ذلك الحين. ظلت هي بنت الجيران وحلم الطفولة الذي كبر معه يوماً بعد يوم. كان يراقبها من بعيد وهي تكبر، تنجح، وتصبح دكتورة كما وعدت، وظل هو "سيف" الذي يحميها في الخفاء، حتى جاءت تلك القضية لتضعه في طريقها وجهاً لوجه من جديد.
تنهد بعمق وهو يتمتم باسمها في سره:
"كبرتي وبقيتي دكتورة يا حور.. بس لسه بتوقعي ولسه أنا اللي بجري عليكي."
ومع هذه الذكرى الدافئة، استسلم أخيراً لسلطان النوم، والابتسامة لا تزال مرسومة على وجهه المرهق
بينما بالخارج لم تستسلم نادية سحبت الموبايل بسرعة ودورت على رقم سمر وهي بتنهج من الخضة، وأول ما جيه الرد، نادية مقدرتش تمسك نفسها
نادية بصوت عالي ومخضوض :
"أيوة يا سمر إيه يا حبيبتي اللي حصل ده؟ سيف لسه واصل ووقعلى قلبي لما قالي.. حور كويسة؟ طمنيني عليها بالله عليكي يا سمر."
سمر صوتها كان لسه مبحوح من العياط بس فيه راحة.:
"أيوة يا نادية يا حبيبتي، الحمد لله.. لسه واصلة من ساعة، وطلعت روحي عقبال ما شوفتها داخلة من الباب.. كانت هتروح مني يا نادية، كانت هتروح مني"
نادية بدموع : "يا حبيبتي يا بنتي، ألف حمد وشكر ليك يا رب.. فداها أي حاجة المهم إنها رجعت لحضنك ونبى يا اختى سيف جالي وشه متخرشم وحالته لا تسر عدو ولا حبيب، وقالي إنهم ملمحوش النوم من امبارح.. أنا كنت هلبس واجيلك حالا بس سيف قالي البنت نايمة مش هتحس بحد."
سمر: "والله يا نادية ياسين وسيف عملوا اللي ميتعملش، ربنا يبارك لنا فيهم يا رب. حور فعلاً ميتة من التعب، يدوب أكلت لقمة بالعافية ودخلت نامت هي وسارة، مبيتحركوش من مكانهم."
نادية: "يا قلبي، سبيها ترتاح وتطلع الخضة من جسمها. بصي يا سمر، أنا بكرة الصبح أول ما الشمس تطلع هكون عندك، هعمل لها شوية حاجات ترم عضمها وهنيجي أنا وليان وسيف نطمن عليها.. متعمليش حسابك في غدا ولا حاجة، أنا اللي جايبة الأكل معايا."
سمر: "وتتعبي نفسك ليه بس يا نادية، ده إحنا اللي لازم نيجي نشكر سيف ونبوس راسه على اللي عمله."
نادية: "شكر إيه يا هبلة، دول أخوات، وحور دي بنتي زي ما هي بنتك. خلاص، بكرة الصبح نتقابل..وسلميلي على حور عقبال ما اشوفها ".
سمر: "يوصل يا حبيبتي، تسلمي لي يا رب.. مع السلامة."
قفلوا السكة، وكل واحدة فيهم خدت نفس عميق.. نادية دخلت المطبخ وهي بتفكر في الأكل اللي هتاخده معاها ، وسمر دخلت أوضة حور ونامت على السرير جنبهم وهى حاضناهم بقوة وهي بتشكر ربنا إن البيت رجع فيه روح من تاني.
