رواية غصن الورد الجاف كاملة جميع الفصول بقلم هاجر سلامه
"يا فهد.. حب عمري كله ليك واصل، كيف تسيب بنت عمك اللي صاينالك جلبها من صغرها، وتروح لغيرها؟"
قالتها وردة والدموع مغرقة عيونها الكبار، يدها كانت بترجف وهي واقفة جباله في حوش البيت الكبير. فهد بص لها بعيون جاسية، نفض يده وزعق فيها ببرود كسر ضهرها:
"بجولك إيه يا وردة؟ الحب ده مش بالعافية! أنا جلبي مش شايف غير رنا بنت خالتي، هي دي اللي هتنور داري. أنتي كيف أختي يا بنت عمي، وفري دموعك دي ومتحلميش بيا واصل!"
انطلقت كلماته كسهام مسمومة استقرت في صدرها، فكتمت صفتها وحبست أنفاسها كي لا تنهار أمامه. تراجعت خطوة إلى الخلف، تشعر بأن جدران قصر "الحاج إسماعيل الهواري" العتيقة تضيق عليها.
كان فهد يرتدي جلبابه الصعيدي الداكن، يقف بقامته الفارهة وملامحه الحادة التي طالما عشقتها، لكن قسوته اليوم تجاوزت كل الحدود. استدار عنها ببرود، تاركاً إياها تصارع غصّة الحلق، ومضى يجر أذيال عناده ليواجه والده.
في المندرة الكبيرة، كان الحاج إسماعيل يجلس بهيبته المعهودة، ممسكاً بسبحته اليسر الخشبية، وعيناه تتطاير منهما شرارات الغضب.
وقف فهد أمامه وقال بصوت جامد:
"أنا عريس لرنا بنت خالتي يا بوي، ورايد أروح أخطبها السبوع ده."
ضرب الحاج إسماعيل عصاه الأبنوس على الأرض بقوة هزت أركان الغرفة، وصاح بصوت جهوري:
"جرى إيه لعقلك يا فهد؟! تسيب وردة بنت عمك؟ الدانة المصونة اللي شايلاك في عيونها وتجري ورا بنت بحري؟ أنا مش موافج على الجوازة دي واصل!"
تصلب فهد في وقفته، وغلبه العناد الأعمى:
"يا بوي، الجواز مش غصب، أنا مش رايد وردة، ومهتجوزش غير رنا، لو وافجت هروح بيك، لو مش موافج هروح لبطولي واخطبها!"
طال الجدال، واشتعلت النيران بين غضب الأب وعناد الابن، حتى رضخ الحاج إسماعيل في النهاية وعلامات الخيبة تكسو وجهه، متمتماً بحسرة: "هتروح وتعرف إن الله حق يا ولد الهواري."
تمت الخطبة وسط أجواء باردة من جهة عائلة الهواري، لكن فهد كان يظن نفسه ملكاً متوجاً لأنه نال من يحب.
في اوضة وردة .
"يا مري.. جالك الخبر الشوم يا وردة؟ فهد راح يخطب رنا بنت خالته رسمي ديلوقتي، والبلد كلها بتتحدث عن الجوازة!"
وقعت الكلمات على ودن وردة كيف الصاعقة، الصينية اللي كانت في يدها وقعت واتهبدت على الأرض، وكوبايات الشاي اتكسرت مية حتة، زيها زي جلبها اللي اتكسر في اللحظة دي.
بصت لأختها "فاطمة" بعيون ومبرقة ومش مصدقة، شفايفها كانت بترجف وهي مش قادرة تنطق الكلمة.
فاطمة جريت عليها وخايفة، مسكت يدها: "وحدي الله يا خيتي، لساتك واجفة كيف الصنم إكده لاه؟ جوليلك كلمة، عيطي يا وردة متكتميش في جلبك!"
دمعة سخنة نزلت على خد وردة، وبعدها انفجرت في العياط بنشيج يقطع الجلب، ركبتها مأشالتهاش ووقعت على الأرض وسط الحتت المكسورة.
لفت يدها حوالين أختها وفضلت تصرخ بصوت مكتوم:
"ليه يا فاطمة؟! ليه يعمل فيا إكده ولد عمي؟ ده أنا صايناله جلبي من صغري! عمري ما شوفت راجل غيره، وكل الدوار عارف إني ماليش غير فهد.. كيف يروح للغريبة ويكسرني جبال البلد كلها؟! كيف هجدر أحط عيني في عينه بعد اليوم؟"
فاطمة كانت بتبكي مع عياط أختها، وطبطبت على ضهرها بحرقة: "يا جلب أختك، فهد عما عينه العناد، ورايح ورا المظاهر والوشوش الكدابة. بس وحق دموعك دي يا وردة، هيعرف قيمتك لما يندم، والندم عياكل جلبة أوعي ترخصي نفسك عشان اللي باعك."
وردة رفعت راسها وعيونها حمرا كيف الدم، والدموع مغرقة وشها: "يندم؟! بعد إيه يا فاطمة؟ بعد ما داس على كرامتي وخلاني فرجة للّي يسوى واللي ميسواش؟ أنا جلت له بحبك وجالي الحب مش بالعافية! الجلمة دي جطعت شرايين جلبى.. فهد خلاص مات بالنسبالي يا فاطمة.. مات!"
حطت راسها على حجر أختها وفضلت تبكي بنحيب يوجع الحجر، والكسرة ملت أركان الأوضة، وهي مش قادرة تستوعب إن حبيب عمرها وولد عمها بقا خلاص ملك لواحدة تانية.
مرت الأسابيع، وفي يوم كانت رنا تسير معه في إحدى أسواق المدينة، فجأة شحب وجهها وسقطت مغشية عليها.
أصابه الذعر، وحملها بين ذراعيه راكضاً بها إلى أقرب عيادة طبية خاصة.
كانت الطبيبة المناوبة صديقة مقربة لرنا.
أدخلتها الغرفة لتباشر فحصها، بينما وقف فهد في الممر الخارجي يذرعه ذهاباً وإياباً، وقلبه ينبض خوفاً عليها. بعد دقائق، هدأ القلق قليلاً، وقرر أن يدخل الغرفة دون أن يطرق الباب ليطمئن.
وضع يده على المقبض، وضغط عليه ببطء، لكن الكلمات التي تسرّبت من شق الباب جعلت جسده يتصلب كالصنم.
سمع صوت الطبيبة وهي تقول بحدة وقلق:
"أنتي حامل يا رنا! في الشهر الثاني واصل.. هتعملي إيه ديلوقتي والمصيبة دي هتنكشف؟!"
جاءه صوت رنا، بارداً، خبيثاً، خاوياً من أي ارتباك:
"ولا حاجة .. أنا كلها كام شهر وهتجوز فهد، و هقول إني حامل منه في الشهور الأولى، ومحدش هيركز ورايا."
شهقت الطبيبة: "أنتي اتجننتي؟! هتلبسيها لفهد؟ تفتكري عيصدجك؟"
ضحكت رنا بامتلاك وثقة عمياء:
"ومش هيصدق ليه؟ ده بيموت فيا، وساب أبوه وأهله وكسر بنت عمه عشاني! مستحيل أضيعه من يدي.. اهو فهد الهواري بفلوسه وهيبته أحسن بمراحل من الكلب ياسر اللي غدر بيا وسابني بعد ما خد اللي عايزه!"
