رواية حين يجبر العشق الفصل العاشر 10 بقلم لولا نور


 رواية حين يجبر العشق الفصل العاشر 

في جناح سلطان ...

وقفت حور أمام النافذة للمرة التي لا تعرف عددها.
منذ أن خرج سلطان صباحًا وقلبها لا يعرف السكون.
فقط تصلي وتقراء القرآن وتدعي الله ان يحفظه ويرجعه اليها سالماً ...
لكن ذلك القلق الغامض ظل جاثمًا فوق صدرها.
كانت عيناها معلقتين بالطريق المؤدي إلى الدار، وكأنها تنتظر ظهور شيء تخشاه أكثر مما ترجوه.

وفجأة... لمحت أضواء سيارات تقترب من البوابة.
اعتدلت واقفة ثم ضاقت عيناها وهي تحاول التبين.
كانت سيارة سلطان!!!
لكنها لم تتوقف كما اعتادت.
دخلت مسرعة...وخلفها سيارات الرجال.
شعور بارد اجتاح جسدها.
ثم رأت باب السياره يُفتح.
ورأت الرجال يندفعون نحوه.
ورأت عامر يهبط أولًا...ثم يساعدهم في إنزال سلطان.

وفي اللحظة التالية...
تجمد الدم في عروقها.
ثوبه كان ملوثًا بالدماء ،والدماء امتدت على جانبه وذراعه حتى بدت واضحة من مكانها.

شهقت شهقة مكتومة وتراجعت خطوة للخلف....
ثم هزت رأسها بعنف وكأنها ترفض ما تراه.
لا...لا...ثم صرخت باسمه بلوعه : سلطاااان
وقبل أن تدرك ما بجب ان تفعل كانت تندفع خارج الجناح بأقصى ما تملك من سرعة.
..........................

✦ في بهو الدار... ✦
كان الاضطراب قد اجتاح المكان ،الخدم يتحركون في كل اتجاه والرجال يحيطون بسلطان.
وفي اللحظة التي وصلت فيها هانم إلى أسفل الدرج كانت أنفاسها متلاحقة من شدة القلق والرعب .....

اتجهت مباشرة نحو عامر.
وقالت بلهفة: سلطان ماله يا عامر؟ اخوك حصل له ايه؟؟

أجابها سريعًا: اتصاب يا أمي... بس الحمد لله واعي. الدكتور جاي في الطريق.

وضعت يدها فوق صدرها محاولة التقاط أنفاسها وهدرت بنواح: كبدي عليك يا ولدي..

بينما كانت حور قد وصلت إليهم.
عيناها لم تفارقا سلطان لحظة واحدة.
ثم قالت بسرعة بعدما سمعت حديث عامر : 
طلعوه فوق بسرعه على جناحه.

التفتت إليها هانم فورًا.
وقالت بحزم:لا ....مالكيش صالح انتي بولدي ..
قدمك قدم شوم علي الدار ...
من يوم ما رجلك خطت عتبه دارنا والخراب ملاحقنا ..
الاول صفوان ودلوك سلطان ....

استدارت الي عامر ثم أشارت نحو الدرج الآخر: دخلوه جناح أبوه.
ساد صمت قصير.
احبست انفاس حور داخل صدرها وتجمعت الدموع داخل مقلتيها بعد اهانه هانم لها ..
وشعورها بالعجز انها غير قادره علي الدفاع عن حقها في زوجها ...

 طحن عامر ضروسه بغل وحقد قبل أن يتحدث بنبره حاسمه: لا يا أمي... خلوه في جناحه.
التفتت إليه هانم باستغراب من معارضته لها وتاكيداً لحديث حور، فهتفت فيه بغضب: عااامر ...

عامر  بهدوء: سلطان طول عمره مش بيرتاح غير في مكانه ...
ثم نظر إلى الرجال وقال:  يالا يا رجاله اطلعوا بيه على جناحه.

ترددت هانم لحظة ولكنها لم ترد كسر كلمه ابنها البكر امام رجاله ....
فأطبقت شفتيها بصمت وهي تراقبهم يصعدون به إلى الأعلى.

أما عامر...
فرفع عينيه نحو الدرج المؤدي إلى جناح صفوان والده..
 نظر نحوه نظرة قصيرة جدًا...مرت على وجهه واختفت.
وهمس داخله بحقد : كل حاجه دلوقتي بتدور حوالين سلطان...
حتي جناح ابويا اللي انا الاحق بيه عاوزينه ياخده ....
كبت حنقه واخفي انفعالاته بمهاره وصعد خلف الرجال لاعلى......
........................

وصل الطبيب بعد دقائق قليلة بدت للجميع وكأنها ساعات.
صعد مسرعًا إلى اعلي بينما كان الرجال قد وضعوا سلطان فوق فراشه.

اقترب الطبيب منه وبدأ فحصه سريعًا، ثم رفع رأسه وقال بلهجة حازمة:لازم يتنقل المستشفي حالاً ...
وقفت هانم امامه ، ليس وقفه ام تخاف علي صغيرها ، بل وقفه امراءه كبير العائله التي خاضت معارك كثيره وتعرف ما يجب عليها ان تفعله ...
رفضت رفض قاطع : لا... شيخ العامريه مش هيرقد في مستشفيات وسيرته وهيبته تبقي علي كل لسان ...
شيخ العامريه هيطيب وهو في قلب داره وسط اهله وناسه ....

نظر اليها الطبيب بتردد قابلت هي نظراته بتصميم وصلابه مما اضطره الي الاذعان لامرها : تمام الكل يطلع بره... حالًا.

ترددت هانم وحور ...
لكن الطبيب أضاف بصرامة: لو سمحتوا... محتاج مساحة أشتغل فيها بتركيز ....
اضطر الجميع للخروج مرغماً ....
وأُغلق الباب خلفه.

ساد الممر صمت ثقيل.
هانم تمسك مسبحتها وشفتيها لا تتوقفان عن الدعاء وقلبها يرتجف خوفاً علي ولدها ...

أما حور...
فكانت واقفة قرب الباب كأنها تحرسه شاحبة الوجه ،عيناها معلقتان بالباب المغلق ....
تمر الدقائق ببطء قاتل.
حتى فُتح الباب أخيرًا وخرج الطبيب وهو يزفر براحه ...

فاندفعت هانم نحوه: طمني يا دكتور ولدي زين ....

تنهد الطبيب قبل أن يقول: الحمد لله... الرصاصتين خرجوا.

زفرت هانم أنفاسها بقوة اما حور لازالت تحبس انفاسها المرتعبة داخل صدرها حتي تراه...

لكن الطبيب أكمل: الإصابة كانت قريبة من أماكن حساسة جدًا في الكتف... والموضوع  ما كانتش سهل...
عاد القلق إلى الوجوه من جديد.

وأضاف: أنا عملت اللازم كله... لكن الأيام الجاية مهمة جدًا.

— يعني لسه في خطر علي حياته ؟ سألها عامر بعبوس.

هز الطبيب رأسه قائلًا: الخطر الأكبر عدى... لكن جسمه فقد دم كتير ومحتاج راحة تامة. اديته أدوية هتخليه ينام لفترات طويله ...

ثم نظر إليهم جميعًا: ممنوع أي انفعال... وممنوع أي إزعاج.

اكتفى الجميع بالإيماء وغادر الطبيب الدار ....

ما إن ابتعد الطبيب...
حتى فتحت هانم باب الجناح ودخلت.
اقتربت من فراش ابنها ،نظرت إلى وجهه الشاحب وإلى الضمادات التي غطت كتفه.
فارتجفت شفتاها ونزلت دموعها دون ارادتها ...
وربتت على شعره بحنان أم لم تستطع إخفاء خوفها وطبعت قبله حانيه فوق جبينه وبعد دقائق خرجت بصمت...

في الخارج ....
وقفت حور وقد تركت مساحه للام مع ابنها وانتظرت خارج الجناح ...

اما سارة تقدمت نحو الباب بخطوات سريعة وقالت بقلق: هدخل أطمن عليه.

لكن قبل أن تصل إليه...
تحركت حور ووقفت أمام الباب مباشرة.
فتوقفت سارة وحدقت بها.
وقالت باستغراب: اوعي انتي واقفه كده ليه ؟؟
أجابتها حور بجمود: محدش هيدخل له دلوقتي.

عقدت سارة حاجبيها وتابعت بغضب: ًوأنا مش حد غريب... هدخل أشوفه دقيقة وأخرج بس لازم اطمن عليه ...
ظلت حور تنظر إليها دون أن تتحرك من مكانها ثم قالت بهدوء شديد: الدكتور قال مش عاوز ازعاج ...

اشتد التوتر في ملامح سارة.
وقالت بحدة: وإنتي مالك أنتي أدخل ولا ما أدخلش؟

ساد صمت قصير ثم جاءت إجابة حور باردة وحاسمة  : مالي؟

رفعت عينيها إليها مباشرة.وأكملت دون أن ترمش: ده  جوزي وانا احق بيه من اي حد.

تجمدت سارة مكانها.
أما حور فأردفت بنفس الهدوء القاسي:وأنا اللي أحدد مين يدخل له ومين لأ.

حور... قالتها هانم بتحذير خافت بعدما خرجت من عند سلطان ...
لكن حور لم تلتفت إليها وظلت عيناها على سارة.
ثم قالت بوضوح أكبر : سلطان تعبان ومحتاج راحة... وأي حد عاوز يطمن عليه يطمن مني انا ...
أما جوه جانبه ومعاه ...فده مكاني أنا.
كان وقع الكلمات أقسى من أي صراخ.
لأنها لم تحمل انفعالًا...
بل حملت حقيقة لم تعد سارة قادرة على إنكارها.
سلطان لم يعد رجلًا كانت تنتظر عودته يومًا بل أصبح زوج امرأة أخرى...
ثبت لها كل يوم انها الاحق به ...
وتقف الآن أمام بابه، وتمنعها من الاقتراب.
................

✦في جناح عامر ....

أغلق عامر الباب خلفه بعنف وهو يدخل الجناح.
ثم خلع سترته وألقاها فوق الفراش ...
كانت علامات الغضب واضحة على وجهه منذ عاد من جناح سلطان.
رفعت ماجدة عينيها عن الهاتف الذي بيدها.
وقالت بهدوء: طمني... الدكتور قال إيه؟

زفر عامر بضيق وقال :الحمد لله عدى منها... بس الرصاص كان قريب من أماكن خطيرة.

هزت رأسها وكأنها تستوعب الأمر.
ثم سألته :عرفت مين اللي عملها؟

سكت عامر لحظة قبل أن يهز رأسه نافياً : 
لا لسه.
تابعت متسالة: مفيش حد شاكك فيه؟

ظل صامتًا لثوانٍ.

ثم قال ببطء : فيه اسم بيلف في دماغي.
اعتدلت ماجدة في جلستها وسالته باهتمام جلي : مين؟

ضاقت عينا عامر بشك واجابها : صبري.

رفعت حاجبيها باندهاش: صبري؟

هز عامر راسه مؤكداً : ايوه هو الوحيد اللي له مصلحه في قتل سلطان ...
لا الغرباويه ولا الدهشورية ليهم مصلحه في قتله ...

ثم أضاف وهو يضغط على أسنانه:
ولو طلع هو...قسماً بالله ما هعديها له ده مهما كان سلطان يبقي اخويا .

ساد الصمت للحظة.
لكن ماجدة لم تبدُ مصدومة كما توقع.
بل قالت بهدوء غريب : لا... أوعى تعمل كده 

التفت إليها عامر باستغراب:يعني إيه ؟

وضعت الهاتف جانبًا وقالت وهي تختار كلماتها بعناية: يعني تفكر الأول.

ازدادت ملامحه تجهماً واضاف باستنكار:
واحد ضرب أخويا بالنار وعاوزاني افكر ؟؟

ابتسمت ماجدة ابتسامة خفيفة وتابعت : أنا مقولتش سيبه.
ثم اقتربت منه قليلًا واضافت بخبث : ضبس متخليش غضبك يضيع مصلحتك.

قطب حاجبيه بعدم فهم : قصدك ايه؟؟
قالت بنبرة هادئة كأنها تذكره بأمر بديهي:
الأرض اللي هتدخل كردون المباني ..

سكت عامر.
فأكملت: الأرض اللي صبري وعدك بيها.
انخفض صوتها أكثر وتابعت تبث سمومها داخل عقله المريض : لو دخلت معاه في حرب دلوقتي... هتضيع منك الأرض.
ثم مالت نحوه قليلًا : وإحنا محتاجينها.

ظل عامر ينظر إليها دون رد.
فواصلت حديثها بنعومة خبيثة: لو هو فعلًا اللي عملها...
يبقى خليه فاكر إنك مش شاكك فيه.
وخد منه اللي إنت عاوزه الأول
وبعدين يبقي لكل حادث حديث!!!!.

فابتسمت ماجدة ابتسامة صغيرة وهي تراقب أثر كلماتها عليه ...
ثم قالت بهدوء: وبعدين يا عامر...
رفع عينيه إليها...
فأكملت تقر حقيقته امام عينيه : من إمتى سلطان كان كل همك بالشكل ده؟

انعقد حاجباه.
لكنها تابعت قبل أن يرد: طول عمرك واقف في ضله ،الكل شايفه هو ،والكل سامع كلمته هو.
وأي حاجة حلوة في الدار كانت بتروح له هو.
انخفض صوتها أكثر بخبث: حتى الحاجات اللي كنت بتحلم بيها...
راحت له زي المشيخه اللي انت احق واحد بيها منه ...

اشتد فك عامر.
فواصلت وهي تنظر إليه مباشرة: النهارده أول مرة أشوفك متعصب بالشكل ده علشانه.
ثم هزت كتفها بخفة وتابعت : يمكن علشان أخوك فعلًا...
ويمكن علشان اللي حصل هيفتح مشاكل إحنا في غنى عنها.

سكتت لحظة ثم قالت الجملة الأخيرة التي تعرف جيدًا أنها ستعلق في رأسه : متنساش يا عامر...
إن سلطان عمره ما خسر حاجة كان نفسه فيها إلا لو كانت أصلًا من نصيبك إنت.
....................

✦ داخل جناح سلطان... ✦

ساد الجناح هدوء عميق...
لا يقطعه سوى صوت حور الخافت وهي تتلو آياتٍ من القرآن الكريم.
كانت جالسة إلى جوار الفراش منذ ساعات.
لم تغادر مكانها إلا قليلًا.
تراقب أنفاسه...
وتراقب ذلك الشحوب الذي غطى وجهه.
وكأنها تخشى أن تغمض عينيها للحظة فيختفي من أمامها.....
أغلقت المصحف برفق ثم وضعته جانبًا.
وأمالت رأسها تنظر إليه.
ظل سلطان مستلقيًا بلا حراك...
غارقًا تحت تأثير الدواء.
ارتجفت شفتاها.
ثم مدت يدها ببطء تتحسس شعره وكأنها تطمئن نفسها أنه ما زال هنا.
اقتربت أكثر... وانحنت تقبل جبينه برقة.
ثم رفعت يده بين كفيها وضغطت شفتيها فوقها وهمست بصوت مبحوح: قوم يا سلطان...
سكتت لحظة.
وقد بدأت الدموع تلمع في عينيها.وتابعت: علشان خاطري قوم.
نظرت إلى وجهه طويلًا.
ثم أطلقت ضحكة صغيرة مرتجفة.: عمرك ما سمعت كلام حد... اسمع كلامي المرة دي.
ازدادت قبضتها حول يده.
وأكملت بصوت خافت: متخضنيش عليك كده.
أنا أول ما شفت الدم مغرق ذراعك حسيت إن قلبي اتسحب مني.
انكسرت نبرتها في آخر الكلمات.
فأخفضت رأسها قليلًا.
ثم همست: إنت متعرفش إنت غالي عندي قد إيه....ولا عمرك عرفت....ولا أنا عمري قلت..
انسابت دمعة على خدها.
لكنها لم تمسحها واستمرت تنظر إليه.: 
من اول ما عرفت يعني ايه حب ، جبيتك ....
من وأنا صغيرة وأنا بستناك.
كل سنة ، كل أجازة.
أول ما أسمع إنك نازل البلد أبقى مستنية أشوفك.
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيها. 
كنت أشوفك من بعيد وانت راكب حصانك...
وبتلف البلد كلها.
وأفضل أراقبك من الشباك استني المحك وانت معدي من قدام دارنا ..
هزت رأسها بخفة.
وكأنها تستعيد تلك الأيام.
— كنت بستنى الأيام اللي تنزل فيها أكتر ما بستنى العيد.
وأول ما ترجع القاهرة...
أفضل أعد الشهور لحد ما تنزل البلد تاني.
سكتت لحظة.
ثم تنهدت ببطء.
— ولما عرفت إن المجلس حكم بجوازنا...
كل الناس كانت فاكرة إني وافقت علشان مكنش قدامي اختيار.
لكن الحقيقة...
إني وافقت علشان العريس كان إنت.
رفعت يده إلى خدها.
وأغمضت عينيها.
— لو كانوا خيروني ألف مرة...
كنت هختارك إنت برضه.
فتحت عينيها من جديد.
ونظرت إليه طويلًا.
ثم قالت بصوت يكاد لا يُسمع: بحبك يا سلطان.
من زمان أوي أكتر ما تتخيل وأكتر مما كنت ناوية أعترف.
اقتربت منه مرة أخرى وقبلت جبينه برفق.
ثم أراحت رأسها قرب يده وهمست: بس ارجعلي...
وأوعدك إني هقولك كل حاجة بنفسي.
لما تفوق.
........................

بعد يومين .....
✦ في إحدى شرفات الدار... ✦
كان الليل قد أرخى سدوله على المكان...
والهدوء يخيّم على أرجاء الدار.
وقفت سارة عند الشرفة تنظر إلى الظلام الممتد أمامها.
لكن عقلها كان أبعد من ذلك بكثير.
صورة سلطان وهو غارق في الدماء لم تفارقها منذ يومين.
ولا ذلك السؤال الذي ظل يطاردها بلا توقف.
من فعلها؟
ومن كان يريد قتل سلطان؟
التفتت عندما سمعت خطوات تقترب.
لتجد عامر يتجه نحوها.
تقدمت نحوه مباشرة.
وقالت دون مقدمات: عرفتوا مين اللي ضرب سلطان؟
هز رأسه نافيًا.:لسه.
ظلت تنظر إليه لثوانٍ.
ثم قالت ببطء: ولو عرفت؟
قطب حاجبيه بعدم فهم :  قصدك إيه؟
 اجابته بحده : قصدي لو طلع صبري...
أو أي حد منكم له يد في اللي حصل.

ساد الصمت لثواني وأكملت وهي تنظر مباشرة إلى عينيه: ساعتها هبلغ عنكم البوليس...
تجمدت ملامح عامر للحظة.
ثم ضحك ...ضحكة قصيرة وخالية من أي مرح وتابع هازئاً : تبلغي عني مره واحده ...
 اومات موافقه : أيوه.

اختفت الابتسامة من وجهه تمامًا.
وحل محلها شيء أكثر قسوة: وإنتِ هتبلغي بصفتك إيه بالظبط؟
عقدت حاجبيها: يعني إيه؟
اقترب منها خطوة وقال بصوت منخفض:
يعني أول ما تروحي للبوليس ....
أنا هروح معاكي.

شعرت بانقباض غريب في صدرها.
بينما أكمل بهدوء مرعب: وهقولهم إنك قتلتي صفوان العامري.
تجمد الدم في عروقها.
واتسعت عيناها بصدمة : إنت اتجننت؟
 هز راسه نافياً : لا ....أنا عاقل جدًا.
 هتف ساره بجنون : إنت عارف كويس اوي إني مقتلتوش.
رفع كتفيه بلا مبالاة : حتي لو عارف ...
ثم مال برأسه قليلًا: بس تقدري تثبتي العكس ؟؟
صمتت.
فأكمل: انا ابنه واخر واحد شافك وانتي خارجه من عنده بتتلفتي وراكي ومرعوبه وبعدها دخلت عليه لقيته مات...
صمت لثواني يراقب تباين الانفعالات علي وجهها وتابع :  وأي تحقيق هيبدأ...
هيبدأ من عندك انتي ....
ازدادت أنفاسها اضطرابًا.
بينما كان هو يتحدث بمنتهى البرود: وأنا وقتها هأكد لهم شكوكي.
وصدقيني... هتبقي أول متهمة في القضية.
نظرت إليه وكأنها تراه لأول مرة.
لأول مرة حقًا.
لم يعد ذلك الرجل الذي يتحدث بابتسامة دائمة ويراه الجميع وجه للطيبة ...
بل شخص آخر...
أكثر ظلامًا مما تخيلت.
همست بذهول: إنت بتهددني؟
ابتسم ابتسامة باردة: لا.
أنا بفكرك بس بالوضع اللي إنتِ فيه.
ثم اقترب خطوة أخيرة.
وقال بصوت يكاد لا يسمع:
— من مصلحتك تفضلي ساكتة.
ومتسأليش أسئلة كتير.
ومتدخليش نفسك في حاجات أكبر منك.
شعرت سارة برعشة تسري في جسدها.
أما عامر فاستدار مغادرًا.
لكنه توقف قبل أن يبتعد. وقال دون أن يلتفت إليها: نصيحة مني خليكي فاكرة دايمًا إن روحك في ايدي ...
ثم رحل.
وبقيت سارة مكانها.
تحدق في الفراغ أمامها.
للمرة الأولى منذ دخلت دار العامرية...
شعرت أنها ليست محاصرة بجدران الدار.
بل محاصرة بعامر نفسه.
...........................

✦ داخل جناح سارة... ✦
أغلقت سارة باب جناحها خلفها.
كانت لا تزال مضطربة بعد حديثها مع عامر.
ألقت الهاتف فوق الفراش.
ثم جلست تحاول ترتيب أفكارها.
لكن الهاتف بدأ يهتز فجأة.
نظرت إلى الشاشة فتجمدت ملامحها.
صبري.!!!!!!!
ترددت للحظات ثم أجابت المكالمة.: ألو.
جاءها صوته سريعًا: أخيرًا رديتي بقالي يومين بتصل بيكي تليفونك مقفول ..
أغمضت عينيها بضيق:  خير؟
— أخبار حور إيه؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم ضحكت سارة بسخرية مريرة : تفتكر ممكن تكون عامله ازاي في وضع زي اللي احنا فيه ده...
جاءها صوته ببرود: سلطان عايش ولا مات؟
اجابته بهدوء : الحمد الله عايش.
هسهس بنبره مغلوله: زي القطط بسبع ارواح ...
قبضت على الهاتف بقوة وسالته : بتقول ايه؟؟
بينما أكمل : قوليلي حور عاملة إيه.
تنهدت سارة بضيق. زي ما هي.
صبري بنفاذ صبر : يعني ايه زي ما هي ما تقولي بالتفصيل هو انا هسحب منك الكلام بالغصب ....

ساره بعصبيه: بذكاءك كده هتكون عامله ازاي وجوزها راقد من يومين بين الحياه والموت ....
وعلشان ترتاح حور ملزماه بقالها يومين ما اتحركتش من جنبه ولا بتسمح لحد يدخل عليه غير امه واخوه ، ارتحت كده ؟؟؟

ثم تغير صوته فجأة لنبره بدت لها مخيفه : 
يعني ايه الكلام ده ....
نظرت سارة إلى السقف بملل من غباؤه : مراته يا صبري... المفروض تعمل إيه؟
جاءها صوته حاداً صارخاً بهوس : متقوليش مراته.
أغلقت عينيها بقوة.
فأكمل بغضب: أنا سألتك سؤال.
ساره بنفاذ صبر : وأنا جاوبتك.
سكت لحظة.
ثم قال : لازم تبعديها عنه.
اعتدلت سارة في جلستها: أبعدها إزاي ان شاء الله ؟؟
صبري ببرود: دي مشكلتك.
ساره باستنكار : مشكلتي؟
ارتفعت نبرتها وتابعت : إنت فاكر إني أقدر أمنعها تقعد مع جوزها؟
صبري بلامبالاه : لازم تلاقي طريقة..
ساره بعجز : ازاي؟—
صبري بلا اكتراث: اتصرفي ....
اشتعل غضبها وهدرت فيه : كفاية بقى!
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت بحدة: إنت مش شايف إن اللي حصل لسلطان أهم من حور دلوقتي؟
جاءها رده فورًا: لا.
تجمدت.
فأكمل دون تردد: أهم حاجة عندي حور.
سلطان ده ما يفرقش معايا ...
شعرت بقشعريرة باردة تمر في جسدها.
بينما تابع: وكل يوم بيقربها من سلطان أكتر بيصعب كل حاجة.
سخرت ساره بمراره: وهي أصلًا قريبة منه.
لكن صبري تجاهلها وأردف: اسمعي كلامي كويس.
لازم تلاقي أي طريقة تبعدها عنه.
أي طريقة.
ظلت صامتة.
فأضاف بنبرة أقل حدة لكنها أكثر خطورة:
ومتخلينيش أكرر كلامي تاني.
ثم أغلق الخط.
بقيت سارة تنظر إلى الهاتف لثوانٍ طويلة.
قبل أن تلقيه فوق الفراش بعصبية.
ولأول مرة...
شعرت أن صبري لم يعد مجرد رجل عنيد يرفض خسارة حور.
بل رجل بدأ يتحول إلى هوسٍ خطير.
هوس قد يدمر كل من يقف في طريقه.
........................

✦ في جناح سلطان ✦

مر يوم...
ثم يوم ثانٍ...
ولا يزال سلطان حبيس ذلك الغياب الطويل.
يفتح عينيه أحيانًا لدقائق معدودة...
ثم يعود للنوم من جديد.
أما حور...
فلم تغادر الجناح إلا للضرورة.
حتى الخدم بدأوا يتهامسون بأن زوجة سلطان لم تترك فراشه منذ عاد مصابًا.
في تلك الليلة...
كان السكون يملأ الجناح.
جلست حور إلى جواره كعادتها.
تقرأ ما تيسر من القرآن بصوت خافت.
ثم أغلقت المصحف برفق.
ونظرت إليه.
بدا شاحبًا...
لكن حرارته عادت طبيعية أخيرًا.
فزفرت أنفاسها بارتياح.
ومدت يدها ترتب خصلات شعره المبعثرة عن جبينه.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة : خوفتني عليك ....بحبك يا سلطان ...
همست بها دون وعي.
لكن الإرهاق كان أقوى منها 
فما هي إلا دقائق...
حتى غلبها النعاس فالنوم لم يزور عينها منذ يومين ....
أسندت رأسها علي كتفه السليم و يدها ممسكة بيده.

في مكانٍ ما بين النوم واليقظة...
بدأ سلطان يستعيد وعيه ببطء.
كانت رأسه تؤلمه.
وجسده كله ثقيلًا بصورة لم يعهدها.
حاول فتح عينيه.
ففشل.
لكن عقله بدأ يلتقط أشياء متناثرة...
كلمات...
وأصوات...
وهمسات بعيدة.
"قوم يا سلطان..."
"علشان خاطري..."
"بحبك يا سلطان..."
انعقد حاجباه قليلًا.
كأن عقله يحاول الإمساك بتلك الكلمات الهاربة.
ثم عاد الصوت من جديد...
واضحًا هذه المرة.
"لو كانوا خيروني ألف مرة...
كنت هختارك إنت برضه."
حور...!!!!
كان متأكدًا أن الصوت صوتها أو هكذا ظن
حاول أن يفتح عينيه لكن الظلام سحبه من جديد.

بعد وقت لا يعرف مقداره...
نجح أخيرًا في فتح عينيه.
ببطء شديد.
كانت الرؤية ضبابية في البداية.
ثم بدأت الأشياء تتضح تدريجيًا.
السقف...
الغرفة...
والفراش.
ثم وقعت عيناه عليها.
حور.
كانت نائمة بجواره مستنده علي كتفه وتمسك يده بقوه رغم نومها ....

ظل ينظر إليها بصمت طويل.
ثم انتقل ببصره إلى أصابعها المتشابكة مع أصابعه.
وتوقفت أنفاسه لحظة.
عندما عادت الكلمات إلى رأسه مرة أخرى.
"بحبك يا سلطان..."
أغلق عينيه لثانية ثم فتحهما من جديد.
كأنما يتأكد من شيء.
ولأول مرة منذ أفاق...
ارتسم شيء يشبه الابتسامة الخافتة على طرف شفتيه.
ابتسامة صغيرة جدًا...
لكنها كانت كافية.
كافية لتخبر أن الكلمات لم تضيع في غيابه كما ظنت صاحبتها.
بل وصلت إليه كاملة وحفظها عن ظهر قلب .

 حاول الاعتدال قليلاً لكنه شعر  بألمٍ حاد في كتفه لكنه تجاهله.
اعاد نظره اليها وهي نائمه ، انفاسها الساخنه تلفح جانب عنقه وصدره العاري ملامحها الهادئه ، رموشها الكثيفه التي تحيط بواحتيها الخضراء، فمها الصغير المنفرج قليلاً ...
و خصلات شعرها التي كانت  منسدلة علي جانب وجهها.
وآثار الإرهاق واضحة على ملامحها.
ظل يراقبها بصمت طويل.
صمت رجل رأى شيئًا لم يكن يراه من قبل.
ثم رفع يده السليمة ببطء.
وبمجهود واضح.
وأزاح خصلة الشعر التي غطت وجهها.
برفقٍ لم يعتده على نفسه.

شعرت حور بالحركة فرفرت بأهدابها ثم فتحت عينيها مره واحده ورفعت رأسها فجأة .
وللحظة...
ظنت أنها تحلم لكن عينيه كانتا مفتوحتين.
وينظر إليها بابتسامة هادئه رغم التعب البادي علي ملامحه....
اتسعت عيناها.
وهمست بعدم تصديق: سلطان...
لم يجب ظل ينظر إليها فقط مبتسماً وكأنه يستوعب وجودها أمامه.
فامتلأت عيناها بالدموع فورًا وهمست بلوعه وهي تلمس ذقنه باناملها المرتجفه : سلطان .....إنت فقت اخيراً ...
الحمد لله... الحمد لله يا رب.
حاولت الوقوف.
لكن سلطان شد على أصابعها بخفة.
فتجمدت مكانها.
ونظر إليها طويلًا.

ثم قال بصوتٍ مبحوح: رايحة فين؟
ابتلعت غصتها سريعًا : هروح أناديهم... أقولهم إنك فوقت.
هز رأسه ببطء: لا...مش عاوز أشوف حد دلوقتي.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم أضاف وهو يغمض عينيه من أثر الألم:
— خليهم بعدين.
عادت للجلوس دون اعتراض.
وبقيت تنظر إليه وكأنها ما زالت تخشى أن يغيب عنها مرة أخرى.
أما هو فظل صامتًا قليلًا.
قبل أن يسأل: أنا بقالي كده قد إيه؟
 حور وهي تملي عينيها من ملامحه : بقالك يومين.
انعقد حاجباه : يومين كاملين؟
اجابته بخفوت : أيوه.
زفر ببطء ثم التفت إليها وسالها :  وانتي؟
رفعت عينيها إلي عينيه :  أنا إيه؟
سلطان بفضول : كنتِ فين اليومين دول؟
حور بتلقائية: هنا طبعاً ....
سلطان : هنا فين؟
حور بابتسامة عاشقه : هنا... جنبك.
صمت يتطلع اليها ...
أما هي فأكملت دون أن تنتبه لنظرته: عيني ما غفلتش عنك لحظه ، بتابع درجه حرارتك ، مواعيد الادويه ، المحاليل بتاعتك ، كل حاجه .

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة : وأقعد اراقبك وأستنى تفتح عينك في اي لحظه .
ظل سلطان ينظر إليها دون أن يتكلم.
كأن الإجابة لم تكن ما توقعه.
أو ربما كانت أكثر مما توقع.
فقال بعد لحظة:طول اليومين ما نمتيش ؟؟
هزت رأسها: تقريبًا.
— ليه؟ خرج السؤال هادئًا...
لكنه جعلها تتوقف.
وكأنها لم تفكر في السبب أصلًا.
نظرت إليه بدهشة خفيفة.
ثم قالت: لان ده دوري ، انا مراتك ...—

لم يعرف لماذا هذا الشعور ؟؟
لكن شيئًا تحرك داخله عند تلك الجملة البسيطة.
فأشاح بصره عنها للحظة.
قبل أن يعود إليها مرة أخرى.
وقال بصوت أخفض: كان ممكن حد يساعدك 
كان فيه أمي... وعامر... والخدم ...
ابتسمت ابتسامة باهتة: كل دول مش انا ..
انا لازم اكون جانبك في الصعب قبل السهل 
في المر قبل الحلو ...
ارتبكت فور أن خرجت الكلمات من فمها.
وأخفضت عينيها سريعًا.
أما سلطان...
فشعر أن قلبه توقف لحظة.
وعادت إلى رأسه تلك الهمسات التي سمعها بين الغياب واليقظة.
فطال صمته.
حتى ظنت أنها أخطأت.
لكنها فوجئت به يقول: شكلك تعبانة.
رفعت رأسها.
فوجدته يتأمل وجهها.
الهالات السوداء أسفل عينيها.
وشحوبها الواضح.
فأكمل بهدوء:روحي ارتاحي  شوية.
هزت رأسها فورًا: لا مش عاوزة أنام ، انا ما صدقت انك فوقت ...
سلطان بحنان : انتي صاحيه بقالك يومين سهرانة جنبي ...
ابتسمت رغمًا عنها وتابعت بمشاكسه :ما انت بقالك يومين نايم يعني نمت ليا وليك..
لأول مرة...
ظهر على وجه سلطان ما يشبه الابتسامة الخفيفة.
ثم قال: عنيدة.
ضحكت حور ضحكة صغيرة خرجت ممزوجة بالدموع.
فبقي ينظر إليها.
صامتًا هادئًا.
بنظرة لم تعهدها منه من قبل.
نظرة جعلتها تشعر بشيء غريب يرتبك داخلها...
دون أن تعرف أن صاحبها سمع منذ يومين كلامًا لم يكن من المفترض أن يسمعه.

وبينما كانت حور تحاول التهرب من نظرته...
وقعت عيناه على الصينية الموضوعة فوق الطاولة القريبة.
كما هي لم يمسها أحد.
فعقد حاجبيه ثم سأل:ده اكلك ؟؟

التفتت إلى حيث ينظر : اه ...
سال مستغرباً : وإيه اللي مخليها زي ما هي؟
ترددت لحظة ثم قالت: ماليش نفس.
انتقل بصره من الصينية إليها.
ثم عاد إلى الصينية مرة أخرى.
كأنه يستوعب الإجابة.
وبعد ثوانٍ قال: وأنا بقى ليا نفس.
رفعت رأسها إليه بسرعة.
فوجدته ينظر إليها بهدوء.
وأكمل: وحاسس إني جعان.
اتسعت عيناها قليلًا.
ثم نهضت فورًا.
وكأن أحدًا أعاد الروح إلى جسدها.
أمسكت الصينية بسرعة.
وجذبت المقعد بالقرب من الفراش.
ثم جلست أمامه.
وأخذت الملعقة بين أصابعها.
قبل أن تتوقف فجأة وقالت بتردد: تسمح لي آكلك بايدي...

نظر إليها سلطان لثانية ثم هز رأسه موافقًا.
دون اعتراض : بس بشرط تاكلي معايا..
ابتسمت ابتسامة صغيرة متفاجئة وهمت لن تعترض الا انه حذرها بنظراته فاومأت له باذعان ....
ثم بدأت تطعمه ببطء، معلقه خلف الاخري 
وكان هو يطيعها بهدوء لم تعهده منه.
لكن المشكلة لم تكن في الطعام.
بل في نظراته.
فكلما رفعت عينيها...
وجدته ينظر إليها.
نظرة طويلة.
هادئة.
وكأنه يراها للمرة الأولى.
فتخفض بصرها مرتبكة.
وتنشغل بالطبق من جديد.
لكنها ما تلبث أن ترفع عينيها...
فتجده ما زال ينظر.
فازداد ارتباكها أكثر.
حتى احمر وجهها دون أن تشعر.
أما سلطان...
فكان يراقب كل تفصيلة.
طريقة حديثها.
طريقة إمساكها بالملعقة.
وذلك القلق الذي يظهر في عينيها كلما سعل أو تألم.
وأدرك أنه طوال الفتره الماضية...
لم يحاول يومًا أن يتأملها فعلًا.
ولم يحاول أن يعرفها.
أما الآن...
فكان يكتشف امرأة مختلفة تمامًا عن تلك التي ظن أنه يعرفها.
انتبهت حور فجأة إلى أنه توقف عن الأكل.
فقالت بقلق:تعبان؟؟
هز رأسه نافيًا.
وظل ينظر إليها لثوانٍ.
ثم قال بهدوء:لا.
ازدادت حيرتها: أمال في ايه؟؟
سكت لحظة ثم قال:في انك عماله تاكليني وانتي مكالتيش اي حاجه ...
ابتسمت بحلاوه فلمع خضار عينيها وهزت راسها بخجل ...
سلطان بخفوت : يالا علشان يبقي عيش وملح ...
شعرت بقلبها يخفق بجنون حتي خشيت ان يسمع سلطان صوت دقاته القويه ...
وبخجل شديد واصابع مرتجفه اخذت ملقعه طعام واخذت تلوكها داخل فمها ببطءٍ خجل .
ثم عادت الي اطعامه مره اخري وهي تتجنب النظر اليه ...
لكن هو نظرته بقيت معلقة بها.
كأن هناك شيئًا يريد قوله...
ولا يعرف كيف يقوله.
فانخفضت عينا حور إلى الطبق مرة أخرى.
بينما أخذ قلبها يدق بسرعة أربكتها.
لأنها لم تعتد أبدًا...
أن ينظر إليها سلطان بهذه الطريقة.

انتهت حور من إطعامه أخيرًا.
فأخذت الصينية لتعيدها إلى الطاولة.
ثم عادت وجلست أمامه.
تراقب وجهه بحذر.
وكأنها ما زالت تخشى أن يختفي منها إذا أبعدت عينيها عنه.
أما سلطان فظل صامتًا للحظات.
ثم قال بهدوء:
— شكرًا.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.:على إيه؟
ابتسم سلطان بهدوء: على كل حاجة.
ارتبكت قليلًا.
وقبل أن تجد ردًا...
فوجئت به يمد يده السليمة نحوها.
ويتناول يدها يمسكها برقه ...
تجمدت مكانها واتسعت عيناها بدهشة.
أما هو...
فرفع يدها ببطء ووضع قبلة هادئة فوق أصابعها.
قبلة قصيرة...رقيقة على غير عادته ..
جعلت أنفاسها تختل للحظة.
 ظل محتفظاً بيدها بين يده لثواني ثم تركها 
وكأن شيئًا لم يحدث.
وقال ببساطة:محتاج أنام شوية.
ظلت تنظر إليه لثوانٍ غير قادرة على استيعاب ما حدث.
ثم هزت رأسها سريعًا.
وقامت تعدل الوسائد خلف ظهره.
وتساعده على الاستلقاء براحة.
حتى استقر فوق الفراش.
وأغمض عينيه قليلًا.
قبل أن يفتحهما مجددًا.
وينظر إليها : وانتي كمان نامي.
قالتها تلقائيًا: هنام هنا.
وأشارَت إلى المقعد القريب كما اعتادت منذ يومين ...
لكن سلطان هز رأسه نافياً بحسم :لا.
عقدت حاجبيها بعدم فهم :  لا ليه؟
— عشان الكرسي  ده مش معمول للنوم.
ابتسمت بخفة: اتعودنا علي بعض من يومين 

سلطان بهدوء حاسم : وده سبب أكبر يخليكِ متناميش عليه تاني.
سكتت.
أما هو فأشار إلى المساحة الخالية بجواره على الفراش.
وقال بهدوء: نامي هنا.
تجمدت مكانها فورًا وارتعش جسدها وتابعت يتفاجئ: هنا؟
اجابها بهدوء وكانه امر معتاد عليه : أيوه.
بس .....ظهر شيء من الحرج على وجهها واكملت : لا طبعًا.
رفع حاجبه : ليه؟
ازدادت ارتباكًا: يعني...كده مينفعش.
ظل ينظر إليها لثوانٍ.
ثم قال بهدوء حاسم: يا تنامي هنا...
يا إما أنا مش هنام.
رمشت بدهشة: سلطان ... انت بتقول ايه؟؟سلطان بهدوء وتعب : اللي سمعتيه.
ثم أغلق عينيه.وأضاف بصوت خافت:ومش عاوز مناهده انا تعبان ...
وقفت حور تنظر إليه عاجزة عن الرد.
بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت.
كأنه يعرف مسبقًا...
أنها لن تتركه مستيقظًا مهما حدث.
ولأول مرة منذ عرفته...
فتحركت حور الي للناحيه التانيه من طرف الفراش واضجعت عليها وهي تكاد تذوب من الخجل وهي تنظر الي وجهه هادي الملامح .
وشعرت أن سلطان الذي أمامها ليس هو نفسه سلطان الذي تزوجته.
أما هو...
فكان يشعر للمرة الأولى منذ زمن طويل...
أن وجودها إلى جواره أصبح شيئًا مهماً يحتاجه فعلًا بقوه ...
.............................

تعليقات