رواية اسيرة الغريم الفصل العاشر
ما إن خرجت من باب المستشفى الخلفي حتى وجدت نفسها في شارع موحش، يلفه السكون ، وينيره القليل من ضوء القمر الشاحب المنعكس فوق الأسفلت الرطب.
انتفض جسدها فجأة عندما شق الصمت نباح مجموعة من الكلاب الضالة المنتشرة في أرجاء الشارع، تسارعت أنفاسها.
وأحكمت قبضتها على العكاز المعدني، ثم أسرعت تتحرك بأقصى ما تستطيع، متحملة الألم الذي ينهش قدمها المصابة، باحثة عن أي اتجاه يقودها إلى الطريق الرئيسي.
وفي الجهة الأخرى من الشارع... يوجد مجموعة من الشباب تقف متحلقة حول بعضها، يتبادلون السجائر المحشوة بالمخدرات، يدور بينهم حديث صاخب وضحكات مرتفعة.
وقعت عين أحدهم عليها من بعيد، فحدق بها لثوان قبل أن يقول لرفاقه ساخرًا:
— مين الواد ده يا جماعة اللي عمال ينط زي أبو قردان؟
انفجر الآخرون بالضحك، رد أحدهم وهو يلوح بيده باستخفاف:
— هتلاقيه عيل من العيال المتشردة اللي بيقعدوا يدوروا في الزبالة.
وصلت ضحكاتهم إلى مسامعها، فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، وأدركت في تلك اللحظة أن الكلاب التي أرعبتها منذ قليل أهون عليها من الاقتراب من هؤلاء.
داهمها إحساس قاس بالوهن، فهي لم تتناول طعامًا طوال اليوم، ويكفيها ما مرت به من مصائب متلاحقة منذ الصباح.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم همست لنفسها محاولة بث الشجاعة في قلبها:
— اجمدي يا نور... كلها كام متر وتوصلي على الطريق.
لكن كلماتها لم تمنحها الطمأنينة التي أرادتها، إذا بها شعرت فجأة بصوت خطوات تقترب منها، توقفت مكانها، وتجمدت للحظة، تحاول التأكد مما تسمعه ودعت ربها في سرها ألا يكون أصحاب تلك الخطوات هم أنفسهم أولئك الشباب.
شددت قبضتها على العكاز، فجأة شهقت عندما امتدت يد احدهم وانتزعته منها.
اختل توازنها وكادت تسقط فاستندت بأعجوبة علي الجدار المجاور لها، جاءها صوت ثقيل تنبعث منه رائحة العبث والاستهتار:
— إيه يا نجم؟، ينفع تعدي كده من غير ما ترمي السلام؟
ومن نبرة صوته، ومن ضحكاته المتقطعة، أدركت أنهم ليسوا في كامل وعيهم، أغمضت عينيها للحظة ولعنت حظها آلاف المرات.
كلما نجت من مصيبة... وجدت نفسها أمام أخرى أشد قسوة، قال شاب آخر وهو يضحك:
— ما تمشي كده يا عم و فرجنا علي مشية أبو قردان.
تعالت الضحكات من جديد، ثم قال ثالث بسخرية:
— إيه ده يا جدعان شكله زعل، وأنا ما يرضنيش زعل أبو قردان، تعالي يا سطى... هات راسك ابوسها.
وما إن اقترب منها حتى باغتها، مد يده وأزاح القلنسوة عن رأسها، في اللحظة التالية...خفتت الضحكات فجأة.
واتسعت أعين الجميع، وانطلقت منهم شهقة متزامنة:
— بت!
شعرت بالخطر يتضاعف في لحظة،
فتراجعت للخلف بسرعة، مستندة علي الجدار، تعلم أن الحديث معهم لن يجدي نفعًا.
فالعقول الغائبة لا تسمع صوت المنطق،
ولا تفهم سوى ما تمليه عليها نزواتها.
اقترب أحدهم منها وأمسك بذراعها قائلًا بسخرية ثقيلة:
— رايحة على فين يا قطة؟، ده إحنا لازم نوجب معاكي ونتأسفلك كمان... ولا إيه رأيكم يا رجالة؟
جاءه صوت الباقين في آن واحد:
— أيوه... طبعاً نتأسف.
وتقدم آخر نحوها بعينين أثارتا الرعب في نفسها، وقال ضاحكًا:
— ولاه يا كيمو، سيبني أتأسف أنا الأول.
دفعت يد الرجل الذي كان يقبض على ذراعها بكل ما أوتيت من قوة، وصاحت:
— ابعد عني يا حيوان إنت وهو.
لكن كلماتها لم تزدهم إلا استهزاء، فأمسك أحدهم بذقنها قسرًا بازدراء:
— بت... إنتِ صدقتي نفسك ولا إيه؟
ثم تبادل نظرة ذات مغزى مع أحد رفاقه الواقفين خلفها، وفي لحظة خاطفة، فاجأها الذي يقف خلفها بحملها من خصرها وقام آخر بتكميم فمها وأمرهم الأول:
– اتصلوا بالولاه عبده خليه يجيب التوكتوك و يجي، قولوا له عندنا حفلة الليلة دي.
فجأة، وقبل أن تستوعب نور ما يحدث حولها، شعرت بالشاب الذي كان يحملها يترنح، ثم تركها بغتة إثر ضربة قوية تلقاها على رأسه، ليسقط أرضًا أمامها. وفي اللحظة التالية، وجدت نفسها وسط مشهد لم تتوقعه؛ فالشباب الآخرون يتلقون الضربات من كل اتجاه، بينما تعالت أصوات الاشتباك، واختلطت صرخات الألم بوقع الأقدام المتلاحقة.
اتسعت عيناها في ذهول، والتفتت حولها بخوف وارتباك، تحاول فهم ما يحدث، حتى وقعت عيناها عليه، يقف أمامها بملامحه الصارمة ونظراته التي لا تخطئها العين، بينما كان جسار ورجاله يتولون أمر أولئك الشباب، ويلقنونهم درسًا قاسيًا لن ينسوه بسهولة.
ابتلعت ريقها وهي تتفوه بحروف اسمه:
- صفوان!
تراجعت إلى الخلف في فزع تملكها خوف مضاعف، خاصة أنها لم تكن قادرة على الوقوف بصورة طبيعية؛ فقد كانت ساقاها بالكاد تحملانها، وأصبحت حركتها أشبه بالقفز المتعثر، لا بالمشي.
لم يمهلها صفوان وقتًا طويلًا، بل انحنى وحملها بين ذراعيه بحركة حاسمة، وكأن اعتراضها أمر لا يعنيه.
انتفضت بين ذراعيه، وحاولت الإفلات منه، قائلة بصوت مضطرب:
ـ لو سمحت، نزلني!
حاولت أن تنزل بنفسها، إلا أنه ألقى عليها نظرة حادة جعلتها تتجمد في مكانها، نظرة واحدة كافية جعلتها تبتلع اعتراضها، وانكمشت بين ذراعيه في صمت، بينما واصل هو سيره دون أن ينظر إليها أو هكذا تظاهر.
بينما جسار قد انتهى ورجاله من التعامل مع أولئك الشباب الذين حاولوا التحرش بنور؛ فقد أصبحوا جميعًا ممددين على الأرض، عاجزين عن الحركة بعد أن تلقوا من الضربات ما جعلهم غير قادرين حتى على النهوض.
ظل صفوان يحمل نور حتى بلغ السيارة، بينما أسرع جسار خلفه، وما إن وصلا حتى بادر جسار بفتح الباب الخلفي للسيارة، فأدخل الأخر نور أولًا، ثم استقل المقعد المجاور لها.
❈-❈-❈
كانت نور تجلس متيبسة في مكانها، لا تكاد تجرؤ على رفع عينيها إليه، الخوف والتوتر يعقدان لسانها، حتى بدت وكأنها فقدت القدرة على النطق تمامًا.
ألقى صفوان نظرة جانبية عليها، فازداد انكماشها، وضمت جسدها إلى نفسها بتوتر، كأنها تحاول الاحتماء من وجوده بالقرب منها.
زفر بنفاد صبر، ثم قال بنبرة غاضبة تحمل شيئًا من التحذير:
ـ تعرفي لولا إن إحنا لحقناكي، كان حصل فيكي إيه؟!، شوية عيال شمامين وبلطجية، تخيلي كانوا عملو معاكي إيه؟!
هزت رأسها وانهمرت دموعها من عينيها بصمت فوق وجنتيها، عاجزة عن الرد أو حتى الدفاع عن نفسها.
راقبها للحظات ثم عاد يسألها بحدة، وقد بدا الغضب واضحًا في نبرته:
ـ بتهربي ليه؟! شوفتي مني إيه مخوفك كده لدرجة إنك كنتي هتودي نفسك في داهية؟!
رفعت عينيها إليه من بين دموعها، وحاولت أن تتماسك، لكن صوتها خرج متهدجًا، مثقل بالوجع:
ـ معرفش... وماتسألنيش.
وما إن وقعت عيناه على دموعها، حتى تبدل شيء خفي في داخله، كان الألم المرتسم على ملامحها أقوى من أن يتجاهله، وجعها تسلل إلى قلبه، حيث
شعر بوخزة مباغتة في صدره، فأشاح بوجهه عنها، وأطلق زفرة طويلة قبل أن يقول بنبرة أكثر هدوءًا:
ـ أهلك مستنينا دلوقتي، أنا عرفتهم إنك نزلتي عشان مخنوقة من اللي حصل، وإن أنا لما نزلت شوفتك وطلبت منك نقعد مع بعض في مكان هادي نتكلم قبل كتب الكتاب، وإنك وقعتي على رجلك وروحنا المستشفى ورجلك اتجبست، ودلوقتي هانروح لمشوار صغير وبعدها هانرجع للحارة.
تستمع إليه بعينين كادتا تخرجان من محجريهما فرط دهشتها!
لم تصدق ما تسمعه؛ فالرجل لم يكتفِ بإنقاذها، بل رسم أمام أهلها رواية كاملة، وأحكم ترتيب تفاصيلها، وحدد وجهتهم التالية، وكأن كل شيء يسير وفق خطة وضعها مسبقًا، وهي مجرد قطعة شطرنج بين أصابعه يتحكم في تحركاتها دون أن يمنحها حق الاعتراض.
وما إن انتهى من حديثه، حتى انفجرت باكية، وقد امتزج غضبها بقهرها فصاحت في وجهه:
ـ ومين قالك إني عايزة أرجع الحارة ولا بيتنا؟! ولا حتى هوافق عليك؟! ممكن تسيبني في حالي أنت وأهلي؟ اعتبروني مُت....
اشتد فكه وجزّ على أسنانه بغضب عارم، حتى إن ملامحه ازدادت تجهمًا، وكانت نظرته كافية لتجعلها تكف عن الحديث فورًا، وتبتلع ما تبقى من كلماتها.
لم يرد عليها، بل تحرك قليلًا وفتح النافذة المجاورة له، ثم التفت إلى جسار الذي كان يقف بالخارج في انتظار تلقي أوامره.
أشار إليه بيده، فاقترب جسار من النافذة، منتظرًا ما سيطلبه منه،فاخبره الأخر بنبرة عملية، وقد استعاد هدوءه المعتاد:
ـ معلش يا جسار، روح إنت على الحارة لأهل نور وكلم المأذون و خليه يسبقنا علي القاعة.
أومأ جسار باحترام، وأجابه على الفور:
ـ تمام يا باشا.
ابتعد عن السيارة، ثم اتجه نحو السيارة الثانية واستقلها، لتنطلق بعد لحظات، بينما بقي صفوان في مكانه إلى جوار نور التي تراقب ما يحدث بعينين قلقتين، وقد بدأت تدرك أن وجهتهم لن تكون الحارة كما أوهمها حديثه منذ قليل. انتابها توتر شديد، وشعرت بأن ثمة أمرًا يُدبّر من خلف ظهرها، فالتفتت إليه بتردد، وسألته بصوت خافت يغلب عليه الخوف:
ـ إحنا رايحين فين؟
وفي لحظة خاطفة، انقلب التجهم الذي كان يكسو ملامحه إلى ابتسامة غامضة، ابتسامة لم تحمل لها أي قدر من الطمأنينة، بل زادت توترها، لا سيما حين أجابها باقتضاب، وعيناه تستقران عليها بثبات:
ـ دقايق وهتعرفي بنفسك.
تعلقت عيناها بملامحه، وقد تسلل إلى قلبها إحساس ثقيل بأن القادم لن يكون كما تتمنى، وأنها على وشك مواجهة مفاجأة لم تستعد لها... بينما ظلت ابتسامته الغامضة تثير في نفسها من الأسئلة أكثر مما تمنحها من إجابات.
❈-❈-❈
دوى طرق عنيف على الباب، طرقات متلاحقة علي باب منزل عمرو الذي قد خرج لتوّه من الحمام، مرتديًا المعطف القطني، وما إن سمع الطرقات حتى اتجه نحو الباب بخطوات متعجلة، لا يدري أي مفاجأة تنتظره خلفه.
وما إن فتحه حتى وجد حماته تقف أمامه، وقد بدت على ملامحها أمارات الغضب والإنهاك، اندفعت إلى الداخل دون انتظار دعوة، ثم التفتت إليه، وما إن استوعبت ما كان قد حدث بينه وبين ابنتها حتى انفجرت في وجهه بكلمات محملة بالقهر والعتاب:
ـ الدنيا تحت مقلوبة يا عمرو وأخو مراتك مختفي ومش لاقيينه، وإنت قاعد هنا مع الهانم بنتي هايصين ولا على بالكم!، وأنا قلبي بيتحرق على ابني، اللي مش عارفة هو فين ولا حصله إيه!
قطب حاجبيه ونظر إليها في حيرة، محاولًا استيعاب سيل الكلمات الذي انهمر فوق رأسه دون سابق إنذار، ثم قال بنبرة هادئة، وإن بدت عليها علامات التوتر:
ـ اهدي يا خالتي، أنا مش فاهم أي حاجة من اللي إنتِ بتقوليه ده!
وفي اللحظة ذاتها، ظهرت والدته عند مدخل باب المنزل الذي مازال مفتوحاً، وذلك بعد أن وصل إلى مسامعها صوت الصراخ والحديث المتداخل.
نظرت إلى ابنها بملامح متجهمة، ثم سألته بلهجة امتزج فيها الاستنكار بالقلق:
ـ هو يا عمرو اللي سمعناه في الحارة ده صح؟!
استدار إليها ابنها وردّ مستفهمًا:
ـ في إيه يا أمي؟ أنا مش فاهم حاجة!
تنفست والدته بعمق، ثم بادرت إلى إخباره بما حدث، وكأنها تحاول ترتيب الوقائع المتلاحقة في كلمات مفهومة:
ـ مؤمن بعت ورقة طلاق لنور وأُغمي عليها، أخواتها خدوها وطلعوا على شقتهم، وفجأة لقينا عربية صفوان بيه ورجالته، وطلع فوق ونزل تاني، وسيد وأصحابه نزلوا يدوروا عليها، وبعد كده عرفنا منهم إنها هتتجوز صفوان بيه!
تجمدت ملامح أم مؤمن، واتسعت عيناها في ذهول، وكأن الكلمات الأخيرة لم تجد طريقها إلى عقلها بعد.
أخذت تردد بصوتٍ خافت، تغلفه الحسرة والصدمة:
ـ تتجوز؟! تتجوز؟!
لم تكن الكلمة مجرد خبر عابر بالنسبة إليها، بل بدت وكأنها صفعة أخرى تُضاف إلى سلسلة المصائب التي تلاحقها.
فابنها غائب لا تعرف له طريق، وزوجته التي تركها بورقة طلاق صارت على أعتاب زواج جديد، بينما هي تقف عاجزة أمام ما يحدث، لا تملك سوى أن تراقب انهيار كل شيء من حولها.
نظرت إليها أم عمرو بشيء من الشفقة، لكنها لم تخلُ كلماتها من نبرة اللوم، وقالت موضحة:
ـ معلشي يا أم مؤمن، ابنك سابها في يوم زي ده، و كمان بعتلها ورقة طلاقها قدام الكوافير، يعني فضيحة، وأبوها وأخواتها ما كانوش هيسيبوها في حالها.
ثم استدارت نحو ابنها، وأمعنت النظر في هيئته، قبل أن تشير إليه بضرورة إنهاء ما هو عليه والتحرك لمعرفة حقيقة ما يجري فقالت بنبرة حاسمة:
ـ ادخل غيّر هدومك، وروح شوف إيه الحوار، وأقف مع بنت عمك.
ظل عمرو واقفًا للحظات، تتنقل عيناه بين والدته و حماته محاولًا أن يستوعب كيف انقلبت الأمور إلى هذا الحد في غيابه، وكيف وجد نفسه فجأة في قلب عاصفة من الأحداث المتشابكة، لا يعرف أولها من آخرها.
❈-❈-❈
داخل غرفة النوم، وقف أمام خزانة الملابس، يبدل ثيابه على عجل، بينما لا تزال كلمات والدته وحماته تتردد في أذنيه تاركة علامات استفهام لم يجد لها إجابة حتى الآن.
انفتح الباب فجأة، ودخلت ريم خلفه بخطوات متعجلة، وقد ارتسم القلق على ملامحها.
اقتربت منه، ثم سألته بفضول:
- اللي بتقوله مامتك ده صح؟
التفت إليها للحظة، ثم عاد إلى ارتداء ملابسه، مجيبًا إياها بنبرة تجمع بين الحيرة والاستياء:
ـ أنا زيي زيك، مش فاهم برضه إيه اللي دخل صفوان بيه في الحوار، وإيه حكاية إنه يتجوز نور، عمومًا أنا بلبس ونازل أشوف إيه اللي بيحصل، وربنا يستر.
أنهى ارتداء ملابسه، ثم التقط هاتفه من فوق الطاولة وفتحه ليتفقد ما فاته من اتصالات، وما إن ظهرت الشاشة أمام عينيه حتى اتسعت حدقتاه قليلًا، فقد وجد عدد كبير من المكالمات الفائتة من جسار!
رفع رأسه، ثم مرر كفه على جبهته في حركة عفوية تنم عن إدراكه لحجم ما فاته، راقبته ريم بقلق وسارعت إلى القول:
ـ استنى هغير هدومي وهاجي معاك.
رفع عينيه إليها وقاطعها بحزم مشيرًا بيده نحو الباب:
ـ اطلعي اقعدي مع أمي وأمك لغاية ما أروح أشوف إيه اللي بيحصل.
لم ينتظر ردها، بل دس هاتفه في جيبه واتجه نحو الباب بخطوات سريعة، قبل أن يغادر الغرفة، شردت بنظراتها وراحت تردد الاسم في سرّها، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة امتزجت بالاستغراب، وهي تقول بنبرة تحمل الكثير من المعاني:
ـ يا ترى مؤمن عمل معاها كده ليه؟، و إيه دخل صفوان بيه و عرف نور منين؟
شردت قليلًا و ظهرت ابتسامة خبيثة علي ثغرها ثم قالت بحقد دفين:
- يا بنت المحظوظة يا نور!، صفوان الشاذلي مرة واحدة! والله ووقعتي واقفة.
❈-❈-❈
وفي منزل عائلة نور، وتحديدًا داخل غرفتها، كان التوتر قد بلغ ذروته، حيث وقف رضا على بُعد خطوات من نجلاء، وقد اعتلت وجهه ملامح الرعب، وانعقد قلبه فزعًا مما يراه أمامه.
كانت تعتلي سور النافذة، وقد اتخذت وضعًا ينذر بالخطر، وكأنها على وشك إلقاء نفسها إلى الأسفل، غير عابئة بما قد تؤول إليه عواقب فعلتها.
راح رضا يتوسل إليها بصوت مرتفع، وقد أفقده الخوف قدرته على التفكير بهدوء:
ـ انزلي يا مجنونة، إنتِ بتعملي إيه في نفسك!
لكنها لم تبدِ أي استجابة، بل تشبثت بموقفها وأخذت تهدده بنبرة حاسمة، بينما عيناها تشتعلان بالغضب والقهر:
ـ افتح الباب الأول واطلع بره، مش عايزة أشوف وشك، وإلا قسمًا بالله هرمي نفسي من الشباك، وهبقى ارتحت منك ومن الدنيا كلها،أنا عندي أموت نفسي ولا إنك تنفذ اللي في دماغك.
تجمد في مكانه، وشعر بأن الأرض تميد تحت قدميه، رفع كفيه أمامه في محاولة لتهدئتها، ثم اخبرها بصوت اختلط فيه الرجاء بالعجز:
ـ خلاص، هعمل اللي إنتِ عايزاه انزلي عشان خاطري، أنا كنت بهددك عشان بس تحكي لي اللي مخبياه مش أكتر.
هزت رأسها باحتقار، وكأن تبريراته لم تعد تعني لها شيئًا، ثم صاحت في وجهه:
ـ كـــــذاب، إنت كنت ناويلي على الغدر، عايز تكسر عيني عشان تنول مرادك، وأبويا يضطر يوافق على جوازنا، بس بعينك يا رضا، إنت آخر واحد ممكن أتجوزه، حتى لو بموت فيك، ده أنا أولع في قلبي ولا أكون على ذمتك ساعة واحدة.
استقبل كلماتها كأنها طعنات متتالية في صدره، انقبض قلبه وارتسم الوجع على ملامحه، فقد كان يسمع منها ما لم يتخيل يومًا أن يسمعه، خاصة بعدما كان يظن أن ما يجمعهما من مشاعر سيظل أقوى من أي خلاف.
اقترب منها خطوة، وقد خذله صوته للحظة قبل أن يقول بألم:
ـ ده أنا بحبك وبموت فيكي، ليه بتعملي معايا كده؟!
صرخت في وجهه، وقد فاض بها الغضب:
ـ وأنا بكرهك، و يلا غور من وشي، غور من حياتي كلها.
وفجأة، انفتح باب الغرفة بدفعة قوية، فالتفت الاثنان نحو مصدر الصوت، ليظهر عمرو عند المدخل، وقد باغته المشهد وأوقفه للحظة في مكانه.
كانت عيناه تتنقلان بين رضا ونجلاء، قبل أن تستقر على الأخيرة وهي تعتلي سور النافذة في وضع شديد الخطورة.
وما إن وقع بصرها عليه حتى تبدلت ملامحها، واستنجدت به على الفور، وكأن ظهوره كان طوق النجاة الذي انتظرته:
ـ عمرو!،بالله عليك خليه يبعد عني.
لم يتردد الأخر في الرد، بل قال لها بصوت هادئ محاولًا بث الطمأنينة في نفسها:
ـ حاضر، بس انزلي وبلاش تهور.
ثم تقدم بخطوات صغيرة ومدروسة، قبل أن يلتفت إلى رضا، ويهز رأسه له إشارة فهم منها الأخير أنه سيتولى الأمر، وأن عليه أن يترك له المساحة للتصرف.
لم يكن رضا يملك رفاهية الاعتراض؛ فسلامة نجلاء كانت أهم من أي شيء آخر في تلك اللحظة.
اضطر إلى التراجع تاركًا لعمرو مهمة التعامل مع الموقف، وإن كان الغضب لا يزال يغلي في صدره.
اقترب الأخر من نجلاء بحذر شديد، متجنبًا أي حركة مفاجئة قد تزيد توترها، ثم مد يده إليها ونظر في عينيها قائلًا بصوت دافئ:
ـ ما تقلقيش، أنا موجود... ما تخافيش.
ترددت للحظة، ثم بدأت تمد يدها نحوه لتتشبث بكفه وتنزل بحذر من فوق سور النافذة،وفي تلك اللحظة تحديدًا، كانت ريم قد وصلت، ووقفت عند الباب تراقب المشهد دون أن ينتبه إليها أحد.
تسمرت عيناها على زوجها، الذي كان يمد يده إلى نجلاء، بينما كانت الأخيرة تستعد للإمساك بها،لم يغب عنها شيء من تفاصيل تلك اللحظة، لكن الأحداث لم تمنحها وقت طويل للتفكير؛ إذ تعثرت قدم نجلاء فجأة واختل توازنها، وكادت تسقط،تحرك عمرو بسرعة خاطفة، ومد ذراعيه إليها، ثم أمسكها من خصرها وجذبها بعيدًا عن النافذة للداخل، حتى أنزلها إلى أرض الغرفة بأمان.
تنفس رضا الصعداء للحظة، قبل أن يشتعل غضبه مجددًا، وكان على وشك الانفعال على عمرو ونجلاء، لكن الأخيرة سارعت بالاختباء خلف ظهر عمرو، متشبثة به وكأنها تستمد منه الأمان.
التفت عمرو إلى رضا، وارتفعت نبرته بصرامة:
ـ جرى إيه يا رضا؟!، احترم نفسك عايز منها إيه؟
رد الأخر بحدة، وقد ضاق ذرعًا بتدخل ابن عمه فيما يخصه:
ـ هي عارفة، وما تتدخلش في اللي ما بينا.
وقبل أن يتبادل الاثنان المزيد من الكلمات، جاءهما صوت ريم من خلفهما، بعدما قررت أخيرًا أن تعلن عن وجودها، مستغلة الموقف لتلقي بكلماتها المسمومة:
ـ إيه ده!، الست نجلاء صاحبة الأخلاق والمُثل العليا، هي وعمرو جوزي.
استدار عمرو نحوها، وقد فوجئ بوجودها، ثم عقد حاجبيه وسألها بلهجة تحمل شيئًا من الاستنكار:
ـ مش قولت لك خليكي في البيت؟ إيه اللي جابك؟
أجابته ببرود، وهي تتطلع إلى نجلاء بنظرات تحمل الكثير من السخرية:
ـ جاية أشوف اللي بيحصل، بس لاقيت حاجة تانية خالص، يا ترى يا ست نجلاء بتعملي إيه مع اتنين شباب في أوضة متر في متر!، لاء و كمان قافشة في جوزي.
لم تتأخر الأخرى في الرد، بل استقامت في وقفتها، ونظرت إلى ريم بحدة، ثم قالت بنبرة لا تخلو من التهديد:
ـ اتلمي يا ريم أحسن لك، الكلام ده تروحي تقوليه لحد تاني غيري، حد بيستغفل اللي حواليه وهو مدورها، وربنا يستر على ولايانا.
كانت الكلمات كفيلة بأن تُربك ريم للحظة،
تبدلت نظراتها واهتز ثباتها المصطنع، ثم رمقت نجلاء بنظرة شيطانية، قبل أن تلتزم الصمت تمامًا.
فقد فهمت من تلميح الأخرى أنها ربما تعرف شيئًا عن علاقتها بسيد، وأنها لم تكن غافلة عما يدور من خلف الأبواب المغلقة كما ظنت.
❈-❈-❈
كانت الصغيرة سيليا تجلس على الأرض تُحاول تركيب قطع البازل الملونة، بينما تجلس جدتها إلى جوارها، تساعدها بين الحين والآخر وتبتسم لملامحها الصغيرة التي تتبدل بين التركيز الشديد والضيق الطفولي كلما عجزت عن وضع إحدى القطع في مكانها الصحيح.
وعلى مقربةٍ منهما تجلس فايا مسترخية، تشارك ابنة أختها الصغيرة لعبتها، وتساعدها على إكمال الصورة التي أخذت تتضح تدريجيًّا أمامهما.
رفعت فايا رأسها فجأة، والتفتت إلى والدتها التي كانت تجلس بالقرب منهما، ثم سألتها بعفوية:
- ماما، هي أسما فين؟
أجابتها والدتها، وهي تتابع ما تفعله حفيدتها:
- أختك عند واحدة صاحبتها تعبانة، بتزورها، هتخلّص وتيجي على طول.
أومأت الأخرى برأسها دون تعليق، ثم عادت إلى اللعب مع سيليا، تحاول إقناعها بأن القطعة التي تمسكها بيدها لا تنتمي إلى ذلك الركن من الصورة، بينما أصرت الصغيرة على رأيها، وكأنها تخوض معركة مصيرية لا تقبل فيها الهزيمة.
ظل الجو هادئًا لبضع لحظات، قبل أن تقطع ناهد ذلك الهدوء بعبارة ألقتها بنبرة بدت عادية في ظاهرها، لكنها لم تخلُ من مغزى أرادت إيصاله إلى ابنتها:
-اعملي حسابك، أكثم ابن عمتك معزوم عندنا بكرة.
توقفت يد فايا فوق قطع البازل، ثم رفعت عينيها إلى والدتها ببطء، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، تحمل من التهكم أضعاف ما تحمله من المرح.
رمقتها بنظرة جانبية، قبل أن تقول ببرود مستفز:
-أهلًا وسهلًا، وحضرتك بتقوليلي ليه؟
حدَّقت الأخرى في ابنتها بنظرة ذات مغزى،وأجابت بنبرة حاسمة:
-إنتِ فاهمة كويس أنا قصدي إيه.
أطلقت الأخرى ضحكة قصيرة خالية من أي بهجة، ثم أعادت قطعة البازل التي كانت تمسكها إلى مكانها، وكأنها تمنح نفسها لحظة إضافية لتتمالك أعصابها قبل أن تخوض الحديث الذي تعرف جيدًا إلى أين سيقودها.
استدارت نحو والدتها، واخبرتها بنبرة امتزج فيها الاستنكار بالغضب المكتوم:
- وحضرتك عارفة كويس إني مش موافقة، إزاي تقبلي أتجوز ابن عمتي اللي بيحب أختي، وأختي كانت بتحبه!، مش ده أكثم اللي إنتِ وبابا رفضتوه زمان لما طلب إيد أسما، عشان أبوه مش من مستوانا؟
توقفت للحظة، ثم تابعت، وقد ازدادت نبرتها حدة مع كل كلمة تخرج من فمها:
-فجأة كده سبحان الله بقى مناسب، وعايزين تجوزوهولي أنا، وإنتِ كنتِ شاهدة على قصة حبه مع أسما، إزاي عايزاني أقبل بحاجة زي دي؟!
كانت كلماتها تتساقط تباعًا محملة باعتراضات طالما حبستها في صدرها، حتى وجدت نفسها أخيرًا أمام فرصة لم تعد قادرة على تجاهلها أو التظاهر بأن الأمر لا يعنيها.
بينما السيدة ناهد، فقد تبدلت ملامحها في لحظات؛ انطفأ الهدوء الذي كان يكسو وجهها، وحل محله غضب حاد، نهضت من مكانها في انفعال ومدت يدها إلى ابنتها، فأمسكت بذراعها بقوة وانحنت نحوها، محذرة إياها بلهجة صارمة لا تحتمل النقاش:
-اخرسي!، وإياكِ تعيدي السيرة دي تاني، الحوار ده مات من زمان، أختك متجوزة وعندها بنت والظروف دلوقتي اختلفت.
ثم أضافت، وقد ازدادت قبضتها إحكامًا على ذراع ابنتها، وكأنها تحاول فرض قناعتها عليها بالقوة:
-أكثم بقى ما شاء الله صاحب شركة هندسة وديكورات ليها سمعتها، وظروفه بقت أحسن من الأول وبقى مناسب، وإحنا مش هنفضل واقفين عند اللي حصل زمان.
تأملت الأخرى وجه والدتها بذهول امتزج بالخذلان، وكأنها لم تصدق أن المرأة التي يفترض أن تكون أكثر الناس تفهمًا لمشاعرها، هي ذاتها التي تحاول دفعها إلى زواج ترفضه بكل جوارحها.
لم يكن اعتراضها نابعًا من رغبة في الانتقام لأختها، ولا من تشبث بماض انتهى وأُغلقت صفحته، بل من حقيقة بسيطة لم تجد لها مكانًا في حسابات والدتها، أنها لا تريد أكثم زوجًا لها، ولا ترى نفسها مضطرة إلى قبول رجل لمجرد أن ظروفه أصبحت أفضل.
وبحركة مفاجئة، جذبت ذراعها من قبضة والدتها، ثم تراجعت خطوة إلى الخلف، وهي تنظر إليها بعينين تلتمعان بالغضب والدموع التي بدأت تتجمع على استحياء.
قالت بصوت مرتجف، تحاول أن تتمسك بما تبقى لها من ثبات:
-وأنا مش عايزة أتجوز يا ماما، وخصوصًا أكثم.
ساد الصمت للحظة، لكن ذلك الصمت لم يكن كافيًا لتهدئة العاصفة التي اشتعلت بينهما، اشتدت ملامح والدتها وبدا أنها على وشك مواصلة الجدال، وربما انتزاع موافقة من ابنتها بأي وسيلة، إلا أن فايا تراجعت فجأة، وأفلتت ذراعها، ثم استدارت عنها في ضيق واضح.
لم تنطق بكلمة أخرى، وإنما غادرت المكان بخطوات سريعة، واتجهت إلى الطابق العلوي، حتى اختفت خلف باب غرفتها،
ظلت تحدق في الفراغ بعينين دامعتين، بينما راحت أنفاسها تتلاحق من فرط الانفعال.
انحنت برأسها وانفجرت في البكاء، وقد شعرت بأن الجميع يتحدثون عن مستقبلها، ويرسمون ملامحه نيابة عنها، دون أن يكلف أحد نفسه عناء سؤالها عما تريده حقًّا أو بماذا تمر في هذا القصر و ما يطاردها من خطر متربص لها.
❈-❈-❈
لم تكن أسما تتوقع أن يتحول ذلك الألم المزعج الذي بدأ يراودها في أحد نهديها إلى هاجس ثقيل يُطاردها ليلًا ونهارًا، ويسلبها طمأنينتها كلما اختلت بنفسها. فمنذ أن شعرت به للمرة الأولى، راحت الأفكار السوداء تتسلل إلى عقلها بلا استئذان، تتشبث بأعصابها، وتدفعها إلى تخيل أسوأ الاحتمالات، حتى باتت تخشى أن تلمس موضع الألم بيدها، وكأنها تخاف أن تؤكد لنفسها حقيقة لا تقوى على مواجهتها.
حاولت أن تقنع نفسها بأن الألم قد يكون عارض بسيط، وأن ليس كل ما يؤلم ينذر بالخطر، لكن عقلها القلق لم يمنحها فرصة كافية للراحة.
كلما هدأت قليلًا، عادت الهواجس لتطرق أبوابها بعنف، حتى أدركت أن الانتظار لن يزيدها إلا خوفًا، وأن السبيل الوحيد للخروج من تلك الدوامة هو أن تواجه الأمر وجهًا لوجه، ولهذا حجزت موعدًا لدى طبيبة متخصصة هذا المجال، وقررت الذهاب إليها لإجراء الفحص والاطمئنان على صحتها.
و ها هي تجلس في غرفة الانتظار، تضم حقيبتها إلى صدرها، وتقلب عينيها بين الباب المغلق أمامها والساعة المعلقة على الحائط.
الدقائق تمر بطيئة على نحو مستفز، وكلما فُتح الباب وخرجت منه إحدى السيدات، شعرت بانقباضة جديدة تعتصر قلبها، حاولت الانشغال بهاتفها، فتحت بعض الرسائل، ثم أغلقتها دون أن تقرأها جيدًا، وأعادت النظر إلى الشاشة مرة أخرى، قبل أن تزفر بقلق وتضعه في حقيبتها.
لم تكن تخشى الفحص في حد ذاته بقدر ما كانت تخشى النتيجة التي قد تترتب عليه؛ فثمة فارق شاسع بين أن تدخل عيادة طبية تحمل داخلها بعض المخاوف، وأن تخرج منها بخبر يقلب حياتها رأسًا على عقب.
وفجأة، انفتح الباب وظهرت الممرضة التي نادت اسمها:
- مدام أسما، اتفضلي الدكتورة في إنتظارك.
انتفضت انتفاضة خفيفة، ثم نهضت من مقعدها، وأخذت نفس عميق قبل أن تتبع الممرضة إلى الداخل.
العيادة هادئة ومنظمة، تفوح منها رائحة المطهرات، بينما جلست الطبيبة خلف مكتبها، تتصفح بعض الأوراق الطبية التي تضمن بيانات أسما، وما إن رفعت رأسها ورأتها حتى ابتسمت لها ابتسامة ودودة، وأشارت إلى المقعد المقابل:
-اتفضلي يا مدام أسما أهلًا بيكي، واتفضلي قوليلي بتحسي وبتشتكي بإيه؟
جلست وشبكت أصابعها بعضها ببعض، ثم أجابت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا، رغم الارتباك الذي تسلل إلى نبراتها:
-بُصي يا دكتور، أنا بقالي فترة حاسة بألم في صدري، والموضوع بدأ يقلقني جدًا، حاولت أقول لنفسي إنه ممكن يكون حاجة بسيطة، بس بصراحة أنا خايفة.
توقفت للحظة، وابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تستطرد:
-خايفة يكون ورم خبيث، أو لا قدر الله يكون كانسر، أنا عارفة إن المفروض ما أفكرش بالطريقة دي قبل ما أكشف، بس مش قادرة أمنع نفسي من التفكير.
أصغت الطبيبة إليها باهتمام، ثم وضعت الأوراق جانبًا، واخبرتها بنبرة هادئة تحمل قدرًا من الطمأنينة:
-طيب، أول حاجة عايزاكي تهدي خالص، وما تستبقيش الأحداث، ألم الثدي ليه أسباب كتير، ومش معنى إنك حسيتي بألم إن ده دليل على وجود ورم خبيث أو سرطان، إحنا لازم نفحص الأول، وبعد كده نحدد إيه السبب.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة، وأضافت:
-وبصراحة أنا مبسوطة إنك جيتي تكشفي أول ما حسيتي بحاجة قلقتك، بدل ما تفضلي تأجلي وتستني لحد ما القلق يزيد، دي خطوة صح جدًا، والاهتمام بصحتك من البداية شيء مهم.
شعرت الأخرى بشيء من الارتياح يتسلل إلى صدرها، وإن ظل الخوف رابضًا في أعماقها، يترقب ما ستكشف عنه الخطوات التالية.
أومأت برأسها:
-أنا فعلًا كنت مترددة في الأول، وكنت بقول يمكن الألم يروح لوحده، بس لما لقيته مستمر، خفت أطنش ويكون فيه حاجة خطيرة.
أجابتها الطبيبة بتفهم:
-وده قرار كويس إنك ما تجاهلتيش الألم، بس عايزاكي تعرفي كمان إن فحص الثدي مش المفروض نستناه لحد ما نحس بألم أو نلاحظ حاجة غير طبيعية، الفحص الدوري مهم جدًا، وبيساعدنا نكتشف أي تغيرات بدري لو موجودة.
مالت الطبيبة قليلًا إلى الأمام، وتابعت موضحة:
-زي ما بتشوفي حملات التوعية اللي بتتكلم عن أهمية الكشف المبكر، ومنها حملات مستشفى بهية لمكافحة سرطان الثدي، الهدف منها إن كل ست تبقى عارفة أهمية إنها تهتم بصحتها، وما تستناش ظهور أعراض عشان تبدأ تتحرك.
كانت أسما تستمع إليها باهتمام، وشعرت للحظة بأنها ربما بالغت في خوفها، لكن سؤال واحد ظل يضغط على عقلها، ويمنع الطمأنينة من الاستقرار في قلبها.
وبعد أن انتهت الطبيبة من حديثها اخبرتها:
-طيب يا مدام أسما، خلينا نبدأ بالفحص السريري الأول، وبعدها هطلب منك شوية فحوصات وأشعة حسب اللي هنحتاج نتأكد منه، كده نقدر نكوّن صورة أوضح عن سبب الألم، ونحدد إذا كان فيه أي حاجة تستدعي متابعة إضافية.
ازدادت دقات قلبها، وراحت تفرك كفيها بتوتر واضح، قبل أن تسأل:
-يعني إيه يا دكتور؟، هو حضرتك شاكّة في حاجة؟
نظرت إليها الطبيبة بهدوء، وأجابتها دون أن تمنحها وعودًا لا تستند إلى دليل:
-لأ، أنا ما قولتش إني شاكة في حاجة معينة، أنا لسه ما عنديش معلومات كفاية عشان أحكم، وعشان كده بنعمل الفحص ونطلب الأشعة المناسبة، مش صح إننا نعتبر الألم وحده علامة على السرطان، وفي نفس الوقت مش صح إننا نتجاهله من غير ما نعرف سببه.
ثم نهضت من مقعدها، وأشارت إلى غرفة الفحص المجاورة:
-اتفضلي معايا، وهنمشي خطوة خطوة، ولو احتجنا أي فحوصات إضافية، هشرحلك كل حاجة قبل ما نعملها.
نهضت ببطء وتبعتها بخطوات مترددة، بينما راحت تحاول السيطرة على ارتجاف خفيف في أطرافها.
وبعد انتهاء الفحص السريري، عادت إلى مقعدها أمام الطبيبة، وقد ازدادت حاجتها إلى سماع كلمة واحدة تُطفئ شيئًا من النيران المشتعلة داخلها.
أخذت الطبيبة تسجل ملاحظاتها، ثم شرحت لها الفحوصات التي تحتاج إليها، وكتبت طلبات الأشعة المناسبة وفقًا لنتيجة الفحص السريري وعمرها وتفاصيل حالتها.
كانت أسما تتابع حركة القلم فوق الورقة، وعيناها معلقتان بوجه الطبيبة، تنتظران منها إشارة أو كلمة تستطيع أن تتشبث بها.
وبمجرد أن انتهت الطبيبة من كتابة الطلبات، لم تستطع كتمان السؤال الذي ظل يحاصرها منذ لحظة دخولها العيادة.
سألتها بصوت خافت، انكسر في نهايته رغم محاولتها التماسك:
-طب يا دكتور معلش، أنا عايزة أسألك سؤال، بس بالله عليكي جاوبيني بصراحة.
رفعت الطبيبة عينيها إليها:
-اتفضلي اسألي اللي إنتِ عايزاه، و أنا تحت أمرك.
ترددت للحظة، ثم سألتها بقلق لم تستطع إخفاءه:
- هي مؤشرات الفحص بتقول إيه؟، يعني إنتِ حسيتي بأي حاجة تقلق؟ أنا من ساعة ما حسيت بالألم وأنا مش عارفة أنام ولا أعيش طبيعي، وكل شوية ييجي في بالي إن ممكن يكون حاجة وحشة، بصراحة أنا خايفة أوي.
ساد صمت قصير، لم يكن صمت ينذر بالسوء وإنما لحظة منحت فيها الطبيبة نفسها الوقت لتختار كلماتها بعناية، حتى لا تزيد مخاوف الأخرى، ولا تمنحها في الوقت نفسه طمأنينة زائفة.
اخبرتها بنبرة دافئة:
-بصي يا مدام أسما، أنا مقدرة خوفك جدًا، وعارفة إن مجرد التفكير في المرض ده ممكن يكون مرهق نفسيًا، لكن لحد دلوقتي، ما ينفعش أقولك عندك إيه بالظبط أو ما عندكيش من غير ما نستكمل الفحوصات المطلوبة، الفحص السريري لوحده مش كفاية في كل الحالات، والأشعة هتساعدنا نعرف إذا كان فيه أي تغيّرات محتاجة تقييم إضافي ولا لأ.
أطرقت أسما برأسها بسأم، لاحظت الطبيبة ذلك فاستطردت محاولة أن تخفف عنها وطأة الانتظار:
- بس عايزاكي تعرفي حاجة مهمة جدًا، حتى لو الفحوصات كشفت عن مشكلة محتاجة علاج، فده مش معناه إن الدنيا انتهت، ولا إن مفيش أمل، الطب اتطور جدًا وفيه وسائل تشخيص وعلاج كتير، وفرص العلاج بتختلف حسب نوع المرض ومرحلته، وكل ما المشكلة تتكتشف بدري، بتكون عندنا فرصة أفضل للتعامل معاها.
رفعت الأخرى عينيها إليها، وقد امتزج في نظرتها الخوف برجاء هش، ثم همست:
- أنا بسمع حكايات كتير عن ناس تعبت أوي بسبب المرض ده، وبخاف لما أفكر إن ممكن أكون واحدة منهم.
هزت الطبيبة رأسها بتفهم، ثم أجابتها:
-الحوار ما بقاش زي زمان يا مدام أسما، وفيه تطورات كبيرة جدًا في التشخيص والعلاج، لكن كل حالة مختلفة عن التانية، وعشان كده ما ينفعش نحكم على أي حالة من تجارب الناس أو الحكايات اللي بنسمعها، إحنا هنشوف نتائج فحوصاتك الأول، وعلى أساسها نحدد الخطوة اللي بعدها.
ثم مالت نحوها قليلًا، وأضافت بنبرة أكثر حنان:
-وفي حاجة تانية عايزاكي تاخدي بالك منها، وهي نفسيتك مهمة جدًا، الخوف والقلق المستمرين ممكن يتعبوكي ويأثروا على نومك وحياتك اليومية، وعشان كده حاولي ما تسيبيش نفسك للأفكار المخيفة قبل ما تعرفي النتيجة، ولو القلق بقى مسيطر عليكي ومش قادرة تتعاملي معاه، ما تتردديش تطلبي دعم نفسي يساعدك تعدي الفترة دي.
انفرجت شفتا أسما عن ابتسامة باهتة، لم تصل إلى عينيها، لكنها كانت أول محاولة منها لاستعادة توازنها منذ أن وطئت قدماها العيادة.
مدت يدها لتتناول الأوراق.
وأومأت برأسها، وضمت الأوراق إلى حقيبتها، ثم نهضت من مقعدها.
وقبل أن تغادر، التفتت إلى الطبيبة وقالت بامتنان خافت:
-شكرًا يا دكتور، أنا كنت محتاجة أسمع الكلام ده، حتى لو لسه لازم أستنى نتيجة الفحوصات.
ابتسمت الطبيبة لها، وردت:
- العفو يا مدام أسما، وإحنا هنا عشان نساعدك، مش عشان نخوفك، خدي الأمور خطوة خطوة، وإن شاء الله نطمن على صحتك.
خرجت من العيادة، تحمل في يدها طلبات الأشعة والفحوصات، وفي قلبها خليط متشابك من الخوف والأمل،
لم تكن قد حصلت على الإجابة التي جاءت تبحث عنها، ولم يكن في وسع أحد أن يمنحها يقينًا قبل ظهور النتائج، لكن شيئًا ما تغيّر داخلها؛ فقد أدركت أن مواجهة الخوف أفضل من الاستسلام له، وأن الخطوة التي اتخذتها اليوم، مهما بدت بسيطة، كانت أهم من كل الليالي التي قضتها أسيرة للاحتمالات.
❈-❈-❈
يجلس هشام في الشرفة الملحقة بغرفة نومه، مستندًا إلى مقعده في استرخاء زائف، بينما يتصاعد دخان سيجارته بين أصابعه، متلويًا في الهواء كأطياف باهتة تتلاشى قبل أن تترك خلفها أثرًا.
وإلي جوار يده يستقر كأس امتلأ بمشروبه من الخمر، يأخذ منه رشفة تلو الأخرى، غير عابئ بمرور الوقت، ولا بمرارة السائل الذي أخذ يتسلل إلى عروقه، مثقلًا رأسه ومُغيبًا شيئًا فشيئًا ما تبقى لديه من اتزان.
لم يكن الليل هادئًا بقدر ما كان موحشًا؛ فالسكون الذي يلف المكان بدا وكأنه يتواطأ معه على إبقاء كل ما يختبئ في أعماقه حبيسًا خلف جدران الصمت.
بينما هو، فظل غارقًا في عالم لا يعرف عنه أحد شيئًا، عالم تتشابك فيه الذكريات مع أشباح الماضي، وتنبعث من زواياه حكايات لم يُسمح لها يومًا بأن ترى النور.
وبعد وقت لم يشعر بانقضائه، انتقل إلى الحاسوب المحمول الموضوع أمامه، وجلس يتأمل شاشته في تركيز شديد. عيناه تتنقلان بين مجموعة من الصور التي احتفظ بها في ذاكرته الإلكترونية، صور تحمل بين تفاصيلها ذكريات لا يعلم حقيقتها سواه؛ ذكريات ربما ظلت تطارده طويلًا، أو أسرار حرص على إخفائها عن أعين الجميع، حتى غدت رؤيتها أشبه بعبور صامت إلى ماض لا يريد له أن يُمحى، ولا يسمح له في الوقت ذاته بأن يُكشف.
انعكست أضواء الشاشة على ملامحه، فأبرزت ما اعتراها من إرهاق وغموض، بينما كانت أصابعه تتحرك فوق لوحة المفاتيح، يتنقل بين الصور ببطء وتأنّ وكأنه يستعيد تفاصيل كل صورة في ذهنه، ويعيد قراءة أحداثها بعينين تعرفان من الأسرار ما لا تستطيع الكلمات البوح به.
كان مستغرقًا تمامًا فيما يشاهده، لكن فجأة اخترق صوت خافت سكون المكان، آتيًا من خارج الغرفة.
تجمد في موضعه للحظة، وانقطعت حركته فوق لوحة المفاتيح، بينما اتجهت عيناه نحو باب الغرفة في حذر مباغت. وكأنما استيقظ دفعة واحدة من شروده، أغلق الحاسوب المحمول على الفور في حركة سريعة.
وضع الكأس جانبًا ونهض عن مقعده، وقد تبدلت ملامحه في لحظات، اختفى ذلك الشرود الذي كان يكسو وجهه، وحلَّ محله انتباه حاد، فيما أخذ يصغي إلى ما يأتي من الخارج، محاولًا تمييز مصدر الصوت وطبيعته.
ظل واقفًا لثوان، يحدق في الباب المغلق، قبل أن يتحرك نحوه بخطوات حذرة، وقد ازدادت قبضته توترًا، وتيقظت حواسه على نحوٍ يتناقض مع الثمالة التي أثقلت رأسه قبل قليل.
وحين بلغ الباب، توقف لحظة قصيرة، مد يده إلى المقبض وفتحه، متطلعًا إلى الخارج ليتبين سبب ذلك الصوت الذي انتزعه من خلوته، وقطع عليه انفراده بذكريات لم يكن مستعدًّا لأن يشاركه فيها أحد.
فما الذي كان يخفيه خلف تلك الشاشة، حتى دفعه صوت عابر إلى إغلاقها بتلك السرعة؟!
❈-❈-❈
داخل غرفة دارين، تقف في غرفة الملابس الملحقة بغرفة نومها، كانت تقف أمام المرآة الكبيرة، ترتدي ثوبها الأنيق الذي اختارته بعناية، بينما تحاول جاهدة إغلاق سحابه الخلفي، لكن دون جدوى. كانت أصابعها تتشبث بطرف السحاب، وتجذبه إلى أعلى مرة، ثم تعود إلى المحاولة من جديد، حتى بدأ الضيق يتسلل إلى ملامحها، وانعقد حاجباها بانزعاج.
زفرت بضيق، وأمالت رأسها قليلًا محاولة الوصول إلى السحاب الذي استعصى عليها، ثم توقفت عن المحاولة للحظات، قبل أن تعاودها بإصرار، وكأنها ترفض أن تستسلم أمام تفصيل صغير يعكر عليها استعدادها.
وفي تلك الأثناء، تناهى إلى مسامعها صوت باب غرفة نومها وهو يُفتح، أعقبه صوت الخادمة التي تحدثت بأدب من خلفها:
-مدام دارين، أوردر الأون لاين اللي حضرتك طلبتيه وصل، وأنا استلمته.
لم تلتفت دارين إليها، فقد كانت لا تزال منشغلة بمحاولاتها اليائسة لإغلاق السحاب، فاكتفت بالرد وهي تتأمل انعكاسها في المرآة:
-حطيه عندك على السرير.
-حاضر، فيه أي أوامر تانية؟
-شكرًا.
وبعد لحظات، انسحبت الخادمة من الغرفة وأُغلق الباب خلفها، فعادت دارين إلى معركتها الصغيرة مع سحّاب الثوب، دون أن تدري أن ما ينتظرها بعد قليل لن يكون مجرد موقف عابر، بل مواجهة ستعكر صفوها.
ظلت تحاول إغلاق السحّاب، مرة باستخدام أصابعها، ومرة بمحاولة جذب القماش من الجانبين لتقريب طرفيه، لكنها لم تفلح في ذلك.
تنهدت بغيظ، وأرخت كتفيها للحظة، ثم رفعت يديها من جديد، مصممة على إنهاء الأمر قبل أن تضطر إلى طلب المساعدة.
وفجأة، سمعت صوت الباب يُفتح مرة أخرى، ظنت أن الخادمة عادت لتسألها عن شيء ما، فلم تكلف نفسها عناء الالتفات، وإنما اخبرتها بنبرة يغلب عليها الضيق:
-بقولك، تعاليلي معلش اقفلي لي السوستة دي.
ثم استقرت في مكانها، وأزاحت شعرها عن ظهرها، منتظرة أن تقترب الخادمة وتساعدها في إغلاق السحّاب.
لكن ما حدث بعدها لم يكن في حسبانها،
شعرت بظل ينساب خلفها، ثم بوجود شخص يقف على مقربة شديدة منها، قبل أن تستقر يد فوق كتفها، بينما امتدت اليد الأخرى نحو ظهرها، وأمسكت بطرف السحاب، وبدأت تسحبه إلى أعلى ببطء.
تصلبت في مكانها، لم تكن اللمسة مألوفة للخادمة، ولم تكن الطريقة التي اقترب بها ذلك الشخص تحمل شيئًا من عفوية المواقف اليومية، بل كان ثمة شيء غريب في حضوره المفاجئ، وفي اقترابه الذي اخترق حدود المسافة الآمنة بينها وبين الآخرين، حتى تسللت قشعريرة باردة إلى جسدها، وسرت في أطرافها موجة من التوجس.
كادت تستدير لتعرف هوية ذلك الشخص، لكن اليد المستقرة فوق كتفها مارست ضغطًا يمنعها من الالتفات، وكأن صاحبها يأمرها بالصمت دون أن ينطق بكلمة.
عندها انتفضت في فزع، واستدارت على نحو مفاجئ، متجاوزة محاولته منعها لتصطدم بنظراته، وتتراجع خطوة إلى الخلف حين أدركت من يقف أمامها.
-هشام!
