رواية اسيرة الغريم الفصل الحادي عشر
اتسعت عيناها بصدمة امتزجت بالغضب، وتبدلت ملامحها في لحظة، حدقت فيه غير مصدقة جرأته على اقتحام غرفتها بهذه الطريقة، ثم سألته بحدة وهي تشير إلى الباب:
- إنت إيه اللي جابك هنا؟، اطلع بره بدل ما أفضحك قدام كل اللي في القصر.
لم يبدُ عليه أنه تأثر بتهديدها، بل ارتسمت على شفتيه ابتسامة مستفزة، تحمل من السخرية أكثر مما تحمل من المرح، ثم أجابها ببرود أربكها:
-كنتِ عملتيها من زمان.
اشتعل الغضب في عينيها، ورفعت ذقنها في تحد، محاولة إخفاء الاضطراب الذي أثاره وجوده المفاجئ في نفسها.
-لمّ نفسك يا هشام، بلاش أنا!، أنا اللي فاهماك كويس.
أطلق هشام ضحكة قصيرة، ثم أخذ يتأمل وجهها بنظرات ثقيلة، قبل أن يقول بنبرة ساخرة، تختبئ خلفها مرارة قديمة لم تندمل جراحها:
- وطالما فاهماني، ليه اخترتيه هو؟ ليه صفوان بالذات، وهو مش بيحبك ولا عمره هيحبك!، وأنا وإنتِ عارفين كويس إنه مجبور على جوازكم، وإنه مش عايزك.
تجمدت ملامحها للحظة، لكن هشام لم يمنحها فرصة للرد، بل واصل هجومه، وكأنه جاء إلى غرفتها محمّلًا بكلمات ظل يحبسها في صدره طويلًا، حتى لم يعد قادرًا على كتمانها:
-ولا نسيتي إنه طلقك بدل المرة تلاتة؟
شهقت بغضب، واشتعلت عيناها بنظرة حادة، صاحت فيه:
-لاء إنت اتجننت بقى؟!، بقولك إيه يا هشام، إنت واضح إنك شارب لك كاسين، وضارب معاهم سيجارة من إياهم، وجاي تطلعهم عليّا، اطلع من هنا بدل ما أقسم بالله...
لكنها لم تستطع إكمال تهديدها، ففي حركة مباغتة، مد كفه وكتم فمها، مانعًا إياها من استكمال حديثها، بينما انقلبت ملامحه من السخرية الباردة إلى قسوة صريحة، وانحنى نحوها قليلًا محدقًا في عينيها بنظرات مشتعلة.
يخبرها بصوت خفيض، لكنه مشحون بوعيد لا تخطئه الأذن:
- مش أنا اللي بتهدد يا دارين.
أبعد كفه عن فمها، دون أن يتراجع عن وقفته المتحدية، واستطرد بنبرة أكثر قسوة:
-وخليكي فاكرة كويس، عمري ما هنسى اللي عملتيه فيّا زمان، عمري ما هنسى اللي وصلتيهولي، ولا اللي عملتيه في قلبي.
تلاحقت أنفاسه، وراحت عيناه تلمعان ببريق مظلم، فيما كانت الكلمات تخرج من فمه كأنها شظايا نار يقذف بها في وجهها.
-وأنا لسه على وعدي ليكي... زي ما حرقتي قلبي هحرقلك قلبك، وقلب كل حد بتحبيه.
توقف لحظة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة، قبل أن يضيف بنبرة تحمل شماتة واضحة:
- وجزء من وعدي اتحقق لوحده، من غير ما أبذل أي مجهود، كفاية إنك بقيتي مذلولة لصفوان، بتشحتي منه العطف والحب، ولا محاولاتك الرخيصة معاه كل شوية، لما تدخلي له جناحه وتبوسي إيده عشان يرجعك ليه بأي طريقة.
ازدادت قسوة ملامحه، ثم ألقى كلماته التالية في وجهها باحتقار متعمد:
-حتى لو عرضتي عليه نفسك في الحرام، زي أي عاهرة رخيصة.
صفعة دوّى صوتها في أرجاء الغرفة حاد ومفاجئ، حتى بدا كأنه شق الهواء بينهما إلى نصفين.
كانت دارين قد رفعت يدها وصفعته على وجهه بكل ما امتلكته من غضب وقهر، بعدما تجاوز بإهانته لها حد لم تعد قادرة على احتماله.
استدار وجهه قليلًا من قوة الصفعة، وساد صمت خاطف، لم يُسمع خلاله سوى أنفاسها المتلاحقة، وهي تحدق فيه بعينين تقدحان شررًا، ويداها ترتجفان من شدة الانفعال.
لم تتراجع هذه المرة، ولم تسمح للخوف الذي باغتها عند دخوله أن يسيطر عليها. بل تقدمت نحوه خطوة، وأشارت إلى الباب، ثم صاحت فيه بحدة:
-امشي! اطلع بره! ولو شفتك هنا تاني، هقتلك، فاهم، هقتلك.
كانت كلماتها حاسمة، تخرج من بين شفتيها كطلقات متتابعة، بينما وقفت أمامه متحدية، رافضة أن تمنحه فرصة أخرى لإهانتها أو فرض سيطرته عليها.
ظل يحدق فيها للحظات، ويده ترتفع ببطء إلى موضع الصفعة فوق خده، كان وجهه جامدًا، لكن عينيه كانتا تفضحان عاصفة من الغضب، وشيئًا أعمق من مجرد الإهانة التي تلقاها.
لم يعتد أن يُصفعه أحد، ولم يكن من النوع الذي يتقبل الإذلال بسهولة، لا سيما حين يأتي ممن يحمل لها في داخله كل ذلك القدر من الحقد والمرارة.
تراجعت شفتاه عن ابتسامة كانت قد ارتسمت عليهما قبل قليل، وحلَّ محلها انقباض قاس، بينما أخذت عضلات فكه تتصلب، واشتدت قبضتاه حتى ابيضّت مفاصلهما.
لكنه بدلًا من أن ينفجر في وجهها، استدار نحو الباب، وغادر الغرفة بخطوات سريعة، تاركًا إياها خلفه التي ظلت واقفة في مكانها، تراقبه حتى اختفى عن عينيها.
وما إن ابتعد عنها، حتى انطلقت خطواته في الممر، بينما كانت النيران تتأجج في صدره، وتتصاعد داخله موجة من الغضب لم يجد لها متنفسًا.
كان يشعر بمرارة الصفعة، لا فوق خده فحسب، بل في كبريائه الذي جُرح أمام المرأة التي لم يستطع يومًا أن يتجاوز ما فعلته به.
وكلما استعاد كلماتها وملامحها وهي تطرده من غرفتها، ازداد البركان المشتعل في أعماقه، لم يكن غضبه وليد تلك اللحظة وحدها؛ فقد كان يحمل في داخله تراكمات قديمة، وذكريات لم يطوها الزمن.
❈-❈-❈
دخل غرفته وجوفه بركان يغلي، يريد أن يُفرغ ما يعتمل في صدره، أمسك هاتفه وكتب إلي فايا رسالة قصيرة
«تعاليلي الأوضة حالاً»
لم ترد عليه، اتصل مرة واثنتين وثلاثاً ورابعة، فلم تجيب علي إتصاله، ليس هذا اليوم وحده؛ الأيام السابقة كانت تتفاداه، فتزيد النار في دمه اشتعالاً.
خرج على الفور، وقف أمام باب غرفتها، وطرق عليه بصوت خفيض:
ـ افتحي يا فايا… افتحي... أنا عارف إنك جوه وسمعة اتصالاتي وشوفتي الرسالة ومش بتردي.
حاول فتح الباب فوجده مُقفل من الداخل، ابتسم ابتسامة ماكرة، عاد إلى غرفته لحظة ثم عاد يحمل نسخة المفتاح.
فتح الباب بهدوء ودخل وأغلقه خلفه، بينما فايا كانت جالسة على حافة الفراش، بفزع وقالت بصوت مرتعش:
ـ عايز إيه يا… أبيه؟
اقترب منها بخطوات بطيئة، صوته يختلط فيه الغضب بالرغبة:
ـ مش بتردي عليا ليه؟، وبقى لك كام يوم مش بتيجي الشركة وبتتهربي مني؟
ردت وهي تبتلع ريقها:
ـ أنا… مش فاضية.
ضحك ضحكة خافتة:
ـ يعني إيه مش فاضية؟، أنا اللي أقولك عليه تنفذيه، ولا لازم يبقى اسمي جسار عشان أنول رضاكي؟
ابتعدت قليلاً وهو يقترب، سألته بصوت فيه تحد مكبوت:
ـ أنت عايز مني إيه دلوقتي؟ اتفضل اطلع بره.
رد وهو يبتسم ابتسامة شريرة مألوفة لها:
ـ مش طالع… واللي أقولهولك تنفذيه، وأنا مش أبيه، فاهمة؟
نظرت إليه بدهشة فيها شيء من اللذة القديمة، فهمست:
ـ مش فاهمة… ولا عايزة أفهم، اطلع بره.
اقترب أكثر حتى صار أنفاسه تلامس خدها:
ـ وأنا هفهمك، بس بطريقتي.
ظلت الابتسامة على وجهه فارتعدت، وحاولت دفعه من إمامها، مد يده إلى حزام بنطاله وفكه ببطء.
همست مرتعدة برعب:
ـ هتعمل إيه؟ … هتعمل إيه؟
حاولت أن تبتعد، فأمسك بيدها وجذبها إليه بلطف حازم، وألقاها على الفراش. همت بالنهوض، فأمسك يديها ولفّ الحزام حول معصميها، ليست مشدودة تماماً، تاركاً لها مساحةً للرفض.
كلما صرخت أو همت بالمقاومة، كان يكمم فمها بقبلات قاسية عنيفة، ثم يرفع يده قليلاً ليسمع أنفاسها المتسارعة.
همس بصوت يغلبه الثمالة والغضب والشهوة معاً:
ـ إنتي ملكي… إنتي بتاعتي أنا، ما فيش حد في قلبك غيري، مهما حاولتي تنكري الحقيقة… إنتي بتحبيني أنا.
قبّلها بعنف على شفتيها، ثم انحدر إلى عنقها وعضها عضة خفيفة تركت علامة حمراء.
تألمت وصرخت تحت كفه، لكنه سمع في صرختها نبرة ليست خوف خالص، بل كان يراها في تلك اللحظة «دارين» شقيقتها الكبرى، وحديثه وكلماته كانت تتجه في رأسه إليها دون أن ينطق باسمها.
قاومته فايا، دفعت صدره بقوة مفاجئة، فتخبّط إلى الخلف واصطدم رأسه بحرف الكومود، سال دم رفيع، وارتخى جسده فجأة فاقدًا للوعي.
نهضت مرتجفة، ترى المنظر أمامها، فشهقت من الخوف والصدمة، وصاحت باسمه:
ـ هشام…!
❈-❈-❈
توقفت السيارة الفارهة أمام مبنى شاهق الأناقة، تتلألأ واجهته الزجاجية وتنعكس عليها أضواء الشارع.
ذلك المبنى لا يدخله إلا أصحاب الثراء الفاحش والذوق الرفيع؛ دار أزياء خاصة بتصميم فساتين الزفاف التي تُحاك خصيصًا لصفوة المجتمع.
ترجل صفوان من السيارة بهيبته المعتادة، وأغلق الباب خلفه، ثم استدار نحو الجهة الأخرى ليتفقد نور التي ما زالت جالسة في مكانها، تحدق بعينيها نحو المبنى الفخم، تتأمله بانبهار لم تستطع إخفاءه.
مد يده إليها وانتظر لتقترب حتي يحملها:
-نور.
انتفضت قليلًا وانتبهت إلى وجوده، التفتت إليه بملامح امتزج فيها الامتعاض بالتوتر، وابتلعت ريقها قبل أن تسأله:
-إحنا نازلين هنا ليه؟
أشار بعينيه إلى المبنى خلفه، ثم أجابها ببساطة وكأن الأمر لا يحتاج إلى تفسير:
-زي ما إنتِ شايفة قدامك، جايين الأتيليه عشان فستان الفرح.
اتسعت عيناها قليلًا وهزت رأسها باعتراض واضح، وقالت على الفور:
-مالهاش لازمة، وبعدين أنا فستاني هناك في بيتنا في الحارة.
منحها نظرة عميقة، ثابتة تحمل من المعاني ما جعلها تتلعثم في داخلها قبل أن تنطق، نظرة رجل اتخذ قراره، ولم يترك مساحة لمناقشته، وكأنه يقول لها بوضوح إن ما يراه مناسبًا لها لن يتنازل عنه لمجرد اعتراضها.
فاخبرها باقتضاب لا يخلو من الحزم:
-يلا يا نور، ما بحبش أكرر كلامي كتير.
زفرت بسخط مكتوم، وأخذت نفس عميق وهي تتزحزح نحوه، لكنها تجاهلت يده الممدودة لها وأبت أن تستند إليه، وكأن كبرياءها الصغير يأبى الاستسلام أمام إصراره الذي لا يلين.
حاولت أن تتشبث بكل ما طالته يدها؛ تارة بحافة باب السيارة، وتارة بجانب المقعد، مستعينة بما حولها لتتمكن من النزول، غير أن العقبة الحقيقية ظهرت أمامها حين وجدت نفسها مضطرة إلى تجاوز الدرجة المرتفعة للسيارة، بينما قدمها المصابة المحاطة بالجص لا تسمح لها بالحركة بحرية.
توقفت لحظات تفكر في طريقة للخروج من هذا المأزق دون الاستعانة به، لكنه لم يكن من الرجال الذين يطيلون الانتظار وهم يشاهدون ما يريدون تغييره أمام أعينهم.
وفي اللحظة التي انشغلت فيها بمحاولة إيجاد حل، باغتها بذراعه التي التفت حول خصرها، وجذبها إليه بحركة خاطفة، ثم حملها علي ذراعيه بسهولة أذهلتها.
- آآه!
انطلقت شهقتها عفوية، واتسعت عيناها وهي تجد نفسها على ذراعيه، لا تملك من أمرها شيئًا، فاندفعت تقول باعتراض:
-نزلني، أنا هعرف أمشي.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية، ونظر إليها نظرة عابثة:
-واضح.
رمقته بنظرة ممتعضة، كادت تشتعل من فرط الغيظ، لكنه لم يمنحها فرصة لمجادلته، بل استدار بها نحو مدخل المبنى، حاملًا إياها وكأنها لا تزن شيئًا.
بينما هي، فقد أدركت أن عنادها لن يغير شيئًا في هذه اللحظة، وأن أي حركة متهورة قد تجعلها تفقد توازنها، فتزيد إصابتها سوءًا؛ لذلك وعلى مضض شديد أحاطت عنقه بذراعيها، وتشبثت به خشية السقوط.
لم يفته توترها وخجلها، ولا تلك الحركة الصغيرة التي دفنت بها وجهها قليلًا بعيدًا عن عينيه، لكنه آثر الصمت مكتفيًا بابتسامة خافتة لم تزد ملامحه إلا وسامة وثقة.
ما إن اجتاز مدخل دار الأزياء حتى وجد العاملين مصطفين في استقباله، وقد ارتسمت على وجوههم ابتسامات الترحيب، وبدا واضحًا أنهم كانوا على علم مسبق بقدومه، وأن الاستعدادات لاستقباله قد بدأت قبل وصوله بوقت كاف.
تقدّم بعضهم لتحيته، فبادلهم التحية بهدوء ورزانة، محافظًا على هيبته التي اعتاد الجميع أن يروها في حضوره؛
فاتجه إلى إحدى الأرائك المصنوعة من الجلد الفاخر، وأنزل نور فوقها برفق يناقض صرامة ملامحه، متأكدًا من استقرارها قبل أن يبتعد عنها.
وفي تلك الأثناء، تقدمت مديرة الدار بخطوات واثقة، تحمل على وجهها ملامح الاستعداد التام، وقالت باحترام:
- أهلاً وسهلاً بحضرتك يا صفوان بيه، كل حاجة جاهزة زي ما حضرتك أمرت، وجهزنا الغرفة مخصوص لأنسة نور، مستني فيها الميك أرتيست ومعاها البنات المساعدين.
أومأ برأسه إشارة إلى أنه استمع إليها، بينما كانت نور تتابع الحديث بفم مفتوح من فرط الدهشة، تتنقل عيناها بين مديرة الدار وصفوان، ثم تعودان إلى أرجاء المكان الذي بدا لها أشبه بقصر مخصص للجمال والأناقة.
كيف؟، كان هذا السؤال يضج داخل رأسها، ويزداد إلحاحًا مع كل تفصيلة تكتشفها حولها.
كيف أعد كل شيء بهذه السرعة؟!، بينما كان قد أخبر أهلها بأنه لم يعلم بما فعله مؤمن إلا تلك الليلة، وأنه تدخل لإنقاذها من براثن بطش أبيها وإخوتها.
لقد بدا كل شيء مرتبًا بدقة مريبة، وكأن ثمة خطة أُعدَّت سلفًا، لا تصرف عابر فرضته ظروف طارئة.
تأملت وجهه في حيرة، تحاول أن تقرأ ما وراء ملامحه الهادئة، لكن صفوان ظل على طبيعته؛ رجلًا لا يكشف أوراقه بسهولة، ولا يمنح الآخرين مفاتيح أفكاره إلا حين يقرر هو ذلك.
وقبل أن تستجمع أفكارها وتجرؤ على سؤاله، وجدته ينحني نحوها، ثم يحملها للمرة التي لا تعلم عددها على ذراعيه، دون أن يكترث لاعتراض قد يصدر عنها.
شهقت ورفعت عينيها إليه بدهشة ممزوجة بالاستنكار، لكنه مضى بها نحو الغرفة التي أُعدَّت خصيصًا لها، بخطوات ثابتة.
الغرفة أشبه بجناح خاص بعروس أميرة؛ إضاءة ناعمة تتسلل من وحدات أنيقة موزعة بعناية، ومرايا واسعة تعكس تفاصيل المكان، ومقاعد وثيرة، وطاولات تتناثر فوقها مستحضرات التجميل وأدوات الزينة، إلى جانب أقمشة فاخرة وعلب أنيقة أُعدَّت لاستقبال الفستان الذي سيُكمل إطلالتها، كل شيء في الغرفة كان ينطق بالفخامة، من دون صخب أو مبالغة.
وضعها برفق على المقعد المخصص لها، ثم التفت إلى الفتيات والسيدات اللاتي كنَّ ينتظرن بدء مهمتهن، وألقى نظرة خاطفة نحو نور، قبل أن ينسحب إلى الخارج تاركًا إياها بين أيديهن.
انشغل فريق العمل بتجهيز العروس، وتحركت الفتيات والسيدات في الغرفة على قدمٍ وساق؛ فهذه ترتب أدوات التجميل، وتلك تراجع تفاصيل الفستان، وثالثة تساعد نور في وضعية جلوسٍ مريحة تناسب قدمها المصابة، بينما راحت أخريات يتناقشن بهدوء حول اللمسات الأخيرة التي ستجعل إطلالتها مكتملة.
بينما نور تستجيب لتوجيهاتهن في صمت مشوب بالدهشة، ولا تزال أفكارها تتقافز داخل رأسها، عاجزة عن استيعاب التحول المفاجئ الذي انقلبت به حياتها خلال ساعات.
أما صفوان، فقد استقر في الخارج فوق إحدى الأرائك الفاخرة، وأخرج هاتفه ليجري اتصالًا بجسار، يريد الاطمئنان إلى الأوضاع في الحارة، والتأكد من أن الأمور تسير وفق ما رتبه.
لم يكد الاتصال يستقر حتى جاءه صوت جسار عبر الهاتف، مترددًا في البداية:
-كله تمام ياباشا، بس أنا شايف إن مالهاش لازمة القاعة، ممكن تاخد جماعة آنسة نور وتروحوا في قاعة تليق بمقام حضرتك وتكتبوا الكتاب.
ساد الصمت للحظة قصيرة، انخفضت خلالها ملامح صفوان، واستقرت عيناه على نقطة بعيدة أمامه، قبل أن يجيب بصوت حاسم لا يقبل المراجعة:
- نفّذ اللي قولتلك عليه يا جسار، أنا عارف بعمل إيه كويس.
لم يحتج الأخر إلى سماع المزيد؛ فالنبرة التي نطق بها صفوان كافية لتخبره أن القرار قد اتُّخذ، وأن أي محاولة أخرى لتغييره لن تجدي نفعًا.
أنهى صفوان المكالمة، وأعاد الهاتف إلى يده، ثم أسند ظهره إلى الأريكة منتظرًا خروج نور.
ينتظر اللحظة التي يراها فيها بالصورة التي طالما تخيلها، تلك التي استقر طيفها في ذاكرته، ورافقته خلال رحلة بحث امتدت عامًا كاملًا، عامًا لم يكن فيه الوصول إليها أمرًا سهلًا، ولم يكن العثور عليها نهاية الحكاية، بل بدا له بداية لشيء أكبر مما خطط له.
وفجأة انفتح باب الغرفة، فالتفت نحو الصوت ورفع عينيه إلى الداخل، فإذا بنور تظهر أمامه بمساعدة الفتيات اللاتي أحطن بها من الجانبين، يسندنها برفق حتى تتمكن من التحرك بقدمها المصابة.
وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليها، بدا وكأن العالم من حوله توقف في تلك اللحظة، لا يرى سواها، تسمر في مكانه.
لم تعد الأصوات من حوله واضحة كما كانت؛ فقد انحصرت حواسه كلها في رؤية هذه الحورية التي امتلكت فؤاده وأسرت وجدانه.
تبدو في عينيه كقمر اكتمل بدره في سماء صافية؛ إشراقة هادئة تفيض من ملامحها، وفتنة بريئة لا تحتاج إلى تكلف كي تأسر العيون.
بدت في الثوب كالأميرات، وتكاملت تفاصيل إطلالتها مع لمسات التجميل التي أبرزت جمالها من دون أن تطمس ملامحها الأصلية.
لم تكن مجرد عروس جميلة فاتنة فقط؛ فهي في عينيه الصورة التي ظل يبحث عنها طويلًا، والحلم الذي اقترب منه أخيرًا بعد رحلة كاملة من الانتظار والترقب.
عام من البحث والتفكير حتي قاده القدر إليها، وها هي تقف أمامه الآن، على بُعد خطواتٍ قليلة، تحمل الاسم الذي شغل باله طويلًا، وتستحوذ على قلبه بطريقة لم يعد قادرًا على إنكارها، مهما حاول أن يتذرع بالعقل أو يختبئ خلف صرامته المعتادة.
-أخيرًا... هتبقي ليا يا نور.
ردد تلك الكلمات في رأسه، بينما ظلت عيناه معلقتين بها، وكأن التفاته بعيدًا عنها للحظة واحدة صار أمرًا يفوق احتماله.
أما نور فقد شعرت بنظراته تحاصرها، لا بفظاظة أو وقاحة، بل بتركيز أربكها وأفقدها القدرة على التصرف بعفوية. انخفض بصرها قليلًا، وتسلل الخجل إلى وجنتيها، بينما أخذت أنفاسها تتلاحق في اضطراب لم تستطع السيطرة عليه.
لم تكن تعرف ما الذي يدور في رأسه، ولا لماذا ينظر إليها بهذه الطريقة، لكنها كانت تشعر برهبته التي تفرض نفسها على المكان، وبذلك الارتباك الغريب الذي يتسلل إليها كلما وجدت نفسها في مواجهته.
ابتلعت ريقها، ثم رفعت عينيها إليه في حذر واضح، وسألته بصوت خافت حمل من التوتر أكثر مما حمل من الثقة:
-الفستان فيه حاجة؟
انتشله سؤالها البريء من شروده، فعاد إليه وعيه تدريجيًّا، وكأنها أعادته من عالم انفردت فيه صورتها بكل شيء، رمش بعينيه، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة، وحرك رأسه نافيًا قبل أن ينهض من مكانه ويتجه نحوها بخطوات هادئة.
كان اقترابه كافيًا ليزيد توترها؛ فهي لا تزال تحاول فهم نظراته، ولا تعرف إن كان إعجابه بالفستان هو ما جعله يصمت طويلًا، أم أن ثمة شيئًا آخر لا يجرؤ على التصريح به.
وقف أمامها، وتأمل وجهها للحظات قصيرة، ثم انحنى قليلًا نحوها، وقال بصوت خافت تخلى فيه عن شيء من صرامته، وحلت محله نبرة لا تشبه إلا رجلًا أوقعه الحب في مأزق لا يريد النجاة منه:
-إنتِ بتسألي إذا كان الفستان فيه حاجة؟، ده أنا من ساعة ما شوفتك وإنتِ لابسة الفستان، نسيت أنا كنت هقول إيه أصلًا، إنتِ عارفة إنك جميلة يا نور، وإن لو قولتلك كل كلمات الغزل اللي اتقالت بين العشاق مش هاتكون كافية وصف جمالك.
تسارعت دقات قلبها، وتوترت ملامحها أكثر، بينما راحت عيناها تهربان من عينيه، كأنها تخشى أن يقرأ فيهما ما لم تستطع هي نفسها فهمه.
بينما الفتيات الواقفات إلى جوارها، فقد تبادلن النظرات في خجل واضح، وارتسمت على شفاههن ابتسامات صغيرة بعدما أدركن أن الرجل الذي يبدو بهذه الهيبة والصرامة قادر على أن يتحدث بهذه الرقة حين يقف أمام امرأةٍ تعني له الكثير.
لم يلتفت صفوان إلى وجودهن، ولم يكترث بابتساماتهن المكتومة؛ فقد كانت نور وحدها تستحوذ على انتباهه، وكأن بقية العالم قد أصبح مجرد خلفية بعيدة لمشهد لا يريد أن ينتهي.
مدَّ ذراعيه نحوها، وحملها برفق، متجنبًا الضغط على قدمها المصابة، فضمت الفتيات أيديهن إلى صدورهن في إعجاب وخجل، وتراجعن بخطوات هادئة، تاركات لهما مساحة من الخصوصية.
استقرت نور بين ذراعيه، لكن شعورها هذه المرة كان مختلفًا؛ فبدلًا من المفاجأة وحدها، تسلل إلى قلبها توتر أعمق، صنعته كلماته ونظراته والطريقة التي حملها بها، كأنها شيء ثمين يخشى عليه من خدش صغير.
رفعت عينيها إليه للحظة خاطفة، فالتقت نظراتهما، وشعرت بأن الكلمات قد هربت من ذاكرتها، وأن كل اعتراض كانت تستعد لقوله قد تلاشى قبل أن يصل إلى شفتيها.
أما هو فقد ضمها إليه بحذر، ثم ألقى عليها نظرة حملت من الإعجاب والحنان أكثر مما استطاعت هي أن تحتمله، وقال بابتسامة خفيفة:
-أنا لسه مقولتش اللي في قلبي، بس لما نروح بيتنا هقولك كل اللي جوايا قولاً وفعلاً.
بمجرد سماع كلماته ضربت حمرة الخجل خديها، وارتجفت خلايا جسدها، لم تجد سوى أن تخبأ وجهها في صدره دون أن تتفوه بكلمة.
مضى بها بينما ظلت عيناه تراقبان ملامحها، وداخل صدره يقين يتنامى بأن هذه الليلة لن تكون مجرد ليلة زفاف عابرة، بل بداية فصل جديد من حكايته معها؛ حكايةٍ لا يعرف أي منهما إلى أين ستقوده، ولا كم من الأسرار والمفاجآت تخبئها لهما الأيام القادمة.
❈-❈-❈
في قاعة الأفراح التي كان من المفترض أن تشهد مراسم زفاف مؤمن ونور، وتُزف فيها الأخيرة إلى الرجل الذي ظنت يومًا أنه سيكون شريك عمرها، قد تحولت الآن إلى مسرح لواقعة لم تخطر ببال أحد؛ فبدلًا من أن تُقام فيها مراسم زفافها على مؤمن، أصبحت مقر لعقد قرانها على صفوان الشاذلي، الرجل الذي اقتحم حياتها في أكثر لحظاتها انكسارًا، وانتشلها من براثن مصير مظلم، ليقف بها الآن أمام الجميع زوجة له.
ازدحمت القاعة بأهل الحارة وأقارب نور ومعارف أسرتها، وتوزعت الوجوه بين الدهشة والفضول، بينما راحت الهمسات تتنقل بين الحاضرين كشرارات صغيرة لا تلبث أن تشعل مزيدًا من التساؤلات. فالجميع يعرف أن هذه القاعة كانت معدة لزفاف نور على مؤمن، والجميع يعلم ولو من طرف خفي، أن ما حدث قد قلب الموازين رأسًا على عقب، وترك خلفه حكاية مثقلة بالأسرار والفضائح.
وخلف المنصة المزينة بالورود والحرير، جلست نور إلى جوار صفوان، وقد بدا جسدها متصلبًا تحت وطأة التوتر، بينما راحت أصابعها تعبث بطرف ثوبها في حركة لا إرادية تكشف عن اضطرابها.
لم تكن تشعر بأنها عروس تنتظر أن تُبارك لها حياتها الجديدة، بل كانت أشبه بمتهمة وُضعت في قفص الاتهام، تتجه إليها العيون من كل جانب، وتنتظر منها كلمة أو حركة لتنسج حولها مزيدًا من الحكايات.
كانت النظرات المسلطة عليها أشبه بسكاكين حادة تنتظر اللحظة المناسبة لتغرس أنصالها في ما تبقى من روحها. نظرات تتفحص ملامحها، وتترصد توترها، وتبحث في وجهها عن إجابات لأسئلة لم تجرؤ الألسنة على طرحها صراحة.
خفضت عينيها، وحاولت أن تتجاهل تلك العيون التي شعرت بها تخترق جلدها، لكن قلبها كان يخفق بعنف حتى خُيِّل إليها أن دقاته ستفضح خوفها أمام الجميع، كانت تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها، أو لو استطاعت أن تختفي عن الأنظار لبضع دقائق، والسؤالين اللذان ترددا في رأسها وكأن أحد ألقاها من فوق جبل شاهق لتقع في وادي بلا قاع، الأول كيف ستتزوج من رجل وهي لم توف شهور العدة!، والثاني كيف ستخبر صفوان ما حدث لها علي يد مؤمن ؟!، وما هو رد فعله الذي تخشاه!
ولننتقل إلي صفوان الذي يجلس إلى جوارها بهدوئه المعهود، مهيب الطلعة، ثابت النظرات، لا يبدو عليه أدنى اكتراث بالهمسات المتناثرة حوله.
لم يكن ممن يسمحون للآخرين بفرض إيقاعهم عليه، ولا ممن يتراجعون عن قرار اتخذوه لمجرد أن العيون تراقبهم أو الألسنة تتناقل أخبارهم.
وبينما كان المأذون يراجع أوراق عقد القران، ثم دفع بها نحو نور، رفع رأسه إليها وقال بنبرة هادئة:
- امضي هنا يا عروسة.
توقفت أنفاسها للحظة، نظرت إلى الورقة أمامها، ثم رفعت عينيها نحو المأذون في تردد واضح، لم تستوعب بعد أن تلك الكلمات البسيطة تعني أنها على وشك أن تصبح زوجة لرجل لم تكن تتخيله حتى في أكثر أحلامها غرابة، ومازالت الأسئلة السابقة تتردد في رأسها.
تجمدت أصابعها فوق القلم، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها رغم حرارة القاعة، كان عقلها يضج بعشرات الأفكار المتشابكة؛ خوف من القادم، وقلق مما ينتظرها وارتباك من نظرات الحاضرين، وعجز عن فهم السرعة التي انقلبت بها حياتها من مأساة إلى زواج من المفترض إنه زواج باطل!
رفعت عينيها للحظة عابرة، فوجدت العيون كلها معلقة بها، تنتظر توقيعها وخاصة والدها و شقيقيها اللذان يرمقونها بنظرة تحذيرية وكأنهم يخبرونها يا إتمام مراسم العقد أم سنلقي بك في الجحيم.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم عادت ببصرها إلى الورقة.
وبيد مرتجفة أمسكت القلم، ثم وقعت اسمها على الورقة، وكأنها تكتب بيدها فصل جديد من حياتها دون أن تعرف ما الذي ينتظرها بين سطوره.
ما إن انتهت حتى تناول المأذون الأوراق، وراجعها سريعًا، ثم أتم بقية المراسم من الجمل التي يرددها الزوج و والد العروس، وبعد الانتهاء رفع رأسه إلى العروسين وابتسم ابتسامة رسمية قبل أن يقول عبارته التي اعتاد الناس سماعها في مثل هذه المناسبات:
-بارك الله لكما ، وبارك عليكما،وجمع بينكما علي خير إن شاء الله.
تعالت بعض التهاني من الحاضرين، وتبعثرت كلمات المباركة بين المقاعد، بينما ظلت نور جالسة في مكانها، عاجزة عن مجاراة الأجواء التي أحاطت بها.
لم تستطع أن تبتسم ابتسامة حقيقية، ولا أن تتظاهر بالسعادة التي يُفترض أن تغمر قلب عروس في لحظة كهذه.
كان كل شيء يجري حولها بسرعة تفوق قدرتها على الاستيعاب؛ كلمات المأذون، وتوقيعها، وإعلان زواجها، وتهاني الحاضرين... أما هي، فكانت تشعر وكأنها أُجبرت على مشاهدة حياتها وهي تتغير أمام عينيها دون أن تجد فرصة لالتقاط أنفاسها.
وفي تلك الأثناء، اقترب جسار من صفوان بخطوات وانحنى نحوه قليلًا، ثم اخبره بصوت خافت:
-كله تمام يا باشا.
أومأ صفوان برأسه، ثم ألقى نظرة سريعة نحو المأذون الذي كان يجمع أوراقه استعدادًا للمغادرة، وما إن ابتعد الرجل قليلًا تفوه سيد الذي كان يقف بالقرب منهما، وبدا على ملامحه شيء من التردد، قبل أن يهمس معترضًا:
-مش كنا أفضل عملنا كتب الكتاب وسط الجامع أحسن، وكنا لمينا الليلة؟، ما كانش ليها لازمة تتعمل في القاعة وسط الناس مش كفاية فضايح؟
ما إن انتهى سيد من حديثه حتى استدار صفوان إليه ببطء، وألقى عليه نظرة تحذيرية قاسية، جعلته يبتلع بقية كلماته قبل أن ينطق بها.
لم يحتج إلى رفع صوته؛ فحدة عينيه وحدها كانت كافية لتخبر الأخر بأنه تجاوز حدود ما ينبغي له قوله.
ثم أخبره بنبرة حازمة، لا تخلو من الاستنكار:
-هو ده المكان الصح اللي المفروض نعمل فيه كتب الكتاب، إحنا ما بنعملش حاجة غلط.
توقف لحظة قصيرة، وألقى نظرة خاطفة نحو نور، التي كانت لا تزال جالسة في مكانها، تحاول أن تتوارى عن عيون الحاضرين، ثم عاد ببصره إلى سيد واستطرد بصوت أكثر صرامة:
-إحنا عارفين بنعمل إيه كويس يا سيد، وما حدش هيقدر يجيب سيرة أختك، أو يكرر اللي حصل تاني، نور بقت مرات صفوان الشاذلي، يعني اللي يمسها يمسني.
خرجت كلماته الأخيرة قاطعة كحد السيف، تحمل وعدً صريحًا لا يحتاج إلى مزيد من التفسير.
لم يكن يتحدث عن مجرد زواج أُعلن أمام الناس، بل كان يرسم حدودً جديدة لا يسمح لأحد بتجاوزها، ويضع اسمه ومكانته حاجزًا بين نور وبين كل من قد يفكر في إيذائها أو النيل من كرامتها.
تصلبت ملامح سيد، وانخفض بصره للحظة، بينما ظل صفوان ينظر إليه بثبات، وكأنه يريد أن يتأكد من أن كل كلمة وصلت إلى مسامعه واستقرت في ذهنه.
استدار نحو والد نور، الذي يجلس جواره وقد بدت على وجهه علامات التوتر أمام هذا التحول المفاجئ في حياة ابنته.
تحدث صفوان إليه باحترام واضح، دون أن يتخلى عن نبرته الواثقة:
-بنتكم يا عم عيسي على راسي من فوق، ولو حابين تشوفوها أهلًا وسهلًا بيكم في أي وقت، تبلغوني في التليفون، وأنا هبعت لكم عربية بالسواق ييجي ياخدكم لحد عندي.
توقف لحظة، ثم أضاف بلهجة حاسمة أنهى بها أي احتمال لسوء الفهم:
-لأن نور مش هينفع تيجي هنا تاني.
ساد صمت ثقيل للحظات، لم تكن الجملة طويلة، لكنها وقعت على قلب نور كحجر ثقيل أُلقي في بئر عميقة؛ تردد صداه داخلها، وأيقظت شعور مرير لم تكن قد استطاعت تسميته حتى تلك اللحظة.
لن تأتي إلى هنا مرة أخرى!، إذًا لم يكن زواجها من صفوان مجرد انتقال من بيت إلى بيت، ولا مجرد تغيير في اسمها وحالتها الاجتماعية؛ بل بدا الأمر وكأنه اقتلاع كامل من حياتها القديمة، وانفصال عن المكان الذي عاشت فيه سنواتها الماضية، مهما كانت قسوته، ومهما حمل لها من ذكريات موجعة.
رفعت نور عينيها نحوه ببطء، فرأته ينظر إليها نظرة ثابتة لا تحتمل التأويل؛ نظرة رجل اتخذ قراره بالفعل، ولم يترك فيه مساحة للتراجع أو النقاش.
لم يكن في عينيه تردد، ولا في ملامحه ما يوحي بأنه ألقى كلماته على سبيل التهديد العابر، كان جاد تمامًا، وهذا ما جعل الخوف يتسلل إلى أعماقها بصورة أشد قسوة.
ارتجفت أصابعها وشعرت بانقباض مؤلم يعتصر صدرها، لم تستطع أن تسأله لماذا، ولا أن تعترض أمام أهلها اللذين ألتزم ثلاثتهم الصمت و لم ينطق أحد منهم بكلمة اعتراض واحدة.
كانت تريد أن تصرخ في وجهه بأنها لا تفهم شيئًا، وأنها لم تستعد بعد لكل هذه القرارات التي تُتخذ نيابة عنها، وأنها تحتاج إلى وقت تستوعب فيه ما حدث، لكنها لم تجد في نفسها القدرة على إخراج كلمة واحدة.
لقد بدا لها صفوان في تلك اللحظة كجدار شاهق لا تستطيع تجاوزه؛ رجل أنقذها من خطر حقيقي، لكنه في الوقت نفسه يمضي بها نحو حياة جديدة لا تعرف عنها شيئًا، ويحدد ملامحها وفق رؤيته وحده.
وبينما كان الحاضرون يتبادلون التهاني، ويتهيأ بعضهم للمغادرة، جلست نور وسط الضجيج وكأنها في جزيرة معزولة، لا يصل إليها صوت ولا تمتد إليها يد.
كانت تشعر أن الجميع ينظرون إليها بوصفها عروس محظوظة استطاعت أن تتزوج رجل بحجم صفوان الشاذلي، وأن كثيرين قد يرون في انتقالها إلى بيته نجاة من حياة قاسية عاشتها في الحارة.
لكن أحدًا لم يكن يعلم ما الذي يدور في داخلها، ولا كم الأسئلة التي تنهش عقلها، ولا ذلك الخوف الذي أخذ يتسلل إلى قلبها كلما أدركت أن حياتها لم تعد ملكًا لها كما كانت تتصور.
لقد أصبحت زوجة صفوان الشاذلي،
والرجل الذي وقف أمام الجميع ليعلن أن من يمسها فكأنما مسَّه، هو نفسه الرجل الذي قرر الآن أنها لن تعود إلى بيتها في الحارة، وأن لقاءها بأهلها سيكون وفق ترتيباته، وفي المكان الذي يختاره هو.
أكان يحاول حمايتها حقًّا، أم أن حمايته ستتحول، بمرور الوقت، إلى قيود لا تستطيع الفكاك منها؟
لم تعرف الإجابة، كل ما عرفته أنها لم تعد الفتاة التي دخلت هذه القاعة قبل ساعات وهي تظن أن أسوأ ما قد يحدث لها قد حدث بالفعل.
فها هي تخرج من مأساة لتجد نفسها على أعتاب حياةٍ مجهولة، تحمل اسم رجل قوي، وتخضع لقراراته، ولا تعرف إن كانت الأيام القادمة ستمنحها الأمان الذي افتقدته طويلًا، أم ستضعها أمام اختبار جديد أشد قسوة من كل ما سبق.
نظرت إلى صفوان مرة أخرى، ثم أشاحت بوجهها سريعًا، تحاول أن تخفي ما فضحته عيناها من خوف وقلق.
أما صفوان، فظل واقفًا إلى جوارها بثباته المعهود غير مدركٍ أو ربما غير راغب في الاعتراف، بأن الأمان الذي يظن أنه يمنحه لها قد يبدو في عينيها قيد جديد!
❈-❈-❈
ساد الصمت داخل السيارة الفارهة، ولم يكن يُسمع سوى الهمهمة الخافتة للمحرك، وصوت الإطارات وهي تشق الطريق بسلاسة وسط أضواء الشوارع المتناثرة. انعكست الأضواء على الزجاج الداكن، فمرت فوق المقاعد الجلدية في ومضاتٍ متقطعة، حيث جلست نور إلى جوار صفوان متيبسة الجسد، متشابكة الأصابع فوق حجرها، وعيناها معلقتان بالطريق خلف النافذة، تتابعان المشاهد العابرة دون أن تستوعب منها شيئًا.
القلق ينهش صدرها، والخوف يتسلل إلى أعماقها كلما تذكرت كلماته الحاسمة في القاعة، حين أخبر والدها بأنها لن تعود إلى الحارة مرة أخرى.
لم تجرؤ على الالتفات نحوه، رغم شعورها بوجوده الطاغي إلى جوارها؛ ذلك الوجود الذي يملأ المساحة المحيطة به، ويجعل الصمت نفسه يبدو وكأنه ينتظر منه إشارة كي ينكسر.
أما صفوان، فكان يجلس في هدوء مريب، وقد أسند ظهره إلى المقعد، وأرخى إحدى ذراعيه فوق مسنده، بينما استقرت عيناه بين الحين والآخر على ملامحها الشاحبة، لم يخفَ عليه توترها، ولا تلك المسافة النفسية التي تحاول أن تصنعها بينهما، كأن ابتعادها ببضع سنتيمترات قد يحميها من رجل باتت حياتها مرتبطة به بعقد رسمي.
طال صمتها، حتى شعرت أن عليها أن تتحدث، ولو لتخفف قليلًا من ذلك الاختناق الذي يطبق على صدرها.
ابتلعت ريقها، ثم استدارت نحوه ببطء، دون أن ترفع عينيها إلى عينيه مباشرة، واخبرته بصوت خافت تخللته رجفة حاولت عبثًا إخفاءها:
-كنت ممكن تسيبني عند أهلي ولو أسبوع واحد، على الأقل أجهز حاجتي، وكنت تبعت لي السواق ياخدني، ما كنتش هقول لأ.
خرجت الكلمات من فمها مترددة، لكنها حملت في طياتها عتاب، وربما رجاء صغير بأن يمنحها شيئًا من الوقت، لتستوعب ما حدث، وتودع حياتها السابقة على مهل بدلًا من أن تُنتزع منها دفعة واحدة.
لكنه لم يبدُ عليه أنه يرى في طلبها سببًا يستحق القلق، التفت إليها وتأمل ملامحها لثوان، ثم قال بنبرة هادئة تحمل ثقة رجل رتب كل شيء سلفًا:
-ما تقلقيش، كل حاجة موجودة هناك.
رفعت رأسها نحوه، وانعقد حاجباها في دهشة لم تستطع إخفاءها، سألته بتعجب:
- كل حاجة موجودة إزاي؟!
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وكأنه استمتع بحيرتها المفاجئة، فاخبرها:
-يعني مش هتحتاجي تجيبي حاجة من عندكم، كل اللي ممكن تحتاجيه متجهز ومستنيكي.
اتسعت عيناها قليلًا، وأخذت تتأمله في صمت، تحاول أن تفهم كيف استطاع أن يجهز كل تلك الأشياء بهذه السرعة، ومتى فعل ذلك، ومن أين عرف ما قد تحتاج إليه.
كان الرجل يتصرف وكأن زواجهما لم يكن قرارًا اتُّخذ في خضم أزمة عاصفة، بل خطوة أعدَّ لها طويلًا، وانتظر اللحظة المناسبة لتنفيذها.
وهذا تحديدًا ما زاد حيرتها، كيف استطاع أن يرتب كل شيء بهذه الدقة، بينما هي نفسها لم تكن تعرف، قبل ساعات قليلة.
وقبل أن تفتح فمها بسؤال آخر، مال برأسه قليلًا نحوها، و بنبرة خفيفة تحمل شيئًا من التشويق اخبرها:
-وبعدين أنا محضر لك مفاجأة هتعجبك.
توقفت الكلمات عند شفتيها، نظرت إليه باستغراب، وقد ازدادت الحيرة التي ترسم ملامحها وضوحًا، سألته بصوت خافت:
-مفاجأة إيه؟
لم يُجبها على الفور، بل اكتفى بالنظر إليها، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة، ابتسامة لم تستطع الأخرى أن تفهم إن كانت تخفي وراءها شيئًا لطيفًا أراد أن يسعدها به، أم قرارًا آخر اتخذه دون أن يستشيرها.
ثم استقرت عيناه على عينيها، بنظرة طويلة جعلت قلبها يخفق على نحو مضطرب.
كان في تلك النظرة شيء مختلف؛ شيء يتجاوز الإعجاب الذي رأته في عينيه داخل الأتيليه، ويتخطى الحنان الذي أظهره لها أمام الفتيات.
كانت نظرة رجل يشعر بأنه اقترب أخيرًا من شيءٍ طال انتظاره، ويريد أن يطمئن إلى أنه لن يفقده مهما حدث.
شعرت بقشعريرة غريبة تسري في جسدها، فحاولت أن تشيح بوجهها نحو النافذة، لكنه مد يده إليها قبل أن تفعل.
التقط كفها الصغير بين يديه، وأحاطه بكفيه في حركةٍ بدت هادئة في ظاهرها، لكنها أربكتها على نحو لم تكن مستعدة له.
تجمدت أصابعها داخل يديه، لم تسحبها ولم تستطع كذلك أن تبادله تلك اللمسة بعفوية؛ فقد باغتها قربه المفاجئ، وأشعرها بأن المسافة التي حاولت الحفاظ عليها طوال الرحلة قد اختفت في لحظة.
أما هو، فأنزل عينيه إلى يدها المحاصرة بين كفيه، ثم مرر إبهامه برفق فوق ظاهرها، قبل أن يرفع بصره إليها مجددًا.
وحين تكلم تبدلت نبرة صوته؛ انخفضت واكتسبت دفئ واضح، لكن ذلك الدفء امتزج بنبرة تملُك صريحة، جعلت كلماته تحمل أكثر من معنى.
قال ببطء، وكأنه يريد أن يحفر كل حرف في ذاكرتها:
-عايزك من اللحظة دي تعرفي حاجة واحدة بس يا نور...
تعلقت أنفاسها في صدرها، تنظر إليه الآن وقد عجزت عن إخفاء اضطرابها، بينما تابع هو وعيناه لا تفارقان عينيها:
- إنتِ بقيتي ملكي، ومش هيفرق ما بيني وبينك غير الموت.
سقطت كلماته في أذنها ثقيلة كأنها لم تكن مجرد اعتراف بالحب، بل عهد قطعه على نفسه، ووعد لا ينوي التراجع عنه.
ظلت تحدق فيه، عاجزة عن استيعاب ما سمعت، ملكه؟!
ترددت الكلمة في عقلها، وتداخلت مع ذكريات الساعات الماضية؛ حمله لها أمام الأتيليه وتجهيزاته التي سبقت وصولها، وإصراره على إتمام الزواج في القاعة، ثم إعلانه أمام والدها أنها لن تعود إلى الحارة.
كل شيء بدا مترابطًا الآن، لكنه لم يمنحها الإجابة التي تحتاج إليها، بل فتح أمامها أبواب جديدة من التساؤلات.
هل كان يقصد بكلماته أنه سيحميها من كل من قد يؤذيها، وأنه لن يسمح لأحد بالاقتراب منها بسوء؟ أم أنه أراد أن يخبرها منذ اللحظة الأولى، بأن حياتها معه ستسير وفق إرادته وحده؟
لم تستطع أن تحدد، كل ما استطاعت الشعور به هو أن كفه ما زالت تطبق برفق على يدها، وأن نظرته لا تزال معلقة بها، تنتظر منها استجابة لم تكن تعرف كيف تمنحها إياها.
حاولت أن تسحب يدها قليلًا بحركة خجولة لم تتجاوز حدود التردد، لكن أصابعه بقيت ملتفة حولها، دون أن يؤلمها وكأنه لم ينتبه إلى محاولتها أو لم يشأ أن يمنحها فرصة للابتعاد في تلك اللحظة.
ابتلعت ريقها، ثم همست بصوت خافت:
-صفوان...
لم تكن تعرف ماذا ستقول بعد اسمه، ولا كيف يمكنها أن تصوغ ما يعتمل في صدرها من خوفٍ وحيرة.
أرادت أن تسأله عن معنى كلماته، وعن تلك القرارات التي يتخذها نيابة عنها، وعن الحياة التي تنتظرها خلف أبواب بيته، لكنها شعرت بأن الكلمات تتزاحم في حلقها دون أن تجد طريقها إلى الخارج.
تأملها وقد لمح الخوف الذي استوطن عينيها، فخفف من ضغط يديه حول كفها، ثم سألها بنبرة أكثر هدوء:
-إيه يا نور؟ خايفة مني؟
ارتجفت أهدابها، وانخفض بصرها تلقائيًا،
كان السؤال مباشرًا أكثر مما تحتمل، وكانت الإجابة الحقيقية تقف على طرف لسانها؛ نعم، كانت خائفة.
خائفة من سرعة الأحداث، ومن غموض ما ينتظرها، ومن ذلك الرجل الذي استطاع أن ينتزعها من حياة إلى أخرى خلال ساعات، دون أن يمنحها فرصة كافية لفهم ما يحدث.
لكنها لم تجرؤ على قول ذلك، اكتفت بالصمت، بينما راحت عيناها تتنقلان بين يديه ووجهه، كأنها تبحث عن مخرج من موقف لا تعرف كيف تتصرف فيه، فكل ما شعرت به إنها كالأسيرة.
راقبها صفوان لحظات، ثم تنهد بهدوء دون أن يترك يدها، بل واقترب أكثر حتي ألتصق بها وأحاط ظهرها بذراعه وهو يخبرها وعينيه لا تفارق خاصتها:
- أنا عارف اللي بيدور جواكي، وبقولك ماتقلقيش و ماتخافيش مني و لا من أي حاجة، و الأيام الجاية هتثبتلك أنتِ إيه بالنسبة لي، شوفتي كنت هانسي أهم حاجة.
وأخرج من جيب سترته الداخلي علبة مكسوة بالمخمل الأسود، قام بفتحها ليظهر خاتم زواج تحفة فنية رائعة و باهظة الثمن.
أمسك به و سحب يدها اليسرى ووضعه برفق في اصبعها البنصر ثم قام بتقبيل يدها وعينيه تبتسم بعشق وهيام بها، هيهات وترك يدها ليحاوط وجهها بين كفيه، ويردف:
- ألف مبروك يا نور قلبي وحياتي.
وقام بتقبيل جبهتها و شعر برجفة جسدها، فهي قد اغمضت عينيها وخديها كاد ينفجران من حمرة الخجل.
لم يتحمل رؤية هيئتها في تلك اللحظة و أن يتماسك أكثر من ذلك، مد يده خلفه علي زر رفع حائل قاتم بين المقصورة الخلفية و بين مجلس السائق، حتي أصبحت الأجواء أكثر خصوصية.
دقات قلبه تخفق بقوة، و بدون تردد عانقها وألتقط شفتيها في قبلة كم حلم بها طوال الليالي السابقة حتي أضحت واقع وأصبح هو أسيرها.
