رواية الداهية وسلالة الاوغاد الفصل العاشر
ولج أدهم بصحبة نيازي إلى داخل القاعة المتسعة إلى حد ما، بعد أن مروا بداخل مبنى ضخم عرف أدهم أنه صرح ثقافي في المدينة، خطا الاثنين يخترقان الممر الطويل والفاصل بين صفين من الحضور، عدة كراسي يجلس عليها عدد من الأفراد، ونيازي يلقي التحية على من يعرفه منهم.
وصلا إلى مجموعة شباب تتقدمهم فتاة رائعة الجمال هتف باسمها نيازي فور رؤيتها:
• "لينا! عاملة إيه يا حبيبتي؟
"قالها وهو يصافح الفتاة بحرارة وهي تبادله التحية بابتسامة ولا أروع، ليتمتم أدهم داخله بذهول:
• "يا نهار أبيض! هي دي لينا اللي كان بيكلمها في التليفون؟"قالها يتابع وقد تركزت أبصاره عليها وعلى البحر الفيروزي بعينيها، قبل أن يجفل على قول نيازي:
• "أحب أعرفك يا لينا، ده سعيد ابن خالي."أهدته ابتسامة لم تنقص روعتها وهي تمد كفها لتصافحه:
• "أهلاً يا سعيد، نورتنا بجد."
• "أهلاً بيكي يا قمر."قالها أدهم وأنامله تتناول كف الفتاة بأناقة نشأ عليها في المعاملة الراقية للنساء في زمنه الماضي، حتى أنه نسي عرف الحاضر وقام بتقبيل ظهر كفها برقة أذهلت لينا لتشهق متفاجئة من فعلته مع عدد الأصدقاء من خلفها، بمرفقه لكزه نيازي على خصره يحدجه بنظرة خطرة قائلاً:
• "إيه اللي بتعمله ده يا غبي؟ أنت فاكر نفسك عايش في أفلام الأبيض وأسود بتاعة زمان؟"رد أدهم بلباقة يدعي الحرج:
• "معلش يا نيازي ماتاخدنيش.. وسامحيني أنتِ يا فندم، بس بجد حسيت إني في زمن الأبيض وأسود من كتر رقي المكان وجمال الناس اللي هنا."
وانا شايف الجمال الخلاب دا للآنسة، وكأنها من أميرات الأسرة المالكة.
علت الشهقات مرة أخرى لهؤلاء الأفراد من خلف لينا والتي تجمدت وارتسم على وجهها ابتسامة:"جبت الواد ده منين يا نيازي؟ ده بيتغزل وبيوصف بخيال واسع أوي، لدرجة إنه غلبنا إحنا الشعراء يا راجل!"
قالها أحد الرجال ليرد نيازي كاظماً غيظه:
"أيوة.. ما هو متزوق للشعر وبيحب الخيال زي ما أنتم شايفين كده."
جلس نيازي يجز على أسنانه من الغيظ، حتى همس لأدهم ساخراً:"أميرات الأسرة المالكة قال! جاي تعملي فيها الراقي الوسيم، ده إنت تربية طين وغيطان ياد، وعايش مع البط البلدي اللي بيعوم في الترعة!"
عقد أدهم حاجبيه متسائلاً:"قصدك ايه يعني بالطين والبط البلدي ده؟ وليه رابط الدنيا ببعضها كده أصلاً؟
"برقت عينا نيازي الواسعتان بغيظ، فهذا الفتى يشتته بدرجة غير مفهومة، همّ أن يذكره بحكايات سمعها من والدته عن أفعاله الحمقاء في البلدة، ولكن منعه صوت مقدم الأمسية الذي ذكر عن مميزات صديقه الشاعر الذي سيلقي قصيدته الفريدة الآن، وصمت بإذعان.
أما أدهم فقد صمت هو أيضاً، يريد التعرف على الشعر الحديث علّ هذا الشاب يكن فيه الرجاء بعيداً عن العته الذي يفعله حفيده نيازي، ويدعي زوراً أنه شاعر:
"للدموع أسرار.. وللحب آثار.. وفراقك ده نار.. وشوفتك بتفكرني.. بأكبر صرصار!""
صرصار!"رددها أدهم بذهول ينظف بظفر سبابته داخل أذنه، فيبدو أنه قد سمع خطأ، فمن المستحيل أن يكون الشاعر قد ذكر شيئاً مثل هذا، تنهد يعيد الإصغاء بتركيز ليسمع:
"إزاي محبكش ودي كل صفااااتك.. حنين زي البقرة.. وقوي زي الثور.. وصابور زي الحمار.. ووفي زي الكلب!"
عند الأخيرة هب أدهم يضرب على ذراع المقعد مجفلا نيازي بقوله:"يلعن أبو ده جنان! هو المعتوه ده مالقاش تشبيهات غير صفات الحيوانات عشان يتغزل في حبيبته؟"رد نيازي ببساطة
"ومالها صفات الحيوانات؟ وإنت مالك أصلاً عشان تنتقد؟"
هدر صوت من الأمام منزعجًا منهما، ليخفض نيازي صوته وهو يردف بتحذير:"بطل رغي بقى وما تزعجش الناس اللي بتسمع باقي القصيدة.
ردد أدهم بعدم استيعاب:"باقي القصيدة! قصيدة إيه دي؟ ده جنون رسمي، أنا مش هسمح لودني تتلوث بالهبل ده."
هتف شاب من جواره بغيظ:"طيب ما تسمعش انت يا سيدي وسيبنا إحنا نستمتع بإبداع الشاعر!"
"إبداع الشاعر؟!"رددها بغيظ قبل أن يعود لنيازي الذي يحدجه بأعين نارية فنهض أدهم بعدم احتمال يردف:"أنا هستناك بره القاعة لحد ما المجنون ده يخلص، بلا شعر بلا هبل
اومأ بذقنه نيازي بعدم اكتراث ليحرك أقدامه أدهم للمغادرة، توقف فجأة حينما سمع بعض الكلمات ما ظن منها أنه تحسن في الشعر:
.أنت الأمل والود..أنت عبير الورد...أنت الفرح والسعد...انبسط يا قرد...:"
قرد! أنا قولت من الأول إن ده هري.. هرااااء!"ظل يردد بها وهو يعدو بخطوات مسرعة حتى خرج من القاعة، ليجد نفسه داخل المبنى الفارغ من الأشخاص. تنهد بارتياح يفرد ظهره ليضع كفيه داخل جيبي بنطاله بتفكير فيما يود فعله.
......................
على مائدة السفرة اجتمعت الأسرة على وجبة العشاء، فقال عزام يسأل عن الأفراد الناقصين:
"ابن خالك راح فين يا ولد؟"رد أمجد بعدم انتباه وهو يتناول الطعام بشهية مفتوحة كالعادة:"ابن خالي مين؟"
صاح به عزام:"ابن خالك سعيد يا معتوه! واهدى شوية وأنت بتمضغ عشان الأكل ما يقفش في زورك وتموت شهيد العشا.
"شحب وجه أمجد ليتمهل في المضغ برعب أثار ضحكات الجميع من خلفه، وبشكل أثار غيظه ليردد ساخرًا على قهقهة شقيقته أريج بجواره وسخريتها منه:
"ها ها.. عجبتك القفشة يا ظريفة؟"
هزت برأسها تناظره بمنكافة، حتى توقفت على قول والدتها:"سعيد خرج النهاردة مع نيازي عشان يحضروا أمسية شعرية."هتف عزام بعدم تصديق:"مين يا غالية؟ سعيد.... ونيازي رضي ياخده معاه إزاي بعد اللي حصل ما بينهم، بعد ما لسوعه بحزام البنطلون
رد أمجد:
• "اتصالحوا يا بابا.. سعيد اعتذر له على اللي حصل، ونيازي يقبل يبوس راسه وسامحه."
تدخلت أحلام قائلة بحب:
• "ربنا يسعده نيازي ده، طيب قوي رغم جنانه.. والواضح إن سعيد عرف قيمته، عشان كده هو اللي طلب يرافقه زي ما عرفت من نيازي. أنا فرحت قوي لما شفتهم مع بعض رغم إنه كان زعلان منه زمان.. نفسي علاقتهم تبقى صداقة بجد، يمكن يساعده يتخطى مرضه.. يارب قربه منه واشفيه يا رب.
"تجمد أمجد مستمعا لكلمات والدته يلوك اللقمة داخل فمه بشرود وقد دارت رأسه؛ عما يخشى ألا يناله وينتظر بفارغ الصبر عليه، انتبهت أريج لتسأله ساخرة:
• "حبيبي يا أمجد، وقفت أكل ليه؟ أوعى تقول إننا حسدناك!"
حدجها بنظرة خطرة حانقة صامتاً حتى أنه لم يرد على سخرية والده بعدها:
• "باين عليه عرف قيمة أمجد وتفاهته كويس، فراح يدور على بديل عشان يرجع لحياته القديمة ويحاول يعالج نفسه."
عند الأخيرة برقت عيني أمجد بجزع، فـ عفوية والديه رغم عدم معرفته بشيء، قد ساهمت في تنبيهه ليظل يقظاً على الدوام للقادم. نهض فجأة عن مقعده يُنهي طعامه ليدلف سريعاً نحو غرفته، لحقت به أريج بعد قليل، لتجده منكفئاً على هاتفه فقالت ساخرة:
• "أمجد حبيبي الحساس، اللي ساب الأكل عشان كلمتين.. طمني عليك، عامل إيه دلوقتي؟"قالت الأخيرة وهي تجلس بجواره على السرير، فـ صاح بها أمجد بنزق:
• "بقولك إيه يا أريج، كفاية رغي.. أنا مش في مود يسمح لهزارك السخيف ده خالص."
قالت بدلال مستفز وهي تداعب بأناملها على أجزاء من وجهه كالوجنتين والذقن، مما اضطره لزجرها بعنف:
• "ابعدي عني يا أريج.. ابعدي أحسن ما أطلع غضبي كله عليكي!"لهجته الخطرة بملامح وجهه الشرسة مع نظرته المخيفة كل ذلك جعلها تتراجع بجزع للخلف، وتمتمت بعتب:
• "خلاص.. متقفش كده وتتعصب عليا، أنا هقوم وأسيبك خالص."نهضت من جوارها وهمت أن تتحرك ليفاجأها بهتافه:
• "اقعدي مكانك وماتطلعيش شياطيني عليكي يا غبية!"استفزها كالعادة لتهدر بها غاضبة:
• "متقولش غبية يا أمجد! إنت اللي غبي وأحمق كمان!"كز على أسنانه يرمقها بنظرة خاطفة حانقة يأمرها:
بطلي هبل بقى احنا مش عيال عشان تتقمصي ولا تلوي وشك، خليني مركز في اللي انا فيه، قبل ما تحصل مصيبة، اقعدي يا بنت."
اضطرت أن تذعن وتعود للجلوس بجواره، حتى أنهى أمجد مهمته بالهاتف ليرفع رأسه أخيرًا، بمرح يحدث نفسه:"تمام.. تمام أوي."
سألته أريج باستغراب :
"إيه هو اللي تمام يا فيلسوف عصرك وأوانك؟"التف إليها يضع قدمًا فوق الأخرى يقول بزهو:"التمام يا عزيزتي إني كالعادة ماسك خيوط اللعبة في إيدي.. جدك العزيز فاكر إنه هيخرج بره سيطرتي ويحاصرنا إحنا الاتنين بخروجه مع نيازي، وما يعرفش إني مراقبه من مكاني هنا وعارف كل خطوة بيخطيها."
نظرت إليه بتوجس تسأله:
ـ مراقبه إزاي وأنت قاعد مكلك هنا؟ عملت إيه يا أمجد؟"
ضحك يجيبها بانتشاء:"مش صعبة يا حبيبتي، أخوكي خبرة.. ولا إنتي متعرفيش إن فيه تطبيقات دلوقتي بتسهل الكلام ده كله؟"ارتفع حاجبيها بإعجاب وقد فهمت الى ما يرنو اليه ، لتعقب بفراسه:"أيوة بقى! أخويا الشيطان رجع لنشاطه تاني.. قولي عملتها إزاي؟"
........................
عودة الى أدهم، والذي استغل وجوده وحده بهذا الصرح الثقافي الذي تملكه الدولة، لكي يدور بالصالة المفتوحة للوحات المعلقة بها، وتجول عيناه على كل قطعة فنية ليقف مبهوتًا أمامها ويتأملها بتمهل بطيء، يجعله يفهم المغزى من الرسومات، وماذا يقصد الرسام خلف رسمها.
"هي اللوحة عاجباك للدرجة دي؟"انتبه على الصوت الأنثوي، فالتف ليرى الفتاة الرائعة، التي يحبها نيازي ويتصل بها كثيرًا، فرد على قولها:"ممكن متكونش عاجباني، بس أنا مصمم أفهمها الأول وأقيمها.. أطلع الثغرات اللي فيها، وأدور على الإبداع اللي يخليني أحس بجمالها."
عقبت لينا بانبهار أصابها:"يا خبر! وكمان بتفهم في الرسم؟ أنا مش مصدقة!"
أجابها بابتسامة جانبية ساخرة:"أنا بحب الجمال يا عزيزتي.. الجمال اللي حوالينا في كل حاجة، وبالذات لو كانت ست جميلة زيك، بتفرح القلب وتنشر السعادة بمجرد ما الواحد يشوفها
