رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والسابع والعشرون 127 بقلم سهام صادق


 رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والسابع والعشرون 


انتفض نائل من نومه فزعاً بأنفاس لاهثة، ثم مسح على وجهه واستعاذ من الشيطان.
نظر حوله في أرجاء الغرفة المظلمة التي يتسلل إلى داخلها شعاع بسيط من الشرفة الخارجية.
فرك جبينه ثم شرع في هز رأسه برفضٍ لتلك الأحلام العجيبة التي أصبحت تدفعه إلى الخوف والحيرة.

ـ غريبة يا هدى أنك تجيلي الليلة دي في الحلم وتنادي على هشام، وقبلك بكام يوم أحلم بـ أسامة.
وأردف متسائلاً وهو يعتدل في رقدته:
ـ أنا ليه نفسي رايح مني كده؟ أنا شكلي نسيت آخد الدواء بتاعي قبل ما أنام.

جال ببصره مرة أخرى بالغرفة دون هدف، ثم زفر أنفاسه بثقل وهو يمد يده نحو المنضدة الصغيرة القريبة من الفراش.
التقط أولاً ساعة معصمه القديمة والغالية على قلبه، ثم حدق بالوقت الذي ظنه تخطى منتصف الليل.
وضع الساعة مكانها والتقط عبوة الدواء الذي تناسى أخذه قبل سقوطه في النوم باكراً.

أطرق نائل رأسه ثم بدأ لسانه بالدعاء لأولاده وأحفاده، لكن فجأة توقف عما يفعله عندما أجفله رنين الهاتف.
خفق قلبه بوجل وأخذ يبحث عن الهاتف بيدين مرتعشتين ، ثم بدأ فزعه يتلاشى عند رؤيته لرقم هشام، وأسرع بالرد قبل أن ينقطع الرنين:

ـ أيوة يا هشام، أنت بخير يا حبيبي؟

كان هشام أوشك على قطع الاتصال، لكن عندما التقطت أذناه جوابه، هتف سريعاً:

ـ أنت لسه صاحي يا سيادة اللواء؟ أنا قولت إنك نمت خلاص.

نهض نائل من الفراش ثم تنهد براحة:

ـ بعد ما صليت العشاء لقيت نفسي محتاج أنام، فأطمنت على بنت أخوك ودخلت أوضتي أنام.

أطبق هشام بيده على الهاتف وتساءل بنبرة صوت تحمل في طياتها ندماً يعلم أن أوانه قد فات:

ـ هي كويسة دلوقتي يا بابا؟

ترقرقت الدموع في عيني نائل، فواصل هشام حديثه:

ـ قولها إني هاجي أزورها عشان أطمن عليها وعليك يا بابا.

ابتهجت أسارير نائل وقال بنبرة صوت مهزوزة ومتحشرجة:

ـ نفسي يا هشام تعوض بنت أخوك عن قسوتك عليها، نفسي أموت وأنا مستريح ومطمن عليكم كلكم يا بني.

اهتزت أجفان هشام بعد أن اقتحم أحد المشاهد ذاكرته، وكيف كانت تقف زينب أمامه مرتعبة وتسأله عن الأثم الذي اقترفته حتى يكرهها دون سبب وتترجاه أن يحبها مثلما يحب سما.

«متقارنيش نفسك بـ سما، واحمدي ربنا إني بسمحلك تقفي قصادي وتتكلمي يا بنت أسامة.»

ـ سامحني يا هشام، سامحني إني خذلتك في يوم يا بني ومكنتش الأب اللي بتتمناه، أنا عارف إنك اتحملت بسببي حاجات مكنش المفروض تتحملها.

سرت رجفة قوية في جسد هشام وسحبته ذكريات الماضي نحو ما لا يحب تذكره.

ـ هدى حملتك أنت أكتر واحد الذنب، وكأن أنت المذنب مش أنا.

أغمض هشام عينيه بقوة حتى لا تفيض بالدمع، لكن رغماً عنه كانت دموعه تخونه وتنساب على خديه عندما تذكر صفعات والدته له وصراخها عليه ، ثم بعدها تحتضنه معتذرة عما تفعله في نوبات غضبها التي لا تنصب إلا عليه وحده، وكان عليه وقتها دفع ذنب ليس له، إلا أن والده كان أنانياً واختار نفسه عنهم.

فتح عينيه بعدما سيطر على ضعفه الذي لا يحتاجه الآن، وتمتم قائلاً وهو يتجه بأنظاره نحو مدخل البناية التي يسكن فيها:

ـ أنا عايزك أنت اللي تسامحني يا بابا، أنا آسف على كل كلمة قولتهالك وعلى عقابي ليك في حاجة أنت أكتر واحد دفعت تمنها.

ابتسم نائل وأجابه بنبرة صوته الدافئة:

ـ عمر قلبي ما كان زعلان منك يا هشام، أنا زعلي منك ديماً نابع من خوفي عليك من نفسك يا بني.

هذه المرة قبض على أحد يديه حتى لا يبكي بصوت مسموع ، وفي داخله ردد بأسى:
"نفسي ضيعتني يا بابا وضيعت عيلتي وعملت نفس اللي اتعمل زمان، كان عندك حق لما قولتيلي وأنت بتعيط إنه مكنش بأيدك أنك تضعف، وإن أهواء النفس مش بأيدينا."

نظرت إليه لبنى بنظرة ثاقبة ثم مدت يدها نحو باب السيارة حتى تفتحه.
مسح هشام دموعه وتمتم بنبرة صوت خشنة قبل أن ينهي المكالمة:

ـ أدعيلي يا سيادة اللواء.

قطب نائل جبينه في وجوم سكن وجهه مجدداً بعدما انتهت المكالمة.
...
صعدت لبنى السيارة بوجه ممتقع متسائلة بنبرة هازئة:

ـ كنت بتكلم مين دلوقتي يا سيادة المستشار؟

انطلق هشام بالسيارة دون أن يرد، فتجهم وجهها وعقدت ساعديها قائلة:

ـ أعمل حسابك إننا هنطلق، ومش هنعلن عن طلاقنا غير بعد فترة من سفرك، وطبعاً هتكتب فيلا الشيخ زايد باسمي وأسهم مصنع العاشر.

ضغط هشام على دواسة الوقود وصاح عليها:

ـ هي أرض الفيوم مملتش عينك يا لبنى؟ أنتِ عارفة تمنها كام!

انشق ثغر لبنى عن ابتسامة مستنكرة ثم أشاحت بوجهها عنه:

ـ كل ده ميجيش حاجة قصاد خيانتك ليا يا هشام.
وبقهر أردفت:

ـ كنت في حضن حتة العيلة وأنا بعاني لواحدي في قهرتي مع بنتنا، وكله بسببك يا سيادة المستشار.
وبصراخ استطردت:
ـ عرفت دلوقتي سبب مرضي النفسي بعد فرح بنتنا!

ثم صدحت ضحكاتها عندما تذكرت كم عدد المرات التي أخبرها فيها أنها فقدت عقلها:

ـ ده أنا لو كنت طولت شوية في اكتئابي كنت دخلتني السرايا الصفرا، وبعدها أعلنت جوازك من الغندورة بنت عدنان الهتيمي، يا راجل بعد العمر ده كله يوم ما تخوني تعملها مع عيلة صغيرة في دور عيالك، أهو على أيديها خايف من الفضيحة وقدمت استقالتك عشان تهرب من البلد قبل ما عدنان وأبنه يشموا خبر.

انتفخت أوداج هشام من الغضب وصاح عليها حتى تتوقف عن كلام ينغرز كالنصل الحاد في صدره:

ـ خلاص يا لبنى هتنازلك عن أسهم المصنع وفيلا الشيخ زايد، وأرحميني بقى من كلامك، أنا حالياً مش بفكر غير إني أنقذ أشرقت وبعدها مش مهم أنا.

رمقته لبنى بنظرة ساخطة ثم صوبت أنظارها نحو الطريق:

ـ وكأني أنا مش زيك، يهمني حياة بنتي!

التوت شفتاه ثم هز رأسه باستخفاف:

ـ واضح يا لبنى إن بنتك أهم عندك، بأمارة إنك خبيتي عليا من ساعة ما عرفتي نواياه منها وذله ليها، لأ ومكفكيش كده قولتي تساومي على حفيد وبعدها يطلق بنتنا وناخد منه فلوس، وكأنك ناقصة فلوس يا هانم!

استشاطت غضباً وحقداً من صراخه عليها ووضعها في خانة الأم السيئة التي لا تهتم بمصلحة ابنتها، وصرخت بوجهه:

ـ أنت السبب، كنت عارف إن عدنان الهتيمي راجل أعماله مشبوهة وكملت الجوازة عادي عشان مصالحك!

واتبعت حديثها بأنفاس متهدِّجة:
ـ أهو ضيعت بنتك يا سيادة المستشار وبعدها اتقرطست من بنته، ومسيرتك المهنية ضاعت وضيعتنا معاك وكله راح من أيدك، وعايز في الآخر تطلعني الزوجة الطماعة والأم المهملة!

أغلق هشام أجفانه في لحظة خاطفة لعله يهدأ من ذلك الشعور الذي تفاقم داخله عندما استعاد في عقله ما فعله مراد مع ابنته، وفهم السبب الذي جعلها ذابلة بلا روح، حتى في العمل تراجعت قدراتها وضاعت منها ترقيتها، ولولا وجوده في السلك القضائي لفقدت وظيفتها.

ـ مكنتش فاكر إن بنتنا ممكن يضحك عليها.
تجهم وجه لبنى عند التقاط أذنيها همسه الخافت وردت باستهزاء:

ـ ما هي طالعالك وبيتضحك عليها بكلمتين حب.
.....

توقف نائل عن سيره داخل الغرفة بدون هوادة، ثم انطلقت من شفتيه زفرة طويلة وثقيلة وتمتم بوهن وهو يتجه نحو الشرفة حتى يفتحها:

ـ كل حاجة هتكون بخير يا نائل.

خرج إلى الشرفة ليعبئ صدره بالهواء المنعش ويمنح عقله السلام قليلاً، وسرعان ما كانت تنفرج شفتاه عن ابتسامة عريضة عندما أبصر وجود زينب وصالح بالحديقة، فـ شرفة غرفته الوحيدة التي تطل على تلك البقعة المميزة.

أسدل أجفانه وانمحت ابتسامته عندما شرد مع ذكريات الماضي التي لا ترحمه كلما مر طيف تلك التي سرق معها لحظات انحفرت على جدار قلبه.

ارتعشت قبضتا يديه اللتان أمسك بهما سياج الشرفة، ثم رفع رأسه واختطف نظرة سريعة نحو زينب وصالح وبعدها تراجع بخطواته.

ـ زوزو أنتِ نمتي؟
تساءل بها صالح بعد أن توقف عن تمرير أصابعه في خصلات شعرها.
فتحت عينيها الناعستين وهمست بصوت ضعيف:

ـ خليني آخد المهدئ.
ثم رفعت يدها وحركتها على صفحة وجهه المتعب:

ـ أنت ذنبك إيه تفضل سهران معايا؟

أسرع صالح في وضع يده على شفتيها:

ـ أولاً المهدئات متنفعش إلا عند اللزوم، ومع وضعك الحالي الأفضل منفكرش فيها، ولو حتى مكنتيش حامل مكنتش هسمح بكده ما دام عندنا بديل.

عبست زينب بشفتيها معترضة، فهي تحتاج إلى أقوى أنواع المهدئات حتى تنفصل عن العالم بأكمله لعل ما حدث ذلك اليوم تتخطاه.

ـ مش عايزه تعرفي إيه البديل؟
تمتم بها صالح حتى ينتشلها من شرود ذهنها ثم أردف وهو يميل برأسه ناحيتها وقد عاد إلى دفع الأرجوحة بأحد ساقيه حتى تتحرك بهما بهدوء.

أغلقت زينب عينيها متنعمة بدفء أنفاسه من شدة قربه.

ـ أقولك أنا البديل، حضني يا مدللة.
قالها بعد أن رفع جسدها وجعلها في حضنه.

انسابت دموع زينب وتشبثت به بقوة وهتفت بصوت باكي:

ـ متسبنيش لوحدي تاني يا صالح.

سيطر على خفقان قلبه بقوة هادرة، واستطردت متسائلة:

ـ هي فعلاً ماتت يا صالح ولا بتضحكوا عليا؟

أغمض عينيه وابتلع ريقه في خزي لأنه عاهدها على القصاص من تلك المرأة لكنه أخفق في عهده:

ـ والله ماتت يا زينب وأنا اتأكدت من كده، لكن فاضل أعرف باقي التفاصيل من مراد الهتيمي.

وبحنق واصل حديثه وقد برقت عيناه بالخواء:

ـ يظهر هو أو بنت عمك وأعرف منهم كل حاجة.

وجهت زينب أنظارها إليه وتمنت لو استطاعت الإفصاح عن خوفها نحو أمر تظن أنه ربما حدث.
شحب وجهها فجأة وصدى صوت آخر كلام سمعته لا يتوقف عن اقتحام رأسها:
«اقلعها هدومها بسرعة.»

...
صرخ هشام بعلو صوته حتى تتوقف لبنى عن الهجوم عليه بكلماتها السامة، وكأنها لم تكن شريكته في دفعه نحو التطلع إلى مستوى يليق بهم ويجعلهم يحصدون الكثير من وراء وظيفته:

ـ مش هو ده المستقبل اللي كنتِ عايزاه؟ مكنتِش بتكوني فرحانة وأنتِ رصيدك في البنك بيزيد، وأنتِ بتغيري عربيتك وقت ما بتعوزي، وأنتِ في كل مناسبة لازم تلبسي طقم ألماظ جديد!

احتقن وجه لبنى وواجهته بنفس الهجوم:

ـ أنت عايز تقولي إني السبب يا سيادة المستشار ولا مراهقتك المتأخرة هي اللي ضيعتنا؟ لأ أنت السبب في كل حاجة، وولادك لازم يعرفوا بعملتك المخجلة وكل العيلة!

اشتعل الغضب في عيني هشام واختطف النظر إليها قائلاً بوعيد:

ـ اعمليها كده يا لبنى وموتك هيكون على أيدي...

كادت أن تجيبه وتسخر منه لكن الإضاءة القوية التي تركزت عليهم من إحدى السيارات القادمة عكس اتجاه سيارتهم جعلتها تصرخ قائلة:

ـ حاسب يا هشام، حـــاســب!

...
نهض قصي من نومه في هلع بعد أن استمرت سما في تحريك جسده وهي تبكي:

ـ في إيه؟ في حريقة حصلت في الفندق؟
قالها بمقت من تصرفاتها الحمقاء، لتسرع في وضع يديها على فمها من شدة صدمتها بالخبر الذي استيقظت عليه.

ـ مصحياني مفزوع وواقفة تعيطي، ما تنطقي يا بنتي!

حدقت نحوه سما بنظرة لم يفهمها، وكاد أن يصيح عليها بنبرة أشد، لكنها اقتربت منه وأحتضنته بقوة.

...
جميع أفراد العائلة كانوا بالمشفى قبيل الفجر إلى أن حلَّ عليهم الصباح.
اقترب أحد الرجال من عدنان الذي شارك العائلة في مأساتهم ثم همس بأذنه ببضع كلمات.

انسحب عدنان بعد أن ربت على كتف مصطفى شقيق هشام بمؤازرة، وتمنى له ولزوجته الشفاء رغم معرفته مثل أفراد الأسرة بأن الحادث لم يكن بالهين، وأن النجاة تحتاج لمعجزة.

خرج عدنان من المشفى وبجانبه سار أحد رجاله وهتف بنبرة حادة:

ـ ما أنتوا نايمين على ودانكم، وفي منكم مطبع مع رجالة مراد، حسابكم معايا بعدين، عشان معرفش إن ابني في المستشفى وفي حالة خطيرة.

صعد عدنان السيارة وفي داخله غضب وخوف، فبالنهاية مهما اختلف مع مراد، هو وريثه الوحيد.

ـ الهانم مرات مراد باشا اتنقلت المستشفى وكل حاجة في سرية تامة.

قالها ذلك الرجل الذي يلازمه في كل شيء ويجلس بالمقعد الأمامي المجاور للسائق.

وصلت السيارة بعد ساعة إلى المشفى الذي يمتلك فيه عدنان الهتيمي نصف الأسهم، وعند ترجله أتاه اتصالٌ جعله يهز رأسه بأسف وحزن:

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الله يرحمك يا سيادة المستشار.

...
تراجع مرعي عن طرق الباب بدهشة ثم نظر وراءه بعد أن استمع إلى صوت إحداهن:

ـ مافيش حد بيفتح مش كده؟ ماشي يا سماح، قبضتي فلوس الجمعية وسيبتي الحارة!
ثم بدأت الواقفة في ضرب كفوف يديها ببعضهما حانقة:

ـ أعمل إيه دلوقتي أنا؟ وأقبض صاحبة الاسم ده إزاي؟ لأ وإيه! يقولولي عنك في السوق إنك ست جدعة وبكلمة، وطلعتي حرامية! ده غير الرجالة اللي بتيجي تسأل عليكي، وشكلك مدوراها!

انقبضت عضلات وجه مرعي وهتف بضيق وهو يحرك يديه أمام وجهها بازدراء قائلاً:

ـ في إيه يا ست أنتِ راديو واتفتح؟ اتقي الله لتولعي وأنتِ واقفة!

ضمت الواقفة كلا حاجبيها بعبوس وهي تنظر إليه:

ـ وأنت مالك بيا يا أخينا؟ ولا عينوك محامي عليها؟
ثم مطت شفتيها باستنكار وأردفت:
ـ شكلك من زباينها ولا إيه؟

قطب مرعي جبينه إلى أن بدأ يستوعب مبطن حديثها السيئ وتساءل:

ـ أنتِ تقصدي إيه من كلامك يا ست؟

رفرفت الواقفة بأهدابها بشفتين ممتعضتين ثم صفقت بيديها:

ـ أقصد أكيد اللي فهمته، وهعلي صوتي واتكلم!

وفي لحظة بدأ الجيران يتجمعون بعد أن أصبح الشجار بالشارع وأمام مرأى ومسمع من الجميع.

...
تلقى هارون على هاتفه الذي يحمل شريحة جديدة رسالة عن الموعد المحدد نحو رحلة سمية القادمة التي ستتجه فيها إلى لندن، وقد سبقها فارس خطيب ابنتها السابق، ولكن المحير أن كمال الوزير سيكون بعد أسبوع هناك لحضور أحد المؤتمرات.
قرأ هارون الرسالة بتمعن ثم أسرع بكتابة رده بأن يقوموا بالحجز له نحو لندن، وأن تصفية الحسابات ستكون هناك.

...
التقطت شهد أنفاسها بعد أن ابتعدت عن طريق الفيلا، أشارت لإحدى سيارات الأجرة وصعدتها سريعاً ثم أعطت السائق العنوان.

ـ لازم هي تساعدني وتفهم ماما أني مكنتش بعمل حاجة غلط.
غمغمت بها شهد كالمغيبة وأستمرت بالتحدث مع نفسها، ولم تفسر صدمة والدتها فيها إلا نحو عملها مع سمية وحسب.

...
عادوا ثلاثتهم من المشفى، وقد توجهت عايدة بشرود ووهن نحو المسكن وهي تتساءل في نفسها بمرارة،
كيف كانت عمياء عن ابنتها رغم أنها كثير من المرات تجد ملابس لديها لا تشبه ملابسها، وعندما تسألها تخبرها إنها لصديقة لها تخبئها عندها لوقت الحاجة، فالصديقة تعمل سكرتيرة في إحدى شركات السياحة، وعند ذهابها إلى سفرية عمل تضطر لارتداء تلك الملابس لأنها وجهة للشركة، لكن أهلها لا يعلمون عن هذا.

أطرقت ليلى رأسها بحزن على حال زوجة عمها متمتمة :
ـ صدمة شهد طلعت صعبة عليها أوي.

ابتلع سيف ريقه بأسى وهو يتابع سير عايدة وقد استحكمت الغصة في حلقه:

ـ ليلى أحنا لازم نحل الموضوع ده لأن عايدة مش هتستحمل، والحمد لله الدكتور النهاردة طمنا على استقرار حالة العم سعيد.

أخذت ليلى نفساً عميقاً ثم زفرته، فأسرع سيف قائلاً:

ـ خلينا نقعد نتكلم ونشوف هنحلها إزاي وبعدين نصالحهم، من فضلك يا ليلى خليني أكفر عن الجرم بتاعي منها ومنك.

ارتسم الوجوم على وجه ليلى مع ضيق حدقتيها بارتعاب.

سار سيف أمامها حتى لا يدع لها مجالاً للاعتراض، ورغماً عنها تحركت وراءه إلى أن وجد المكان المناسب حتى يتحدث معها.

ـ جرم إيه عملته في حق شهد غير إنك كنت عارف إنها بتشتغل عند والدتك؟

تساءلت بها ليلى بأنفاس تتسارع من القلق بعد أن قذفه داخلها.

بدأ يقص عليها أموراً باتت تعرفها عن شخصيته البغيضة التي كانت مخفية عن عزيز، وسوء نواياه ناحيتها، ومشاعره المتخبطة، وأشياء كثيرة عنه إلى أن وصل إلى ذلك الاعتراف الأخير الخاص بـ "شهد" والذي أراد أن يبرئ نفسه منه.

ـ "ليلتها مكنتش في وعي يا ليلى، كنت سكران ومش داري بنفسي".

طأطأ رأسه وقد التمع الخزي في عينيه، ثم نظر إليها وفي حلقه غصة لا يستطيع ابتلاعها:

ـ "أنا عمري ما شوفت شهد غير أنها زي نيرة عندي، لكن..."

انعقد لسانه عن الكلام فجأة، وأشاح بوجهه بعد أن اقتحمت ذاكرته ذكرى تلك الليلة التي أصبحت عاراً يتوسم به طوال حياته.

ـ "هو حصل بينكم حاجة زي إيه؟"

أجفله سؤالها الذي جعله يصوب عينيه نحوها مرة أخرى، ثم أردفت قائلة بعد أن بدأت تستوعب ما بدأت أخيراً تفهمه، ودفع شهد لتكون بنسخة جديدة حاقدة:

ـ "هي دي الفضيحة اللي خلت سمية هانم تتلاعب بشهد وتحطها تحت جناحها؟".

وبلسان ثقيل واصلت حديثها ساخرة:
ـ "عشان تحميك من شرها، يعني أنت كنت السبب في ضياعها من البداية!".

اعترى الوجوم وجه سيف بعد أن فسرت حديثه على نحو خاطئ، ثم أسرع قائلاً بسذاجة حتى يوضح لها ما صار بينه وبين شهد:

ـ "ليلى، أنا آه لمست شهد، لكن أنا موصلتش معاها لحاجة تضيع شرفها".

لم تشعر بنفسها إلا وهي تهجم عليه بوحشية، جعلته لا يصدق أن التي تقف في وجهه الآن هي ليلى.

تعليقات