رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والثامن والعشرون 128 بقلم سهام صادق


 رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والثامن والعشرون 

وقف الجميع في حالة من الصدمة، لا يستوعبون نظرة الأسف التي حملتها أعين الطبيب وهو يخبرهم بخبر الوفاة، وقد عجزت عقولهم عن التصديق وتقبل ما سمعوا.
ـ "هشام، هشام.. أنت مسبتنيش ورحت لـ هدى، هدى جت ليا عشان تاخدك وتمشي، أنت كنت لسا بتكلمني وبتقولي هجيلك يا سيادة اللواء، ابني محصلوش حاجة".

امتلأت عينا نائل بالدموع وهو يهذي بتلك الكلمات، ثم أخذ يتراجع إلى الوراء بخطوات ثقيلة وجسد ينتفض.

أسرع صالح إليه بعد أن انتبه على حالة الوجوم التي سيطرت على الواقفين، وأمسك ذراعه قائلاً بصوت أجش:

ـ "شد حيلك يا سيادة اللواء".

انسابت الدموع من عينا نائل وتلاقت عيناه بعيني قصي الذي اندفع إليه يحتضنه باكياً بحرقة.

أجهش نائل بالبكاء، ومثله فعل مصطفى الذي استند بجسده إلى أقرب جدار وقد بدأ يستوعب للتو فراق أخيه.

لم تتوقف أعين سما عن ذرف الدموع، لكنها أسرعت بوضع يديها على شفتيها لتكتم صوت بكائها عندما وجدت جدها وقصي في انهيار لم تبصره من قبل.
ربتت يسرا على كتفها قائلة بهمس:

ـ "جوزك دلوقتي محتاج وقوفك جانبه عشان تثبتي إنك بنت أصول".
ثم استطردت كلامها بحماقة:

ـ "لو لبنى كمان جرالها حاجة، العيلة هتقول عليكي وشك منحوس، أنا مش عارفة يا بنتي مالك، كل حاجة معاكي بتيجي بالخراب".

اتجهت أنظار سما نحوها ثم هزت رأسها بيأس، وسارت نحو والدها وعلي ابن عمها وشقيقها حاتم.

خفق قلب صالح عند رؤيته لمشهد الترابط العائلي بعد أن التف بقية الأحفاد حول الجد، ولم ينقص هذا المشهد إلا وجود أشرقت وزينب.

استدار صالح بجسده بعد أن استمع إلى سؤال والده الخافت:

ـ "مش هتقول لمراتك؟ الخبر لازم تسمعه منك أنت؛ لأنك كذبت عليها وأنت بتاخد سيادة اللواء معاك".

أومأ صالح برأسه ثم انطلقت من شفتيه تنهيدة ثقيلة، وعادت عيناه تتجه نحو الجد نائل.

....
أخذ عدنان يهز رأسه بإنصات وهو يستمع إلى الطبيبة التي وقفت توضح له حالة أشرقت، وأن لولا إسعافهم لها بالوقت المناسب لكانت فقدت حياتها.

ـ "الحالة يا فندم كانت جاية منتهية، لكن الحمد لله قدرنا ننقذها هي والجنين".
توقف عدنان عن هز رأسه وحملق بالطبيبة متسائلاً:

ـ "هي حامل؟"

استنكرت الطبيبة سؤاله وأجابته:
ـ "أيوه حامل يا فندم، لكن دلوقتي خلينا في المهم".

قطب جبينه، وقبل أن يتساءل عن الأمر الهام الذي عليهم التحدث عنه، استطردت الطبيبة قائلة:

ـ "الحالة اللي جت عليها مدام أشرقت ميتسكتش عليها، ولازم نبلغ عنها؛ لأن كان باين على حالتها أن في تعذيب".

تجهم وجه عدنان ونظر إليها بنظرة أرعبتها، وفجأة تلاشى تجهمه وابتسم قائلاً بحبور:
ـ "دكتور علاء!".

نظرت الطبيبة وراءها بقلق واندهشت من قدوم مدير المشفى بنفسه.

اقترب الطبيب علاء منه مرحباً:
ـ "أهلاً أهلاً عدنان باشا، معلش اتأخرت عليك".

صافحه عدنان بعد أن رمق الطبيبة بنظرة ثاقبة:
ـ "ليا عتاب عندك يا دكتور علاء، كده متبلغنيش بحالة مراد؟"

أسرع الطبيب علاء بالرد:
ـ "ديه كانت أوامره يا عدنان باشا".

التوت شفتا الطبيبة الواقفة بامتعاض، فابتسم عدنان وصوب عيناه جهتها، ثم أشار إلى الطبيب علاء أن يتحرك معه.

ارتسم الذهول على وجه الطبيبة، وسرعان ما كانت تبتعد حانقة بعد أن تلقت رداً حازماً من رئيسها:

ـ "دكتورة هناء، آخرك متابعة الحالة ومافيش تدخلات تانية، مفهوم؟"

....
توقفت سيارة الأجرة التي تستقلها شهد، ثم ترجلت منها بساقين كالهلام.
ابتلعت ريقها وهي تصوب عينيها نحو الطريق الذي سقط فيه جسد خالها بعد أن ألقى عليها نظرة آسفة لن ولم تنساها.

استدارت بجسدها سريعاً ثم سارت نحو بوابة الشركة وهي عازمة على التحدث مع سمية حتى تساعدها.

اجتذب مظهر شهد البائس أنظار بعض موظفي الشركة، وقد بدأت الأقاويل مجدداً عن أمر الحادث الذي حدث أمام الشركة.
لم تبالِ شهد بتلك النظرات المصوبة جهتها أو الهمسات، واستكملت سيرها.

ـ "عايزة أقابل مدام سمية".
قالتها شهد فور وقوفها أمام سكرتيرة سمية التي كانت للتو تغادر غرفة مكتب رئيستها.

نظرت السكرتيرة إليها بنظرة ثاقبة ثم تحركت نحو طاولة مكتبها قائلة:

ـ "سمية هانم مش فاضية وقايلة محدش يزعجها، تعالي ليها مرة تانية يا شهد".

حدقت شهد نحوها وقالت وهي تفرك يديها بتوتر:

ـ "ادخلي قوليلها إني عايزة أقابلها".

رمقتها الأخرى بنظرة مستنكرة بعد أن جلست وبدأت تتابع عملها:

ـ "مش محتاجة أدخلها يا شهد، ولو سمحتِ أنا مش فاضية ولا مدام سمية فاضية عشان تعطليننا عن شغلنا".

شحب وجه شهد واقتربت من طاولة المكتب الجالسة وراءها متسائلة بنبرة صوت مهزوزة:

ـ "يعني إيه!!!"

والرد الذي تلقته لم يكن إلا زفرة طويلة تعكس ضيق صاحبتها.

أطبقت شهد شفتيها المرتعشتين واستمرت بالنظر إليها في صمت، إلى أن تأففت الأخرى ضجرة من وقوفها:

ـ "شهد من فضلك متعمليش ليا مشكلة، أنتِ مبقتيش موظفة عندنا بعد اللي حصل".

ازداد وجه شهد شحوباً ثم رطبت طرفي شفتيها بلسانها وتساءلت:

ـ "أنتوا خلاص استغنيتوا عني في الشغل؟"

خرجت سمية من غرفة مكتبها في تلك اللحظة التي تتساءل فيها شهد، وهتفت بغرابة وضيق:
ـ "شهد!!"

استعادت شهد ثباتها وأسرعت نحو سمية:

ـ "مدام سمية، سمعتي بتقولي إيه؟"

أشارت سمية بيدها نحو سكرتيرتها بعد أن وجدتها أوشكت على التحدث.

ـ "تعالي نتكلم في غرفة مكتبي يا شهد".

ثم أردفت بحزم وهي تلقي بنظرة سريعة نحو سكرتيرتها:

ـ "مش عايزة إزعاج، تمام؟"

....
صرخت ليلى عالياً بحرقة وهي تدفع سيف بيديها إلى أن تعرقل في خطواته وسقط أرضاً.

ـ "متستحقش حبهم ليك، أنت واحد حقير خاين للأمانة، أنا المرادي مش هسكت وهفضحك وهقول عن حقارتك وحقارة الهانم والدتك!".

وانسابت دموعها وهي تتذكر ثياب النوم التي تخصها ووجدتها في خزانة كارولين:

ـ "أنا عمري ما كنت حد مؤذي، لكن المرادي هعملها يا سيف، وقبل ما أسيب عزيز وأمشي من هنا هخليه يكرهك ويطردك من حياته خالص بعد ما يعرف أنك كنت سبب من أسباب تدمير حياتنا".

لم يرفع سيف وجهه إليها إلا عندما أشارت نحو رحيلها، وقد صعقه تصريحها وتساءل بهلع:

ـ "أنتِ بتفكري تسيبي عمي يا ليلى؟ لا لا ارجوكي، أنتِ متعرفيش عمي بيحبك إزاي".

أشاحت بوجهها بعد سؤاله، فابتعادها عن عزيز قرار تقوله كل يوم منذ أن صار جافياً معها دون سبب، لكنها لم تستطيع اتخاذه والرحيل عنه.

أسرع سيف بالنهوض ووقف قبالتها وسألها مجدداً وهو لا يرى أمامه إلا صورة عمه:

ـ "ردي يا ليلى، ردي قولي أنك مش هتسيبي عمي".

احتدت أعين ليلى بنظرة يشتعل فيها الغضب وأجابته ساخرة:

ـ "خايف على حياته أوي؟ ولما فكرت تلعب عليا عشان تطلعني ست خاينة ويكرهني مكنتش خايف عليه؟ لما ضحكت على بنت عمي مكنتش خايف برضو عليه وأنت عارف إنه بيشوفها وكأنها بنته؟ وأن عملتك الحقيرة أنت والهانم والدتك سبب قوي إنه ينهي حياتي معاه".

هز سيف رأسه بخزي، فماذا يفعل لها حتى تصدق إنه لم يكن يقصد فعل شيء لها، وأنه كان ثملاً، وأن وجود شهد أمامه تلك الليلة واقترابها منه ما دفعه نحو فعلته التي لم يغفرها لنفسه حتى اليوم.

ـ "مش قادر تتكلم صح؟ عارف أنت سقطت من نظري، دايماً ظاهر في دور الحمل الوديع، صح سمية هانم هتخلف إيه؟".

لو أتت بسكين وغرزت نصله في صدره لكان أهون عليه من أن تشبهه بوالدته.

ـ "بيتهيألي أنتِ محتاجة تهدي الأول يا ليلى وبعدين نتكلم".

حدقت به، فارتعب من نظرتها وأردف وهو ينظر حوله وقد تأكد أنه اتخذ القرار السليم عندما أتى بها إلى تلك البقعة المنعزلة من حديقة المنزل حتى يتحدثوا:

ـ "ليلى أنا مقصدش، أنا مستعد استحمل ردة فعلك معايا وموافق على أي قرار تقوليه، لكن بلاش نظلم أطراف تانية معانا، وأنا احتمال كبير أسافر تاني وأريحك من وجودي".

عقدت حاجبيها بتجهم وهي تصوب عينيها عليه بنظرة متفرسة، فأستطرد قائلاً بتعاسة:

ـ "أنا عارف إني إنسان مشوه من جواه يا ليلى، وعارف إني أذيتك ووجعتك بكلامي وتصرفاتي غير نيتي السيئة ناحيتك".

توقف عن الكلام ثم رفع رأسه وأخذ نفساً عميقاً وهو يمرر يده على مؤخرة عنقه:

ـ "تعرفي إن طيبة قلبك وسذاجتك كانت بتقتلني؟".

وبصوت مقهور واصل كلامه:

ـ "أنا جوايا شر ناحيتك وأنتِ بتفكري تفرحيني بأكله بحبها، تبتسمي في وشي، حب عمي ليا ولـ نيرة متغيرش بل زاد وعلى حسابك كمان، بتختاري تريحي الكل على حساب نفسك".

أندهشت ليلى عند ارتعاش نبرة صوته:

ـ "ربنا أخدلك حقك، وزي ما فكرت في يوم أطلعك في صورة الست الخاينة، وعمي في صورة الراجل المغفل اللي ضحكت عليه واحدة بجمالها ومكرها، كارولين عملتها فيا وطلعت أنا أكبر مغفل من أمي ومراتي".

وأخفض رأسه وأردف بصوت خفيض يحمل في طياته عاره:

ـ "سمية هانم زمان كانت بتتخيل عمي في والدي، ومراتي كانت بتتخيله معايا عشان كده كانت بتكرهك، عرفتِ ليه الاتنين كرهوكي؟ لأنهم كانوا عايزين عمي".

انفلتت شهقة قوية منها ثم أسرعت بوضع يدها على شفتيها وتقهقرت إلى الوراء، ورغم أنها كان لديها بعض الشكوك نحو كلتاهما، لكن أن تقال لها الحقيقة هكذا ومن فمه هو بالأخص ليس بالهين أن تستوعب هذا.

ـ "لو فتحنا في الدفاتر يا ليلى كلنا هنتوجع، وكفاية عليا طفولتي المشوهة، ولو لسا في قلبك رحمة من ناحيتي اديني فرصة أصلح شوية من أخطائي وساعديني".

لا رد كان يجده منها إلا الصمت ونظرة شاردة لا يفهمها.

ـ "أحنا محتاجينك يا ليلى، شهد وعمي وعايدة وعم سعيد وأنا معاهم...".

انفرج ثغر ليلى عن ابتسامة حزينة ونظرت إليه بنظرة طويلة، ثم هزت رأسها واستدارت بجسدها وأبتعدت عنه.

خلل سيف أصابعه في خصلات شعره بعجز، وقد أكد له عدم ردها أنها لا تستطيع منحه فرصة ثانية، وربما أتى وقت دفع الحساب وخروجه من حياة عمه للأبد.

....
زفرت سمية أنفاسها بقوة بعد أن طال صمت شهد وكأنها أتت إليها اليوم حتى تزيد من ضيقها.

ـ "شهد أنا مش فاضية لوقوفك كده، أنا معنديش وقت لتقولي جاية ليه، لا أما تتفضلي".

رفعت شهد رأسها بعد أن قاومت أفكارها التي تتصارع داخلها:

ـ "هو أنا فعلاً مبقتش موظفة هنا؟".

ابتسمت سمية ابتسامة عريضة تخفي وراءها استخفافها من عقل تلك الصغيرة ثم اقتربت منها:

ـ "للأسف أه يا شهد، أحنا استغنينا عنك خلاص لأن شغلك هنا كان زي الاختبار كده".

جحظت عينا شهد باتساع وتساءلت بصوت متلعثم:

ـ "ليه استغنيتوا عن خدماتي؟ وأنتِ قولتيلي أنك قريب هتديني منصب أعلى!".

تجلجلت ضحكات سمية عالياً وشملتها بنظرة مستهزئة:

ـ "منصب أعلى؟!".

ترقرقت الدموع في أعين شهد عندما رأت واستمعت إلى سخريتها ثم أخفضت رأسها.

ربتت سمية على كتفيها واستكملت حديثها الساخر:

ـ "عموماً يا شهد زي ما بنقول لموظفين كتير عندنا، أنتِ غير مؤهلة، ونصيحة مني أرجعي الكلية بتاعتك يمكن تطلعي دكتورة شاطرة وتحققي حلم عايدة وعزيز".

خفق قلب شهد وتمتمت بصوت خافت مقهور:

ـ "أطلع دكتورة؟ مش أنتِ قولتيلي أنك شايفة فيا صورة سيدة أعمال وإن ده المجال الصح ليا؟".

خرجت هذه المرة قهقهة سمية بصوت أقوى ثم استدارت بجسدها وسارت نحو طاولة مكتبها:

ـ "سيدة أعمال مرة واحدة! صحيح يا شهد خالك أخباره إيه؟ سمعت إنه نجا منها، ما هو زي القطط بسبع أرواح".

شعرت شهد بالاختناق وحركت رأسها بعدم تصديق لما تسمعه منها.

ـ "بصي يا شهد، أنا عشان أكون كريمة معاكي هقول لشؤون العاملين يعملوا ليكي شهادة خبرة، والشركة كمان هتصرفلك مبلغ محترم لحسن تعاونك معانا، وبكده تكون ديه مكافأتنا ليكي".

تجمدت قسمات وجه شهد وخرجت نبرة صوتها متحشرجة:
ـ "مكافأتكم ليا؟ هي ديه الحياة اللي خلتيني أبصلها؟ أنتِ ضحكتِ عليا!".

صدحت ضحكات سمية وتحركت نحوها قائلة بنبرة جافة:

ـ "شركتنا بتقولك حظ سعيد يا شهد، ونتمنى ليكي التوفيق في مكان تاني ومع ناس غيرنا، وياريت توصلي سلامي لـ عايدة وعزيز وتقوليلهم ألف سلامة على سعيد".

غادرت سمية غرفة المكتب وتركتها واقفة في حالة من التخبط والذهول.

....
تنهدت ليلى بفتور قبل أن تتجه نحو الغرفة التي تنأى فيها شهد بنفسها، وقد رتبت أفكارها والكلام الذي ستخبرها به حتى تعود إلى صوابها وتطوي تلك الصفحة من حياتها، وتقرر معها ما سوف يفعلونه بعد شفاء العم سعيد.

خرجت من شفتيها تنهيدة أخرى عميقة ثم مدت يدها وبدأت في طرق الباب وهي تنادي عليها:

ـ "شهد، شهد من فضلك خلينا نتكلم سوا".

وأردفت بعد أن توقفت عن طرق الباب:

ـ "واطمني يا حبيبتي عم سعيد بخير، ومرات عمي مع الوقت هتسامحك وكل حاجة هتتحل، هي مصدومة ومش مستوعبة كل اللي حصل، افتحي بقى الباب وخلينا نتكلم".

وتابعت كلامها بصوت خافت وكأن أحداً موجود معهن بالفيلا:

ـ "شهد أنا اتكلمت مع سيف عن الليلة اللي بسببها بدأتي تتغيري، وهو وعدني إنه موافق على أي قرار نقرره، ها بقى افتحي وخلينا نتكلم يا شهد".

أسدلت ليلى أهدابها ثم عادت إلى طرق الباب لكن لا رد كانت تتلقاه.

ـ "شهد!".
هتفت بعلو صوتها وهي تحرك مقبض الباب الذي انفتح معها بسهولة.

دخلت ليلى الغرفة وقلبها يخفق بدقات سريعة ثم وقفت في منتصفها بوجه فزع صائحة:

ـ "شهد، شهد!".

....
فتح مراد عينيه بوهن عندما انتبه على خطوات أقدام تشبه خطوات والده:

ـ "عدنان باشا بنفسه بيزورني ويطمن عليا؟".

استاء عدنان من كلامه ورمقه بنظرة ساخطة وتمتم بغضب:

ـ "إزاي تخلي رجالتك يخفوا عني حاجة زي ديه؟ وإزاي متاخدش حذرك من واحدة مجنونة زي بنت المستشار؟ واحدة طلعت كارت محروق هي وأبوها".

أظلمت أعين مراد وتذكر ما فعلته معه:

ـ "أقوم بس منها وهربيها بنفسي".

نظر إليه عدنان ثم ضحك:
ـ "تربيها؟ للأسف في طفل ربطنا بيها، لو عايز سلامته يبقى تشغل دماغك صح معاها".

انتفض مراد من رقدته متأوهاً من ألم الطعنة التي كانت ستنهي حياته وتساءل مدهوشاً:
ـ "أشرقت حامل!!!".

سار عدنان جهته وفي عينيه نظرة مستاءة واستطرد ببقية ما لديه:

ـ "وخد الصدمة كمان، سيادة المستشار حماك اتوفى من كام ساعة، وحماتك العزيزة احتمال كبير تلحقه وتريحنا منها".

....
انطلق سيف بسيارته شارداً مع أفكاره، وفي حلقه غصة تدفعه إلى البكاء بصوت صارخ.

استفاق من شروده عند بدء رنين هاتفه، وكاد أن يغلقه لكن رؤيته لرقم ليلى أصابه بالقلق ورد سريعاً.
ظهر الذعر على قسمات وجهه عندما استمع إلى صوتها الباكي وهي تخبره عن اختفاء شهد:

ـ "إزاي خرجت من الفيلا من غير ما يشوفها مسعد؟ ممكن تهدي ومتبينيش حاجة لـ عايدة، وأنا مش هرجع غير بيها".

....
سارت شهد بالطريق شاردة إلى أن وصلت المجمع السكني الذي تعيش فيه لميس صديقتها، لكن فجأة توقفت عن السير عندما لفت انتباهها السيارة التي مرت جوارها.

تسارعت نبضات خافقها وسقطت دموعها عند توقف السيارة ورأت لميس تترجل منها بصحبة ساهر الذي لم يعد يجيب على مكالماتها منذ يوم الحادث.

التقط ساهر يد لميس ودلفوا من بوابة الفيلا سوياً وعلى وجههم ابتسامة عريضة لم تغفل عنها عيناها.
أطبقت شهد أجفانها ثم زفرت أنفاسها ببطء، وسرعان ما كانت تهرول راكضة نحو الفيلا حتى تتأكد مما رأت.

....
وضع سيف رأسه بيأس على عجلة القيادة داخل سيارته بعد أن غادر منزل لميس التي أخبرته أن شهد أتت إليها منذ أربع ساعات وقد انصدمت من خبر خطبتها من ساهر لأنها لم تخبرها.

أجفله رنين الهاتف، فأسرع بالرد على ليلى بصوت متعب:
ـ "صاحبتها قالت مشيت من عندها من أربع ساعات، مافيش واحدة تانية من صحابها ممكن تكون راحتلها؟".

وضعت ليلى يدها على رأسها وقد توقف عقلها عن التفكير وتمتمت بصوت هامس حتى لا تسمعها زوجة عمها:

ـ "معرفش يا سيف، اتصرف، أعمل أي حاجة، أنت روحت عند قبر عمي ودورت عليها هناك كويس متأكد؟".

تحرك سيف بالسيارة قائلاً بقلة حيلة:
ـ "أنا هروح قسم الشرطة أقدم بلاغ لأني خايف تعمل في نفسها حاجة".

كادت أن تؤكد على قراره لكن صياح صوت زوجة عمها باسم شهد جعلها تغادر المطبخ فزعة.

تملك الخوف من سيف وزاد سرعة سيارته عندما أغلقت ليلى المكالمة معه ولم تجب على اتصالاته.

انتفض قلب عايدة وهي ترى ابنتها تلطم على وجهها وتخبرها بما فعلته معها سمية ولميس، ثم سقطت مغشياً عليها.

....
حدقت رغد بتلك الدعوة التي تم تقديمها لها من أحد موظفي الفندق وقد أرسلها ساري إليها.
جلست على الفراش وهي تفكر ثم ابتسمت:

ـ "هو طلع راجل جينتل أوي، ومافيش مشكلة لما أقبل دعوته قبل رحلة سفري".
....
سقطت دموع ليلى وهي تنظر نحو الصور التي بعثتها لها نيرة ولم تنتبه عليها إلا الآن، وقد أرفقت معها رسالة نصية تخبرها عن غبائها.

خفق قلب ليلى حزناً وهي ترى صور نارفين مع عزيز، وعلى ما يبدو أنه مؤتمر صحفي من أجل شراكة جديدة تتم وعليهم الإعلان عنها.

ألقت بنظرة أخيرة نحو شهد التي غفت بسلام ثم تنهدت وهي تشعر بالحزن عليها.

اقتحمت الصور مخيلتها سريعاً بعد أن أغلقت عينيها، وتذكرت تلك القيود التي وضعها عزيز حولها منذ زواجهما حتى يجعلها امرأة لمتعته لا غير، واتضح بعدها السبب لها؛ أنه يخاف أن تصبح نسخة من أخرى.

استشاطت ملامح وجهها بغضاً وغضباً ولم تشعر بنفسها إلا وهي تكتب له رسالة طويلة تخبره فيها إنه أضاع حبها له، ولو ظن أن نهاية حبهما كان سببها الأطفال فهو أحمق، وأنه لم يعد عزيز حبيبها، وأن بعد شفاء العم سعيد ستغادر حياته ولن تلتفت إليه، ومهما حاول معها لن تعطيه فرصة أخرى، واستطردت في إخراج عن كل ما يثقل روحها وتعيشه وتتحمله، ثم ختمت رسالتها بأنه رجل كاذب وأناني وأنها تكرهه.

....
امتقع وجه إلهام وهي تستمع إلى أوامر عدنان، لكن فجأة جحظت عيناها عندما ألقى عليها خبراً جعل قسمات وجهها تنكمش من الصدمة:

ـ "أشرقت حامل يا إلهام ومراد متمسك بالطفل، وهو اللي طلب وجودك معاها الفترة ديه عشان تراعيها، يعني ده طلبه هو مش أنا، ولازم ترافقيها بكرة في الجنازة لو الدكتورة سمحت ليها؛ المفروض نبلغها الصبح بالخبر ونفهم اخواتها كمان إن سبب اختفائها كان حادثة حصلت ليها هي ومراد، لأنهم مش ساكتين ولا هيسكتوا".

ثم زفر أنفاسه بضيق وثقل، وقبل أن يواصل كلامه هتفت وهي تحدق نحو صورة زينة الموجودة على طاولة السرير الجانبية:

ـ "خلوني أنا أبلغها بوفاة سيادة المستشار يا عدنان".

....
ابتسم عزيز عندما رأى إشعار الرسالة وأسرع في فتحها وهو لا يصدق أنها راسلته في اللحظة التي قرر فيها إخبارها أنه سيجري بعد غدٍ العملية التي سيبدأ بها رحلة علاجه، وفور خروجه من المشفى سيعود إليها وسيصلح معها كل شيء، لكن عينيه فقدت بريقها عند قراءته لرسالتها.

....
باليوم التالي وفي تمام العاشرة صباحاً، انفتحت بوابة الفيلا ودخلت سيارة أجرة اجتذبت أنظار ليلى وجعلتها تتوقف مكانها في الطريق الواصل بين الفيلا ومسكن عمها.

ضاقت حدقتاها في ترقب إلى أن وجدت عزيز يغادر السيارة والسائق يترجل منها هو الآخر حتى يخرج حقيبته.

لم تستوعب مجيئه بعد رسالتها التي استفاضت في كتابتها وأخرجت كل ما لديها حتى حادث العم سعيد وما حدث لشهد بسبب سمية.

اقترب منها عزيز بلهفة وشوق وعتاب، فأشاحت بوجهها عنه حتى لا تخونها دموعها.
أخفض رأسه بحزن مطبقاً على يديه، وقال بنبرة شجية:
ـ "خلتيني زي الغريب يا ليلى، لدرجة دي مش عايزة وجودي معاكم! لأ وكمان بتقوليلي بكرهك وعايزة تسبيني؟".
ومدَّ ذراعيه ليضمها إلى صدره حتى يثبت لها إنها جزء منه وهو جزء منها لا ينقسمان، لكنها تراجعت إلى الوراء قائلة بصدّ:
ـ "أنت بقى عندك أولويات غيرنا يا عزيز بيه".

تعليقات