رواية الداهية وسلالة الاوغاد الفصل الثالث عشر
وصلت إلى هذه الشجرة الكبيرة في المساحة الشاسعة للجامعة والتي تكاد أن تكون هي المقر الدائم لكل جلساتهن معاً أسفلها،
جالت بعيناها على مجموعات الطالبات المتناثرة في عدة أماكن وحدها، حتى وجدتها غريمتها وهي تتحدث مع إحدى الفتيات في ركن وحدها.
تتمازح وتضحك بانطلاق غير مبالية كعادتها بصوتها العالي الذي يلفت الانظار نحوها، خطت أريج حتى اقتربت منهن تلقي التحية عليهن بوجه عابس لا يخفي تحفزها:
صباح الخير، عاملين إيه؟
رددن خلفها التحية.
صباح النور يا أريج، إنتي عاملة إيه؟
قالتها الفتاة المرافقة لميرال التي استغربت طريقة صديقتها وهي تقف بالقرب منها متخصرة وعينيها مثبتة بنظرات غريبة نحوها، والتي ردت على عجالة:
أنا كويسة يا ليلي وأعرف أدبّر أموري كويس، ما تقلقيش نفسك.
كلماتها زادت من حيرة الفتيات، فقالت ميرال:
مالك يا اريج؟ مال كلامك النهاردة مش مفهوم كدة؟
ناظرتها من الأسفل للأعلى قائلة بمغزى:
يمكن كلامي النهاردة مش مفهوم، بس على الأقل أنا واضحة، واللي في قلبي على لساني، زي حالي دلوقتي.
قالت الأخيرة بصيحة لتتابع نحو الصديقة الثالثة:
معلش يا ليلي، ياريت تسبينا لوحدنا عشان عندي كلام مع ميرال ماينفعش تسمعيه.
على الفور تحركت الفتاة بحرج ترتد بأقدامها للخلف مرددة بترقب وشغف للآتي ، فلهجة أريج توحي بقرب نشوب معركة:
ياريت بس الكلام يكون متحضر ما بينكم يا بنات، إحنا كبار ومش عيال صغيرة عشان نتخانق.
ظلت النظرات المتحفزة والمتسائلة من الطرفين حتى ابتعدت المدعوة ليلي بمسافة آمنة للحديث، ف بادرتها ميرال بالسؤال:
نعم يا أستاذة أريج؟ أنا متشوقة أسمع كلامك اللي ماينفعش حد غيرنا يسمعه، هاتي اللي عندك وأنا جاهزة تماماً عشان أسمعك.
على الفور انطلقت أريج:
أنتِ ليه بتبعتي رسايل وبتزني على سعيد ابن خالي عشان يكلمك؟ هو إنتي ما عندكيش كرامة ولا شوية دم عشان تفرضي نفسك على شاب زي ده رافضك وبيكرهك؟
شهقت ميرال مستهجنة بلهجة لا تخلو من سخرية:
مين دي بقى اللي بيكرهها يا حبيبتي.. سعيد؟ وإنتي مالك أصلاً إن كنت ببعت له رسايل ولا بكلمه؟
كان من بقية املاكك أو ربما تكوني مرتبطة بيه وانا معرفش مثلاً؟
كلماتها المستفزة زادت من احتقان أريج لتنفعل بها:
ده يخصني عشان ابن خالي، وأنتِ واحدة وقحة وبجحة.
صاحت بها ميرال غاضبة:
لأ ده أنتِ اللي وقحة عشان حاشرة نفسك في اللي مالكيش فيه، جرى إيه يا بنتي؟ هو أنتِ الغيرة هتموتك مني للدرجة دي؟ ولا تكوني نسيتي إن ده سعيد؟ سعيد اللي كنتِ بتتريقي عليه وتستخفي باهتمامه بيكي ومساعدته ليكي دايماً؟ بقى حلو في عينيكي دلوقتي لمجرد إنك حسيتي إني قربت منه؟
وهو خلاص قفل صفحتك بعد ما عرف حقيقتك البائسة وشاف كويس وشك الوحش، يا وحشة.
أنا هوريكي مين هي البائسة أم وش الوحش.
صرخت بها أريج بعد ان فقدت السيطرة على غضبها، لتنقض هاجمة على ميرال التي اكتشفت انها قوية بدفاعها وعدم استلامها بل وهجومها المضاد، لتصبح معركة متكافئة الأطراف بين الفتاتين.
---
ترجل من سيارة الأجرة التي استقلها بعد أن اقترض المال من أمجد والذي وصف له طريقة الوصول إلى العنوان أيضًا، بتملق يعلمه جيدًا ادهم ولكن لا يعترض، مدام يفيده، دلف لداخل المقهى الثقافي المشهور، يبحث بعيناه عنها حتى وجدها في ركن وحدها ترتشف من فنجانها بأناقة، كأميرة من العهد القديم.
أي عهده هو وفي زمنه... يا إلهي انها تكاد تكون هي، حبيبته القديمة، نازلي! ردد بكلماته الأخيرة لنفسه قبل أن يصل إليها يلقي التحية بلطف مبالغ به:
صباح الخير، تسمحيلي يا سيدتي الجميلة
إني أقعد؟
أومأت برأسها ضاحكة وهي تردد:
صباح النور وعبير الزهور، اتفضل اقعد يا سيدي المحترم.
شكراً جزيلاً.
قالها ثم جلس يقابلها على الطاولة المستديرة الصغيرة، فقالت هي متبسمة:
وكمان دمك خفيف يا سيد سعيد، حقيقي أنت كل يوم مرة اشوفك فيها بتبهرني
أومأ برأسهِ يعقب على قولها:
في وجود ست جميلة زيك، الواحد لازم يعمل المستحيل عشان يلفت نظرها بس، وبعد كده تيجي مرحلة الإبهار، وأنا متهيألي إني لسه موصلتلهاش لحد دلوقتي.
لا انت مش ممكن! أنا مش قادرة أجاريك،
قالتها وهي تحرك رأسها بيأس ضاحكة، قبل أن تتناول فنجانها وترتشف منه قهوتها بتلذذ جعل أدهم يشرد بها قليلاً، قبل أن يسألها مباشرة:
من أي عائلة أنتِ يا لينا؟ قولتي قبل كدة انها عائلة مصرية أصيلة
اومأت تضع الفنجان من يدها على الطاولة أمامها لتقول باستغراب:
يا خبر يا سعيد! أنت مابتزهقش من الكلام عن العائلات؟ إيه سرك؟ أنا حاسة إنك مهووس بالموضوع ده!
اومأ برأسه يقول بحرج:
يمكن أكون كده فعلاً، بس للحق عشان تبقي عارفة، أنا عمري ما شغلني موضوع العائلات ده مع حد زي ما شغلني معاكي.. ومش عارف السبب إيه، بس الظاهر إن موضوع الحكاية اللي لمحتي عنها إمبارح هو اللي شدني للأسئلة
قطبت مرددة باندهاش:
تاني! تاني يا سعيد بتجيب سيرة الحكاية؟ يا راجل ده أنا لسه ماقولتلكش حتى تفاصيل عشان تشد انتباهك بالشكل ده!
قال أدهم بتصميم:
ومع ذلك نفسي أسمعها، عايز أسمع حكاية عيلتكم مع طبقة البشوات والبكوات.
تنهدت ضاحكة ثم ردت تجيبه:
خلاص، هريحك يا سعيد.. الحكاية مش سر حربي يعني عشان أخبيه، بس الأول.. تحب أطلبلك إيه؟
احتدت عيناه ليُعقب على قولها بانفعال:
إيه؟ عايزة تطلبي وتعزميني على حسابك؟ وهو ده يصح برضه؟ أنا الراجل وأنتِ الليدي.. يا جرسون!
هتف بالآخيرة ملوحًا بكفه نحو النادل، والذي اقترب على الفور، ليتلقى أمره من أدهم:
نعم يا فندم، تحبوا تشربوا ايه؟
أومأ أدهم بذقنه نحو لينا يقول للنادل:
شوف طلبات الهانم الأول.
سمع منه الرجل وتوجه بأنظاره نحو لينا التي كانت لا تستوعب كم المفردات التي تلفظ بها، والتي تذكرها بنجوم الأفلام القديمة.
تحبي اجيبلك ايه يا هانم؟
حركت رأسها بالرفض رغم ارتباكها:
لا شكرًا، أنا لسه بشرب في القهوة بتاعتي.
تابع أدهم بإصرار:
أبدًا مش هسمح، لازم تطلبي حاجة، ده واجب عليا.
خرجت ضحكتها مضطربة من إصراره، فقالت تهادنه:
خلاص، أول ما أخلص الفنجان اللي قدامي ده.
خاطب أدهم النادل:
خلاص، هأستنى أنا كمان عشان نطلب حاجة مع بعض.
انصرف النادل وتوقفت لينا تتطلع به مبهوتة، أفعاله وطريقته في الحديث تجعلها تشعر وكأنها مع شخص راقي من أثرياء العصر القديم..
تمام.
قالها أدهم بابتسامة متحمسة، جعلتها تتساءل:
تمام إيه؟
أصدر تنهيدة يائسة يجيبها:
بكلمك عن سيرة القصة يا لينا.
ضربت بكفها على جبهتها تقول بتذكر ضاحكة:
ده أنا نسيت خالص يا سعيد! وبصراحة كدة بحس إني متشتتة معاك.
قطب يسألها مندهشًا:
ومتشتتة ليه بقا؟
باغتها بالسؤال، لتتوقف قليلًا حتى لوحت بكفها بعدم انتباه قائلة:
خلاص فكك.. أنا هحكيلك عن القصة.
-❊-❊-
يا نهار اسود، إيه اللي حصل؟ وقفي عندك انتي وهي !
هتف بالكلمات أمجد وهو يخترق التجمع الكبير للفتيات التي وقفت تشاهد ما يحدث والبعض منهن يُحاولن باستماتة أن يفصلن بين اريج التي تمسك خصلات كبيرة من شعر ميرال والتي لا تكف عن الرفس بأقدامها حتى تبعدها عنها، رغم قصر الأخرى وضعفها بالنسبة لها.
صاح يردد بحزم وهو يضرب بكفه على قبضة شقيقته التي تمسك يشعر ميرال ليؤلمها حتى تستجيب له:
سيبي البنت! سيبيها يا أريج وابعدي عنها!
قال الأخيرة وقد تمكن بنزع كفها والتصدر بجسده كجدار مانع لمنع الإحتكاكات مرة أخرى، فصرخت به المذكورة بأعين باكية:
إوعى من قدامي وماتتدخلش في اللي مالكش فيه!
هتف يطالعها بانفعال:
لمي انتي نفسك وبطلي فضايح، وأنا مش هسكت
على عمايلك دي يا مجنونة! إيه اللي حصل؟ إيه اللي حصل عشان تبهدلي الدنيا كده؟!
ردت ميرال من خلفه:
أختك هي اللي اتعرضت لي وأجبرتني على الخناق، واسأل البنات عشان تعرف الحقيقة.
تفوهت بالأخيرة تعطي الإذن بنظراتها لمجموعة منهن، فهتفن بالشهادة معها والقول بأن أريج هي السبب.
هتفت أريج بدفاعية وحماقة:
عشان هي قليلة الأدب وكانت عايزة تتربى!
إلتف إليها أمجد يحدجها بنظرة مخيفة، فقبض على ذراعها بعنف يبتغي سحبها وهو يقول كازًّا على أسنانه:
لأ، ده إنتي اللي عايزة تتربي من أول وجديد.. تعالي، تعالي معايا هنا!
لم تتقبل اريج صياحه بها أو سحبها كالبهيمة والتقليل من شأنها، فـ تشبثت أقدامها بالأرض لتصرخ باعتراض:.
"مش هتحرك معاك يا أمجد ومش هسيبها لحد ما أربيها على كل كلمة قالتها، ابعد عني وامشي أنت يا اللي كنت السبب في كل اللي بيحصل دلوقتي!"
توقف أمجد ليقابلها بنظرة نارية تخرج من قلب الجحيم.
أثارت بقلبها الرعب رغم إدعائها العكس بوقفتها غير مبالية، تريد تنفيذ ما برأسها وليحدث ما يحدث. ولكن وصل حرس الجامعة فجأة لينهي كل شئ مع سحبه للأطراف المتنازعة والشهود وحتى أمجد الذي تدخل اخيرًا ليساند شقيقته كالعادة حتى لو ضد رغبته.
---
قالت لينا وهي تسرد باقي القصة:
"اتحدت الدنيا عشانه، وضغطت على أهلها عشان يوافقوا عليه، رغم إنهم كانوا عارفين إن الموضوع مش منطقي خالص بالنسبة لهم، ما هو أبوها كان شغال محاسب عند الباشا الكبير والد حبيبها، بس مع ضغط ابنته قبل في النهاية من أجلها.
ابتلع أدهم ريقه الذي جف، فما كان يلوح بظنه منذ الأمس بدأ يتأكد منه بالفعل مع قولها، وسألها:
"وإيه اللي حصل بعد كده يا لينا؟"
سمعت منه لتجيبه سريعًا بتحفز:
"سابها ومشي من غير ما يقولها وبكل ندالة، بعد ما عشمها وغرقها في بحور العشق معاه، لحد ما سابها طايرة في دنيا الخيال والروايات برومانسية كدابة، عشان تقاسي بعد كده ويلات الهزيمة لوحدها."
ف الباشا والده بعد انتهاء المشكلة وإبعاد ابنه لواحدة من الدول الأجنبية، نكل بيها وبأسرتها، طرد والدها عن العمل بالعزبة اللي يملكها ، فاتكومت عليه الديون لحد ما اضطر يسيب المدينة بحالها ، وراح بأسرته اسكندرية وبدأ معاهم هناك حياة جديدة، ولكن ظهرت مشكلة أكبر.
سألها أدهم بقلق:
"مشكلة إيه؟"
اجابته لينا:
"للأسف طلع إن البنت اللي اتجوزت من واحد جبان وسابها بعد كده، كانت حامل."
"حامل!"
قالها بأعين جاحظة وذهول شديد، فكانت إجابتها بكل بساطة:
"آه كانت حامل، بس عمي ما جرؤش يروح لأبوه ويقوله على السر العجيب ده، فـ اضطر إنه يشيل شيلتها ويربي طفلة من غير أبوها، بس القدر خلى المحبة تدخل قلوب الكل ناحية الطفلة الجميلة دي."
واللي جاءت رحمة لوالدتها عشان تقر عينها بيها وتعيش المتبقي من عمرها، بعد أن ما كانت هتموت من القهرة
صرخ ادهم بانفعال:
"وطيب ليه ما حدش عرف أبوها؟ ده كان لازم
يعرف، ما ينفعش البنت تعيش من غير معرفة والدها بيها.
تبسم ثغر لينا بتسلي لتقول بمرح:
"وليه كل الانفعال ده يا سعيد؟ دي قصة قديمة، وبعدين على حسب ما عرفت من والدي، ابن الباشا النذل ده مات وهو صغير، اتقتل على إيد واحد من الدائنين.. عقاب ربنا بقى! الخاين خسر فلوسه في مضاربة مش محسوبة في البورصة، ومارضيش يدي الدائنين فلوسهم، فكان مصيره القتل".
أطرق برأسه أدهم يغمض عينيه بتعب، فما يسمعه الآن أكبر من احتماله وأكبر من أي شيء، أن تكتشف وجود ابنة لك بعد فوات الأوان، لتكتشف بعد قضاء نحبك بعقود أنك غبي وأحمق وما حدث معك، كان العقاب الحقيقي لتقصيرك أو خيانتك على الأصح، كما تقول لينا.
ضربت لينا كفيها ببعضهما بغير تصديق تقول متفاجئة من هيئته:
"مالك يا ابني؟ ليه كل التأثر ده على قضية انتهت من سنين طويلة؟ إيه الفائدة من الحزن أصلاً؟"
تحفز يسألها مقارِعًا:
"وليه كل الفرح ده برضه؟ ما القصة حزينة أصلاً، رغم إنك قلتي لي قبل كده إنها قصة مشوقة، هو إزاي بيختلط التشويق مع الحزن؟"
ردت لينا بوجه ضاحك غير مبالية بغضبه:
"لأن بغض النظر عن مأساوية القصة في الأول، إلا إن النهاية كانت ولا أروع! ربنا رزق البنت بعد كده بزوج كان ليها العوض فعلاً، والطفلة الرائعة دي تربت في أحضان العائلة واتجوزت هي كمان، واختلط نسل الباشوات مع نسل الفلاحين".
"عشان يخلفوا أولاد كتير، وبعدين ييجي أحفاد أكتر، ولحد ما الموضوع ينتهي عندي أنا.. بنت مصرية من أسرة مكافحة بس بيجري في دمي نسل الباشا".
افتر فاه أدهم ليتجمد مصعوقًا أمامها.
حتى تمتم بما يدور برأسه دون تفكير:
"يعني إنتِ حفيدة نازلي.. حفيدتي!"
غمغم الأخيرة بداخله، وقد تلجم لسانه عن النطق بها أمام لينا والتي ردت متفاجئة:
"مش فاكرة إني قلت لك اسم جدتي خالص!"
"لكني عرفت بقلبي".
تمتمها داخله ليقول ردًا على لينا بالكذب ليُخفي ارتباكه:
"لأ، إنتِ قلتي الاسم في الأول، بس الظاهر إنك نسيتي.. المهم دلوقتي".
رددت خلفه بتساؤل:
"إيه هو المهم دلوقتي؟"
سمع وتنهد مطولاً، يجول على ملامح وجهها المحببة، والتي ذكرته بفاتنته قديمًا، ليساوره الشك بوجود صلة تجمع الاثنين بالأمس، ثم يتضح له الآن أنها حفيدته هو أيضًا.
طال صمته فهتفت به لينا.
"هو إيه المهم دلوقتي يا عم سعيد؟ ساكت ليه؟"
تبسم يجيبها:
"المهم دلوقتي إني لقيت حل المعضلة اللي كنت بدور عليها أخيرًا."
"وإيه هو بقى الحل اللي لقيته؟"
غزت ملامحه ابتسامة صادقة في قوله لها:
"سيبيني أقولها لكِ بعدين، أنا فرحت جدًا بلقائك يا لينا، أكتر من أي حاجة."
ـ*- *- *-
بوجه مكفهر عاد عزام من عمله ليلج لداخل المنزل، القى بعلاقة مفاتيحه على الطاولة التي توسطت مدخل الشقة بإهمال وهتف مناديًا:
"أنت يا ولد يا مجدي! بت يا أريج! اخرجوا لي من أوضكم، عايزكم حالا!"
خرجت إليه احلام من مطبخها تجيبه
وهي تجفف بدأها بمنشفة المطبخ.
"نعم يا عزام، عايز إيه؟"
هدر بها موبخًا:
"هو أنتِ كنتِ أمجد ولا أريج؟ ابعدي عني يا أحلام، ولما أكون عايزك هندهلك باسمك."
انزوت أحلام للخلف محرجة فتابع عزام بهتافه بصوت جهوري:
"أنت يا ولد لو مخرجتش لي أنت وأختك حالًا دلوقتي، هدخل لكم أنا، وساعتها م تلوموش إلا نفسكم!"
على الفور خرج إليه أمجد يقول ببرود:
"في إيه يا بابا؟ وليه كل النداء والعصبية دي يا حبيبي؟ عايزني برة الأوضة؟ واديني جيت أهو."
رمقه بنظرة كاشفة عزام، ثم انتبه على خروج ابنته الأخرى مطرقة الرأس بخزي، وقد استنبطت وحدها بالسبب الحقيقي خلف هذه العصبية من والدها، وجاء التأكيد مع قوله المتهكم:
"أهلاً بالبرنسيسة.. سيدة الخناقات والفضايح الأولى!"
خرج صوتها المهتز بدفاعية وقد فهمت على ما يرمي إليه:
"يا بابا أنا..."
"اخرسي!"
هدر بها عزام غاضبًا ليتابع حديثه نحو الاثنان:
"أنا خلاص جبت آخري وزهقت من غبائكم والأفعال اللي تكسف دي! لكن إن الموضوع يوصل للفضايح لأ.. فـ ده والله ما هقبله ولا هسكت عليه، حتى لو وصل بيا الأمر إني أحبسكم وأدبكم من أول وجديد!"
تدخلت احلام سائلة بجزع:
"وليه كل ده يا عزام؟ إيه اللي حصل من العيال دي؟"
صاح بها مصلحًا:
"دول أندال حوش! الجوز التوأم المتعب ده مبقاش مجرد مزعج وبس، دول بقوا عصابة.. إيد واحدة في الغلط وبيداروا على بعض!"
حركت رأسها احلام بعدم فهم فـ قال أمجد بدفاعية
ما تظلمنيش يا بابا، أنا ماليش دعوة باللي حصل.
قاطعه عزام بحدة:
بل أنت سبب كل المصايب، أنا واثق تمام الثقة إنك شريك في اللي حصل الصبح في الجامعة.
ومش بعيد يكون الخناق اللي أختك عملته مع البنت ميرال، كان بتحريض منك أنت.
بأقسم...
ما تحلفش كدب!
صاح بها عزام قاطعة، جعلت أمجد يبتلع باقي الكلمات، ليوجه والده الحديث نحو شقيقته التوأم:
وأنتِ يا ست الحسن والجمال، يا ترى إيه السبب ورا سكوتك ده والأدب المبالغ فيه؟ هي القطة أكلت لسانك؟ ولا العلقة اللي أخدتيها من البنت في خناقة الشوارع دي جابت نتيجتها واتعلمتي الأدب اخيرا؟
ظهر على وجهها ملامح الندم بالفعل، مما جعل عزام يصيح بها:
إيه السبب اللي خلاكي تتخانقي مع صاحبتك في قلب الجامعة يا بنت؟
انتفضت أريج من صيحته قبل أن تتماسك وتجيب:
حاجات بنات يا بابا، وده بيحصل كتير الأيام دي.
هدر عزام بعدم تصديق:
ملعون أبوكِ وأبو حاجات البنات! أنا مش مصدق كلمة من الهري ده، بس مش هأكمل تحقيق معاكي عشان ما أتعبش نفسي أكتر من كده. بس ده تحذيري ليكي يا أريج، لو ما التزمتيش الأدب واحترمتي نفسك في الجامعة، هأروح وأسحب ورقك، عشان تبقي مالكيش أي لزمة في الدنيا! غوري من وشي دلوقتي، يلا على أوضتك، يلا!
صرخاته القوية جعلتها تعدو إلى غرفتها راكضة.
فالتف عزام نحو أمجد يطالعه بأعين نارية، ليخاطبه كازًّا على أسنانه:
وأنت يا غبي، لحد إمتى هتفضل فاشل ومهزأ ومن غير قيمة؟
الله يسامحك يا بابا
تمتم بها امجد يدعي الأدب فهتف به عزام:
اسمع كلامي كويس يا ولد، وبطل ألاعيبك المكشوفة دي، أنت عندك عقل شيطاني، ليه ما بتستغلوش في عمل الخير؟
غمغم أمجد بصوت غير مسموع:
هو إزاي هينفع في الخير؟ وهو أصلاً شيطاني!
صاح عزام يصرفه بازدراء:
امشي وما تورينيش وشك، أنا مش طايق أبص في وشك أنت كمان. سمع منه واتجه نحو وجهته على الفور، ولكن اوقفه صوت احلام:
ابن خالك لسه مارجعش لحد دلوقتي يا أمجد، تفتكر يكون راح فين؟
حرك كتفيه بعدم معرفة يمط شفتيه، وقال مطمئنًا:
متقلقيش يا أمي، أقدر أعرف مكانه بكل سهولة.
بعد ان القى أمجد كلماته إلى والده، دلف لداخل غرفته سريعًا يتطلع بالهاتف، وبحث بخاصية التتبع حتى وجد مكان ادهم ليهتف مستغربًا:
في القصر! جدي راح القصر المهجور بعد كل اللي حصل؟
يا ترى إيه السبب ورا روحانك هناك يا أدهم يا فيومي؟
القى سريعًا الهاتف بجواره على الفراش ليخلع تيشرت بجامته سريعًا، ليهم بتبديل ملابسه حتى يخرج ويستطلع الامر بفضول.
-※-※-
وعند ادهم
والذي كان ينزل بجسده ليهبط السلم الداخلي والمؤدي إلى البدروم، أشعل ضوء مصباح هاتفه ليستكشف ما حل به من خراب، بعد ان استولوا الورثة الشرعيين عليه ولم يتركوا قشاية واحدة به، ومع ذلك لم يصل احد منهم مهما كان ذكائه إلى اهم الأشياء بها.
الا وهو الجوهرة.
الحمقى لا يدرون ان ما يبحثون عنه اقرب من القرب.
ام تكون الجوهرة نفسها أبت أن تذهب إلى أحد غير أهل لها!
شرد يستعيد بعقله ملامح لينا الجميلة ورقتها وعذوبتها، هي بالفعل نازلي، لقد اخذت من الجينات ما يجعلها صورة طبق الأصل منها هنيئًا بمن يفوز بها.
وتعسًا لمن يفرط بحقه في السعادة من أجل مال زائل.
أو خوف من سلطة اب ظالم، فرض كلمته عليه قديمًا وحرمه من حق الحياة:.
تنهد أدهم بألم يستفيق من جرحه، ولينزع هذا الطوق الذي التف حول رقبته، ومنعه من الحياة وهو على ظهرها حي يرزق.
أما الآن وقد استطاع تقدير قيمة الأشياء، ورؤية الصورة كاملة بلا تشوش او رتوش خادعة، ف سوف يعطي كل فرد ما يستحقه وما هو أهل له، مهما كانت صفته
