رواية الداهية وسلالة الاوغاد الفصل الرابع عشر 14 بقلم امل نصر


 رواية الداهية وسلالة الاوغاد الفصل الرابع عشر 

بخطوات متمهلة، كان أدهم يجول بعينيه في أرجاء البدروم المظلم، مستعينًا بضوء بسيط من كشاف هاتفه كي يرى ما حوله.

 فراغ.. فراغ تام، كل ما يحيط به مجرد جدران مصمتة، وما تبقى من الأشياء القديمة التي كان يخزنها هنا ليس سوى قطع متناثرة من الخشب، أو أقمشة مهلهلة، وبعض الحبوب المتبقية من أشولة المحاصيل التي دهستها الأقدام.
"يا ربي.. ده أنا كنت عايش في خير ونعيم من كل ناحية، وما فقتش ولا حسيت بالنعمة دي إلا دلوقتي! بعد ما شُفت المستوى اللي عايشين فيه أحفادي.. صحيح عصرهم مليان أجهزة حديثة وتكنولوجيا، بس مش لاقيين ياكلوا اللقمة اللي تشبعهم، ولا واحد فيهم طايل حتى نص الرفاهية اللي كنت عايش فيها زمان!"
تنهد بثقل حينما وصل إلى آخر الغرف، مع شعور بالاختناق يجثم على أنفاسه، فوخز الضمير في صدره لا يعرف كيف يُسكته، وهو يرى نفسه المتسبب الأول في كل ما حدث لهم بعد رحيله. تابع خطواته وعيناه تملأهما الدموع حتى وصل إلى آخر ركن في الغرفة.
وصل إلى هناك، وبدأ يدب بأقدامه على الأرض عدة مرات بقوة، حتى سمع ذلك الصوت المميز.. صوت تجويف أسفل الأرض. عاد ليدب بقدمه عدة مرات أخرى ليتأكد من صحة ما سمعه، ثم انحنى ليمسح الأتربة المتراكمة بكثافة، حتى عثر على قفل صغير مُحكم الإغلاق.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وهو يفكر في غباء أحفاده:
" ههههه.. الولاد احفادي طلعوا مغفلين بشكل! أمجد قالي إنهم قلبوا الدنيا وكانوا بيدوروا على الجوهرة زي المجانين، وسرقوا كل قشة في القصر وفي البدروم.. وما جاش في بال حد فيهم يدور في الزاوية دي! ولا واحد فيهم حس إن تحت رجليه غطا حديد تقيل للقبو اللي مخبي فيه الجوهرة.. ومتّ قبل ما أقول لحد من الورثة على مكانها، عشان آخد في الآخر السخط ودعوات الكره منهم زي ما قال أمجد!"
هز رأسه يمينًا ويسارًا ليطرد هذه الأفكار المحبطة؛ فما ينتظره الآن كثير ومصيري. نهض ينفض الأتربة عن يديه وعن قماش ملابسه التي رأى أنه لابد من إلقائها في سلة المهملات أو الغسيل، كما كان يردد ذلك "الملعون" أمجد. تناول هاتفه ورفع الكشاف، ليركز الضوء على شيء ما بالقرب من السقف، وتحرك بالضوء ببطء ورويدًا رويدًا حتى وصل إلى فتحة صغيرة في الجدار.
اعتلى ليقف على أطراف قدميه، ثم مد يده داخل الفتحة، لتخرج بعد ثوانٍ وهي تمسك بالمفتاح النحاسي. تأمله بابتسامة متحسرة وهو يحدث نفسه:
"سبحان الله.. ده الشيء الوحيد اللي فضل على حاله وما اتغيرش.. أنا اللي شيلته هنا بإديا دي من كذا عقد من الزمان. وكل حاجة تانية بعدي اتدمرت أو باعوها عشان يلاقوا لقمة العيش."
أخرج محرمة ورقية وأخذ يمسح المفتاح بها، ثم انحنى ليجرب حظه في فتح القفل  القديم، مؤكدًا لنفسه أنه لا داعي للغوص في شروده مرة أخرى. ضغط بكل قوته حينما واجه صعوبة  في إدارة المفتاح، بسبب الصدأ الذي أصاب المعدن على مر السنين
من الركنة، حتى استجاب أخيرًا بعد محاولات عديدة باءت بالفشل، ليزفر بارتياح فور ان تمكن من رفع الغطاء الثقيل.
ليشيح بوجهه ويسعل عدة مرات حتى يسمح بدخول الهواء للقبو، هبط بعد ذلك على الدرج الخشبي حتى حطت أقدامه على الأرض، تلفت حوله وقبل أي شئ ذهب نحو المصباح الذي يحمل عدد من الشمعات في اعلى الحائط، ليخرج عود الثقاب ويشعلهم.
ثم ذهب إلى الجانب الاخر وفعل نفس الأمر لتصبح الإضاءة شاملة كل القبو، فظهر الصندوق الكبير المزخرف بنقوش الآرابيسك قديمًا، وضع كفيه يتلمسه بحنين قبل ان يرفع الغطاء الخشبي ليكشف عن محتويات الصندوق، أشياء عزيزة خبأها فيه حتى لا تطاله أيدي الدائنين والورثة الأوغاد.
قلائد فضية وذهبية كسبها في مسابقات الخيل في بداية شبابه، ساعة سويسرية، وبعض الخواتم العزيزة على قلبه ثم هذه الجوهرة التي لمعت بشدة كادت أن تضيء القبو وحدها، أمسكها بيده يتأملها جليًا، لقد دفع من أجلها معظم ثروته.
وكان الثمن لها حياته بعد أن يأس الدائنين منه، فقام أحدهم بالهجوم عليه وقتله داخل قصره، ليذهب ويترك من خلفه إرث لم يتمتع به أحد من أهله، اصدر تنهيدة طويلة، ثم تناول الأسورة الرقيقة ذات القلوب المتدلية منها، يُقبلها عدة مرات فهي الوحيدة التي تبقت له بعد ان فقط نازلي وتخلى عنها كالجبان.
نظرة إليها بحيرة هي والجوهرة ثم باقي المحتويات العديدة المتبقية لا يدري الان ماذا يفعل؟
-※-※-

ترجل أمجد من أعلى الدراجة النارية بعد أن أوقفها بجوار القصر المهجور والحديث بينه وبين شقيقته على الهاتف لم ينتهي بعد.
"وكنتِ مستنية منه إيه يعني بعد عملتك السودة دي يا حبيبتي؟... أنا السبب؟!... آه يا حبيبتي!..."
"هو أنا اللي وزيتك تروحي تتخانقي مع البنت وتعملي زي المشردين في قلب الجامعة وقدام الطلبة كلهم؟... يخربيت غباءة بقى ..... بطلي كل يوم تفكريني باللي عملته في سعيد، هو أنتِ شفتيني قتلته يا بنتي؟..." سمع صياحها الساخط عبر الاثير، وهو يسير في مدخل القصر ليهتف غاضبًا بدفاعية فور ان اقترب من بابه الداخلي.
"لا يا حبيبتي ضميري مأنبنيش خالص، لأني عارف كويس إنها فترة وهتعدي، وبعدها الملعون سعيد ده هيرجع لحياته الطبيعية عادي، وترجعي أنتِ تاني تستغليه وتتريقي عليه من ورا ضهره زي العادة... إقفي عندك يا بنتي وماتقوليش غير كده، وِكفاية بقى الكلام الغبي ده عشان أنا زهقت منك ومن قرفك، ويلا غوري

تفوّه بالأخيرة ثم أنهى المكالمة بدون استئذان، ثم وضع الهاتف بجيب بنطاله الخلفي ليكمل سيره ويتقدم نحو الباب الداخلي وفور أن همّ بفتحه تفاجأ بخروج أدهم أمامه بابتسامة بلاستيكية قائلًا:
حبيبي يا أمجد.
توقف أمجد يناظره مضيقًا عينيه بريبة يسأله:
كنت بتعمل إيه جوه القصر؟
توقف أدهم يبادله الرد بسؤال:
وإنت عرفت مكاني منين؟
رد أمجد بابتسامة مضطربة:
دورت عليك وعرفت.
تقدم أدهم خطوة للأمام ليُغلق باب القصر من خلف ظهره وعيناه مصوبة نحو أمجد وهو يقول بهدوء يناقض ما يدور من برأسه:
زي المرة اللي فاتت بتلاقيني بمنتهى السهولة، مش عارف إزاي يا أخي بصراحة؟ وكأن حضرتك مكشوف عنك الحجاب، زي ما بيتقال في أوساط الفئة الشعبية من الشعب.
ردد من خلفه امجد ساخرًا:
الفئة الشعبية من الشعب! على أساس يعني إننا من فئة النخبة ولا زبدة المجتمع المخملي، ارحمني يا جدي بالله عليك، مرارتي مش مستحملة.
تبسم أدهم متقبلًا سخريته اللاذعة، ليعود الآخر إليه بعدة اسئلة تُلّح برأسه:
كنت بتعمل إيه جوه يا أدهم يا فيومي؟ رحت تطمن على الجوهرة؟ ولا إنت طلعتها خلاص؟ ولو طلعتها ه تديها لمين؟
انتبه أدهم على هذا التحفز الذي بدا على هيئة أمجد وانفاس صدره تصعد وتهبط أمامه بتسارع لمجرد تخمين أو شك يدور برأسه، ليُغمغم داخله بعدم ارتياح:
شكل الولد ده هيبقى مشكلة قوية أمام اللي عايز انقذه اللي في دماغي
إنت ساكت ليه يا جدي؟ هو للدرجادي 
أسئلتي صعبة عليك؟
ضحك أدهم بصوت عالٍ، ثم خطا من أمامه ليهبط من الدرجات القليلة الرخامية ومنها تابع ليدوس بأقدامه على الأورق الجافة بأرض الحديقة التي أصبحت خرابًا ولم يضل بها سوى عدد من الأشجار المتناثرة، ليطوف بعينيه عليها أدهم ثم التف يقول لأمجد الذي كان يلحق به ومراجل الغضب تغلي بصدره:
أنا مستغرب من حال الورثة اللي نهبوا كل حاجة في القصر، وما فيش حد منهم اتبرع ولو بيوم واحد ياخد باله من الحديقة وشجرها اللي مات معظمه، وما فضلوش غير كام شجرة عجزوا ونشفوا من قلة الرعاية والمية.
تجاهل أمجد حديث الآخر ليهدر غاضبًا بعدم تحمل:
بتدخلني في حكاوي جانبية وفرعية ملهاش لازمة ليه؟ أنا بسألك عن الجوهرة، مابتجاوبنيش ليه يا أدهم يا فيومي

التف إليه أدهم يجيب بنبرة تبدو عادية ومقنعة:

"وعلى إيه كل العصبية دي يا أمجد؟ هو أنت شفتني خرجت بالجوهرة قدامك مثلًا؟ ولا أنت بتشك فيا؟ بصراحة أنا مستغرب حدتك في الكلام معايا وأنت عارف كويس إن في بينا اتفاق..."

توقف يراقب رد فعل أمجد وهو يتابع متمهلًا في قول العبارة:

"إني هدي الجوهرة للأصلح؟"

سأله بتوجس:

"وهل لقيت الأصلح؟"

صمت قليلًا يتلاعب به، ثم ما لبث ان يجيبه ببساطة:

"لسه بدور."

"نعم!" قالها أمجد يميل برأسه أمامه، ورد الآخر مستمرًا ببروده:

"نعم الله عليك يا حبيبي، أنا وضحت لك إني لسه في مرحلة البحث، فما فيش داعي لكل الانفعال ده؟"

كبت أمجد يتآكل من الغيظ فهذا الرجل لا يأخذ منه حق ولا باطل، ولا يجد طريقة تكشف له عما ينطوي عليه او ما يدور برأسه.

وقال أدهم يباغته بالسؤال:

"قولي يا أمجد.. أنت ازاي بتلاقيني بكل سهولة لما بختفي عنك؟ هو أنت بتراقبني؟"

تبسم أمجد بجانبية يجيبه:

"وهو أنا فاضي للدرجة دي اللي تخليني ألف وراك في الشوارع، وأسيب جامعتي ومشاغلي كلها عشانك؟"

"أمال بتوصل لي ازاي؟" سأله مرة أخرى بإصرار، ورد أمجد يقارعه:

"قولي أنت الأول كنت بتعمل إيه جوه عشان أطمن ويرتاح قلبي، مش الأولى إنك تأمن مكري يا جدي العزيز، وتديني سبب محدد لاختفائك بالساعات هنا جوه القصر؟"

"وعرفت كمان بالوقت؟" تفوه أدهم بالسؤال داخله باستغراب، ليتأكد ان أمجد يتابعه بدقة، وهو لا يعلم الطريقة أو الشخص الذي يراقبه من أجله، ولكنه مضطر لمسايرته والتجاهل من أجل أن يصل لحل ما معه، لذلك جاء رده:

"هقولك يا أمجد وأبشرك كمان."

سأله أمجد على الفور:

"تبشرني بإيه؟"

ادخل أدهم يده في جيب سترته ليخرج له قلادة ذهبية تلقفها أمجد بلهفة مرددًا بمرح هستيري وهو يتأملها ويقلبها بين يديه:

"الله عليك يا أدهم يا فيومي، جبتها منين دي؟ لقيت السلسلة الذهب دي فين؟ يا نهار ابيض.. دي تحفة وتقيلة قوي! دي ذهب خالص، والذهب الأيام دي طالع في العالي بشكل جنوني.. ، لقيتها ازاي؟!"

توقف فجأة ليناظر أدهم بتشكك قائلًا:
"أنت كنت مخبيها مع الجوهرة! وزي ما خبيت معها حاجات تانية... يلعن أبو كده!..."
صرخ بالأخيرة يضرب بكفه على رأسه بجنون وقد اشتعلت رأسه بالتوقعات:
"يا نهار أسود! إزاي تاريخ العيلة مطلعش منه الحقايق دي؟ اللي يخبي جوهرة، يقدر يخبي كنز غيرها! أنت مخبي جوه القصر كنز.. مخبي جوه القصر كنز يا أدهم يا فيومي! يخرب بيتك، ده أنا كدى حبيتك اكتر يا راجل!..."
صرخ به أدهم يوقفه:
"بس بقى بطل كلام فارغ، ولم خيالك الواسع ده شوية يا ابني.. جدك مش علي بابا يا حبيبي!"
هتف أمجد بحدة:
"طب قول لي أنت.... مخبي إيه تاني مع الجوهرة؟ وهتكرم العيلة الكريمة من ثروتك المخفية؟
توقف أمامه أدهم بنظرة ابلغ من الحديث، يتابع اللهفة وهذه الفرحة المبالغ فيها من حفيده نحو القلادة الذهبية، والتي كانت غالية مثل الجوهرة ولكن بما انه اخفاها، ولم يتركها اثر مشرف له ليفتخر بها أحد من احفاده، بل إنه فشل حتى بإعطاءهم المال الذي يجعلهم يتذكرونه بالدعوات.
ليكون نصيبه السخط من الجميع، ف ليتنازل الآن ليساهم في سعادة عددًا من منهم، حتى لو كان من بينهم أوغاد.
"أنت ساكت ليه يا جدي؟ رد عليا يا راجل وريح قلبي!"
رد أدهم يجيبه:
"هريحك يا أمجد.. وهفرحك كمان."
★★★
صرخ إمجد وهو يدفع باب المنزل الخارجي، ليلج للداخل مهللًا بصوته العالي:
"يا بابا، يا ماما، يا أريج، يا نيازي.. تعالوا هنا بسرعة يا شباب! عايز الكل بره أوضهم حالا، يلا "
خرجت في البداية أريج ونيازي من غرفتهما ليتوقفوا قبل ان تخرج أحلام ويخرج خلفها زوجها بوجه عابس يقول متذمرًا:
"إيه الدوشة والزيطة دي يا ولد؟ أنت اتجننت ولا عقلك طار منك؟"
صرخ أمجد يردف من بين ضحكاته الهسترية.
"لو عقلي طار متلومنيش يا بابا.. اللي لقيته هيطير عقل الكل، مش عقلي أنا وبس!"
سأله عزام باستغراب، امام النظرات المتسائلة من الجميع.
"لقيت إيه يا ولد؟"
قبل أن يجيبه كان أدهم يدلف لداخل المنزل، فصرخ به أمجد

اتكلم أنت يا سعيد، قُولهم على اللي لقيناه دلوقتي في القصر المهجور.
صرخت أريج تقول بلهفة وعقلها قد ذهب نحو الجوهرة:
يا خبر! هو انتم طلعتوا الجوهرة؟ بس إزاي؟!
سؤالها كان به نظرة مكشوفة ببلاهة لدى أمجد الذي يفهمها جيدًا، فقال على الفور حتى يوقف استرسالها قبل ان تخطئ بغبائها المعتاد، وقال مشددًا بكلماتها:
إحنا لسه ملقيناش الجوهرة يا أريج، البحث لسه شغال يا غالية، بس الحظ كان معانا النهاردة، ولقينا حاجة تحفة وهيكون ليها تأثير كبير وهتشقلب حياة العيلة كلها.
تدخل نيازي يقول بسأم:
ملوش لزمة كل الكلام والمقدمات دي، لو كنت لقيت حاجة مفيدة أو كويسة تفك نحس العيلة دي.. طلعها عل طول وخلصنا.....

لم يكمل جملته نيازي حتى وجد أمجد يُخرج له القلادة ويرفعها امام انظار الجميع.
شهقت أريج بصوت عالي حتى بتول الصغيرة والتي خرجت على الجلبة خارج غرفتها، فقالت هي الأخرى:
يا ربي! دي شبه اللي كسبتها في مسابقة التلميذة المثالية في المدرسة!
هتف بها أمجد بابتهاج وهو يقترب منها ويقبلها على وجنتيها المكتنزتين:
اللي معلقاها جوه في أوضتك دي تقليد ومعمولة من الصفيح، أما دي بقى ذهب صافي وتقيل، امسكيها يا حبيبتي، وحسي بتقل الذهب عشان تفهمي أنا بقول إيه.. امسكيها يا بنتي.
خطفتها منهما أريج لتردف بلهفة:
ذهب وتقيل؟ ده معناه إننا هنقدر نبيعها ونعمل من وراها قرشين حلوين ومبلغ كبير، مش كده برضه يا أمجد؟

أومأ برأسه إليها المذكور، ثم انتبه على سؤال والده:
مين فيكم اللي لقاها؟ وفين بالظبط؟ أنا عارف إن القصر بقى زي الخرابة ومفيش فيه حتة عدلة تنفع للتدوير، أنتوا بقر وصلتوا ليها إزاي؟
رد أدهم:
أنا اللي لقيتها يا عم عزام، ومفيش داعي للاستغراب، مساحة القصر الكبيرة والواسعة تسمح بالتدوير، وبعدين حكاية إننا نلاقيها دي جت بالصدفة البحتة مش أكتر.
صاح نيازي يجفل الجميع بتهكمه:
وعايزين نعرف بقى، الصدفة الجميلة دي حصلت إزاي؟ وإزاي عرفتوا تلاقوا حاجة غالية وزي دي، ومعرفتوش تلاقوا الجوهرة؟!
سؤاله كان موجهًا نحو أدهم وهو يطالعه باعين نارية، مما جعل أمجد هو من يجيب بأنفعال

وإنت مالك إنت عشان تحقق معانا؟ القلادة دي لقيناها بعد رحلة تدوير على الجوهرة، المهم إننا لقينا حاجة تستاهل التعب والتدوير اللي مش بيخلص ده.
قال نيازي بتحدي مغيظ:
يبقى من حقنا إحنا كمان نسأل، هي القلادة دي بس اللي لقيتوها، ولا فيه حاجة تانية معاها؟
همّ أمجد أن يجادله، ولكن أدهم كان له السبق بأن وضع يده في جيب سترته الداخلي وهو يرد بصوت واضح نحو الجميع:
لأ فيه يا نيازي.
قالها وهو يقترب من المائدة التي توسطت الصالة ليخرج الساعة السويسرية القديمة ومعها عدد من الخواتم المرصعة بالأحجار الكريمة وقلادتين من الفضة لتفتر الأفواه وتجحظ الأعين وتصرخ أريج غير مصدقة:
يا لهوي! ده إنتوا لقيتوا الكنز الحقيقي بجد! شوف يا بابا، شوفي يا ماما!
أمسكت تتناول خاتمين لتردف:
الخواتم دي تجنن ومختلفة خالص، شكلها شبه الحاجات الأثرية اللي بنشوفها في المتاحف والملوك.
تناول عزام الساعة ليُضيف على قولها:
ودي بقى صناعة سويسرية أصيلة، وفيها فصوص ألماظ...
صرخت أريج بهسترية تخطفها منه لتردد بجنون هي تتأملها وتقبلها:
ألماظ! ألماظ يا ربي! أنا حاسة إن قلبي هيقف من الفرحة!
ضحكت أحلام على فعل ابنتها وهي تتأمل المحتويات مع زوجها وبناتها ونيازي أيضًا رغم كل ما يحمله من كره تجاه أدهم، لم يقوي على كبت شغفه وفضوله في الاستكشاف، أما أمجد فقد كانت حالته عكس الكل تمامًا ذلك لوقع ما تلاقاه من صدمة حينما أخرج أدهم هذه الأشياء دون ان يخبره، بعد أن ضحك عليه بالقلادة.
كان يعلم أدهم بالنظرات النارية التي يحدجه بيها أمجد ولكنه كان يدعي التجاهل والانغماس في فرح الأسرة وأسئلتهم حول كيف عثر عليها وأين المكان، وكان هو يختلق الرد بالكذب وتأليف القصص، حتى صاح عزام بصوته العالي يوقف الجميع بعد ان أستفاق من نشوته:
كفاية بقى! كل واحد يسيب اللي في إيده، كفاية فرجة وفركشة لحد كدة.
هتفت أريج وهي تتأمل الخواتم على صوابع يدها:
ليه بس يا بابا؟ سيبنا نتبسط ونلعب بيهم، أو حتى ننام بيهم النهاردة.. هو إحنا كل يوم هنلاقي حاجة بالجمال ده؟
قال عزام:
يا بنتي، الحاجات دي ليها قيمة معنوية كبيرة!
ومادية باهظة الثمن، يعني مش للعب 
التمعت عيني أريج بحماس، وتدخل نيازي بقوله:
"أيوه يا بابا، دي حاجات أثرية وما تتقدّرش بتمَن، نقدر نتباهى ونفتخر بيها قدام الكل."
هتف أمجد خلفه باستنكار:
"نفتخر بإيه يا حبيبي؟ إحنا ما يهمناش من الحاجات دي غير قيمتها المادية، الفلوس هي اللي هتنفعنا وهترفع من شأننا قدام الناس."
ردد من خلفه عزام بالموافقة:
"أيوه صدقت يا نيازي، أنت جبت المفيد من الآخر."
هتفت أريج بلهفة:
"يا خبر يا بابا! معنى كده إننا هنبقى أغنية أوي، وترجع عيلتنا لأيام زمان والغنى الفاحش، وأحقق اللي نفسي فيه وأبقى بنت ليها قيمة في الحياة دي."
ختمت تدب بقدمها على الارض تضحك بجنون جعل اباها يهدر عليها:
"بس يا بنت أحسن قلبك يقف من الفرحة، مش للدرجة دي!"
قال نيازي:
"اعذرها يا بابا، الموضوع ده ممكن يطيّر عقلها، وهي أصلاً بنتك خفيفة من الأول."
أكمل أمجد بمزاح يندمج مع الجميع، مؤجلاً حديثه الهام مع أدهم:
"المسكينة دي هتدخل العباسية قبل ما تلحق تتبسط بالفلوس."
تدخلت الصغيرة بتول:
"أنا كمان فرحانة أوي يا بابا، هو أنا كده هدخل مستشفى المجانين مع أريج؟"
قالتها وانطلقت الضحكات من الأب والأبناء وادهم الذي قبلها بحب قبل ان ينتبه على قول أحلام:
"ونصيب سعيد إيه؟"
توجهت الأعين جميعها نحو أدهم وأحلام تتابع بطيبة:
"ما تنسوش نصيب سعيد ابن أخويا، مش هو اللي لقى كل الحاجات الحلوة دي وسبب الخير اللي انتوا فرحانين بيه

رد عزام بما اصاب الجميع بالصدمة:
"أكيد مش ناسي يا حبيبتي، نصيبه محفوظ طبعاً بس بعد ما نوزع التركة على العيلة كلها ونطلع نصيب أسرتنا منها."
سألته أحلام:
"تقصد إيه بالعيلة والأسرة؟"
رد عزام:
"قصد العيلة بكل الوراث، مش أسرتك الصغيرة بس يا أحلام.. الفلوس دي مش حقتنا لوحدنا، دي حقة كل واحد ليه علاقة بعيلة الفيومي."
وكأن على رؤوسهم الطير بهت نيازي وأريج وأحلام وحتى الصغيرة لينظروا أمامهم اليه بتفهم بطيء، أما أمجد فقد استوعب سريعًا ليهتف بحدة:
"عيلة مين؟! أنت عاوز تقسم الحاجات دي على كل واحد في العيلة المشؤومة دي؟ إزاي يا بابا؟ إزاي الكلام ده يحصل أصلاً؟!"
رد عزام يجيبه بثقة:
"ما تشغلش بالك الحكاية دي هتم ازاي.. أنا هتوَّلى الموضوع، هروح لمحامي العيلة عشان يعمل الإجراءات القانونية، ونقنن الحاجات دي ونعرف ثمنها في السوق بالظبط كام، وبعدها نعرف نصيبنا منها كام."
"إيه؟!"
صرخ بها أمجد ليضرب بكفه على سطح المائدة بانفعال غاضب:
"عايز تقسمها على عيلة عددها يدخل في الميات؟ وعايز نصيبنا إحنا في الآخر يطلع فتافيت؟ أنت عايز تموتني يا بابا؟ ولا عايز تجيلي جلطة بعملتك دي؟ أنا مش موافق على الهبل ده!"
مش موافق تعبي يتقسم على ناس كسلانة متعبوش نص تعبي عشان يجيهم الخير ده كدة من الهوا، 

صاح به أدهم:

"وهو أنت تعبك ده كان تعب وعرق بجد؟ وحتى لو كلامك صح، دي مش فلوسك لوحدك يا حبيبي.. دي زيها زي أملاك الدولة، ما يصحش حد يتصرف فيها من غير وجه حق."
صرخ أمجد بعدم سيطرة على انفعاله:
"لأ يصح! أنا اللي لقيتها، وأنا الوحيد اللي من حقي يتصرف فيها!"
بادله عزام بصيحة اقوى وأشد:
"وأنا أبوك، ومش هسمح بدخول لقمة حرام في بطنك ولا بطن إخواتك، حتى لو غصب عنك!"

ثم تعالي هنا، هي ايه حكاية انا اللي ماسك فيها دي ، انت ناسي ان سعيد ابن خالك مشترك معاك، لا دا كمان هو اللي لقى كل الخير ، لتكون عايز تاكل حقه يا ولد؟
سؤال عزام العفوي جاء كصفعة لأمجد الذي ابتلع يتطلع به متهجد الأنفاس ولا يجد رد مناسب له، أما أدهم فكان يشاهد بتأمل وشعور ببعض الارتياح يغزو قلبه، يبدو أن الخير ما زال موجودًا في هذه العائلة البائسة

تعليقات