رواية نبضات الصخر الفصل السادس عشر بقلم هاجر سلامه
اخترقت سيارة معاذ شوارع القاهرة بسرعة جنونية، وخلفها سيارات الحراسة التابعة لشاكر بيه، يفسحون الطريق أمام جسد نايا المنهك الذي كان يستلقي في المقعد الخلفي، ورأسها ممدد على فخذ معاذ.
كانت أنفاس نايا متسارعة، وتطلق بين الحين والآخر أنات ألم حادة تمزق نياط قلب معاذ الذي كان يمسك يدها بقوة ويقبلها بدموع وعشق جارف : "استحملي يا حبيبتي.. خلاص وصلنا المستشفى. الدكتور مستنينا.. اتمسكي بيا يا نايا، متسيبنيش للضياع تاني."
فتحت نايا عينيها ببطء، ونظرت إلى وجهه الباكي المليء بالخوف الصادق عليها وعلى طفلها.
رغم الألم الشديد الذي كان يعتصر أحشاءها، ورغم الجرح القديم في كرامتها، إلا أن لمسة يده الدافئة وخوفه عليها في هذه اللحظة الحاسمة جعلها تشعر بنوع من السلام المفتقد. ضغطت على يده بوهن وقالت بصوت خافت: "معاذ.. ابني في خطر؟ أنا خايفة الرحم المريض بتاعي ما يستحملش الوجع ده."
انحنى وقبل جبينها بحنان جارف وتحدث بصوت حاسم: "ابننا بطل وهيطلع للدنيا يا نايا، ورحمك قوي بوجودك وبحبنا.. أنا جمبك ومش هسيبك ثانية واحدة."
وصل الموكب إلى المستشفى الخاص، وكان الفريق الطبي بقيادة طبيبها الخاص بانتظارهم عند البوابة الخارجية بنقالة طبية طارئة.
حمل معاذ نايا برفق ووضعها على النقالة، وتم الركض بها فوراً نحو غرفة العناية المركزة المخصصة لأمراض النساء والتوليد.
أغلق الباب الزجاجي الكبير في وجه معاذ وشاكر بيه، لتضاء لوحة "ممنوع الدخول" باللون الأحمر المرعب.
ساد الصمت والوجوم الممر الطويل الفسيح المعقم.
كان الجو يصف دقة الموقف وحبس الأنفاس؛ فالأطباء بالداخل يصارعون الزمن لتهدئة انقباضات الرحم المبكرة، بينما وقف الرجلان بالخارج يعيشان أطول دقائق حياتهما ترقباً وخوفاً من فاجعة قد تنهي كل شيء.
بعد مرور ساعة كاملة بدت كعام، خرج الطبيب وهو يخلع كمامته الطبية ووجهه يكسوه الإرهاق والجدية الشديدة.
ركض معاذ وشاكر بيه نحوه بلهفة بالغة.تحدث معاذ بنبرة مرتعشة: "طمنا يا دكتور.. نايا عاملة إيه؟ والبيبي بخير؟"
تنحنح الطبيب وتحدث بحترام : "مدام نايا تخطت مرحلة الخطر المباشر، لكن الصدمة العصبية والجسدية رحمها كما تعلمون كان يعاني من تليف قديم، والضغط الحالي كبير جداً."
ثم التفت إليهما : "لقد قمنا بإعطائها محاليل مهدئة ومثبطات للطلق لمنع الولادة الفورية الآن. الجنين لم يكتمل نموه بشكل مريح بعد في الشهر التاسع، ويجب أن تظل مدام نايا تحت الرقابة الطبية الصارمة والمشحونة بالمحاليل لمدة أربعة أو خمسة أيام هنا في المستشفى حتى يستقر الرحم تماماً ونصل للحظة الولادة الآمنة في الوقت المناسب.. أي حركة أو توتر جديد قد يودي بحياة الجنين والرحم معاً."
تنهد شاكر بيه بارتياح : "الحمد لله يا رب.. الحمد لله إنها جت على قد كدة. شكراً يا دكتور، إحنا ملتزمين بكل كلمة."
غادر الطبيب، وتوجه شاكر بيه نحو المقاعد الجلدية في الممر وجلس بتعب شديد يظهر عليه كبر سنه وثقل الأحداث.
التفت ليرى معاذ يقف بجانب الباب الزجاجي للغرفة، ينظر من خلال النافذة الصغيرة إلى نايا المستلقية على السرير والمنفذ في يدها خراطيم المحاليل الطبية. كان معاذ يبدو كصنم رخامي، يرفض التحرك، ويرفض الجلوس، وعيناه مثبتتان عليها بعشق وندم لا ينتهي.مشى شاكر بيه نحو معاذ، ووقف بجانبه وتأمل وجهه الشاحب والمجهد جراء مكوثه في الشارع طوال شهرين، وتحدث بنبرة هادئة خلت لأول مرة من الغضب: "اقعد ارتاح يا معاذ يا ابني.. أنت بقالك شهرين عايش في الشارع وعيونك منامتش، والنهاردة لولا تدخلك السريع كان زمان بنتي وحفيدي ضاعوا مني.. أنا مدين لك بحياتهم."
التفت معاذ إلى شاكر بيه، ونظر في عينيه بصدق ورجولة انحنت لها الهامات، وتحدث بصوت متهدج: "أنا مش عايزك تكون مدين ليا بحاجة يا عمي.. أنا اللي مدين ل نايا بحياتي وعمري كله. أنا عارف إني غلطت في حقها غلطة العمر وصدقت الأفاعي.. بس وحياة غلاوة نايا عندك، أنا عشت الشهرين اللي فاتوا في جحيم حقيقي.. أنا مستعد أفضل واقف هنا قدام الباب ده أربعة أيام، خمس أيام، شهور.. مش هتحرك من مكاني ولا هسيبها غير لما تخرج على رجليها وشايلة ابننا بالسلامة، وساعتها لو هي مش عايزة تشوف وشي تاني.. أنا هسيب القصر والشركة وهمشي وأنا مطمن إنها بخير."
تأمل شاكر بيه كلمات معاذ وثباته، وشعر بنبض الصدق والندم الحقيقي الذي يغسل كل خطايا التسرع الماضي. أدرك الأب أن هذا الشاب البسيط المحترم لم يعد يهمه مال أو شركة، بل أصبح يعشق ابنته لدرجة الموت والذوبان.
وضع شاكر بيه يده على كتف معاذ وضغط عليها بقوة وتحدث بابتسامة حنونة: "أنا سامحتك يا معاذ.. وأنا متأكد إن نايا كمان قلبها هيلين لما تشوف صدقك وخوفك ده.. ادخل لها يا ابني، هي محتاجة وجودك جمبها دلوقتي أكتر من أي وقت تاني، الحالة النفسية هي نص العلاج زي ما الدكتور قال زمان."
اتسعت عينا معاذ بفرحة لم يصدقها، وشكر الأب بقبلة على رأسه باحترام شديد.
فتح باب الغرفة ببطء شديد وتسلل بالداخل كمن يدخل محراباً مقدساً. كانت الغرفة هادئة جداً، وصوت الأجهزة الطبية يضبط نبضات المكان بريتم منتظم.
اقترب معاذ من السرير، وجلس على مقعد خشبي صغير بجانبها. كانت نايا نائمة بفعل المهدئات، لكن ملامحها كانت تحمل بقايا التعب والشحوب.
امتدت يد معاذ برقة فائقة لتلتقط يدها الباردة المحقونة بالمحاليل، ووضعها بين كفيه الدافئين وقربها من فمه وظل يقبلها بدموع صامتة تنهمر على وجنتيه.همس معاذ بصوت مخنوق مليء بالعشق الحزين: "نايا.. حبيبتي وروحي.. أنا جمبك هنا ومش همشي خالص. أنا أسف على كل ثانية بعدت فيها عنك، وأسف على كل كلمة جرحتك بيها.. ابننا هيكبر وهيعرف إن أبوه كان غبي بس أمه كانت ملكة عظيمة حمت بيتنا.. قومي بالسلامة يا نايا، قومي وعاقبيني واطرديني بس بلاش النظرة المكسورة اللي شفتها في عينيكي دي.. أنا بحبك أوي."
في تلك اللحظة، تحركت جفون نايا ببطء، وفتحت عينيها لتجد وجه معاذ قريباً منها، ودموعه تبلل يدها.
نظرت إليه بصمت طويل؛ لم تتحدث، ولم تسحب يدها من بين كفيه، بل اكتفت بالنظر في أعماق عينيه المليئتين بالندم والصدق الصافي.
رأت فيه رجلها ودرعها الذي تلقى الطعنة عنها وحماها من بطش مازن.
تنهدت برقة، وظهرت على شفتيها شبه ابتسامة خفيفة، وضغطت بأصابعها الضعيفة على يده بوهن، معلنة بداية ذوبان جدار القسوة وبداية الصلح التدريجي تحت ظلال أنفاس المستشفى المعلقة، بانتظار مرور الأيام الأربعة الحاسمة لتشهد الحلقة العشرين ولادة المعجزة المنتظرة.
