رواية حتي يجمعنا القدر الفصل السابع عشر 17 بقلم رشا رومية


 رواية حتي يجمعنا القدر الفصل السابع عشر 

 «إستثنائية....»

يليق بك أن أستثنيك، فأنت نجمة سرمدية كُتب عليها الدهر ألا تنطفئ، فريدة من نوعك لا تشبهين أحدًا، ليس كمثلك شئ يُرى، ربما تشبهين الأحلام والرؤى، بداخلك قوة لا يمكنك إدراكها، تمامًا كقطعة من الألماس تغطت بالتراب، حين تهب الرياح تكشف قوتها وبريقها، لا تخضع لهزيمة ولا تنحني لإنكسار، فأنتِ إستثنائية وإن لم تعلمي بذلك.
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

من أين تدرك الحقيقة وكل الحديث كذب، شِفاة إعتادت الخداع حتى لا تكاد تميز بينه وبين الحقيقة، حتى تلك الهراءات تحولت لإقنتاع بأنها الحقيقة، حتى لا تستطيع التفرقة بين الحق والباطل.

بيت نسرين الحناوي...
وقفت "نسرين" بكل قوة وتمسك بكذباتها، إدراك تام من داخلها أن صوت التبجح يفوق صوت العقل والحق، وأنها حين تبدأ بالهجوم ستسبب التشوش لأفكار "نور" وتشككه بأمر ميراثها من عمها.

رفعت رأسها حين أخبرها بأن يبدو أن "ليلى" و"عزت" لا يعلمون شيئًا عنها ولا عن بحثها عنهم، لتهتف به بإزدراء من مراجعتها بالحديث بطريقتها المنفرة التي تزيد من تحفزه وإستفزازها له:
- وإنت صدقت!!!! كدبوا عليك، عادتهم ولا حيشتروها!!!

لم كل تلك المراوغة، لم تصر على كذبها، لهذا عليه أن يخبرها بالحقيقة بوجهها، لن ينتقي الكلمات:
- ومين قالك إن هم إللي قالولي؟! هم مقالوليش حاجه، أنا عرفت كل ده من حد تاني خالص.

تهدج صدرها ببعض الإضطراب، فترى من هذا الذي أخبره بالأمر؟ لكن عليها الثبات والتشكيك بهم، بل عليها أن تهاجم "نور" نفسه ليتخبط بداخل نفسه ويتشكك بالأمر:
- قولت لك كدبوا عليك، إللي وصل لك كده كـــــــــداب، مش بقولك إن إنت سهل وخايب، ضحكوا عليك.

إحتدت نظرات "نور" من معيبتها به، فهو لا يقبل ذلك الأسلوب الذي يُحط منه بأي صورة، هتف بها بغضب:
- سهل، خايب!!! إيه إللي إنتِ بتقوليه ده؟؟! إنتِ واعيه للكلام إللي بتقوليه؟!!

تطاول وراء آخر فهي بهذه الطريقة ستحاول إثبات أن ما علمه ما هو إلا كذب حين تقلل من فهمه وقدراته، لتستكمل تطاولها المستفز:
- ما إنت على نياتك كده، سهل وساذج، ممكن يضحكوا عليك جدًا على فكره.

ليست كل الكلمات تمر مرور العابرين، بل هناك كلمات تعلق بالنفس وتزيدها ضيق وغِلظة، تمامًا ككلمات "نسرين" المتطاولة، فإن ظنت أنها حين تظهر سذاجته وطيبته سيصدق أنهم ظالمون، لكنها أهانته بشكل أثار حنقه وغضبه.

إحتد "نور" بقوة على تطاول "نسرين" رغم محاولته للسيطرة على إنفعاله:
- خدي بالك من ألفاظك وكلامك يا "نسرين"!! أنا لحد دلوقتِ ماسك نفسي ومش عايز أتعصب عليكِ.

أردفت "نسرين" بنبرة تهكمية تزيد بها إستفزاز "نور":
- أنا بقول إللي أنا شايفاه وعارفاه، ولا إنت عايزني أنا كمان أكدب عليك زيهم؟!!

حتى بكل محاولاته لضبط النفس فشلت تمامًا في تحمل تلك المستفزة، ليصرخ بها "نور" بغضب:
- "نسريـــــــن"!!!!

صوت قوي واضح يدل على إنفجار بعد تحمل طويل، نبرة تُنبه بأن الكيل قد فاض ولم يعد للتحمل قوة.

عادت بهذه الأثناء"عفاف" والدة "نسرين" مبكرًا من العمل لتقع بآذانها صوت "نور" الغاضب وتعقيب "نسرين" بطريقتها المثيرة للأعصاب، أمر بديهي لا يحتاج بذكاء لتدرك أنهما يتشاجران.

أسرعت بخطواتها تجاه باب الشقة المفتوح لتدلف نحو الداخل تطالع بنظرات خاطفة بين "نور" الذي عقد ملامحه بقوة وقد إحتقنت تمامًا لتظهر مدى غضبه وغيظه من "نسرين"، فقد كاد وجهه يشتعل كالجمر من شدة إنفعاله، بينما كانت "نسرين" تقف أمامه وقفتها المائلة تعقد يديها أمام صدرها ببرود تام كما لو أن غضبه هذا لا يهمها بالمرة.
بقلم رشا روميه 

مع دخول "عفاف" كان "نور" قد وصل أقصى حد من التحمل ليهُم مغادرًا البيت بخطوات مندفعة وهو يعتذر من "عفاف" لإنصرافه بهذا الشكل:
- آسف يا طنط، بعد إذنك.

حاولت "عفاف" إثناء "نور" عن رحيله لتهتف به وهو يخرج من الشقة تطالبه بالبقاء:
- إستنى بس يا "نور" يا إبني رايح فين بس؟!

كانت خطوات "نور" إتخذت طريقها دون الرد أو البقاء، بدقائق قليلة كان يستقل سيارته كمحاولة منه لتهدئة أعصابه المتحفزة بسبب "نسرين" وإستفزازها الذي تتعمد ذلك بكل مرة يلتقي بها.

أدار محرك السيارة ليخرج تمامًا من الحي لكن صورة ما علقت بذهنه، صورة على النقيض من "نسرين"، حتى الإحساس يكون على النقيض تمامًا حين سيطرت "ليلى" على تفكيره، مقارنة لا تتناسب مطلقًا بين "ليلى" و "نسرين" ليدرك مدى الإختلاف بينهما.

شعور بأن "ليلى" بتلك اللحظة كانت كجوهرة براقة تخطف الأنفاس، مجرد أن تأتي بذهنه جعلته يهيم براحة وهدوء، إنها بالفعل إستثنائية لا مثيل لها، فحتى مقارنتها بـ"نسرين" لا تقربها من قريب أو بعيد.

إختلاف جعل "نور" يتنازل بفِكره عمن هي مقدرة له ويتشتت بالتفكير بإبنة عمها وكم تختلف عنها بشكل يمحي وجود "نسرين" من خياله وواقعة بشكل تام.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

بعض النفوس السيئة تمامًا كالمسمار الأعوج، مهما طرقته لن يصيح بك إعتدالًا، فقد يفيد العتاب عن الأخطاء لكنه لم يفيد في الطبائع، فالأخطاء تدرك ولا تتكرر، بينما الطبع لا يتغير.
رشا روميه 

هكذا وقفت "نسرين" بلا مبالاة لرحيل "نور"، فلم تكترث لضيقه وغضبه، بل شعرت بالحنق من طريقته المتكررة معها، شخص متبلد لا يشعر بها أو بقيمتها.

نظرت "عفاف" تجاه إبنتها اللا مبالية بضيق وهي تنهرها بقوة عن طريقتها الغليظة مع خطيبها:
- هو إنتِ على طول كده عامله مشاكل مع "نور"؟!

إحتدت نظرات "نسرين" المستنكرة هجوم والدتها عليها وتبريرها لغضب "نور" دون مراعاتها هي:
- يوووه، "نور"، "نور"، "نور"!!! هو كل اللي بتفكري فيه "نور" وبس؟! هو أنا مش بنتك ولا إيه؟!!

زفرت "عفاف" دفعة واحدة وهي تلوم على إبنتها تعاملها الجاف مع "نور":
- "نور" إنسان ممتاز قولت لك إنك بطريقتك دي حتخسريه وحتندمي عليه، بقى فيه واحده في الدنيا تعامل خطيبها بالشكل ده؟!!!! بكره تتجوزوا ولازم تقدريه وتحترميه وتبطلي تستفزيه بالشكل ده، أنا غُلبت فيكِ.

زمت "نسرين" شفتيها بإمتعاض وهي تقلب عينيها تجاه السقف تجيب والدتها بتذمر:
- الله، وهو أنا عملت إيه عشان ده كله؟!

- بقولك إيه، بدون نقاش كده، كلميه، وإعتذري له.

تطلعت "نسرين" بدهشة تجاه والدتها لتجيبها بإصرار:
- لأ!!!

رغم محاولتها للحزم مع إبنتها وأن تجبرها على ذلك لأجل حياتها ومصلحتها التي لا تنتبه لهما أصرت "عفاف" على إجبار "نسرين" على ذلك:
- "نسرين"، بلاش عناد، كلمي "نور" وإعتذري له عن إللي حصل.

كزت"نسرين" بغيظ وهي تهتف بعصبية أثناء تحركها نحو غرفتها:
- أنا مش حتصل بيه، ريحي نفسك.

قالتها وقد إتجهت نحو غرفتها لتصفق الباب بقوة رافضة ما ستجبرها والدتها عليه ككل مرة للتغاضي عن أخطاء "نور" التي تراها "نسرين"، فلن تحاول إسترضائه مرة أخرى فهي لا تخطئ حتى تعتذر بكل مرة.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

حين تعتاد الألم تطوي يأس روحك لترتدي ثوب القبول، تحفظ الكلمات لصدرك فقد قلت ما يكفي، فلا كلمات تناسب تلك المُبَعثرة التي تتخبط بداخلك.
رشا روميه 

بيت عائلة مكاوي (شقة زهرة)...
بعد تغيير "محمود" قفل الباب وأصبحت وحدها تملك مفتاح الدخول، أغلقت باب شقتها لتترك العنان لدموعها وخوفها من الظهور، ليتها دموع فزع ورهبة فقط، بل هي دموع حيرة وقلة حيلة.

فحتى لو تركت البيت هنا هل ستجد راحة ببيت والدها وزوجته، أم سيلقون بها من عذاب لعذاب ومن مشقة لأخرى.

لا تدري "زهرة" هل بقائها هنا هو الصواب أم أن هذا هو الخطأ والخطيئة بحد ذاتها.
رشا روميه 

فما يدور بعقلها الآن من مقارنة بين زوجها و"محمود"، بين الأمان والحماية والغدر والدياثة، شتان بين كلًا منهما، وخطيئة تندس بداخل أغوار نفسها دون إرادة منها.

لتميل كفة ما ترفض وتحط كفة ما يجب، إنها ستصارع نفسها والقدر معًا.

أغلقت الباب بإحكام لتدلف لداخل الشقة وهي تجلس بذهول وصمت.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

شقة زاهر مكاوي...
مع إنتصاف اليوم بل أوشكت الشمس على المغيب وها هو "محمود" يجلس برفقة والديه وزوجته بعد أن عادت من الخارج، لوم لنفسه لما تنزلق إليه قدماه، كيف سيمنع نفسه من الوقوع بتلك الخطيئة، كيف يسمح لنفسه بأن يخالف دينه ويفكر بها، عليه الثبات وغض بصره، لقد فعل ما يحميها من "أنور" وغير قفل الباب، وعليه أن يغلق هذا الباب حتى لا ينجرف بما لا يرضي الله ولا يرضي نفسه أيضًا.

هدوء غريب يختلف تمامًا عن صخب الصباح، كما لو أن لا شئ حدث مطلقًا، حتى تناولهم الطعام كان يبدو طبيعيًا للغاية بالظاهر، لكن داخل النفوس هناك الكثير والكثير منا يخبئ بداخلهم.
بقلم رشا روميه 

أخفت "فردوس" ما حدث بالصباح عن زوجها خشية من أن يرتفع ضغطه من أفعال "أنور" التي لا تنتهي.

موجات من الصور المتكررة بذهن "محمود" المشتت وهو يتذكر ما حدث من "أنور"، ومضات للحظات إنكسارها وعيونها المتوسلة له بإنقاذها، لحظات لن تنسى بتلك السهولة، لكنه رغم ذلك أجفل بعينيه لوهلة ليجبر نفسه على الإنتباه لمن حوله، فإن مالت نفسه فعليه لومها وإعادتها لطريق الصواب، فما يفعله هو خطيئة محرمة لا تهاون بها.

ثرثرة "جميلة" وطلباتها التي لا تنتهي جعلته يتابع حديثها الطامع مع والده بصمت، لكن ملامحه وعيونه قالت ما لم ينطق به لسانه بعد.

فقد جلس يرمق "جميلة" بغيظ وهي تستكمل مطالبها من والده الذي يجيبها بحرج من رفض طلباتها، ليهتف بالنهاية مُحدثًا ولده:
- جرى إيه يا "محمود"، قولت لك إديها إللي هي عاوزاه، دي "جميلة" تؤمر.

عبارة مجاملة وربما هرب من تكرار طلب "جميلة" ليلقي بالأمر كافة برأس "محمود" فهو لا يريد التدخل بكل التفاصيل المرهقة.

رفعت "جميلة" حاجبها بتحدي تجاه زوجها لتشعر بزهو الإنتصار بالنهاية، فهو لن يرفض طلبها الآن بعد موافقة عمها على ذلك.

أعاد "محمود" بصره نحو والده بعدما رمق "جميلة" بنظرة غاضبة لتصرفها الطفولي حين رفض إعطاؤها المزيد من المال فأسرعت تشكوه لوالده، تضرب برأيه عرض الحائط وتعلم جيدًا أنه لن يرفض لوالده أمر.

وجه حديثه بضيق نحو والده الذي لا يدري عن طلبات "جميلة" وأفعالها أيضًا:
- يا حاج أنا قلت لها كده من كتر ما الباشمهندس بيشتكي منها ومن تدخلاتها.

عقصت "جميلة" أنفها بإستنكار لتردف بنبرة حادة تمامًا كطبعها:
- أنا!!! أنا بتدخل!!! ده هو إللي مش عارف حاجه وكل شويه يوقف لي الشغل.

مال "محمود" برأسه متعجبًا من مغالطتها وإقحام نفسها فيما لا تفهمه، ثم أردف موضحًا خطئها:
- الراجل بيعمل الصح و إللي المفروض يتعمل.

وقفت "جميلة" لتتوسط خصرها بكفيها بنوع من النِدية والحدة، لتهتف بـ"محمود" بنبرة إتهام:
- ااااه، قول كده بقى، إنت شكلك متفق معاه ، صح؟!

ضرب كفيه بنفاذ صبر، مخلوقة تستطيع إثارة المشاكل من لا شئ، بل وبارعة في ذلك:
- اللهم طولك ياروح، بقولك إيه يا "جميلة" متخلينيش أتعصب عليكِ!!!!

أشارت "جميلة" نحو "زاهر" تريد إقحامه بمشادتها مع "محمود" لينصرها كالعادة، فهي تجيد لعب الأوراق جيدًا، تدرك متى تطلب العون ومتى ترفضه، ما يهمها ألا تكون هي الطرف الخاسر مهما كان الأمر:
- شايف يا عمي، أهو، شوفت بقى بيكلمني إزاي، لأ وإيه، وقدامك كمان!!!

كصياد ماهر يضرب كل العصافير بطلقة واحدة، ستأخذ المال وتثير حنق "محمود" لفرض سيطرتها، وتجعل والده يدافع عنها حتى لا يقف "محمود" متصديًا لرغباتها وطلباتها.

تجهم وجه هذا الكهل بضيق من مناوشاتهم التي لا تنتهي ليعقب بضيق:
- أنا مبحبش الوش ووجع الدماغ، أنا أساسًا الضغط عالي عليا من غياب "أنور" إللي محدش عارف له سكه ده.

نهض "زاهر" وهو يلوح بضيق تجاههم مستطردًا:
- أنا قايم أصلي وأريح شويه، بلا وجع دماغ، إدي مراتك إللي هي عايزاه يا "محمود"، إحنا مش حايشين عنها حاجه.

خرجت "فردوس" عن صمتها وهي تلحق بزوجها بعد أن شردت لبعض الوقت بما فعله "أنور" في الصباح:
- إستنى بس يا حاج، هو ينفع كده، وحد الله.

أجابها "زاهر" بحنق:
- لا إله إلا الله، شوفي عيالك يا "أم محمود".
بقلم رشا روميه 

غاب "زاهر" عن أعينها لتستدير "فردوس" تجاه "محمود" و "جميلة" تنهرهما بصوت خفيض:
- كده برضه!!! هو كل يوم ينام متنكد.

ضيق "محمود" حاجبيه وهو يهمس تجاه والدته مستفسرًا في قلق:
- هو إنتِ مقولتيش لبابا على "أنور"؟!!

دارت "فردوس" برأسها لتتأكد بأن "زاهر" لا يسمعها ثم عادت مرة أخرى تجيب ولدها بهمس مختنق:
- هو أنا إتجننت!! ده أبوك كان راح فيها، هو فاكر انه مجاش من يومها.

أقحمت "جميلة" رأسها بين كلاهما بفضول شديد:
- ليه، هو "أنور" جه النهارده؟

تنهدت "فردوس" بضيق تتحسر على حال ولدها وما وصل إليه بنبرة حزينة منكسرة:
- جه النهارده ويا ريته ما جه، مسك البت الغلبانه من شعرها وجرجرها بإيديه وكان عايز يموتها بالمطواه إللي معاه، لولا "محمود" الله يستره رجع وخلصها من إيده ورماله الفلوس، وأهو أخدها وغار.

لفت "جميلة" عينيها الخضراوتين تجاه "محمود" ترمقه بنظرة حادة، فيبدو أن هناك ما يدبر من خلف ظهرها ولا تعلم به، إعتدلت بوقفتها وهي ترفع حاجبها الأيمن بإمتعاض ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها بضيق قائلة:
-مقولتليش يعني على إللي حصل ده كله؟!!

كما لو أنها يجب أن تُلملم كل الخيوط بين يديها ولا يمر أمر إلا بمعرفتها وإدراكها، وكيف لا وهي تحيك حولهم جميعًا شبكة كخيوط العنكبوت، ناعمة لكن لا يمكن الإفلات منها.

لكن "محمود" لم يكترث لما تحاول فعله وفرض سيطرتها عليهم جميعًا ليجيبها بنفور:
- وهو أنا لازم أديكِ تقرير، أنا طالع الشقة، ويا ريت أنام وأرتاح.

تشبثت "جميلة" بذراعه بسرعة لتلحقه قبل إنصرافه، فلا يهمها "أنور" ومن سواه الآن:
- والفلوس إللي قولت لك عليها؟!!

تطلع "محمود" بوجهها لبعض الوقت، فقد أصبح ينفر حتى من ملامحها، يرى بها قُبح يزداد بشاعة كل يوم، يتمنى ألا يراها ولا يربطها به صلة بعد الآن، لكن كيف؟؟ وهو مجبر على تلك الحياة هي شريكة بها معه، قدر محتوم وعليه الإنصياع، ليس ضعفًا لكن حفاظًا على ثبات تلك الأسرة خاصة لطفلتيه الصغيرتين.

تهكم بضحكة خفيفة قائلًا:
- قولي بقى، بقى هو ده كل إللي يهمك!!! الفلوس!!! عمومًا أنا حسيبهم لك، بس يكون في علمك إنتِ المسؤوله عن إللي بيحصل في الشغل، المهندس قالي لو إتدخلتِ تاني هو مش حيكمل.

بغرور وإدراك لما تفعله جيدًا أجابته "جميلة":
- في داهيه، ولا ليه لازمه أصلًا، أنا مش عارفه إنت مصمم يبقى موجود ليه؟!!

نظر "محمود" لبرهة نحو "جميلة" وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا تحسرًا على وجود "جميلة" الطامعة بحياته، ثم تحرك نحو الخارج ليصعد تجاه شقته.
بقلم رشا روميه 

ومن يدري بالولد سوى أمه، هي من تفهمه من لمحة دون حديث، تلك الكلمات الحبيسة بداخله، نظراته التي توحي بالقيد الموثق دون حرية، طائر منكسر حزين موضوع بداخل قفص مغلق، يود الإنطلاق بأعنان السماء كُتب عليه العيش بمحبسه وإظهار تقبله.

حزن مدفون تدركه "فردوس" بنظرة عين بداخل ولدها، لتتنهد بضيق لحاله، نظرت نحو "جميلة" اللا مبالية تنصحها فربما تنتبه لزوجها وإهمالها له:
- جرى إيه يا "جميلة"، شوفي جوزك شويه، إنتِ طول الوقت مهملاه خالص، متزعليش مني أنا زى أمك، ولا إنتِ عايزه واحده تانيه تلطشه منك؟!!

غرور أم ثقة لم تدرك "فردوس" رد "جميلة" حقًا حين أجابتها ببعض السخرية:
- تلطشه مني؟!!!!! ضحكتيني والله يا مرات عمي، لأ متخافيش، "محمود" مش بتاع الكلام ده، "محمود" مستقيم زيادة عن اللزوم، أنا طالعه أستريح أنا كمان.

أنهت عباراتها لتنادي إبنتيها من الغرفة الداخلية وتصعد بهن لشقتها لتلحق بـ"محمود" تاركة "فردوس" تزم شفتيها بحنق من تلك متيبسة الرأس تدعي لها بالهداية، ولولدها بالصبر.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

الصدفة عالم قائم بذاته، إنه خطوة من تدابير القدر، صدفة تعلمك، وصدفة تبعدك، وصدفة تجمع بين شتيتين كانا لا يمكن الجمع بينهما، فلها حلاوة وترتيب لو كنا سعينا لها ما كانت بمثل هذا الجمال، فأجمل ما فيها أنها تأتي من غير ميعاد ودون إنتظار.
رشا روميه 

رغم حلول المساء ونهاية المناوبات وتبديلها، وإعتبر البعض أن هذا هو نهاية هذا اليوم، كان من المقدر أن يبدأ عمل جديد ووجهة جديدة.

أنهى "سامح" مناوبته بمستشفى الهلال المركزي ليسحب دفتر الملاحظات الخاص به ثم توجه للمستشفى الأهلية فاليوم موعد المرور بالمرضى هناك.

كما أنه قد تهيأ لفحص تلك الحالة التي طُلب منه فحصها ليرى مدى إستجابتها وحاجتها للعلاج.

وصل إلى المستشفى بعد مشقة في الزحام المروري وإختناقه هذا المساء، إتجه مباشرة نحو مكتب الدكتور "سعيد" المتابع للحالة التي جاء خصيصًا من أجلها.

نهض "سعيد" من خلف مكتبه مرحبًا بـ"سامح" الذي دلف داخل مكتبه للتو:
- دكتور "سامح"، إتفضل إتفضل.

بإبتسامته الودودة بدأ حديثه مع "سعيد":
- أخبارك يا دكتور "سعيد"؟ معلش مش عايز أعطلك، أنا جاي أعرف معلومات عن الحاله قبل ما أفحصها.

أومأ "سعيد" بتفهم وهو يشير لـ"سامح" بالجلوس أولًا:
- أه طبعًا، إتفضل أقعد الأول.

جلس "سامح" وهو يطالعه بإنتباه تام:
- شكرًا، أنا لسه معرفش عنها تفاصيل لو ممكن تقولي المعلومات المتاحه؟

- شوف يا دكتور، هي شابه في العشرينات، وللأسف عملت حادثه بالعربيه، على أغلب الظن إنها إتعرضت لصدمات كبيرة في راسها فسبب لها نوع من العمى و ااا..

أظهر "سامح" إندهاش فضولي، فهل هناك أعراض أخرى بخلاف أنها أصيبت بالعمى، فيبدو أن "سعيد" مازال بجعبته شئ آخر، ليتسائل "سامح" بتعجب:
- و ااا .... إيه!!! هو لسه فيه بعد العمى حاجه تانيه يا دكتور؟!!!

رفع "سعيد" حاجبيه وأهدلهما ليدل على أن الأمر فاق مجرد إصابة واحدة:
- أيوه يا دكتور، للأسف حالة فقدان للذاكره، والدتها إتوفت في الحادثه دي، لكن هي متأثرتش أوي بالخبر لأنها مش فاكره حاجه عن نفسها خالص.

تقبل الأمر بالنسبة لشخص حساس وذو حس مرهف كـ"سامح" لم يكن بالأمر الهين، تألم لمجرد معرفته بما أصاب تلك الفتاة، تخيل بداخله كيف تعاني بوحدتها وظلامها، كيف فقدت ما لا تدركه، حتى إحساسها بالحزن وألم الفراق لم تتمكن منه.

تلاشت إبتسامته تمامًا وهو ينهض بوجه صامت وضيق واضح لتأثره بما حدث لتلك الفتاة قائلًا:
- فهمت، طيب بعد إذنك يا دكتور، ممكن أروح لها؟

- أه طبعًا، هي في أوضه رقم 880، أنا عندي ثقه في إن علاجها بإذن الله حيكون على إيدك.

بإيمائة خفيفة أنهى "سامح" مقابلته مع "سعيد" ليغادر مكتبه متجهًا لغرفة مريضته الجديدة، المريضة "فرح الصعيدي".
بقلم رشا روميه 

لم تكن غرفتها ببعيدة فقد إستطاع "سامح" الوصول لها دون جهد كبير، وقف قبالة غرفتها يطرق الباب بهدوء لكنه لم يستمع لإجابة مما دفعه لطرقه مرة أخرى ليلاحظ صوت ضعيف يسمح له الدخول، خطوات قليلة تقدم بها لداخل الغرفة لمقابلة تلك المريضة.

أمر معتاد وروتين لا يختلف عما يقوم به طيلة اليوم، لكن غير المعتاد هو أن يرفع بصره لتقع عيناه على أنثى إستثنائية، ملامح رقيقة ملائكية كما لو كانت تحيط بها هالة من الضياء.

إتسعت عيناه بإعجاب وقد فغر فاه رغمًا عنه لشدة اضطراب تنفسه وضربات قلبه المتخبطة، هل يمكن أن مجرد نظرة تسبب له هذا الأرتباك، سحب زفيرًا متقطعًا وهو يحمد الله لوهلة أنها لا تستطيع رؤيته، حركة رأسها الملتفة مع خصلات شعرها المموجة وإهتزازها لها زادت من خفقان قلبه المضطرب.

متاهة وفقدان طريق، فلا أنا أدرك قُربك ولا أنا عدت إليّ، رؤيتك وحدها بعثرت نفسي فما بال الحديث يفعل.

إبتلع "سامح" ريقه وهو يضع كفه فوق صدره المضطرب حين نهضت تتخبط بالمقعد الذي أمامها تسأل بنبرة قلقة:
- مين؟

تساؤل ترك غصة بقلبه، جميلة حسناء إستثنائية وضعها القدر بإختبار قاسٍ بفقدان بصرها وذاكرتها، إشتعل وجهه بحمرةٍ خَجِله وهو يبحث عن كلمات يجيب بها تساؤلها، خجل تمنى أن يتلاشى لكن رغمًا عنه يسيطر عليه، لكن من حسن حظه أنها لا تراه وتلاحظ إرتباكه وخجله الشديد.

بعد لحظات من إستجماع صوته ونفسه تنحنح "سامح" أولًا ليخرج كلماته بعد ذلك بنبرة مهتزة قليلًا:
- إحم،  أنا دكتور "سامح" يا آنسه "فرح".

وقفت تتلمس طرف المقعد لتحدد مكانها وقد تناست أمر وجودها بالمستشفى وظنت أنه ربما يعرفها من قبل وليس مجرد طبيب معالج:
- دكتور "سامح" مين؟ إنت تعرفني، أنا أعرفك؟

ليته لم يكن بتلك الحساسية!! ليته كان قوي القلب لا يتأثر ولا يتألم، فسؤالها وحده آلمه بشدة من مجرد إعتقاد بأنه شخص قد تعرفه، ليتنحنح مرة أخرى وهو يزيغ بعينيه عنها هربًا من رؤيتها لعله يتدارك خجله الذي يزداد حدة كلما تحدث:
- إحم، لأ، أنا جيت عشان أكشف على عنيكِ وإن شاء الله تتعالجي وترجعي أحسن من الأول.

رغم وقوفها ببعض الحماس بالبداية إلا أن ذلك تلاشى تمامًا حين إنتبهت أنه مجرد طبيب جاء لمعالجتها لا أكثر، تهدلت ملامحها بتعاسة وهي تجيبه بحزن:
- لا، مش عايزه.

لم يدرك "سامح" ما هو الشئ الذي لا تريده ليسألها بإستفسار:
- إيه، مش عايزة إيه؟

تحسست الفراش بكفها قبل أن تجلس بفتور لا تريد ما يريده الجميع لها، بل أنها قد ضاقت بوحدتها وظلامها، لا تريد التعلق بأمل لا وجود له لتردف بيأس:
- مش عايزه أتعالج، أنا عارفه إني خلاص حفضل كده، بلاش بقى تدوني أمل وأتعلق بيه وأرجع أُحبط تاني، كفايه إللي أنا فيه، سيبوني في حالي.

إنغماسها بهذا اليأس كان له دافع أكبر داخل "سامح" لمساعدتها، لقد أثارت به الجانب الخلوق الإنساني، هو من يساعد بلا طلب، يؤازر بلا تفكير، وفي حالة تلك الخاطفة التي دفعت دقات قلبه للإضطراب لن يتواني عن ذلك وأكثر، عصفت بكيانه من مجرد كلمات، حزنها وإنكسارها كانت تشبههُ تمامًا، وحيدة متخبطة تدور بمتاهة بداخل نفسها تبحث عنها بلا هداية، مثله تمامًا فهو يدور بذات المتاهة دون إيجاد بوصلة للطريق، يهيم بطرقات الحزن الذي يخفيه بداخله.

توغلت لداخل روحه حتى زلزلت كيانه، بها شئ لا يماثل سواها، بها شئ إستثنائي مميز، لكن حزنها لم يذهب إضطرابه، بل زاد خجله في حضورها مما جعله يتلعثم بالحديث، فبدلًا من أن يسهب كلماته كالمعتاد تلجمت حروفه بداخل حلقه ليلوم نفسه بشدة:
- (وده وقته!!! يا أخي ركز في الشغل)

ليخرج حروف مبعثرة بتلعثم شديد:
- أأأ....إإإ....هو...هـ

ولأول مرة لاقى تلعثمه رد فعل مختلف، ففي الأغلب يسخر منه الكثير على خجله وتلعثمه حين يشعر بالحرج لكن "فرح" أطلقت العنان لضحكتها المميزة الساحرة، تلك الضحكة التي لم تكن تعلم بوجودها منذ إفاقتها من هذا الحادث، لتردف بمزاح ضاحك:
- ايه ده؟ أنت بتقطع وتهوهو كده ليه؟! انت متأكد إنك إنت الدكتور؟!!!

بضحكة مقهقة شاركها "سامح"، ضحكة ربما نسي وجودها من شدة خجله، فلو كانت تراه ما كان إستطاع إخراج ضحكته الصافية من قلبه، بالتأكيد كان قَيَدهُ خجله وجعله يواري ضحكته، ومن تدبير القدر أن يلقي بطريقه من تتحدث معه دون أن تنتبه لوجهه المشتعل وخجله المبالغ به، تنتحنح معقبًا بنبرة متقطعه:
- إحم، أنا، آسف.

فإن كان النسيان يغلب الحاضر، فيبدو أن الطباع لا تنسى، مزاحها وروحها المرحة كانت تسري بداخل عروقها دون أن تشعر، تُرى لو كانت تتذكر حياتها من قبل الحادث ما كانت إستكملت حديثها بهذه الطريقة مطلقًا، لتهتف ممازحة إياه:
- بتقطع برضه!!! يعني المفروض إنك تواسيني وتعالجني، مش أنا إللي أضحكك.

تعلقت إبتسامة عريضة بشفتي هذا الوسيم، ما بين إعجاب وخجل ولطافة حديث، حديث لو كان مع سواها لكان قد إنتهى بالفعل من قبل بدايته، تيقنه كونه غير مرئي جعله يشعر ببعض الإرتياح ليعقب ممازحًا تلك اللطيفة:
- إحم، غصب عني والله، الظاهر المفروض ندور على دكتور لينا إحنا الاتنين!!!

إشتعل وجه "سامح" خجلًا بعد نطقه بالجملة كاملة وسط ضحكات "فرح" التي  كانت كالمصابيح التي تضئ ليله المعتم، لكنه نطق جملة كاملة لفتاة رائعة مثل "فرح"، لقد تجاوز حاجز خجله لأول مرة، شعر كما لو كان بدأ لقائه معها من جديد ليهتف:
- أنا دكتور "سامح".

ضحكت "فرح" بقوة لتظهر جانب آخر من نفسها هي ذاتها لم تدرك وجوده بعد، إنها شقية مرحة تعشق المزاح والضحك، لتمازحه بشقاوة:
- تـــــــــــااااانى، إنت بتنسى ولا إيه، ما انت قولت لي، ولا هو كل فاصل تقولي - أنا الدكتور "سامح"- أنا الدكتور "سامح"، حفظنا الإسم يا سيدي، أنعم وأكرم!!

ضم شفتيه حتى لا تخرج ضحكة أخرى من طريقتها الظريفة، ثم قال:
- أه صح، معلش نسيت.

إحساسها بخجله جعلها تستكمل ببعض الهدوء:
- وأنا "فرح"، أو بيقولوا أن أنا "فرح".

سألها "سامح" بفضول، وقد كُسر حاجز الخجل قليلًا:
- أنتِ فعلًا مش فاكره أي حاجه خالص؟

- لا خالص.

بعد غفلة جميلة من الزمن تذكر ما جاء لأجله بالأساس ليقف معتدلًا وهو يردف بجدية:
- طيب ممكن أكشف على عنيكِ الأول وبعدها ممكن نقعد نتكلم براحتنا.

إعتدلت "فرح" بجلستها فوق الفراش وقد شعرت ببعض الراحة بوجود هذا الطبيب لتستجيب له رغم إحباطها الذي مازال يؤثر بها:
- ماشي، ولو إني عند نفس كلامي، خلاص أنا حتعود على إللي أنا فيه وخلاص، أنا راضيه.

- نسيب الطب يقول كلمته طيب.

قالها "سامح" بعملية لتعقب "فرح" بإنصياع:
- إللي تشوفه يا دكتور.
بقلم رشا روميه 

فحص غاية في الصعوبة خاصة وهو يناظر قطعتين من الزمرد النادر وليس بمحجري أعينها، من أشبه عيون كالحجر النفيس بالظلام فقد جنبه الحق، فلو كان بصرها غائب فبصيرتها تشع الكون بأكمله.

بالكاد إنتهى بعد توتر وإضطراب جم ثم أردف بكلمة واحدة:
- تمام.

- فيه أمل!

لقد سألت من يبسط الأمور ويرشد المتخبط فبما سيجيبها، بالتأكيد بما يريح النفس ويهدي القلب:
- الأمل موجود طبعًا، بس قدامنا شويه وقت.

جلس "سامح" على المقعد المجاور لـ"فرح" ينظر نحوها بتمعن بينما إضطربت "فرح" لصمته الطويل، دارت رأسها بحيث تستمع بإنصات لتميل بخفة جهة اليمين متسائلة بتوجس:
- دكتور "سامح"!!!

- إحم، أيوه.

عادت لوضعها المعتاد وهي تبتسم بخفة:
- لا  بس إفتكرتك مشيت.

هل يعطى القدر فرصة للتمعن بتلك الصورة؟ محظوظ من يجد وسط المحن فرص، وقد لقي "سامح" فرصة عظيمة وهو يتأمل ملامح تلك الرقيقة دون أن تلاحظه، طريقة حديثها المبهجة ومخارج حروفها المتمايلة الجذابة، أمر جعله يهيم بعالم لم يكن يتخيل أنه سيخطيه يومًا، عالم من الراحة والسعادة لا يمكنه وصفها، سحب زفيرًا طويلًا وهو يردف بهدوء:
- أنا جنبك هنا، مروحتش في أي مكان.

- عادي على فكره لو مشيت، انت خلاص خلصت الكشف مش مجبر تقعد يعني.

من قال أن رحيله أمر عادي، إنه ليس عاديًا بالمرة، من يترك سكينته بعد إيجادها؟! 
شعر بالتطفل وأنها ربما تضايقت من فرض نفسه عليها:
- أنا ضايقتك؟! 

- لأ طبعًا، بس أحسن أكون أنا إللي تقيله عليك ولا حاجه!!!

كإستعادة الهواء للتنفس مرة أخرى أعاد "سامح" جذعه نحو الخلف ليجلس بأريحية:
- أبدًا أبدًا، أنا دلوقتِ قاعد معاكِ مش كطبيب، لو حبيتي،أكون كصديق يعني.

- لو ده مش حيضايقك، عادي.

تحمس "سامح" لبقائه وحديثه معها، فهل يمكن أن يتنازل عن حاجز كُسر أمامها لتلك الظروف المختلفة التي جمعته بها:
- أهو نتعرف على بعض، يمكن تفتكري أي حاجه.

ربما يغيب عن بصرها لكنها تشعر أنها قد رأته أمامها، بل بدأت بتخيل صورة من خلال صوته الهادئ، شعور بالراحة تسلل لداخل نفسها وهي تستمع إليه، رفعت كتفيها وأهدلتهما بحركة لا إراديه بمعني لا أعلم ثم قالت:
- إبدأ أنت، أنا مش عارفه عن نفسي أي حاجه.

وهبت له ثقة بنفسه دون أن تدري، أفسحت المجال لإخراج "سامح" الحقيقي من داخله، ليعتدل بثقة ومازال وجهه مبتسمًا رغم يقينه بأنها لا تراه ثم أردف:
- أنا أسمي "سامح" ..

لم تستطع "فرح" تمالك ضحكتها الشقية هذه المرة أيضًا لتخرج منها عفوية قوية حتى دمعت عيونها من شدة الضحك:
- لا إله إلا الله، وربنا عرفت إنك إسمك "ســــــــــــــــامح".

كما لو أن للضحك عدوى، فيمكنك الإبتسام للجميع، لكن قلبك لا يُفتح إلا لمن أحببت، تلك الغربة التي تشعر بها بداخل نفسك تنتهي حين تشعر هدوء روحك، هنا فقط تجد موطنك.
رشا روميه 

ضحك "سامح" بصدق وتعالت ضحكته حتى أن "فرح" قد شعرت بخجل من ضحكته العفوية، كما لو أنها تعمقت بداخل روحه بتلك اللحظة لتلملم ضحكتها وتكتفي بإبتسامة بسيطة وبعض الصمت.

تمالك "سامح" ضحكته وهو يضم شفتيه بقوة حتى لا تنفلت مرة أخرى:
- آسف مره تانيه، طيب الأحسن تتكلمي إنتِ الأول يمكن تفتكري أي حاجه.

تقوس حاجبيها بحزن حين تذكرت:
- أقول إيه؟! أنا ولا أعرف حتى أسمي، هم قالوا لي "فرح"، تخيل، إني عاجزه حتى إني أفتكر أي حاجه عن نفسي، حتى لو ذكرى حلوه، ده ممكن أعيش عمري كله معنديش أي حاجه في حياتي حلوه أفتكرها!!!!

- حتى لو معندكيش ذكرى حلوه إبدأي إنتِ وإعملي ذكريات حلوه تفضل في دماغك، بلاش حزن وتشاؤم.

دفعت الهواء من فمها بقوة ثم أجابته بإحباط شديد:
- ذكريات حلوه!!!!! مع مين؟! ده أنا من يوم الحادثه وأنا مرميه هنا ولا حد سأل عليا ولا حد عبرني!!

تفكر "سامح" قليلًا متمعنًا بالأمر:
- مش يمكن ميعرفوش مكانك!!

- يمكن!!

أكملوا حديثهم البسيط وحان موعد مغادرة "سامح" للمرور ببقية المرضى، ووعدها بزيارتها بالغد لبدء العلاج والتحدث معًا إذا أحبت ذلك.

تركها وغادر بعد أن ترك جزء منه بالداخل معها، فقد شغلت تفكيره بشكل غير عادي، كما لو أن القدر له حكم بهذا اللقاء الذي لم يكن بالحسبان، وهذا الإحساس الغريب الذي تملكه دون أن يدري.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

قل وداعًا حين تشعر أن هذا المكان لم يعد لك، فالضرر هو ما تنساق إليه بنفسك وأنت تخدع نفسك بآمال زائفة، شعورك بالإحتياج وحده يكفي لدفعك للتخلص منه، فأن تعيش حُرًا هو أن تحتاج ألا تحتاج.
رشا روميه 

بيت عائلة مكاوي (شقة زهرة)..
تأتي الأفكار حين تبقى وحيدًا، فـ بعزلتك تتمعن وتفكر، وتلوم وترفض، هذا الوقت الذي تخرج به حقيقتك كاملة، دون إخفاء أو حتى تجميل، الحقيقة تبقى حقيقة بداخلنا لا تظهر كاملة إلا لأنفسنا.

جلست "زهرة" ساهرة وساعات الليل تمر عليها دون نوم أو راحة، رأي وراء رأي وفكرة تلي الأخرى، وفي النهاية تصل لنفس الوجهة ونفس القرار.
بقلم رشا روميه 

وجودها ببيت "أنور" هو الهلاك بحد ذاته، قبولها لملاذ "محمود" الآمن لهو أخطر عليها من بقائها مع "أنور"، إن ذلك خطيئة لا تغتفر، هل تقوى على تحمل هذا الذنب، وإن أوهمت نفسها بأن لا شئ يكمن بداخل نفوسهم، وأن ما يحدث ما هو إلا حماية وأمان من بطش أخيه بها، هل هو أيضًا سيفعل المثل؟!!!!! هل سيتجنبها ويبتعد؟!!!! إن بقيت لن تفسد حياتها وحدها بل ستفسد حياته أيضًا، كلاهما سيقع بما يُحرمه الله، وحتى إن تحملت وأخفت وغضت بصرها هل ذلك يعني أنها لن تُخرب حياته وأسرته المستقرة بوجودها وأنانيتها إن بقيت برفقة عائلة مكاوي أصحاب لين القلب والمحبة، نعم تود قُربهم خاصة تلك الأم التي عوضتها عن حرمانها، لكن وإن كانت تود البقاء إلا أن مغادرتها هو القرار الصحيح.

فإن أخذت قرار بقلبها عليها الإنصياع مرة وإثنان وثلاثة لعقلها، وعقلها يخبرها بأن عليها الرحيل، عليها أن تبتعد والعودة لبيت أبيها، أن تبحث عن فرصة عمل، وبالتأكيد تطلب الطلاق من "أنور" فهذا هو صوت العقل الذي عليها إتباعه.

وما أن حل الصباح وقد عزمت "زهرة" أمرها بالرحيل، أحضرت حقيبة من الخزانة لتضع بها ملابسها وأغراضها فقد عزمت على تنفيذ قرارها.

إنها غير قادرة على تحمل "أنور"، لكنها تشعر بالألفة والمحبة بين عائلته، لكن بقائها يمكن أن يسبب إفساد حياة الإنسان الوحيد الذي مد لها يد العون، فإن لم ترحل لأجلها، سترحل لأجله.

طوت بعض قطع الملابس بنفس حزينة حتى كادت أن تتراجع لتقف ململة حزنها، تبث بداخل نفسها القوة قائلة:
- إللي حعمله هو الصح، ما هو مش عشان شهم معايا أبوظ له حياته، ده مهما كان اخو "أنور" وله بيت وأسره و!!!!! وزُوجه (قالتها "زهرة" ببعض الإختناق والتوتر، ثم عادت لإستكمال تحفيز نفسها)  أينعم كانت هي السبب إني آخد حبوب منع الحمل وحرمتني من وجود طفل في حياتي، بس أنا مش عارفه أشكرها ولا أزعل منها!!! ما هو "أنور" ده ولا ينفع يكون زوج ولا ينفع يكون أب.

زفرت بقوة مؤلمة لتتخذ خطوات تنفيذ قرارها ولن يثنيها أمر عن العدول عنه، أمسكت الحقيبة التي إنتهت من تحضيرها لتخرج من شقتها حاملة حقيبتها الثقيلة لتودع بيت كان لها به أيام لها بصمة لن تنسى بحياتها كافة.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

شقة زاهر مكاوي...
تطلعت "جميلة" بعقارب الساعة وهي تتأفف لتأخرها اليوم لتضع آخر طبق بيدها فوق الطاولة وهي تهتف بوالدة زوجها:
- يا مرات عمي، أنا حضرت الفطار كله، حروح أنادي عمي "زاهر" الأول وبعد كده أطلع أنادي "محمود" مش عارفه إتأخر ليه النهارده كده، أنا عايزه أخلص عشان ألحق العمال من الصبح.

كانت تُحدث "فردوس" التي كانت منشغلة بصلاة الضحى وهي جالسة لعدم مقدرتها على الصلاة واقفة لتنهي صلاتها بالتسليم لتعقب بتملل من تصرفات "جميلة":
- يا بنتي أصبري أخلص صلاة الأول، أرد عليكِ إزاي وأنا بصلي، هو ينفع كده، ما بالراحه شويه.

زمت "جميلة" شفتيها بتملل ثم عقبت:
- أنا مستعجله يا مرات عمي، كلهم متأخرين أوي النهارده، وأنا عايزه ألحق العمال أحسن يعملوا حاجه غلط.

وماذا ستقول لتلك العنيدة التي لا يشغلها سوى المخزن وما به، لتردف "فردوس" بتقبل دون رضا:
- طيب!! بعد ما تنادي عمك، و"محمود" إبقى نادي "زهرة" بالمره معاكِ، دي بقالها كام يوم مأكلتش معانا، وزمان نفسيتها وحشه من عمايل "أنور" فيها.

رفعت "جميلة" جانب أنفها بتهكم ثم لوت فمها بتأفف:
- اوووف، طيب.

تركتها "جميلة" لتطلب من "زاهر" أولًا الحضور لتناول الطعام.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

شقة محمود مكاوي...
مرور طيفك بخيالي كمرور الذنب فأستغفر، نعم أتمنى، لكن أكثر الأماني ألا أرى قيمة الشئ بعد زواله، فلا أقوى على الندم.
رشا روميه 

إرتدى "محمود" ملابسه فقد تأخر على موعد مغادرته للذهاب لمتجرهم كالمعتاد، خرج من شقته وهو يغلق ساعة يده بإحكام حول مرفقه، لحظات قبل أن يجذب باب الشقة من خلفه، لكنه إنتبه لوقع خطوات ثقيلة بالدور العلوي.

رفع بصره نحو الأعلى بأعين متسعة دب بها القلق والتوجس من أن تكون تلك الخطوات لـ"أنور"، هل يمكن أن يعود بتلك السرعة؟؟! 

لم يفكر سوى بأمر واحد فقط، تلك التي إستحوذت على تفكيره المطلق، تلك الأمنية المستحيلة، هل عاد ليؤذيها مرة أخرى.

لن ينتظر ولن يتراجع، سيصعد له ويتصدى له مهما كان الأمر، إندفع "محمود" تجاه السلم يركض درجاته بتخوف وإنفعال من عودة أخيه، فلن يسمح له بأن يلحق بـ"زهرة" أي أذى، حتى وإن لم يحاول ذلك.

تعليقات