رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثامن عشر
«سُلم مكسور.....»
حين تأتي الأزمات لا تلعنها، فهي التي تفرق بين الحقيقي ومصطنع الود، تلك المعادن التي تختبئ بأغوار النفوس لا تظهر إلا بأوقات المحن، تلك هي معركتك فلن يحارب أحدًا بدلًا منك، قف بوجه من يحاربك، إثبت بخطواتك وإن كان الطريق غير ممهد، إصعد للقمة حتى وإن كان السُلم مكسور، فالسُلم المكسور يجعلك تقفز خُطوتين دفعة واحدة، فبعض العقبات تدفعك للأمام وعليك شكرها.
رشا روميه
❈-❈-❈ــ
ليست الغربة هي الإبتعاد بالمكان، فالغربة هي أن تبتعد عن نفسك وأمانك، أن تُبحر ضد التيار للعودة للشاطئ، فإن كتبت عليك غربة النفس فعليك الإستفاقة والبدء من جديد.
رشا روميه
بيت نور بركات..
إستيقظ "نور" برنين هاتفه فقد خلد للنوم بوقت متأخر، قلق وتفكير برد فعل "نسرين" الغريب وكذباتها المتوالية، فتح عيناه بصعوبة وهو يسحب هاتفه ناظرًا نحو شاشته بأعين ثقيلة لينتبه لإسم صديقه "كريم"، بصوت غافي وجفون مغلقة:
- يا إبني إنت مفيش عندكم ساعة؟!!
ضحك "كريم" بعبثية وهو يجيبه بما لا يتماشى مع ما قاله له "نور":
- أنا مستنيــــــــــك.
إعتدل "نور" بجلسته فهو لم يفهم قصد "كريم" ليسأله مستفسرًا:
- مستنيني فين؟! قصدك إيه؟
بطريقته اللطيفة أجابه "كريم" وهو يمط شفتيه الرفيعتين بخيلاء:
- يا بختك يا عم، خلاص البعثه بتاعتك إتحددت خلاص، مستنيك يا "نور" النور، خلص أوراقك أوام، عشان تيجي لي يا أبو شُعله.
إندهش "نور" ليسأله بإستغراب:
- "كريم" مش ناقصه هزار على الصبح، أنا مصدع ومش فايق لك، بعثة إيه إللي إتحددت هو إنت لحقت؟!؟
ضرب "كريم" كفه فوق مكتبه وهو يستكمل بنبرته الشقية:
- إنت مستهون بيا ولا إيه يا دكتور، يلا حضر نفسك قدامك عشر أيام بس وتكون واقف هنا قدامي.
ضحك "نور" بسعادة فأخيرًا سيتخلص من هذا الإحساس بالغربة وسط الجميع، غربة نفسه كانت أقوى من غربة وطنه، إنها فرصة ليبتعد ويُقيِّم حياته من بعيد، عليه إعادة التفكير بكل شئ فربما يجد السعادة الغائبة التي يبحث عنها في البُعد وليس القُرب، هتف "نور" بفرح:
- كويس أوي أوي، الحمد لله.
تلك النبرة الفرِحة وتلهفه على السفر رغم أنه لم يكن يبالي بالأمر جعل "كريم" يتسائل بتعجب وجدية غير معتادة منه:
- فيه إيه يا "نور"، مالك ملهوف على السفر كده، ده إنت حتى ولا كان على بالك، ده أنا قولت حتقولي إستنى لما أتجوز وآجي ومعايا مراتي؟!!!
إستياء وضيق من حاله الذي وصل إليه، هل أصبح يشعر بالفتور لتلك الدرجة، أجابه "نور" بنبرة مختنقة:
- حتصدق لو قولت لك إني عايز أسافر عشان أبعد عنها!!
بقلم رشا روميه
زاد ضيق "نور" وحديثه إندهاش "كريم" الذي إستطرد بجدية وقلق:
- تبعد عنها!!! إزاي ده؟!! "نور" إنت عاقل، إنت أعقل واحد فينا، متخليش شوية مشاكل بينكم تخليك تتكلم بالخنقة دي.
- المشاكل إللي بيننا مش بتخلص يا "كريم"، تصدق إني لو سافرت يمكن العلاقة بينا تتحسن ونحس إننا عايزين بعض ونسرع بموضوع الجواز ده، يمكن ساعتها كل واحد يعرف قيمة التاني.
بالطبع هو يتمنى الخير لصديقه، لكنه لا يفقه أمور الإلتزام تلك، إنه يحب العيش كالطيور، تحلق في الآفاق وتتجول بين الأغصان، لا يريد إلتزام يرهقه، فهو عابث لا مبالي بحياة الإستقرار تلك، ليجيبه بدون خوض في التفاصيل:
- وماله يا دكتورنا، سافر يمكن الدنيا تهدا كده، ربنا ييسر لكم الأمور، أه صحيح كنت حنسى، بلغ "سامح" إني حطيت إسمه هو كمان معاك في البعثة وخليه يحضر نفسه، أنا معرفتش أكلمه.
بإبتسامة بسيطة تخيل "نور" تجمع ثلاثتهم من جديد ليعقب بسعادة:
- ياااه، يعني ممكن نتجمع إحنا الثلاثة مع بعض أخيرًا، خلاص يا "كيمو" أنا حبلغ "سامح" هو كمان كان متحمس أوي لموضوع السفر ده.
- ماشي يا حبيبي، أروح أنا أكمل شغلي، الناس دي مواعيدها زي الساعه مبيتأخروش، سلام بقى وحبقى أكلمكم أرتب معاكم.
أنهى "نور" تلك المكالمة وقد تحمس تمامًا وشعر بالحيوية والنشاط فلكل خطوة جديدة حماس جديد، وعليه ألا يلتفت إلى الوراء فتحقيق المستقبل يخطو للأمام حتى ولو بخطوات متعرجة وصعود سلم منكسر.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
ليلى الحناوي...
بيوم جديد إتخذت طريقها المعتاد دون تبديل أو تغيير فهي ليس لديها رفاهية إختيار وسيلة أخرى لإيصالها للمستشفى، سارت الحافة بطريقها حتى وصلت لتلك البقعة التي ترجلت منها وقابلت "نور"، تذكرت ما حدث وما فعله معها، تذكرت كلماته وإهتمامه وخوفه عليها.
بقلم رشا روميه
سنوات طويلة كانت الوحدة رفيقة دربها، لم تعتاد هذا الإهتمام من قبل بل إستعانت بقوتها ووحدتها لتكمل طريقها، شددت من عزيمتها وإصرارها أن تكون مختلفة، أن تقوي علاقتها بالله لتترفع عن إحتياجها للغير وقد كفاها.
طيلة سنوات من التخبط وحدها دون مراعاة من والدها المتهرب منها ومن مسؤوليتها، إعتادت التجاهل والتملص من مطالبها، لم تطلب العون من أحد وبقيت صامدة وإعتادت هذا الشعور حتى نسيت تمامًا كيف تكون المشاركة والرعاية، وفيما ستحتاجها لقد أصبحت مسؤولة تمامًا عن نفسها، مستقلة بحياتها إلا بوجودها مع والدها.
لكن الآن وخوضها لتجربة إحساس مختلف بحضور "نور" سبب لها نوع من الإرتباك والتخوف، قلق غير معتاد بنفسها لمجرد نبرة قلقة منه أو تصرف نبيل لحمايتها.
هل معتاد الخذلان يخشى الإهتمام؟!! يخشى أن يتلقى بعض المحبة؟! هل يسبب له الحنان خوفًا وتوجسًا غير محسوب؟!!
إنها كذلك، حين مرت بالمكان وتذكرت شعرت بالخوف، خوف من مجهول وعليها تجنب هذا الإحساس فهي لا تريد أن تشعر بالضعف.
وقد تمثل هذا الضعف بشخص واحد الآن .. إنه "نور"، هذا الشاب الذي تشعر من داخلها بالتخبط بوجوده، إرتباك يصيبها ويشتت أفكارها كما هي الآن، لهذا عليها الإبتعاد على الفور من أي لقاء محتمل يمكن أن يجمعها به.
إتجهت مباشرة نحو المستشفى لتمر بوالدها الذي إشتد عليه المرض لتطمئن عليه بهدوء فقد غفى منذ قليل لتتحرك مباشرة نحو العيادة التي تعمل بها متجنبة أي مكان يمكن أن يتواجد به "نور" حتى لا تشعر بالضعف بوجوده.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
بيت عائلة مكاوي...
ليس كل القرارات التي نتخذها تكون نابعة من هدوء فكر وراحة نفس، بل أحيانًا نضطر لتلك القرارات الصحيحة بضيق نفس وعدم تقبل، فقط لأن ذلك ما يجب أن يكون لا ما نحب أن يكون.
رشا روميه
سحبت "زهرة" حقيبتها الثقيلة وهي تجرها بصوت مسموع رغم محاولتها لعكس ذلك، لكنها ظنت أن سماع صوت تحركها لن يؤثر كثيرًا فلابد أن الجميع قد خرج بهذا الوقت.
نظرت تجاه السُلم بأعين تعيسة فهبوط تلك الدرجات هي وداع أبدي لحياة كانت تتمنى أن تحظى فيها ببعض من السعادة، إبتلعت ريقها لتنكس رأسها تجاه الحقيبة مستكملة خطواتها.
بقلم رشا روميه
خرج "محمود" من شقته بأعين فزعة ونفس متخوفة لظنه أن هذا الصوت الذي وصل لمسامعه هو عودة "أنور" ومحاولته إقتحام شقة "زهرة"، إندفع نحو الأعلى دون تفكير فقد سيطر عليه هدف وحيد -إنقاذ زهرة- فهذا وعده الذي لن يخلفه.
لم يفرقه سوى طابق واحد فقط ليقطعه بقفز درجتين دفعة واحدة، لتزداد أعينه المتخوفة إتساعًا وصدمة وهو يرى أن من أمامه هي "زهرة" نفسها وليس "أنور".
وقف لبرهة وقد ثبتت حركته وهو يرفع رأسه يناظر "زهرة" التي بدورها تفاجئت بذهول لتواجد "محمود" بهذا الوقت، نظرة بين إستغراب وإندهاش ورفض لما وقعت عيناه عليه، بينما إرتجفت "زهرة" من داخلها فلقد كانت تود الرحيل دون أن ينتبه أحد لها.
صعد "محمود" الدرج ببطء وقد ملأت عيناه نظرات متسائلة قبل أن ينطقها فمه، نظرات تائهة مشتتة وإختناق روح، لتخرج كلماته بحشرجة في النهاية:
- إنتِ رايحه فين؟!!
رفعت رأسها للأعلى لتدفع بالهواء يمر برئتيها وتحاول التحلي بالشجاعة لقولها:
- رايحه عند بابا.
- ليه؟!
قالها "محمود" بنبرة معاتبة متألمة، رغمًا عنه لم يستطع منعها، لكنها كانت أقوى منه لتنكس عينيها عنه قائلة بنبرة جادة رغم الإختناق الذي يصيبها:
- لازم أمشي، مينفعش أقعد هنا خلاص، لازم "أنور" يطلقني، أنا ماليش مكان هنا ولا حيكون، لازم أمشي، مقدرش أقعد.
شيئًا ما بتلك الحياة ليس منصفًا، فما يدفعني إليه عقلي لتجنبه؛ يأبى شيئًا آخر بداخلي أن يفعل، أريد ولا أريد، ما هو مقدر لنا بتلك الحياة يكلفنا أكثر من خسارة، لكن أقواها خسارة القلب.
تهدج صدر "محمود" بقوة يريد أن يصرخ بها يمنعها من الذهاب، بينما كان صوت العقل يؤيد ذلك، لكن العقل أيضًا يقول له ألا تذهب لزوجة أبيها القاسية.
بنبرة مهتزة تحمل ترجي خفي:
- مينفعش تمشي، بجد مينفعش.
أغمضت عيناها البعيدتان بقوة فعليها تنفيذ قرارها، عليها تجنبه سواء كان يرفض ذلك أم لا، سحبت نفسًا قصيرًا لضيق الهواء بصدرها ثم هتفت بقوة واهية:
- لأ، أنا لازم أمشي، كفايه أوي إللي سببته و إللي ممكن يحصل من تحت راسي.
ظن أنها تتحدث عن "أنور" وتخوفها من أن يؤذيها ليحاول إثنائها عن هذا القرار بالرحيل:
- إستحاله تمشي من هنا، فاهمه، متخافيش، ده بيتك إنتِ، أنا غيرت لك قفل الباب ولو عايزه أقفل لك باب البيت خالص معنديش مشكله، أنا قادر أمنع "أنور" أنه يؤذيكِ أو حتى يفكر في كده، إنتِ هنا في حمايتي، أرجوك رجعي شنطتك وأقعدي في شقتك.
سحبت "زهرة" حقيبتها بحركة عصبية فلم تعد تقدر على الإيضاح، لم تعد تطيق تلك الحلقات التي تضيق حول رقبتها، عليها النجاة من هذا اليم، أردفت بإنفعال وهي تحاول الهبوط بحقيبتها درجات السلم:
- بالله عليك خليني أمشي، الموضوع أكبر من "أنور" بكتير.
ضيق "محمود" جبهته بقوة وهو يحاول إدراك عما تتحدث فكلماتها غير موضحة لما تريد قوله، ليسألها بإستفسار متعجب:
- أكبر من "أنور"!!! إزاي يعني؟!
- هو كده وخلاص، أنا ماشيه يعني ماشيه، وأرجوك متوقفنيش.
دارت عيناه بقلق باحثًا عن سبب يقنعها به عن العدول عن فكرة الرحيل، ليهتف بالنهاية:
- مش إنتِ بتقولي رايحه لعم "خليل"، طيب خلاص، رني عليه الأول، لو قالك تعالي، أنا حوصلك هناك بنفسي، لو منفعش يبقى ترجعي بيتك، ها، قولتي إيه؟
لملمت شفتيها بقوة فهي تخشى هذا الإتصال، لقد قررت الرحيل لكن لا تدري هل سيقبل والدها رجوعها أم لا، كانت تود لو تضعه أمام الأمر الواقع بوجودها، لكن ليس لديها خيار آخر، لتومئ بالإيجاب عدة مرات وقد إحتقن وجهها بقوة.
بقلم رشا روميه
أخرجت هاتفها الصغير من داخل حقيبة يدها لتتصل بوالدها، لحظات من الترقب والتوجس معًا، ثم بدأت حديثها المختنق ونبرتها المهتزة:
- صباح الخير يا بابا، أنا... أنا... أنا تعبانه أوي هنا ومقدرش أقعد، أنا راجعه البيت يا بابا.
تعلقت عينا "محمود" المتخوفة بردود أفعالها يريد إستشفاف رأي والدها، بينما كانت تبتلع ريقها المتحجر لما تسمعه، زاد إحتقان وجهها وأغرورقت عيناها بالدموع لتنساب عبراتها المتلاحقة، فكم من الخذلان تلاقيه ممن يتوجب عليهم المساندة.
ليته كان صوت والدها فحسب، بل تغلب صوت "سمية" التي كانت تصرخ بغضب لم يرفضه "خليل":
- هو إيه إللي عايزه ترجع دي، لاااااا، قولها خليكِ عندك، إحنا ناقصين هم، ما هي عايشه عيشه محدش يحلم بيها، وبقولك إيه يا "خليل" لو بنتك دي عتبت البيت هنا، لا أنا ولا عيالك قاعدين لك فيها، اااه.
إبتلعت ريقها بغصة وهي تغلق المكالمة دون أن تخبر هذا المنتظر ماذا سمعت منهم للتو، نكست رأسها بإنكسار لتتساقط دموعها بقوة وصمت.
صمت كان أبلغ من حديث، فمن قال إن الصمت لا يتكلم، فهو ليس وقتًا خاويًا بل إمتلاء بما لا يستطع اللسان التفوه به.
بذكائه الإجتماعي المميز أدرك "محمود" محاولة والد "زهرة" بطلبه لبقائها ببيتها، ليستغل رأيه قائلًا:
- حتى والدك عايزك تقعدي في بيتك، أرجوكِ أقعدي، وإعتبري إنك عايشه لوحدك، محدش حيمسك، ولا حد حيقدر يزعلك، أرجوكِ ما تمشيش، كل إللي إنتِ عايزاه حيتعمل.
ضيق بصدرها وإختناق جعلها تبتلع كلماتها، فبما ستجيبه، هل تخبره عن تخلي والدها عنها، وأنها ليس لها من تلجأ إليه، أم تخبره بأنها تهرب من مكان يمكن أن يجمعها به، أم تخبره أنها مضطرة ومجبرة للعودة لشقتها فلا سبيل لها سواها.
تحركت "زهرة" بآلية نحو شقتها تعود لمحبسها الجديد الذي ستفرضه على نفسها، لكنها لن تتقبل وجود "أنور" بأي شكل من الأشكال، عليها أن تُطلق منه وتنال حريتها فلا يمكنها تحمله بعد الآن، وإلى ذلك الحين ستبقى هنا.
عادت لتصعد درجات السلم الذي لا تراه بوضوح من دموعها المتلاحقة، لتدلف مرة أخرى إلى شقتها.
بينما ناظرها "محمود" حتى غابت عن عينيه بداخل الشقة، ليشعر بالرضا لبقائها، ليس لأجله ولكن لأجلها، فهذا بيتها ولن تخرج منه بسبب أخيه أو ربما بسببه، وإن كان هو السبب الرئيسي بذلك فعليه تجنبها قدر الإمكان حتى تشعر بالراحة والأمان، ويبقى هو بعيدًا حتى يبتعد عن كل الشبهات.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
بعض التغاضي فطنة، وبعضه تغافل، وأكثره مكر، فليس كل صامت حكيم، وليس كل ثائر ظالم، فالأصوات الصاخبة ليست دليل على القسوة بل أحيانًا تنبع من قلب ضاق بالكتمان، فلا تنخدع بصمت هادئ فقد يخبئ مكر الثعالب دون أن تدري.
رشا روميه
شقة زاهر...
تنحنح "زاهر" وهو يسحب مقعد حول الطاولة قائلًا:
- أمال فين "محمود" يا "فردوس"؟
تقدمت "فردوس" لتجلس فوق مقعدها وهي تسأل "جميلة" التي شرد ذهنها للغاية جعلها تقضم أظافرها بحركة لا إراديه دون الإنتباه لحديث "زاهر" و"فردوس" لها:
- يا "جميلة"، يا "جميلة".
إنتبهت "جميلة" لهم لتلتفت إليهم متسائلة:
- أيوة، نعم.
عادت "فردوس" برأسها للخلف قليلًا بتعجب:
- يا بنتي بنكلمك، سرحانه في إيه، فين "محمود" عشان يفطر قبل ما ينزل.
إقتربت "جميلة" من الطاولة وهي تجيبهم بذهن شارد:
- زمانه جاي، أكيد جاي.
جلست برفقتهم حين حضر "محمود" يلقي تحية الصباح بصوته الرخيم لينتبهوا له بينما ظلت "جميلة" منكسة رأسها تتناول طعامها بهدوء شديد.
بقلم رشا روميه
مط "محمود" شفتيه بتفكير لبعض الوقت قبل أن يردف:
- أنا حتأخر بره النهارده، إتغدوا إنتوا، متعملوش حسابي.
حاول "زاهر" إستيضاح الأمر منه ببعض الدهشة:
- حتتأخر ليه يا "محمود"، فيه حاجه ولا إيه؟
ليس معتاد على الكذب أو المراوغة، لكن الظروف حكمت بأن يتهرب ولا يظهر ذلك، فحتى يتسنى لـ"زهرة" الشعور بالسكينة دون ضغط لوجوده بينهم، وهو أيضًا يتجنب لقائها، عليه البقاء بعيدًا أكثر وقت ممكن، لهذا عليه إقناعهم بإنشغاله بشكل يبعده عن البيت بالقدر الذي يسمح له ذلك:
- أبدًا يا حاج، جرد بقى للمحلات وكده، فالوقت ضيق وممكن أتأخر.
- على راحتك يا إبني.
بإيمائة خفيفة أشار "محمود" ليستكمل طعامه بعجالة ثم نظر تجاه "جميلة" قائلًا:
- نازله أخدك في سكتي؟
رفعت عيناها الخضراوتين تطالعه بنطرة غريبة لم يعتادها من قبل، نظرة تجمع بين الغيظ والغضب والهدوء بذات الوقت، لم تنبس بكلمة ولم تعقب مطلقًا، بل كانت هادئة صامتة تمامًا حتى قالت بالنهاية:
- لأ، أنا حروح لوحدي النهارده، عايزه أشتري شوية حاجات.
نهض "محمود" مستأذنًا منهم للمغادرة وسط عيونهم المودعة كل بما يحمله بصدره دون حديث.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
شقة زهرة...
هل كل تلك الرياح العاتية بمقابل جناح عصفور؟!!!! مشقة وغصة وخذلان، ليتها كانت حقًا طائرًا يحلق بالعراء فلا ذنب عليه ولا آثام.
رشا روميه
أغلقت باب شقتها بإحكام قبل أن تجلس فوق الأريكة متكورة على نفسها، ليت لومها لذاتها وأفعالها يغير شئ، بل إنها مجبرة وإن لم تتقبل ذلك أن تبقى هنا.
سحبت شهيقًا متقطعًا وهي تحدث نفسها:
-( أكيد وجودي هنا غلط، بس أروح فين، لا تعليم ولا شغل ولا مكان أروح له، حتى بابا و"سمية" مش طايقين وجودي!!!! أنا ماليش حل غير إني أقعد هنا لحد الطلاق، لما أتطلق وقتها بابا مش حينفع يقول لي لأ، ما أنا ساعتها لازم أرجع البيت، أحسن حل أقفل عليا الباب هنا لحد ما أخلص من جوازي من "أنور" وأرجع حره تاني، أنا تعبت وقلبي تعب، دلني يا رب أنا إحترت أعمل إيه).
بعد تقوقعها لبعض الوقت نهضت من جلستها لتتوضئ وتصلي لعل الله يلهمها حل لمأساتها يريح قلبها وعقلها الممزقان بين حيرة وتخوف، فهي كمن وقفت بمنتصف الدرج، لا تدري هل عليها الصعود أم الهبوط، وفي كلا الحالتين السلم مكسور ولا تقوى على الحركة.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مستشفى الهلال المركزي...
قد يسعدنا أشياء لا تمثل شيئًا لغيرنا، لكنها بالنسبة لنا أثمن ما يمكننا الحصول عليه، ذلك الحلم الذي تملك من قلب فقير لا يمكن نسيانه، فكل سعادة تبدأ بحلم وقد حلمت بك.
رشا روميه
تلك الإبتسامة التي إستوطنت وجه هذا الخجول حين تذكر ضحكات الأمس جعلته يشعر بما لم يختبره من قبل، بهجة وفرحة زارته أخيرًا بلقاء تلك الزمردة، التي ما أن زاره طيفها وإحتل كيانه وأوسع لها الطريق.
لقد كان بإحتياج لهذا النوع من السعادة وتلك الإبتسامة الحقيقة، لقد وجد غاية يسعى إليها قلبه بعد صمت دام لعقود، تذكر تلعثمه وتكراره لنفس العبارات ليستعيد ضحكته مرة أخرى الآن.
وقف "سامح" يبحث بين أوراقه على أحد التقارير الهامة ولم تغب "فرح" عن فِكره مطلقًا، إستحوذت تلك الشقية عليه منذ الوهلة الأولى حتى أنه منذ لقاء الأمس يتتوق بشوق للقاء اليوم.
مر "نور" به ليطل برأسه من الباب المفتوح لمكتب "سامح" قائلًا:
- ده إيه النشاط ده على الصبح، كويس إنك هنا.
إنتبه له "سامح" ومازالت تلك الابتسامة معلقة بثغره والتي أثارت تساؤل "نور" بفضول:
- إيه إللي مفرحك أوي كده؟
لملم "سامح" إبتسامته العريضة التي لم ينتبه لها ليحاول الظهور بجدية:
- لا أبدًا عادي، صباح الخير الأول يا "نور".
رغم محاولة "سامح" الزهور بتلك الجدية إلا أن "نور" قطب حاجبيه بتعجب من تلك الهالة التي تحيط "سامح"، فملامحه سعيدة بشكل يفوق المعتاد، كما لو أنه يشعر بالسعادة لأول مرة، غبطة حقيقية غير متكلفة أو مصطنعة.
لكنه رغم ذلك لم يشأ التطفل إن لم يخبره عن سبب سعادته بنفسه، ليهتف به بخيلاء:
- ماشي يا غالي، طيب عمومًا حضر نفسك للسفر خلاص، "كريم" كلمني وقالي إن أسامينا إتحددت في كشف السفر كمان عشر أيام.
بين ليلة وضحاها تتبدل أمانينا، ويصبح كل ما نترجاه بغيضًا وما كنا ننفر منه هو قمة الآمال، بُهت وجه "سامح" وإتسعت حدقتاه بصدمة، فحين آتى خبر كان ينتظره تبدلت نفسه ويتمنى البقاء.
همس بإندهاش وضيق نفس:
- أسافر!!!!! أنا .... أنا مش عاوز أسافر.
- فيه إيه يا "سامح"؟! إيه إللي جرى لك، ده إنت كنت متحمس، مالك كده، حاسس إنك مش مبسوط، ده أنا قولت حتطير من الفرحه.
زاغت عينا "سامح" وقد سيطرت هي فقط على تفكيره، فهل بعد أن يجد طريق أحلامه يتنازل عنها ويبتعد، الآن يأتي فرصة السفر بعد لقائه بها بالأمس، كما لو أن هذا الخبر تأخر لبعد اللقاء ليسير به القدر بطريق ما كان يظنه شرًا.
إنتظاره وتحمسه للسفر تبدل تمامًا بعد لقائه اللطيف بـ"فرح"، شعور من داخله يجذبه للبقاء، يريد قُربها ومساعدتها، هي الشعلة التي أضاءت له الطريق بعد تخبط وظلام.
تلعثم "سامح" قليلًا وهو يوضح بإيجاز:
- مش عايز أسافر خالص يا "نور"، حصل شوية حاجات لازم أقعد لها هنا.
مال "نور" برأسه بتفاجئ لا يستطيع إستيعاب هذا التغير الكبير برأي "سامح":
- إنت بتهزر صح؟!! إنت يا إبني مش كنت عايز نسافر كلنا ونتجمع مع بعض من تاني، مش ده كلامك!!!
- أيوه، بس فيه حاجات غيرت تفكيري، وعمومًا خليها بظروفها لو عرفت آجي حبلغكم وخلاص.
قالها "سامح" بدون إيضاح، فهو أيضًا لا يدري لم يتنازل عن فرصة لسفره للخارج وتجمعه بأصدقائه لمجرد لقاء قصير بتلك الإستثنائية.
بقلم رشا روميه
رفع "نور" حاجبيه وأهدلهما بإستغراب ليردف ببعض الإندهاش:
- زي ما تحب، خلاص حكلم "كريم" بالليل وأبلغه بقرارك ده.
- أحسن كده.
إرتدى "نور" معطفه الأبيض ليبدأ مروره اليومي بالمرضى، لكنه إلتفت فجأة تجاه "سامح"، فيبدو أن ليس "سامح" الوحيد الذي يخفي أمر ما بداخل نفسه.
مط "نور" شفتيه قليلًا لتضطرب دقات قلبه قبل أن يسأل بنبرة تخفي إرتباكه وسبب سؤاله:
- "سامح" اا، مشوفتش "ليلى" النهارده؟
حمل "سامح" حقيبته بعد وضع التقرير بها وهو يومئ بالنفي تجاه "نور" قائلًا:
- لأ، مشوفتهاش، بتسأل ليه؟
إبتلع "نور" ريقه بإرتباك:
- هاه، ولا حاجه، كنت بس عايز أقولها حاجه على باباها.
خرج "سامح" من غرفة مكتبه ليردف بعجالة:
- اه، تمام، أنا رايح المستشفى الأهليه، لو شفتها بره حبعتهالك.
مجرد ذكر إرساله لها جعله يشعر كم هو متلهف للقائها، تسارعت ضربات قلبه قوة فهو في إنتظار هذا اللقاء.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
أبحث عن وهج روحي وطريقي الهادئ بين عينيك، فربما أنت الصحيح بالمكان الخطأ، وحين تدرك مكانك الصحيح سيكون موضعك هو موطنك الذي تبحث عنه.
المستشفى الأهلية (غرفة فرح)...
كان يسرع الخطى متلهفًا للقاء آخر، لقاء يسرق به لحظات من السكينة والبهجة لروحه، طرق "سامح" باب غرفة "فرح" ليطل من خلف الباب قائلًا بنبرته الهادئة:
- إحم، السلام عليكم.
ترى هل كانت هي أيضًا تنتظر هذا اللقاء بمثل هذه اللهفة؟! فقد كانت تتصنت جيدًا لوقع الخطوات التي تقترب من الغرفة، لتهتف فور "سماعها لصوت "سامح" بإبتهاج:
- دكتور "سامح"؟
نعيم من نوع آخر جديد بطريقه على كلاهما، فور أن نطقت بإسمه إتسعت إبتسامة قلبه قبل وجهه، هل كانت تنتظره أيضًا؟
ضحك بخفة وهو يتسائل ببعض الخجل:
- إيه ده إنتِ عرفتيني من صوتي من أول مره كده؟
ليتها كانت ترى نفسها وهي تبتسم تلك الإبتسامة المذهلة لكانت أدركت أنها أسقطت هذا الخجول دون أدنى مقاومة، خاصة وهي تخرج الكلمات تتدلل من بين شفتيها مردفة:
- بصراحة لأ، عرفتك من (إحم ).
حملق "سامح" بها وهي تتحدث ببلاهة، ومن حسن حظه أنها لا تراه، ليتنحنح مرة أخرى قبل أن يجيبها ببعض المزاح:
- إحم، طب كويس إنك قولتي لي عشان المره الجايه ألخبطك ومقولهاش.
- لأ خليها، كفايه اني مش شايفاك، أهو أي حاجه أعرفك بيها.
قالتها بتلقائية لكنها بالفعل آلمته حقًا، ليردف بهدوء وتأثر:
- تمام.
بقلم رشا روميه
تحسست "فرح" طريقها لتقف بإتجاه "سامح" الذي أدركت موضعه من صوته، ثم سألته بشكل مباشر دون تردد:
- إنت ليه بتسكت كده، ليه مش بتتكلم على طول؟
تنهد "سامح" وهو يدفع ببعض الهواء الثقيل من رئتيه ليجيبها بأريحية شديدة كما لو أنه يعرفها منذ سنوات طوال:
- عشان أنا طبعي هادي شويه، بخاف وبأرتبك لما بتكلم.
- وليه بقى ده كله، عذبوك وإنت صغير؟
سؤال مازح لكنها كانت تود معرفة إجابته لأنه يبدو عليه شاب خجول ومختلف، ليساعدها تلقائيته معها بإجابته دون إخفاء:
- حاجه زي كده، أنا كان ليا أخ أكبر مني بسنه واحده، كنا زي التوأم بالضبط، بنحس ببعض في كل حاجه، كنا مرتبطين ببعض جدًا، وفي يوم صحيت على خبر حادثه إتوفى فيها والدي وأخويا، مقدرتش أصدق إنه خلاص مش موجود في حياتي، كنت وقتها صغير أوي، حبست نفسي في اوضتي ولا عايز أشوف حد، ولا أتعامل مع حد، بقيت بحس بالراحه وأنا لوحدي، شكلي بقيت إنطوائي، يمكن لما دخلت الجامعه وإتعرفت على زمايلي بقى لي وقتها أصحاب، لكن أنا طول عمري لوحدي، ولما بكون مع الناس كانوا بيعلقوا كتير على كلامي الهادي فكنت بتكسف منهم أوي، أو من أي حد غريب معرفهوش.
عقدت "فرح" ذراعيها أمام صدرها بتأثر لوحدته التي بقيت بداخله حتى مع تواجده وسط الجميع، لتتذكر حالتها ووحدتها لتسأله:
- يااه، ده إنت وحيد إنت كمان زي حالاتي، صحيح، هو أنا مينفعش أخرج من المستشفى؟
عاد "سامح" لهدوئه ليجيبها بعملية:
- إنتِ دلوقتِ حالتك متسمحش، متنسيش إن إنتِ مش فاكره حاجه، كمان متعرفيش حد هنا، وبعدين إنتِ عايزه تروحي فين؟
- صح معاك حق، حروح فين، بس هم قالوا لي إن أنا من السويس.
تبدل مزاحهم بلمسة من التأثر والضيق، فأراد "سامح" أن يعيد "فرح" لإبتهاجها وشقاوتها:
- أسمع إنها بلد حلوه أوي.
لم يخيب ظنه فلقد إنطلقت بحيويتها وشقاوتها حين أجابت بطريقتها الممازحة:
- علمي علمك والله، أنا لا فاكرها ولا فاكره أي حاجه، بس طالما شايف كده، وماله مش عيب.
ها هي تنطلق ضحكته الصافية مرة أخرى، ضحكة إستطاعت هي فقط إخراجها ويبدو أنه سيصبح متلهفًا لإنطلاقها برفقتها:
- إنتِ فظيعه بجد.
- ما أنا قلت كفايه نكد بقى حعمل إيه، مش يمكن إللي أنا مش فاكراه ده كان حاجه وحشه مثلًا.
رأي حكيم للغاية، فمن أين تدري أن ما تبحث عنه كان شيئًا مبهجًا، فربما كان قاسيًا حزينًا وهي لا تتذكر ذلك، ليومئ رأسه بالإيجاب إعجابًا بتفكيرها السليم:
- صح جدًا، يعني هو إنتِ تعرفي منين إن ذكرياتك دي كانت كلها حلوه؟!
جلست "فرح" بخيلاء:
- شوفت، الظاهر عليا كنت فيلسوفه.
طال الحديث بشتى الأمور بين "فرح" ومرحها الطبيعي وبين "سامح" الذى شعر براحة وإنسجام للحديث معها دون أن تراه وترى إضطرابه وخجله الظاهرين على ملامحه بقوة، لكن هناك رابط خفي جمع بينهما جعلهما لا يشعران بالوقت الذي مضى، صعدا درجات بداخل نفوسهما وتخطيا العديد من الدرجات المكسورة ليبقى لقائهم له وهج خاص ونقاء روح.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
ربما أخطأت وربما أصبت، وأن أصل لكلاهما ما هي إلا وجهة نظر، فقد تراني أخطأت وأنا أصيب، وقد أصيب وأنت تتيقن أنني مخطئ فما بيننا ليس خلاف، بل هو زاوية أخرى تراني منها، إقترب فربما كلانا بنفس الطريق.
رشا روميه
نور بركات..
طال الوقت باحثًا عن ليل، ليل تجلى به الأحلام والرؤى، بقلب متهلف أخذ ينتظر قدومها كما قال "سامح"، حتى تملكه الضيق.
حليم بطبعه غير منجرف للغضب والعصبية، لكن الآن أصبح صبره لا يحتمل، لا يقوى على تحمل غيابها اليوم، ورغم قدرته على التركيز بعمله ومرضاه إلا أن الضيق الذي تمكن منه لغيابها جعله يُحدث نفسه متعجبًا من نفسه:
- (جرى إيه؟! أنا إيه إللي مضايقني اوي كده، كل ده عشان مشوفتهاش، أكيد عشان كنت عايز أتأكد منها إذا كانت تعرف "نسرين" ولا لأ، اه طبعًا هو كده، هو بس الموضوع ده شاغلني مش أكتر).
تحرك بأروقة المستشفى هنا وهناك بدون وجهة يتصنع المرور، لكن مقلتيه تبحثان عنها هي فقط، تدور بين الوجوه المتشابهة لتبحث عن تلك الفريدة من نوعها.
ويبدو أن الحظ قد إبتسم له الآن، وليس الحظ فقط، بل الكون كله تبسم له حتى أنه دون إدراك رُسمت إبتسامة راحة فوق ثغره حين وقعت عيناه عليها.
بسيطة غير متكلفة لكنها تخطف العيون والأنفاس، خاصة حين إتسعت شفتيها بضحكتها، ضحكة يراها لأول مرة، كانت دقات قلبه تتسارع بقدر إبتسامتها، فهل يمكن لمجرد رؤية إبتسامة أحدهم تدب السعادة بقلبه هو؟!
كمشاهد بعيد يعلو وجهه السعادة حين وقعت عيناه عليها، تغيب عن الحضور للحظات متشتتًا بها، لكنه أفاق لنفسه حين تحركت لتبتعد، أسرع تجاهها فلن يتركها بعد أن وجدها الآن.
تقدم بخطواته المتعجلة وهو يهتف بإسمها:
- آنسه "ليلى"، "ليلى".
إستدارت "ليلى" نحو مناديها فقد خرجت من غرفة التمريض للتو، وقفت متيبسة عن الحركة وهي تراه أمامها، سبب ضعفها مؤخرًا، من كانت تتهرب من لقائه منذ الصباح.
بقلم رشا روميه
تثلجت أطرافها فها هو يصيبها بضعف آخر، ما لوجوده يؤثر بها فوق المعتاد؟! ما الذي يحمله هذا الرجل يختلف عمن سواه ليجعل ضربات قلبها تنتفض بتلك القوة؟!
ضغطت بطرف أسنانها فوق شفتها السفلية التي بدأت بالإرتجاف دون وعي منها، فعليها أن تظل قوية ولا تقع بشرك الضعف أمامه أو من سواه.
رفعت رأسها بشموخ واهي وهي تردف بهدوء وجدية عليها الإلتزام بهما:
- دكتور "نور"، خير؟
- ممكن أتكلم معاكِ شويه؟
حديثه ونبرته يوحيان بإحساس يشعرها بالخوف، خوف من طوفان من المشاعر التي لم تحسب لها الحسبان، ورغم ذلك التخوف إلا أنها تتوقت لسماعه، أرادت لو ينطق بها حقًا، فتلك الأنثى الحبيسة بداخلها تريد أن ترى المحبة التي تستحقها.
إبتلعت ريقها دون تجاوب لنبرته الحانية وإكتفت بصمودها وجديتها وهي تجيبه بهدوء عكس ما يتصارع بداخلها:
- إتفضل يا دكتور.
بريق عينيها السوداوتين جعله يضطرب قليلًا ليبحث من داخله عن سبب قوي يخبرها به فيما يريدها الآن، لو ترك العنان لنفسه لهتف بها يسألها عن إختفائها عنه اليوم، لو كان يقدر لعاتبها على بُعدها عن قلبه المشتاق، لكنه فضل أن يُحدثها بأمر جاد يستحق أن يوقفها لأجله حتى لا تتخوف منه.
دارت عيناه لوهلة وهو يستجمع كلماته ليبدأ حديثه الجاد قائلًا:
- إمبارح كنت عند والدك وكان هو والدكتور "سامح" بيتكلموا عن عمك وقصة الميراث الـ.................
دق هاتفه ليقطع حديثه وهو ينظر لشاشته ليضطر أن يجيب هذا الإتصال ليستأذنها بلطف:
- لحظة بعد إذنك.
إستدار يجيب إتصاله وهو يتحرك لخطوات بسيطة نحو الجانب الآخر، لم ينتبه بتلك اللحظة لنظرات الخيبة والتحسر بعيون "ليلى"، فلم تكن تظن أن هذا هو سبب حديثه معها لتحدث نفسها بإختناق:
-(بقى هو ده إللي كنت عاوزني فيه، مشكلة عمي والورث!!!!!)
إنسحبت "ليلى" بهدوء قبل أن يرى هذا الضعف الذي تملكها وشعورها بالخيبة والضيق، نعم تظاهرت باللا مبالاة، لكن من داخلها كانت تتمنى أن يكون حديثه له منحى آخر تمامًا، لقد سمحت لدقات قلبها أن تتحدث، وعليها الآن أن تعلمه كيف يعود للصمت.
لم ينتبه "نور" لرحيل "ليلى" لإنشغاله بهذه المكالمة التي كان يود أن تنتهي منذ لحظتها الأولى، لكنه أكمل فقد كانت "عفاف" والدة "نسرين".
- "نور"، أنا عايزه أشوفك دلوقتِ ضروري.
تنهد "نور" بقوة ليجيبها بطاعة إحترامًا لها:
- تحت أمرك يا طنط، حاضر.
- ماشي يا إبني، أنا مستنياك، متتأخرش عليا.
أنهى مكالمته ملتفًا تجاه "ليلى" ليعتذر لها عن تلك المكالمة التي قطعت حديثهم:
- آسف جدًا يا آنســـــ......
تلجمت بحلقه الكلمات حين إلتفت ولم يجدها:
نور: راحت فين بس؟! كنت عايز أتكلم معاكِ يا "ليلى"، كنت عايز أكلمك أوي، ليه، ليه مشيتي دلوقتِ، ليـــــــــه؟
حتى الوقت لم يكن يساعده للبحث عنها مرة أخرى فعليه مقابلة "عفاف" الآن كما طلبت منه، كيف بلحظة شعر بأن بينه وبين "ليلى" صرح عالٍ لا يمكنه الوصول إليها، كما لو أن كل درجات السُلم قد إنكسرت ويصعب عليه الصعود.
تحرك نحو سيارته وفي داخله مشاعر حزينة من الفرصة الضائعة التي أهدرها للتو، لكن عليه البحث عن فرصة أخرى في أقرب وقت.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
بيت نسرين الحناوي...
صباح جديد لكن لا جديد به، فبعد مغادرة والدتها للعمل جلست "نسرين" كالعادة فوق أريكتها المحببة إلى جوار باب الشقة، رفعت هاتفها تبحث بين أغواره عما تراه وحدها، هذا العالم الذي لا تريد سواه وتفضله عن الكون من حولها.
وقف أخويها بمقابلها فاليوم يوم عطلة من المدرسة يطلبون منها الصعود لسطح بنايتهم للعب، ولم لا فهما معتادين على ذلك طيلة الوقت.
أومأت لهم "نسرين" بالموافقة لتتفرغ لهاتفها فهي تحاول قدر الإمكان التملص من مسؤوليتها تجاههم ومن الأفضل بقائهم بالأعلى.
بقلم رشا روميه
بدأت محادثة جديدة بينها وبين حبيبها الإفتراضي خلف شاشة الهاتف:
-[ إزيك يا "خالد"، صباح الخير عليكم].
-[ وأنا بقول الدنيا مالها منوره كده ليه؟ أتاري القمر هلّ].
إبتسمت "نسرين" بخيلاء وهي تجيبه بدلال:
-[بتضحك عليا!!! ].
-[ أنا عمري كدبت عليكِ!!!].
لوت فمها بإبتسامة خجولة، ليظهر جانب الرقة الذي لا يراه سواها مع حبيبها هذا فقط:
-[الصراحه لأ، وأنا كمان ببقى مبسوطه أوي معاك، خايفه لا يكون كل ده حلم].
-[ طيب والمغفل خطيبك ده؟ إيه مش بيقول لك كلام حلو ولا إيه؟!].
زفرت "نسرين" بحنق على "نور" ووجوده بحياتها:
-[ خطيبي!!! لأ، ده حتى جه إمبارح وإتعاركنا سوا].
-[ بجد، ليه؟].
قلبت عينيها للأعلى بإمتعاض حين تذكرت مشاجرة الأمس:
-[ هو فيه سبب تاني، مشكله حياتي، عمي وبنته، هو فيه غيرهم].
-[ إزاي ده؟ إوعي يكون عرف حاجه؟].
بإستهزاء شديد من "نور" وإستقامته الزائدة ووثوقه بها:
-[ لامتخافش، بس هو بيكدبني في إللي قولت له عليه، بس هو بيشك اني روحت لهم وطردوني والقصه دي].
-[مش إنتِ قولتي له زي ما إتفقنا؟ ما إنتِ بتقولي إنه ساذج ومش بالذكاء إنه يعرف إنك ولا روحتي لهم ولا شوفتي حد فيهم!!].
-[ أيوه يا "خالد" متخافش من الموضوع ده، صحيح، إنت مقولتليش عملت إيه بعد موضوع حادثة العربيه، و مين إللي حقن عمي بالفيروس زي ما إتفقنا؟].
-[ بتسألي ليه بقى!! إنتِ طلبتِ وأنا حققت لك طلبك، يبقى مفيش داعي لكل التفاصيل دي، أينعم موضوع الحادثه ده عدى بصعوبه ومحدش أخد باله أن الحادثه مقصوده، حتى نقله لنفس المستشفى كان مترتب برضه، بس كله فدى عيونك الحلوه، مش ناويه تحني عليا بقى و تحققي لي طلبي وتخليني أقابلك؟].
ظنت أنها تحاوره بذكاء لمعرفة كافة تفاصيل ما أصاب عمها كما إتفقت معه، لتحاول إستدراجه بالحديث:
-[ أرجوك حبيبي أصبر عليا شويه، وعشان خاطري قول لي بس، مين إللى عمل كده وحقن عمي في المستشفى؟
-[الأمر لله، بنت عمي، إسمها "مروة" شغاله هناك ممرضه في المستشفى إللي شغاله فيها بنت عمك، ومتخافيش يا قلبي، هي عمرها ما حتقول لها حاجه، دي بتكره بنت عمك زي ما إنتِ بتكرهيها بالضبط، بس على الأقل هي شافتها وكرهتها، إنتِ بقى بتكرهيها ليه واإنتِ أساسًا مشوفتيهاش!!].
-[عشان هي وعمي أخدوا كل فلوسنا وسابونا إحنا في الفقر ده، لأ وكمان ضيعوا الفلوس، بقوا فقرا زينا، كان لازم أنتقم منهم هم الإتنين، عمي بموته بالبطئ وهي بكسرة قلبها ونِفسها بعد ما تتعلق ب"نور" في الأول].
-[ ولا يهمك منها، المهم بقى، مش حترضي عليا وتخليني أشوفك بقى؟].
-[ أفكر].
تعالت أصوات شجار أخويها بالأعلى وتخوفت من أن يدفع أحدهما الآخر، لتوفر بتذمر:
- اوووف، أما أطلع لهم دول، أحسن ماما تيجي تزعق لي تاني، هي مش ناقصه.
أرسلت رسالة أخيرة بتعجل:
-[ ثواني حبيبي وراجعه لك على طول].
-[ في إنتظارك يا قلبي].
وضعت هاتفها فوق الأريكة لتصعد السلم لتلحق بأخويها قبل أن يؤذي أحدهم الآخر.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
بعدما تقابل "نور" مع "عفاف" التي طلبت مقابلته للضرورة، حاولت بشتي الطرق أن تلين قلبه لمسامحة "نسرين" على عصبيتها وطريقتها العنيدة معه طيلة الوقت، كانت تتحدث عن طباع صعب التغلب عليها لكنها لم تتطرق لكذباتها وتطاولها.
كان "نور" ينصت إليها بدافع الإحترام والتوقير، لكن بداخله يقين لا يزعزع بأنها لا تدري عن كذبها شيئًا، لا تدري عن ما خدعته به ليصدقها ويخدع بنت عمها.
ورغم رفضه لما إستجدته لأجله من أمر المسامحة وعودة المياه إلى قنواتها، إلا أنه شعر بالإحراج لرفض طلبها.
بترجي شديد وبآخر أمل لأن تُصلح من شأن إبنتها:
- أنا عارفه إنها عنيده شويه، بس عندي أمل إنك تغيرها على إيدك، "نسرين" غلبانه والله.
- بصراحه يا طنط، هي مش بتحاول أبدًا تتغير، ودايمًا تستفزني بالكلام ومش بتعترف بغلطها أبدًا، ويا ريت على كده وبس.
إكتفى "نور" بقول ذلك دون توضيح، لتستغل "عفاف" لين قلبه بطلب آخر:
- معلش، إستحملها عشان خاطري، ويا ريت تيجي معايا دلوقتِ نرزح البيت هناك وتنهي المشكله دي عشان قلبي يرتاح.
عقب "نور" بدهشة:
- دلوقتِ!!
- أيوه، معلش عشان قلبي يرتاح والله.
بحرج شديد إضطر "نور" على مرافقة والدة "نسرين" تنفيذًا لطلبها، لينطلق "نور" بسيارته نحو بيت "نسرين"، لكنه فور وصوله للحي أرادت "عفاف" أن تفسح المجال لـ"نور" و"نسرين" ليتفاهموا سويًا خاصة وهي تثق بـ"نور" للغاية، كما أن أخويها الصغار برفقتها بالمنزل، لهذا طلبت منه أن يأخذ مفتاح الشقة ويسبقها لمقابلة "نسرين"، وأنها ستلحق به مباشرة متعللة بأنها ستقابل جارة لهم لتطلب منها شيئًا ضروريًا و لن تتأخر.
بقلم رشا روميه
لم يجد "نور" بُد من الإنصياع لطلبها بعد علمه بوجود إخوان "نسرين" معها، صعد الشقة وطرق الباب لكن لا مجيب، كرر طرقه مرة أخرى ليجد الباب مفتوحًا من الأساس.
أمر ما جعله يتخذ خطوة إلى الداخل مناديًا بنبرته الهادئة:
- "نسرين"، "نسرين"، غريبه هي سايبه الباب مفتوح ليه؟ وملهمش صوت خالص.
ثم أعلى من صوته بقلق أن يكون أصابهم مكروه:
- "نسرين"... "نسرين" إنتِ فين؟
بحث بعينيه عن أي منهم لكن لم يجد سوى الصمت، وعلى الرغم من تيقنه من وجود الصغيران هنا إلا أنه فضل البقاء على تلك الأريكة قرابة الباب حتى عودة "عفاف"، فلن يقتحم خصوصيتهم لأكثر من ذلك.
من أحكام القدر أن يسوقك حيثما يريد حتى وإن كان ذلك رغمًا عنك، فبعض الخبايا تأتيك وحدها حين يأتي ميعاد مقدر لها، فمهما حاولت إدراك الأمور لن تزال الغشاوة إلا بأمر وحكمة من البصير العليم.
سمع "نور" صوت إلى جواره مباشرة كصوت إشعار لوصول رسالة بالهاتف، صوت جعله ينتبه أن هناك من نسي هاتفه هنا.
لم يثيره الفضول ولن يتجرأ بكشف خصوصية لا تخصه، فتغاضى عما سمعه وإنتظر قدوم والدة "نسرين"، لكن توالت الأصوات كرسائل متتالية أثارت إنتباهه حقًا، نظر بطرف عينيه بلمحة خاطفة على الهاتف ليدرك أن هذا هو هاتف "نسرين"، فشكله المميز لا يمكن نسيانه، وصلت رسالة وهو يتطلع نحوه لتظهر بوضوح، إستطاع رؤيتها، لتتسع حدقتاه بصدمة وهو يقرأ حروفها التي أثارت الدماء بعروقه:
-[إنتِ روحتي فين يا قلبي، إتأخرتي عليا أوي، بتوحشيني كده، أنا مش زي خطيبك المغفل، أنا عايزك معايا على طول].
أمسك "نور" للهاتف بين يديه كحامل جمرة من النار لتخترق نظراته هذا الجهاز اللعين، وبدون مراعاة إنتهاك الخصوصية فتح الهاتف لقراءة الرسالة مرة أخرى.
...............ـ
