رواية قانون يونس الفصل التاسع عشر
ــ"أشرس لحظة ضعف ليونس العامري.. لحظة سقوطه في عشق "ورد".
"الشيطان مابيعرفش يحب زي البني آدمين العاديين.. حبه مابيكونش حضن دافي؛ حبه بيبقى طوق من نار، هوس مجنون، واعتراف بإنك المخلوق الوحيد اللي يستاهل يقف معاه على قمة الجحيم!
باب المكتب اتقفل، وخطوات الظباط اختفت تماماً.
الأوضة بقت غرقانة في صمت تقيل، مفيش فيه غير صوت الهوا اللي داخل من الإزاز المكسور،
ورد كانت لسه واقفة مكانها، ضهرها مفرود، بس بمجرد ما المكان فضي، الأدرينالين بدأ ينسحب من دمها. المسدس اللي ضربت بيه "زين" كان لسه على المكتب بصت لإيديها اللي بدأت تترعش رعشة بسيطة مكنتش قادرة تسيطر عليها. مهما كانت قوية، دي أول مرة تضرب نار على إنسان.. إنسان كانت فاكرة إنها بتحبه.
يونس كان واقف في ركن المكتب ساند على الحيطة ومربع إيديه. كان بيراقبها.. بيراقب كل تفصيلة فيها. بيراقب شحوب وشها، رعشة إيدها، وبقعة الدم الحمرا اللي لطخت بدلتها
طول عمره بيشوف ستات؛ جميلات، خاضعات، طماعات، أو خايفات. بس عمره ما شاف "ست" بالمعنى ده. بنت وقفت قدام الموت، وداست على قلبها، وضربت حبيبها بالنار عشان تحمي انتقامها.
في اللحظة دي، حاجة غريبة جداً حصلت جوه يونس العامري.. حاجز الجليد اللي حوالين قلبه من 35 سنة، اتشرخ.
اتحرك يونس ببطء، راح ناحية البار الصغير، وصب كاس مايه ومشي ناحيتها.
ـ "اشربي." صوته كان هادي بشكل غريب، مفيش فيه السخرية المعتادة.
ورد مبصتلوش، فضلت باصة للمسدس:
ـ "أنا مش خايفة يا يونس.. أنا بس مستغربة نفسي. إزاي قدرت أعمل كده من غير ما أرمش؟"
يونس حط الكاس على المكتب، ووقف قدامها. طلع منديل حرير من جيب بدلته، وبحركة هادية جداً، رفع ذقنها، وبدأ يمسح قطرة دم صغيرة طرطشت على خدها من جرح زين.
لمسته مكنتش قاسية زي عادته.. كانت لمسة فيها هوس، فيها انبهار.
ـ "عشان إنتي اكتشفتي حقيقتك يا ورد.." يونس همس وهو بيبص في عينيها. "الناس العادية بيلبسوا وشوش الطيبة عشان خايفين من عقاب المجتمع.. بس أنا وإنتي؟
إحنا اكتشفنا إن الطيبة دي ضعف، وإننا مخلوقين عشان ندوس، مش عشان ننداس."
ورد رفعت عينيها في عينيه. المسافة بينهم كانت معدومة تقريباً. كانت حاسة بحرارة أنفاسه، وبدقات قلبه اللي لأول مرة تلاحظ إنها أسرع من العادي.
ـ "إنت بتخلق مني وحش يا يونس، عشان تبرر لنفسك بشاعتك." ورد قالتها بتحدي، وهي بتحاول تبعد خطوة، بس يونس محاوطها.
يونس رمى المنديل، وفجأة، وبحركة سريعة، مسكها من خصرها وشدها عليه بقوة خلتها تشهق. خبطت في صدره الصلب، ورفعت راسها بصدمة.
ـ "أنا مخوفتش من الرصاصة اللي زين وجهها لراسي يا ورد.." يونس اتكلم بصوت أجش، عينيه السودا كانت بتلمع بنار مرعبة. "أنا اتجننت لما شفته موجه مسدسه ليكي إنتي. لأول مرة أحس إن في حاجة في الدنيا دي لو ضاعت مني، ممكن أتهد."
ورد اتجمدت. يونس العامري؟ الشيطان اللي مبيتهزش؟ بيعترف إنه خاف عليها؟
ـ "يونس.. إنت مجنون. إنت مبتعرفش تحب، إنت بس بتحب تملك الحاجات." صوتها كان بيترعش، مش من الخوف، بس من الكيمياء المجنونة اللي بينهم.
يونس مال عليها أكتر لحد ما شفايفه لامست ودنها، وهمس بصوت خلى جسمها كله يقشعر:
ـ "سميه تملك، سميه هوس، سميه جنون.. أنا ميهمنيش. أنا دمرت كل حد حاول يقف قصادي، بس إنتي؟
إنتي الوحيدة اللي نفسي أقف معاها، الوحيدة اللي عقلها بيعادل عقلي، وشرها بيعادل شري. إنتي مش مجرد شريكة في مكتب يا ورد.. إنتي بقيتي جزء من جلدي."
ورد رفعت إيدها عشان تزقه، بس لقت نفسها بتمسك في ياقة قميصه. الصراع جواها كان بيموتها. ده الراجل اللي كان سبب في ضياع قضية أخوها، ده الراجل اللي حولها لمجرمة.. بس في نفس الوقت، هو الراجل الوحيد اللي شافها بجد، الوحيد اللي مقالهاش "كوني ضعيفة عشان أحميكي"، بل قالها "كوني ذئبة عشان نحكم سوا".
ـ "إحنا الاتنين أعداء يا يونس.. شراكتنا دي شراكة دم، مش حب." ورد همست وعينيها بتغمض غصب عنها من قربه.
يونس رفع إيده، ودخل صوابعه في شعرها ومسك راسها بقوة امتلاك:
ـ "العداوة دي هي اللي مخلية دمي يغلي بيكي. أنا مش عاوز ست هادية أرجع ألاقيها مستنياني في البيت.. أنا عاوز الست اللي ممكن تقتلني لو غفلت عنها، وعشان كده أنا عمري ما هغفل عنك."
وقبل ما ورد تنطق كلمة تانية، يونس نزل بشفايفه على شفايفها في قُبلة عاصفة!
مكنتش قُبلة رومانسية هادية.. كانت قُبلة فيها غضب وفيها طعم البارود والدم. كان بيبوسها كأنه بيختم على روحها باسمه للأبد.
ورد قاومت لثانية واحدة.. ثانية واحدة بس ضربت فيها صدره، وبعدين انهارت دفاعاتها تماماً. إيديها لفت حوالين رقبته، وبادلته القبلة بنفس الشراسة، بنفس الهوس. كأنهم روحين ملعونين لقوا بعض في وسط الجحيم.
المكتب المتكسر، ريحة الدم، الخطر اللي محاوطهم من كل حتة.. كل ده اختفى. مابقاش فيه غير "محامي الشيطان" و"ملاك العدالة" اللي حرقت جناحاتها عشان تبقى ملكته.
لما يونس بعد عنها عشان ياخد نفسه، كان بينهج. سند جبهته على جبهتها، وعينيه متثبتة في عينيها اللي كانت بتلمع ببريق جديد.
ـ "إنتي بتاعتي يا ورد.. من اللحظة دي، اللي هيفكر بس يبصلك، هحفر قبره بإيدي."
ورد أخدت نفس عميق، وابتسمت ابتسامة ماكرة، وهي بتعدل ياقة قميصه ببطء:
ـ "وأنت كمان بتاعي يا يونس العامري.. الغلطة الواحدة معايا، تمنها مش هيكون السجن.. تمنها هيكون رصاصة في راسك، زي اللي زين أخدها، بس المرة دي مفيش إسعاف هتلحقك."
يونس ضحك ضحكة مجلجلة، مليانة نشوة حقيقية. حضنها أكتر، وبص للإزاز المكسور اللي بيكشف القاهرة كلها تحت رجليهم.
ـ "يبقى الحرب الحقيقية بدأت يا ملكتي.. جهزي نفسك، عشان في حيتان كبار هيتجننوا لما يعرفوا إن طارق المهدي وقع، وإن إحنا اللي أخدنا مكانه."
