رواية نادي الاربعين الفصل الاول 1 بقلم سوما العربي


 رواية نادي الاربعين الفصل الاول 


-أنا خارجه بقا ...أااه سوري يا عمو

قالتها بعدما ارتطم كتفها بصدر عريض وقوي فارتجفت داخلها تتمنى لو إنشقت الأرض وأبتلعتها.
-مش تفتحي.

صرخ فيها بقسوة رغم إعتذارها ورغم صغر حجم الموقف، عيناه بعينا تلك الفتاة صاحبة الواحد وعشرين عاماً والعيون الخضراء.

وبجسدها متوسط الطول هي بالكاد تصل لكتفه..شعرها البني ترفعه برِبطة من القماش لملمته وأهدتها جمالاً ساحراً .

ليسارع والدها ويتقدم بلهفة مردداً :
-لا مؤاخذة يا إسماعيل بيه، ماعلش العتب على النظر.

ثم ضحك محاولاً تخفيف حدة الموقف لما رأى إستمرار تجهم ملامح إسماعيل بيه وكمل:
-قال يا مستعجل عطلك الله، صاحيه أخده في وشها وطالعه عشان هتتأخر على المحاضرة...حتى مارضتيش تفطر ..شوفت... شوفت يا سيادة المستشار ؟ شوفت فرح كبرت وبقت ازاي!!!
-بقت إزاي يعني؟!!

ردد بصوت كله سخرية وتقليل نزل على أذني تلك التي وقفت تستمع لصوت إنكسار قلبها.

نظرت له بأعين متسعه، هو دوما كان كذلك لكنه بتلك المرة تخطى كل الحدود.
لقد ظلت متوارية عن عيناه لفترة طويلة إلى أن تصبح شئ..أي شيء تستطيع التباهي به بعيداً عن كونها إبنة البقال.
-عنئذنك يا بابا.

قالتها والتفت بسرعة توليهما ظهرها وتتحرك بسرعة كبيرة تهز جسدها الغض لتنزل عينيه منه لأسفلها ويتسأل هل إمتلأت أردافها قليلاً؟؟؟

-أبقي ربي بنتك يا عبده.
رد عبد ربه بلهفة:
-ماعلش يابيه عيلة.
-بدل ما تعتذر مش عاجبها كمان؟ والله عيشنا وشوفنا.
-العفو يا بيه العين ماتعلاش عن الحاجب.

اعطاه نظرة ضيق وعدم رضا ثم تحرك مغادراً يتجه نحو سيارته يفتح بابها .
-إسماعيل.

أغلق باب السيارة عنف وهو يستمع لصوت طليقته فالتفت بخطوات بطيئة ظاهر عليه أنه يفعل مرغماً وردد:
-خير يا سهام؟!
-رايح تقابل صحابك مش كده، الي من ضمنهم تميم اخويا!
-مش فاهم ، في مشكلة؟!

عصبها ببروده وإستفزازه لتصرخ فيه:
-يعني انت سامحت تميم اللي هو أساس المشكلة بينا ومش قادر تسامحني أنا؟!

أغمض جفناه يحاول إبتلاع غضبه والحفاظ على هيبته ومكانته في وسط الحي العريق الذي يعرفه فيه كل سكانه وردد من بين أسنانه:
-كانت مشكلة على فلوس ومصالح وخلصت بس انتي طمعتي وكمان بقيتي تضغطي عليا ويا تتنازل لاخويا عن نصيبك يا تطلقني، طلقني طلقني طلقني طب أديني طلقتك يا سهام عايزه ايه دلوقتي؟!
-أنا أسفه كنت غلطانه، خلينا نرجع ونربي الولاد وسطنا.
-أفهمي، المشكلة أكبر من كده، وانا مش هقدر اشوفك تاني بنفس العين بعد الي عملتيه.

إستفزها فهتفت:
-على فكرة انت ماكنتش على حق يعني عشان تطلب مني اقف معاك.
-بردو هتكدبي؟! انتي عارفه ان تميم طماع وبيعبد الفلوس وحتى لو، الست المفروض تبقى مع جوزها ظالم أو مظلوم خصوصاً انك ماشوفتيش مني إلا كل خير.

نظرت أرضاً، حديثه صحيح، مع إسماعيل عاشت في عز وهيبة وإجلال وهو كان دوماً يضعها في مكان عالي .

المنطقه كلها تعرف السيدة سهام زوجة سيادة المستشار إسماعيل أبو زيد .
-سلام عليكم يا معالي الباشا.

خرجت من شرودها على صوت أحد الجيران مر من جوارهم يحييه بتفخيم رغم كون المار تاجر كبير له شنة ورنة.. تزامناً مع صوت زمور سيارة مرأت سريعاً اصدرها صاحب السيارة تحية للرجل الهيبة الذي فرطت فيه هي بيدها وبإرادتها....شعور الندم يغطيها من رأسها لأنامل أقدامها.

سحبت نفس عميق وقالت:
-طب انت وحشت الولاد.
-انا بتواصل معاهم دايماً ومتفقين نتغدا برا بالليل ..ما تقلقيش يا سهام دول مهما كان ولادي ..ولاد إسماعيل أبو زيد.

انهى حديثه ولم يضيف المزيد بل فتح باب سيارته وتحرك بها غير عابئ بإستمرار وقوفها ولا بنظرات الحسرة في عيناها.

ظل يقود ويقود في وجهته نحو المقهى الذي إعتاد الجلوس فيه هو وأصدقائه لكنه لم يتمكن، حالة من عدم السيطرة تملكته ربما مسببها الغضب وبعض من أشياء أخرى.

صك أسنانه غير راضي عن حالته لكنه لا يملك متنفس سوى تلك الطريقة.

فتح هاتفه وبحث عن أحد الأرقام يهاتفها وانتظر حتى أتاه الرد:
-أهلاً أهلاً بالباشا...مش مصدق والله..بقالك كتير غايب عننا يا باشا.

-شششش.. إنت هترغي؟؟ 
-العفو يا باشا، أوامرك.
-جهزلي طلبي بعد نص ساعه.
-معقولة، بالنهار؟! أول مرة يعني.
-لمعي...إنت هتاخد عليا؟! نفذ الي قولته وتخرص خالص.

صرخ فيه وحالته بالفعل لا تسمح والغبي ببساطة ألقى الضوء على تلك النقطة يعلمه ان وضعه مُلاحظ ..إنه غاضب وفاقد لأعصابه وللسيطرة.

فتفزز لمعي من مكانه فهو لا طاقة له بشخص گ إسماعيل أبو زيد وحاول التحدث بسرعه:

-العفو العفو يا سيادة المستشار، ولا تعكر دمك،قبل النص ساعه هيكون طلبك جاهز ومحسوبك بقا عارف طلبك، عايز بت طولها كده ييجي بتاع ١٦٠ بيضه وشها مدور ، عيونها خضرا وشعرها بني حرير .

الغبي...الغبي...عصبه بزيادة ...هل بات مكشوف ومحفوظ ومفضوح؟!!
-أأ...هو انا قولت حاجة غلط ولا حاجة يا باشا؟!
-مش عايز اسمع صوتك، سامع، نص ساعه وهكون في شقتي في المهندسين .

ثم أغلق الهاتف في وجهه وسارع يغير إتجاهه ناحية المهندسين خالفاً موعد تجمع أصدقائه.

____نادي الأربعين__سوما العربي___

-لا لا أكيد جاي طبعاً ده احنا مش بنعرف نجمع التجميعة دي الا كل فين وفين..نص ساعة وهبقى عندكم .

قالها ذلك الرجل صاحب التسعة وثلاثون عاماً وهو ينزل الدرج بجسد ثابت وجزع طويل ، طوله وعرضه مع صلابة بنيانه بدو كأنه تمثال لملك يوناني.
-تميم.

ناداه عمه فالتفت وابتسم ثم اقترب من مكان تجمعهم يردد:
-متجمعين؟! غريبة.
-عيد ميلاد جدتك.

نظر لجدته وابتسم ثم اقترب يقبل رأسها مردداً:
-كل سنة وانتي طيبة يا نانا.
-وانت طيب يا حبيبي...مش تسلم على رهف؟

قالت معاتبة فابتسم يردد:
-ازيك يا رهف.
-الله يسلمك يا تميم بقالنا كتير مش بنتقابل.
=ماعلش بقا مشغوليات تميم كتير انتي عارفه هو الي شايل كل الشغل.

وقف عمه يردد بمرح وأضاف:
-بقا راجل العيلة من بعد ابوه انا بتاع سفن وبحر وبس، شغل التجارة ده ماليش فيه...و هغلب نفسي ليه ما تميم هو وريثي الوحيد...أنا هكتب له النص الباقي من الثروة خلاص.

قالها بحزن من أمل قد فقده وانحدرت عيناه نحو زوجته التي نظرت أرضاً بحزن...بينما تميم يشم نفسه عميق بإرتياح وطمع كلما تأكدت له نوايا عمه في ترك باقي ميراث عائلة الرفاعي له.

-مسااااء الخير...
قالها صوت أنثوي حاد فالتفتوا ليروا سيدة في بداية الثلاثين من عمرها ترتدي فستان من الجلد عار الكتفين وبيدها تحمل هدية فهمس العم في أذن تميم:
-الحق، نسوانك بييجوا واحده ورا واحدة.
-وماله، حد يكره ده حتى النسوان بتفتح النفس يا فاروق.
-اه يا قليل الأدب.

قالها ثم ضحك كلاهما وتقدمت السيدة من الجدة تسلم عليها:
-كل سنه وانتي طيبة يا نانا؟!
-وانتي طيبة يا آسيا..تعالي يا حبيبتي واقفة ليه؟!
-مستنيه تميم بيه يسلم عليا ولا مش شايفني؟؟

قالت بضيق فابتسم تميم بكبر ثم ردد:
-أزيك يا آسيا.
شملته يفوح منها الإعجاب ثم ردت:
-كله حلو.
-طب ايه مش نطفي الشمع بقا؟!
-على طول مستعجل كده؟! 

ودد عمه بخبث يقصد لياليه التي لا تنطفئ فضحك تميم:
-ظالمني دايماً يا عمي...ده انا رايح أسهر مع صحابي.
-نادي الأربعين هههههه.
ضيق تميم عيناه بضيق وقال:
-أنا بقول يالا نطفي الشمع أحسن.
-مش قبل ما حياة بنت اختي تيجي دي سابت شغلها مخصوص عشان نانا فريدة.
-عشان نانا فريدة بردو؟! الله يجعلنا من محاسيبك يا عم تميم الرفاعي.

همس بخبث لجوار إذن تميم الذي ضحك بكبر زايد في الوقت الذي رن فيه جرس الباب وفتحت الخادمة لتدلف فتاة في منتصف العشرين تحمل هدية بيدها وتتقدم بخجل:
-مساء النور يا جماعة...كل سنة وانتي طيبة يا نانا...
-وانتي طيبة يا حبيبتي.
-أزيك يا تميم.

نطقت بخجل بدلاً من أن يحيي خو ضيفته فرد بغرور:
-انا تمام، يالا نطفي الشمع.

قال بلا مبالاة وترفع وكل منهن عيناها عليه، بدأت الإجواء أُغلقت الأضواء واشتعلت الشموع، صدح صوتهم يغني للجدة بعيد الميلاد، غنوة وراء غنوة حتى أطفأت الشموع.

أنار الخادمة الضوء ليقف الجميع مشدوه وتتلاشي بسمتهم جميعاً وهم يشاهدون لأمامهم تقف فتاة بشعر أصفر وعيون لوزية تخفي الكثير ، قوامها ملفوف قصيرة تقف مقابلهم ولجوارها حقيبة ملابس سوداء لينطق تميم:
-انتي الخدامة الجديدة؟؟

هو دوماً هكذا يتحدث من منخاره، إستفزها هل مظهرها يوشي بكونها خادمة؟!

لكنها لم تتعصب بل ردت بوداعة تامة:
-لأ.. ريتا.

سقط سكين تقطيع قالب الكيك من يد زوجة عمه وانتفض فاروق من مكانه يردد:
-بتقولي ايه؟؟

هتف بلوعة وهو يتقدم منها بينما تميم تحفزت كل خلاياه وبدأ يشعر بالخطر بينما الأخرى تردد:
-أنا ريتا فاروق الرفاعي..بنت حضرتك.

لم تكد تنهي الكلمة حتى سقطت رحاب زوجة فاروق أرضاً من شدة الصدمة والتف الكل حولها يسأل ما بها ينادون عليها محاولين إفاقتها إلا ذلك التمثال المتجسد في تميم وقف يطالعها بأعين حادة نارية وهي تناظره بعينا جرو صغير يملأهما الحيرة.

____نادي الأربعين__سوما العربي____

-فرح هو انتي مازوخية؟!
التفت فرح بأعين حادة وملامح منصدمة تواجه صديقتها التي سارعت تردد:
-سوري بس مافيش واحدة تقبل الي بتقولي عليه ده الا اذا كان عندها ميول للإهانة وحاجات تانية.

دمت فرح شفتيها ثم اندفعت:
-على فكرة انتي قليلة الأدب وماعندكيش دم، ايه الي بتقوليه عليا ده يا حيوانه انتي؟!.. غلطانه انتي اتكلمت مع بقرة زيك.
-طب استني بس أستني.
-أوعي يا فريدة مش عايزة أكلمك.
-يووه اقفي بقا بلاش شغل عيال.

توقفت فرح فهتفت فريدة:
-بس على فكرة بقا انا مش أسفه، بتحبي راجل أد عمرك مرتين وكمان متجوز ومخلف هل ده ينفع؟!
-طلّق مراته على فكرة.
-مش عشانك.

صرخت في وجهها علها تستفيق ثم أضافت:
-وكل ما يشوف وشك يسمعك كلام زي السم كله إهانة ليه اصلاً، ده راجل قليل الذوق.
-بس هو محترم مع كل الناس وكمان خدوم.
-اكيد مع الي زيه او الي ليه مصلحه معاهم لكن الي زينا بيشوف نفسه عليهم، عايزه تعرفي الإنسان صح شوفيه بيتعامل ازاي مع الي أقل منه، سيبك من الموضوع ده وتشيليه من دماغك خالص، أصلاً علاقة مافيهاش أي تكافئ، يالا بينا عندنا كورس لازم نلحقه يالا.

-عندك حق، انا لازم اخرجه من دماغي، بقالي سنين بقول يمكن يشوفني، بس كل مرة بيثبت لي انه اساساً بيشمئز مني لو شافني صدفة...يالا نروح نشوف الي ورانا أحسن الراجل ده مش هيبص لي عمره.

_____

-لفي.
-نعم؟!
-لاا انتي هتاخدي وتدي معايا انتي هنا عشان تنفذي طلباتي...لفي يابت.

صرخ إسماعيل في وجهها وهو يجلس على كرسيه بمأزر  حرير مفتوح يظهر منه جسده مفتول العضلات، مرتخي عليه منتظر ومستعد لإخراج كبته 

بالفعل نفذت الفتاة أمره ولفت داخل شقته المخفية عن الجميع وسط إضاءة حمراء وجو يوحي كأنهم بمرقص ليلي .

نظر بتفحص على أردافها، أغمض عيناه بغضب شديد وهتف:
-البسي هدومك وامشي.

التوحت الفتاه تلف بسرعة وهتفت بهلع:
-ليه بس يا باشا هو انا عملت حاجة ضايقت معاليك.
-اخرسي يابت انتي هتاخدي وتدي معايا، قولت غوري من هنا.

تحركت الفتاة ترتدي عباءة فوق ملابسها المثيرة ثم التفت تقول برجاء:
-بس وحياة الغاليين يا باشا تبقى تقول للمعي اني ماعملتش حاجة احسن يأذيني.

نظر لها بجانب عيناه ومخيلته لا يأتي بها سوى شيء واحد، تنفس بغضب ثم جلب هاتفه يجري مكالمة وانفتح الخط:
-ايوة يا لمعي...البنت دي تاخد اجرتها منك عادي بس عايز واحدة غير دي.
-ليه بس يا باشا هي عملت ايه بنت الرفدي دي وانا اطلع عينها .
-ماعملتش بس عايز واحده غيرها.
-ليه يا باشا ما هي طلبك بيضه ومدوره وقصيره وعينيها خضرا.

سحب إسماعيل نفس عنيف للداخل ثم ردد:
-هات لي واحده غيرها تكون تخنانة من تحت سيكا عنها.
-ايه؟! ودي اعملها ازاي دي؟؟

هيج أعصاب إسماعيل وهو يعلم أن تلك الخلطة غير موجودة فصرخ فيه:
-ماعرفش، إتصرف قدامك نص ساعه فاهم؟!

ثم أغلق الهاتف في وجهه وأمر الفتاة أن تغادر.

صدح صوت رنين هاتفه فنظر للمتصل ليجده صديقه وهو يعلم انه يجلس الان يتعجله كونه تخلف عن موعده معهم لكنه غير مهتم سوى بإطفاء نيرانه التي إشتعلت اليوم.

___نادي الأربعين__سوما العربي___

-بتقولي ايه بقا يا حلوة؟!!

تسآل بنبرة شخص قاب قوسين او أدنى من قتل أحدهم، على آخر الزمن سيأتي من ينصب على تميم الرفاعي في وسط منزله وهو يقف بموقف المتفرج؟! 

بصعوبة ابتلعت رمقها من حلقها الجاف وردت على ذلك التمسال وهي ترفع رأسها كي تراه من علوه:
-بقول اني ريتا فاروق الرفاعي.
-اه ده انتي مصممة.

تقدم فاروق بأقدام لينة لا تتحمله واقترب منها متخوفاً يردد:
-أنتي ريتا؟!!! ريتا بنتي؟!

هزت رأسها وعيونها مهتزة أيضاً تقلب نظراتها فيه وفي ذلك الرجل بجواره فهو مخيف لدرجة لم تشفع له وسامته فيها.

-بالله عليكي يا بنتي لو اشتغالة جديدة ولا نصاباية ماتكملي، انا قلبي وجعني ومواتي دموع عينها نشفت.

بللت شفتيها تحاول ان تتحدث وعيونها تحوم بالمكان كله وتنحرف منها أحياناً ناحية السيدة رحاب والتي بدأت تستفيق للتو و و حاولت أن تقف ففشلت لتساندها كل من  آسيا وحياة وتقدمت منها تسأل:
- هنديكي إليّ تعوزيه و زيادة بس لو مش دي الحقيقة أمشي الله يخليكي انا مش حمل اني أتعشم على الفاضي...
-بقالنا عشرين سنه بنلف مصر كلها حته حته ومايأسناش وكل شوية نتعشم بس خلاص ..مش عايز اتعشم على الفاضي قلبي مش هيتحملها.

تحدث كل من فاروق وزوجته لترد ريتا:
-بس انا بنت حضرتك دي الحقيقة...حتى بص.

مدت يدها في حقيبتها القماش و اخرجت منها قلادة ذهبية صغيرة وزنها لا يتعدى الجرام واظهرتها لهم فاتسعت عيناهم وافواههم ينظرون لها بصدمة ثم ينظرون لبعضهم ويعودوا بأنطارهم لها .

تراجعت للخلف بخوف وهي  ترى كل من فاروق و رحاب يتقدمان منها بأعين غشاها الدمع.. شعر تميم بالخطر يداهمة، نصف ثروة كاملة تضيع من بين يديه الأن وأمام عيناه ، إنهما يحتضناها ويشهقان بدموع ...فيلم أبيض وأسود ممل وقديم يتابعه وبداخله صراخ يكتمه بقوة.

بقا في مكانه يتابع ما يجري وعيونه تقدح شرر حتى هدر صوته:
-وايه بقا الي عرفك طريقنا؟! ... ولما انتي عارفه انتي مين وبنت مين وكمان عارفه طريق البيت ايه الي خلاكي ماتجيش كل السنين دي كلها؟؟!

نظروا لها جميعاً متسآلين ومتهمين بما فيهم فاروق ورحاب لتشعر بالتوتر يتدفق داخلها لتجيب بصوت متحشرج من الخوف:
-ما...ماكنتش اعرف غير من يومين.
-بجد؟؟ آااه ده الي هو ازاي بقا؟!
-مديرة الدار...مديرة الدار هي الي اعترفت لي قبل ما تموت.
-اه يا حرام، قلبها رق وحبت تكفر عن سيأتها مش كده.
-من غير تريقه لو سمحت يا أستاذ، هو ده فعلاً الي حصل، وانا بنتكم.
-هو اولاً انا مش أستاذ أنا تميم باشا الرفاعي أنا بنتكم دي فيها كلام لسه لأني مش مصدقك  ولا داخل دماغي حكاية مديرة الدار دي، وهي مديرة الدار مالها ومالنا عشان تخبي وجودك عننا.
-مش هي حضرتك ، دي واحده بتكرهكم هي الي خطفتني بعد السبوع و اتفقت مع المديرة ماحدش يعرف مكاني عشان تحرق قلبكم العمر كله.

=نشوى...أكيد نشوى بنت خالتك ماهي كانت عايزة تتجوزك وهي وليه شرانية وقلبها جاحد وتعملها.

صرخت رحاب بعويل ليردد فاروق:
-اذكروا محاسن موتاكم يا رحاب الست بين أيدين الي خلقها دلوقتي.

تنهدت ريتا براحة لما علمت بموت تلك السيدة لكنها لم ترتح كثيراً فقد تقدم منها ذلك التميم يلتف حولها كما تلتف الحية حول فريستها قبلما تعصرها وتميتها.

عيناه عليها، تفصص جسدها وبشرتها وشعراتها وعيناها إلى أن هتف:
-ومش ملاحظة انك مش شبه عمي ومرات عمي؟! ولا شبه حد من العيلة خالص، احنا زي ما انتي شايفه كده كلنا سمر أو خمريين، جايبه الشعر الأصفر و العيون الزرق دول من عند مين؟!

تلجلجت، ارتبكت حقاً ليصدح صوت عمه بلهفة رجل يرغب في تصديق أي شيء وخلق أي دليل:
-أنا جدة جدة امي كانت ملونة كده ، اصل إحنا اصولنا من الفلاحين والفلاحين نصهم ملونين مش كده يا أمي.

ردت الجدة :
-صحيح وده عادي.

إبتلعت رمقها واستطاعت سحب أنفاسها أخيراً تشعر بمرور الإختبار لكن عينا ذلك الرجل المخيف لازالت تتربص بها فحاولت التحدث بشجاعة:
-على فكرة حضرتك انا ممكن اجي معاكم أعمل DNA عشان أثبت لكم كلكم اني مش بضحك عليكم ولا حاجة.
-خلاص  يا فاروق نروح كلنا دلوقتي يالا بينا.

قالت آسيا متدخله ليهتف فاروق بحنان:
-لا بلاش النهارده شكلها تعبانه ومحتاجه ترتاح..

نظر له تميم بصدمة هذا يعني أن عمه قد أشترى القصه وصدقها بل وتعايش معها..مما يعني كارثة بل مصيبة، ضياع نصف ثروة آل الرفاعي لاجل تلك الفتاة.

-تعالي يا حبيبتي أطلعي أوريكي أوضتك.
قالت رحاب لتتقدم معها ريتا وهي تتحاشى النظر لتميم فهو ينظر لها بنطرات أخبرتها بويلات القادم.

تحركت تصعد متوارية عن عيناه وهو حاول كبت غضبه كي لا تفضح نواياه وخرج لملاقاة زملائه.

___نادي الأربعين__سوما العربي___

في مقهى كبير مفتوح الأبواب كله مقاعد جلدية فاخرة يطغي عليه اللون البني دلف تميم وهو يضارب ذباب وجهه وتقدم من أحد الأرائك ليظهر رجل من نفس سنه جالس يدخن سيجاره عريض وذراعه محمل بالعضلات واللحم وجهه تحول من الابيض للقمحي بفعل أشعة الشمس ، نظر على تميم وردد:
-جرى ايه ياعم؟! حلقتوا لي ولا ايه؟! قولتوا جايين وماحدش جه...وانت جاي متأخر كمان.

ارتمى على الأريكه بأهمال يفتح زرائر بذلته فبدى بوسامة شديدة لا تشفع لسواد قلبه 
-بطل تقطيم فيا يا منصور انا اساساً ماكنتش جاي، حصلت لي بلوة سودة اترمت فوق دماغي.

-بلوة ايه؟!
-مش وقته..أمال فين إسماعيل وذكريا باشا.
-مش عارف تليفوناتهم مقفولة.
-والنجم بتاعنا فين.
-بيقول على الطريق وجاي...اهو جه أهو..

التف تميم ينظر على صديقهم سالم فاضل النجم السينمائي المعروف يدلف وهو يضع كمامة على فمه وانفه كي يتثنى له السير وسط الجماهير بلا تهاتف ولا شجار.

اقترب منهم فنزع الكمامة لتظهر ملامحه الوسيمة التي ساعدته في الصعود بسرعة الصاروخ حتى وصل لان بات من نجوم الصف الأول، صورته موجودة في هاتف كل فتاة وبالنسبة للشباب فهو ال (idol) 
كان طويل بجسد رياضي يعتبر من ضمن رأس ماله ومقوماته ، أرتمى على الأريكة بجوارهم يردد:
-والله ليكم وحشة يا شباب عاش من شافك يا تميم باشا؟! وانت يا سيادة العقيد مش بتسأل عن صاحبك.
-انا موجود يا صاحبي انت الي النجومية أخدتك مننا...وإسماعيل فين؟!
-مش عارف بتصل بيه مش بيرد.
-مالك يا سالم؟!

تسأل منصور بقلق ثم ردد:
-ابنك بردو؟!
-لسه مصمم على الي في دماغه.
-ماتسيبه ياعم يسافر ياخد الثانوية برا هيقعد هنا يعمل ايه وانت اتجوز وابدأ من جديد.

نطق تميم بسخط فنظر له سالم بجانب عينه وقال:
-انا من ساعة موت منى وانا مافيش ولا ست تملى عيني.
-ده فات سنين يا سالم.
-مش عايز ومش شايف غيرها وابني مش هسيبه انا ماليش غيره، خلاص يعني كل حبايبي هيروحوا مني يا جماعة اعقلوا الكلام.
-بس ...
حاولوا إقناعه لكنه قاطعهم بصرامة:
-مابسش...الموضوع ده منتهي، كلموا إسماعيل شوفوه فين.

_______

-هو ده رقمه بجد؟!
-اه هو.
-سالم فاضل بجد؟!
قالتها فتاة بشعر أسود قصير مصفف يصل لنهاية عنقها يخفيه ، عيونها سوداء واسعه مستديرة وأهدابها ملفتة ومكحلة ، شفتيها مكتنزة وردية و وجهها أبيض مشرئب بالحمرة...تطالع صورة سالم فاضل بهيام شديد لتنتبه على صوت صديقتها التي قالت:
-طبعاً مش هكلمك ف انتي ليه مصممة عليه بس هقولك مش هتعرفي توقعيه ده واحد نص بنات الوطن العربي بيجروا وراه وهو كارف يا تيا.
-أوووف بقا يا شيرين.
-طب خلاص خلاص براحتك بس ابقى خبي عليه سنك في البداية عشان لو عرف سنك كام مش هعبرك اصلاً ويقولك روحي العبي بعيد يا شاطرة...انا رايحه المستشفى.

غادرت حيث عملها الجديد وتركت تيا تفتح هاتفها لتتصل برقم هاتف سالم الخاص بمكالمة ستغير حياته كلها.

____نادي الأربعين ___سوما العربي___

-وصلت خلاص بس انتي نادله قولتي هتيجي معايا الكورس انا اول مرة اروح المهندسين دي.

قالتها فرح بعدما وصلت للبناية التي وصفتها لها صديقتها لتلقي أولى دروسها في اللغة.. لتعيد عليها صديقتها:
-عمارة رقم تسعه الدور الرابع شقة رقم خمسه خلي بالك يا فرح لان الدور على شقتين.
-تمام تمام.

اغلقت معها الهاتف وصعدت حتى وصلت للطابق الرابع فوقفت في الرواق تطالع أرقام الشقق وهي تتسأل :
-هي قالت شقة رقم خمسة ولا سته؟!

وقفت محتارة  وخطواتها تتحه نحو شقة رقم ستة 

وبداخل الشقة رقم ستة كان إسماعيل في الفراش مع تلك الفتاة التي أرسلها له لمعي.

النشوة تتمكن منه يغمض عيناه لترتسم أمامه صورة عيون خضراء حلوة وجسد متوسط الإمتلاء ورائحة عطر خفيف تدخل  لانفه تتغلغل في روحه تجعله يزيد من قوة دفعه غير راحم لتلك التي أسفله، يهتز به الفراش كأنه يحارب وهو يصرخ:
-أااه يا فرح أااه..


تعليقات