رواية الشيخ برهان الفصل الأول بقلم مصطفى محسن
أنا الشيخ برهان... عندى ٦٥ سنة، وبقالى أكتر من ٤٠ سنة بعالج الناس بالرقية الشرعية.
لفّيت بلاد وقرى كتير، وقابلت آلاف البشر، وكل واحد فيهم كان شايل حكاية مختلفة.
شوفت ناس كانت فاكرة إن نهايتها قربت.
وناس تانية كانت عايشة فى خوف ومش عارفة سببه.
وناس كانت مخبية أسرار لو اتكشفت كانت هتدمر بيوت كاملة.
.
ولحد دلوقتى، فى حكايات منها اللى ربنا كرمنى وفهمت حقيقتها...
ومنها اللى فضلت لحد النهاردة مش قادر أفهمها.
لكن الحكاية اللى هحكيهالكم النهاردة...
مختلفة عن أى حاجة قابلتها فى حياتى.
.
من حوالى ١٥ سنة كنت راجع من بلد جنبنا بعد ما خلصت حالة.
وأول ما وصلت البيت لقيت راجل كبير واقف مستنينى قدام الباب.
وشه كان أصفر وعينيه مليانة حزن وخوف.
خوف حقيقى.
أول ما شافنى جرى عليا وقال:
ـ الحقنى يا شيخ برهان... بنتى هتضيع مننا.
هديته ودخلته البيت.
وقلتله:
ـ اقعد يا عم الحاج... واحكيلى بالراحة.
.
قال إن اسمه حسن.
وعنده بنت اسمها جنى عندها ١٤ سنة.
ومن حوالى ٦ شهور والبنت اتغيرت بشكل مخيف.
سألته:
ـ اتغيرت إزاى؟
قال:
ـ بقت تقوم بالليل وتتمشى فى البيت وهى نايمة.
وساعات نصحى نلاقيها واقفة فى البلكونة وبتبص للشارع.
كأنها مستنية حد.
وساعات نلاقيها قاعدة فى المطبخ فى الضلمة.
وتتكلم مع حد مش شايفينه.
ـ والأغرب من ده كله إنها بقت تعرف حاجات محدش قالهالها.
حاجات حصلت من سنين.
وحاجات محدش يعرفها غيرنا.
.
الكلام ده لوحده مكنش غريب عليا.
عدت عليا حالات شبه كده قبل كده.
لكن اللى خلانى أهتم فعلًا إن الراجل قال:
ـ أكتر من شيخ راح البيت.
وكل واحد فيهم خرج ومرضاش يرجع تانى.
قلت:
ـ متقلقش يا عم حسن.
إن شاء الله لكل مشكلة حل.
.
تانى يوم رحت معاه.
البيت بيته كان بسيط.
فى القرية.
وحواليه أراضى زراعية.
أول ما دخلت حسيت إن المكان مش مريح.
عارفين الهدوء اللى يخليك تسمع صوت أنفاسك.
هو كان كدة بظبط.
لقيت الأم قاعدة فى الصالة.
وكان واضح عليها الخوف والتعب.
طلبت من الحاج حسن أشوف جنى.
.
دخلنى أوضتها.
لقيتها قاعدة على السرير.
ساكتة، بصيتلها.
كانت بنت جميلة جدًا.
وملامحها هادية.
لدرجة تخليك تستغرب من كل الكلام اللى اتقال عنها.
قربت منها وقولت:
ـ عاملة إيه يا جنى؟
رفعت عينها وبصتلى.
نظرة خلتنى مش لاقى ليها تفسير لحد دلوقتى.
.
وقالت:
ـ إنت مش هتعرف تساعدنى.
استغربت وقلت:
ـ وليه؟
قالت:
ـ عشان محدش فاهم الحقيقة.
بعدها قامت من مكانها.
وخرجت الأوضة.
كأنها قالت اللى عندها وخلاص.
عم حسن قال:
ـ شوفت؟
طول الوقت بتتكلم بالطريقة دى.
.
قضيت اليوم كله معاهم.
وكنت براقب كل تحركات جنى.
لكن ملاحظتش حاجة غريبة.
ولما جه الليل طلبت منهم يجهزولى فرشة فى الصالة.
وقلت هبات عندهم.
الساعة كانت قربت من ١ بعد نص الليل.
كنت صاحى.
وفجأة سمعت صوت باب بيتفتح.
قمت بهدوء.
وبصيت ناحية الطرقة.
لقيت جنى خارجة من أوضتها.
كانت ماشية وهى نايمة.
لكن فى حاجة خلت جسمى يقشعر.
البنت كانت ماشية بخطوات بطيئة جدًا.
وكأنها عارفة رايحة فين.
.
فضلت أراقبها.
لحد ما وصلت للأوضة اللى فى آخر البيت.
وقفت قدام الباب.
ورفعت إيدها.
وخبطت.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
وفى اللحظة دى...
.
سمعت صوت خطوات جاى من جوه.
كأن فى شخص فى الاوضة.
رغم إن الأوضة واضح انها متفتحتش من سنين.
قبل ما ألحق أتحرك.
الباب اتفتح لوحده.
جنى دخلت.
والباب اتقفل بقوة
سمعت صوت جنى بتقول:
ـ طلعونى...
.
ساعتها حسيت بقشعريرة جريت فى جسمى كله.
لأنى رغم خبرتى الطويلة...
عمرى ما شوفت موقف بالشكل ده.
فتحت الباب ودخلت بسرعة.
الأوضة كانت مليانة كراكيب قديمة.
وصناديق مكسورة.
وتراب فى كل مكان.
لكن الغريب...
إن جنى أول ما دخلت.
راحت ناحية ركن معين.
وقعدت على الأرض.
وبدأت تعيط.
كأنها موجوعة.
.
شلتها ورجعتها أوضتها.
ولما نامت خرجت.
لكن طول الليل مقدرتش أغمض عينى.
الصبح سألت عم حسن عن الأوضة.
أول ما سمع السؤال.
وشه اتغير.
وقال بسرعة:
ـ مفيش حاجة هناك.
عرفت وقتها إنه مخبى حاجة.
.
فضلت أضغط عليه.
لحد ما انهار.
واعترف.
قال إن كأن عنده أخ أصغر منه اسمه محمود.
وكان مـ دمـ ن مـ خـ درات.
ودايمًا كان بيعمل مشاكل فى البيت.
وفى يوم حصلت خناقة كبيرة بينه وبين أبويا.
محمود خبط راسه فى الحيطة ومات.
وخوفًا من الفضيحة والتحقيق.
دفناه فى الأوضة لنل وأبويا.
.
عم حسن كان بيعيط وهو بيحكى.
لكن الغريب...
إن كلامه مريحنيش.
هزيت راسى كأنى اقتنعت.
لكن الحقيقة كانت غير كده.
من أول يوم دخلت فيه البيت...
حسيت إن فى حاجة غلط.
مش فى جنى.
فى أبوها.
.
عدى اليوم كله من غير أى حاجة غريبة.
وجنى كانت طبيعية جدًا.
لدرجة إنى بدأت أشك فى نفسى.
وأقول يمكن فعلاً كل اللى شوفته له تفسير عادى.
لكن جوايا إحساس كان بيقول إن الليلة الجاية هتكشف حاجة مهمة.
لما جه الليل كنت مجهز نفسى.
وقاعد صاحى فى الصالة.
البيت كله كان نايم.
والساعة عدت ١ بلليل.
ولما قربت من ٢...
.
سمعت باب أوضة جنى بيتفتح.
رفعت عينى بسرعة.
ولقيتها خارجة.
لكن المرة دى...
كان شكلها مرعب كانت ماشية على اديها ورجليها.
بخطوات أبطأ من الليلة اللى فاتت.
فضلت ماشية لحد ما وقفت فى نص الصالة.
وفجأة رفعت راسها.
واتكلمت.
لكن الصوت اللى خرج منها...
مكانش صوت بنت عندها ١٤ سنة.
كان صوت خشن... متقطع...
وكأنه خارج من شخص تانى.
وقال:
