رواية تدخل عائلي الفصل الفصل الأول بقلم دنيا سعيد فوزي
_ يطلع مين عُمر دا يعم يعقوب؟
= يطلع إبن عمك.
_ إبن عمي؟
= أيوا يا ست دُنيا.
ابتسمت على جملة 'ست دُنيا'، حركت راسي بالنفي وقولت: لأ مفيش ست دُنيا، أنا دُنيا عادي.
ابتسملي بإحترام وقال: ميصحش، أنتِ بنت البيه الكبير هنا.
_ الغير شرعية.
= استغفر الله، متقوليش كده.
_ ليه؟ مش دا اللي داير هنا، إن عمران بيه ليه بنت غير شرعية! لمجرد إنه أتجوز أمي وأبوه خلاه يطلقها لإنه اتجوزها في السر على مراته الشرعية!
= لو أنتِ غير شرعية زي ما بتقولي مكنش الحاج داغر طلبك تيجي السرايا الطويلة العريضة دي، هنا كل الموجود شرعيين، كلهم أحفاده ومبيفرقش بينهم.
_ أنت طيب أوي يا عم يعقوب.
= وأنتِ شكلك طيبة أوي يا ست دُنيا ومش قد اللي مستنيكي جوا.
عقدت حواجبي وكنت لسه راحة أسأله يقصد إيه! لقيته سألني هو: بس اشمعنى عُمر يعني اللي سألتي عليه؟
_ إسمه أتذكر كتير أوي من أول ما جيت هنا.
= دا أجدع حد في ولاد عمك.
'ولاد عمك' كلمة عمري ما فهمتها ولا حسيتها، شعور العيلة واللمة، وإني أنتمي لحاجة أصلًا! قد إيه الشعور دا مُربك بعد سنين من الوحدة والإنكار والذنب، قطع أفكاري بأكتر جملة غريبة مرت عليا هنا.
: وافقي عليه وسيبي الباقي.
من ساعة ما جيت هنا وأنا مش بعمل حاجة غير إني بتصدم بس! وللمرة التانية يقطع سؤالي اللي كنت لسه هسأله، تدخّل من صوت أنثوي حازم ولكن مع ذلك كان رقيق بشكل!
_ دُنيا.
بصيت ورايا تجاه الصوت بتوهه وخضة، لقيت واحدة...جميلة! في بداية التلاتينات، أنثى مكملة بمعنى الكلمة، لابسة قفطان زادها جمال ورقة، لافة الطرحة على رأسها بس في كام خصلة اعترضوا على الحصار دا واختاروا الحرية، كنت بتأملها بعيون مسحورة بتفاصيل جمالها، وفي الأخر جاوبتها:
= نعم؟
_ جدك طالبك جوا في الأوضة الكبيرة.
'جدك' كلمة خلتني عقدت حواجبي وسببتلي ألم في معدتي! أنا؟؟ جدي أنا؟؟؟ عيوني دمعت لكن شكرت نسمة الهوا العالية اللي حلت علينا فجأة وسهلت عليا رمي اللوم عليها، وكأن حتى الطبيعة مصدومة معايا.
وقفت قدام باب المكتب اللي بيطل على الجنينة الخلفية للسرايا، وقبل ما أخبط، أترددت كتير أجري خصوصًا إني أتعودت أهرب! وأول مرة في حياتي أواجه، سمعت كتير إنه راجل مُهيب والكل بيحترمه وبيخاف منه، كذا سؤال طرحهم عقلي....هل هقدر أوجهله كلمة من كم العتاب اللي جوايا! وليه طلبني وأفتكرني النهاردة بالذات؟
أخدت نفس عميق وقررت أحط نفسي في الأمر الواقع، فتحت الباب علطول ولسه ببص عليه، رفع راسه وبصلي بنظرة رجعتني خطوة لورا بدون إرادة مني، عيونه كانت حادة لكنه بدأ يلين وهو بيقول: تعرفي يا بت عمران؟ لو حد غيرك كان طَل عليا الطلة دي بدون استئذان...كنت قطعتله أيده.
بلعت ريقي بصعوبة، كنت عايزة أعتذر...أقول مكنتش أقصد، أقول أي حاجة، بس صوتي من الخوف كان في مكان بعيد ومش قادرة أخرجه!
قام وقف واتحرك ناحيتي بعكازه اللي يشبه راس الأفعى! حتى عكازه ليه هيبة ويخوف، ميل أيده وقال: أشبكي إيدي زي ما بتقولوا عندكم في البندر.
عقدت حواجبي وانفلتت من إيدي إبتسامة على منظره، شاورلي براسه تجاه إيده عشان أنفذ كلامه، استجبت ليه وحطيت ايدي في إيده، دخلنا خطوة وبعدها قفل الباب بالعكاز، جسمي اتنفض من صوت الباب.
_ متخافيش، بقفله بس عشان محدش يسمعنا وتبقي على راحتك وأنتِ بتتكلمي.
مشينا خطوين وسألته: أتكلم في إيه؟
قالي بصوته المُهيب: أقعدي بس على الكنبة وخديني جمبك.
قعدنا أنا وهو، وكل ما أحاول أدي عيوني فرصة تشوف ملامحه أبص للأرض تاني، قد إيه ملامحه كانت حادة لعيوني!
_ احكيلي بقا، أنتِ مين؟
رفعت عيوني لعيونه وسألته بلهفة مقدرتش أخبيها، تشبه لهفة عيل صغير أول مرة ياخد فرصة: هتسمعني بجد؟
بصلي كتير وقال بحنية بعيدة تمامًا عن ملامحه وهيئته: طبعًا، دا أنتِ حفيدتي.
حنيته خلت دموعي تتجمع في عيوني بشفقة على نفسي! طول عمري أسمع عن حنية الجد لأحفاده في الحواديت والروايات ومن زملاتي في المدرسة، أول مرة...أدوقها! الدنيا كانت قاسية عليا أوي، لدرجة إن أي كلمة فيها حنية قادرة تبكيني!
غمضت عيوني وضغطت عليهم في محاولة بائسة لعدم بُكائي، ضغط على إيدي بتشجيع وقالي: سامعك.
أخدت نفس عميق قبل ما أغوص في سرد حكايتي.
_ أنا دُنيا، دُنيا عمران داغر، بس دا على الورق بس، لكن لو على أرض الواقع فأنا دُنيا بنت ثُرية، عندي 20 سنة، اتحرمت إني أكمل تعليمي وأدخل كلية زي بقيت زمايلي عشان أبويا خاف إن دخولي الكلية يخليني زي أمي وواحد من هناك يضحك عليا بكلمتين زي ما هو ضحك عليها وبكده هنحرف أكتر وأوسخ إسمه، وكمان بعت رجالته تراقب بيتنا وتشوف أنا وأمي بنخرج من البيت ولا لأ وينقلوا ليه أخبارنا، كان شايف إنه جايبلنا شقة وبيدينا فلوس ودا كده نصيبنا من الحرية والرفاهية، لما كان بيجي يقعد مع أمي كنت بسمعه بيهنيها وبيهددها إنه ممكن يرميها في الشارع عادي وإن هي اللي محتاجاله، عشان كده لازم تتقبل كل حاجة هو بيعملها حتى لو مش على هواها، كان كاسر عينها يعني، مكنش بيشوفني ولا بيهتم بيا زي بقيت الأبهات، بيجي يحط فلوس على الترابيزة ويمشي تاني، المرة الوحيدة اللي كلمني فيها، قالي إنه مكنش عايزني ولا مرحب بيا وإني في نظره ونظر أهله بنت غير شرعية، ولما قررت أتشجع وأتكلم معاه...قولتله إني زي بنته التانية ولازم يعاملني زي ما كنت بسمع بيعاملها إزاي، قالي إني مينفعش أتقارن ببنته.
انفلتت من بين شفايفي شهقة خلتني وقفت كلام فجأة بعد ما حسيت بخنقة، كنت حاسة بحبل عمال يتلف حوالين رقبتي وكل ما بكمل وبحكي أكتر، بيتلف عليا ويخنقني أكتر، حطيت إيدي على وشي لقيت نفسي بعيط من غير ما أخد بالي، من غير أي صوت!
حاوط إيدي الضعيفة وحطها بين إيديه وقال: مين قال إنك غير شرعية؟ أينعم أبوكِ أتجوز أمك من ورانا، بس هو اتجوزها على سنة الله ورسوله، محدش من ولادي يقدر يخالف الشرع ولا يذنب، أنتِ شرعية ونص كمان، واللي يقولك غير كده خذقي عينيه وأنا في ضهرك.
حنية تاني كانت قادرة تجمع في عيوني دموع بشكل أكبر، بصيتله وسألته بعياط ولا العيلة الصغيرة: أومال ليه؟...ليه خليته يطلقها؟ ويحرم عليها تتجوز بعده.
أتنهد وقال بهدوء وحكمة: أنا محكمتش عليها تتجوز بعده أو لأ، دا كان قرار أبوكِ، لإنه راجل دمه حر ميحبش الحاجة اللي يلمسها غيره ياخدها حتى لو كان مش عايزها، أما بقا خليته يطلقها ليه فعشان مينفعش يا بنتي، مينفعش واحد من ولادي يتجوز من برا العيلة، مينفعش واحد من ولادي يتجوز على بنت من بناتي، مرضهاش عليهم.
عقدت حواجبي وسألته بعيون ملتهبة من البُكا المكتوم: يعني إيه حد من ولادك يتجوز على حد بناتك؟ مش فاهمة!
ابتسم وقالي: بصي يا بنتي، سلو عيلتنا إننا مينفعش نتجوز برا العيلة، لازم الولد ياخد بنت عمه أو بنت عمته أول ما توصل لسن معين، ودا اللي أبويا وجدي اتربوا وربوني عليه، وعشان مبقاش أجبرت البنت إنها تتجوز غصب عنها، فالبنت هي اللي بتختار إبن العم اللي عايزاه وحاسة إنه قريب منها ومناسب ليها... وعشان كده جبتك النهاردة.
_ إيه!!!!!!!
_________________________
_ هو إحنا بنهبب إيه هنا يا يونس؟؟؟
= بيقولوا بنت عمك داغر التانية دي وصلت.
_ عارف بس أنا نفسي حد يتدخل ويلغي أم الحوار دا، بدل ما إحنا عاملين زي بنت البنوت كده وقاعدين مستنين الطلب علينا.
= مش مزعلني يواد يا نوح قد إني سيبت سفريتي وجيت عشان موسم التزاوج بتاع واحدة منهم جه.
سمعنا صوت تالت هل علينا وهو بيقول: جدكم معندوش هزار في الموضوع دا يولاد الخمس نجوم أنتم.
بصيت ورايا أنا و 'نوح' لقينا، أوفى واحد فينا للعيلة دي ولجدي بوجه الأخص "عُمر"، قومت حضنته، ابتسم وخدني بالحضن وقال: عصبك نشف يا يونس.
"نوح" قال بتريقه: اسكت بقا ليستعرضلك الكام العضلة اللي لسه مخرجهم.
بصيتله بتريقة وقولت: بس يا عود البقسماط أنت.
رفع لياقة البدلة بتاعه وقال: الراجل مش بعضلاته يا نوح، الراجل بعَصبه الناشف وأخلاقه.
ضحكنا أنا و"عُمر" وبعدها ''عُمر" أخد "نوح" في حضنه وقاله: اليومين اللي هتقعدهم هنا هنختبر عصبك يا إبن الخمس نجوم أنت.
"نوح" عدل هيئته وقال: بلاش إحراج يعني، أنا جاي ألعب قرعة وألبي نداء التزاوج وأمشي.
ضحكنا إحنا التلاتة، وبعدها "عُمر" بص حواليه وسأل: أومال فين المثقف التالت؟
: والله إن خيروني بين الزواج وبين العمل لأخترت السفر وإني أغور من هنا خالص عشان دي مبقتش عيشه بقااا، كل شوية استدعاء عشان أشوف حظي وبختي هيطلع مع مين فيهم! هم مبيتهدوش ليه دول!!!! أقسم بالله لسه متفاجئ إن في بنت عم جديدة!
بصيت لـ "عُمر" وقولتله: هو دا المثقف! دا داخل خناقة في حارة.
_______________________
_ جايبني هنا عشان تضمن إني مش هوسخ إسم العيلة!!!
قولتها بصدمة ممزوجة بإنفعال، رفع إيده وقال: استغفر الله العظيم، أنا جايبك وسط عيلتك وأهلك وناسك.
جاوبته بخنقه ودموع: عيلتي وأهلي وناسي!!! وكنتم فين وأنا مرمية أنا وأمي؟؟؟ كنتم...كنتم فين وإحنا بنتعامل زي الحيوانات من إبنك؟ دلوقتي قلبك صحى وضميرك فاق؟؟ و..وليه قررت تجيبني وترمي أمي؟؟
خبط عكازه في الأرض وقال: أمك متخصنيش، لكن أنتِ شايلة إسمي وإسم إبني وتخصي العيلة دي، وبعدين أنا مرمتش إمك، أمك بيوصلها فلوس تكفيها وتكفي احتياجتها لسنين قدام.
قومت وقفت وقولتله بإنفعال ممزوج بدموع قهر على حالي وحال أمي: وهي دي تبقى حرية!!! أنت عامل زي اللي حابسها في سجن.
قطع كلامي وقال بكبرياء: من دهب.
= بس في الأول والآخر إسمه سجن!! هتعمل إيه بالفلوس وهي محبوسة! ذنبها إيه في كل اللي بيحصلها وأنا كان ذنبي إيه!!
قام وقف وحط إيده على أكتافي: أنتِ ملكيش ذنب في أي حاجة، حتى لو أبوكِ كان غلط في حق نفسه وحق بنت عمه بس أنتِ لأ.
شال إيده وبص في الارض وكأنه مش قادر يعترف: وهي كمان ملهاش ذنب بس هي اللي حظها وقعها في عيلة عُرفها هو أساسها، ومحدش من النساوين يقدر يغير كلمة راجل قالها في العيلة دي.
غمضت عيوني ببُكا ورخيت جسمي، حسيت إني أُنهكت وإني أضعف من إني أكمل المواجهة دي...قررت استسلم، لقيت إيده بتمسح دموعي وهو بيقول بنبرة ثقة: دلوقتي تمسحي دموعك وتيجي معايا أعرفك بأهلك وأعرفهم بيكِ، عايزك تدخلي السرايا براس مرفوعة وتنسي أي حاجة سمعتيها، عايزك تحطي رجل على رجل وتختاري منهم اللي يملى عينك ويليق بيكِ...جاهزة؟
_ لأ!
