رواية من قتل هبه تفاحة الفصل الأول بقلم محمد الخواجه
"يدي النور يد النور يدي الطول يدي الطول"..
الجملة دي قالتها الست جمالات أو مدام چيچي، وكلنا فاكرينها لأنها اتقالت للفنان هاني رمزي في فيلم "عايز حقي".
محدش ينكر إن الطول في الرجال هيبة، فما بالك في النساء؟ بيكون إيه؟ سامعك ياللي بتقول (جمل يابا الحج جمل).. سامعك يا قليل الأدب ههههههههههه. محدش يقدر ينكر حبه للستات، ومهما كان الراجل قوي بيضعف قدام حنية الست، وكفاية كده عشان أنا دمعتي قريبة!
الحكاية يا سادة إن كان فيه واحدة ست تقول للقمر "عن إذنك يا كابتن هقعد أنا مطرحك"، شقراء عيونها سبحان الله لونها غريب ما بين الأخضر والأخضر الزراعي، جسمها متناسق، وطويلة حوالي 175 سم، ووحمة اتولدت بيها على شكل تفاحة في إيديها اليمين.
من وهي بنت 14 سنة وكل اللي يشوفها يفتكرها مدام من سرعة نضوج الجسد. اتقدم لها ناس كتير، وكانت الأم يومياً بتستقبل متقدمين لطلب إيدها للزواج، وكل اللي ييجي أمها تقوله: "البت صغيرة.. البت صغيرة". ولكن في حقيقة الأمر، الأم رأت إنها تمتلك ثروة الآن، وهي تلك الفرسة التي لم تنجب مثلها امرأة أخرى.. فكانت تحلم بذلك الشخص الذي يأتي لكي ينتشل الفتاة ومعها أمها وأخوها إلى مكان مرموق أفضل بكثير من حواري "المليحة"، وهي منطقة في شارع بورسعيد تابعة لدائرة قسم شرطة حدائق القبة.
كانت هبة تهتم بنفسها كثيراً، على الرغم من أنها لم تصل حتى السادسة عشرة، ولكن نظرات الناس وتلميحاتهم ومعاكستهم كانت تجعلها تقول: (يا أرض اتهدي ما عليكي قدي). وبالفعل كانت نظرات الرجالة والشباب جيرانها في البيت تولد المشاكل بينهم وبين الجيران؛ فكانت كل سيدة تخشى على زوجها من الفتنة والوقوع في شباك هبة، وذلك بسبب كمية اللطف والحلويات والهدايا التي يتنافس بها رجال العمارة لتقديمها لهبة. وكانت أي زوجة تفتعل مشاجرة مع هبة بسبب الغيرة، يقوم زوجها بضربها وأحياناً بطردها خارج المنزل عند أهلها كنوع من العقاب والتأديب!
أما عن الشباب الصغير في العمارة، فكانت يومياً تحدث بينهم مشاجرات بسبب إن حد يتغزل في جمالها ويصف صدرها أو جسدها، أو يتطوع في دهان علامة التفاحة الموجودة باللون الأحمر كما تفعل هي بقلم الألوان وأحياناً بقلم الروج الأحمر، فيقوم الثاني بضربه أو سبه على اعتبار إنها ستكون زوجته في يوم من الأيام. أحلام المراهقة يا سادة تملكت من الصغار، ومراهقة متأخرة سكنت قلوب الكبار.
إلى أن عدى الزمن على هذا، ووصلت إلى السن المسموح لها بالزواج، وهنا أقسم أخوها الأكبر إن أول من يطرق الباب ويكون مناسباً سوف يزج بها إلى زيجته.
وقد كان.. جاء سعيد عبدالنبي، وكان فعلاً سعيداً؛ فكان يعمل في شركة البترول سائقاً، يعمل بنظام أسبوعين عمل وأسبوعين راحة. وكان يمتلك تاكسي يؤجره أثناء سفره في عمله وحين يعود يعمل عليه، وكان يمتلك شقة كبيرة في شارع منشية الصدر، وأيضاً شقة متوسطة في مدينة العاشر من رمضان.
كان يكبرها بحوالي 14 سنة، وقد تأخر في الزواج بسبب تجهيز أخواته البنات وتزويجهم، وحين انتهى نظر لنفسه وقرر الزواج. وقد أوقعها حظها بالصدفة عن طريق جارة لأخته تسكن في نفس الشارع وتعرف هبة وأمها. وصفتها له وأخذوا موعداً، وحينما رآها فقد عقله من جمالها وكان كالمسحور؛ فقد أخذها حتى بدون شنطة ملابس، وتكفل هو بفرش الشقة بأكملها، وأحضر لها شبكة كبيرة، ودفع مهراً أيضاً، وتكفل بالفرح كذلك.
كل ذلك حدث في 3 أشهر فقط؛ فقد كان ميسور الحال ولا مشكلة مادية لديه إطلاقاً. وتم الاتفاق إنه في أثناء غيابه الأسبوعين، إذا أحبت هبة العيش مع والدتها في منزلها، أو أن تأتي والدتها في منزل الزوجية للعيش مع هبة خلال فترة غيابه فقط فلا مانع لديه، بالعكس فذلك أفضل بدلاً من أن تجلس وحدها، وجعل لها مصروفاً شخصياً بعيداً عن مصروفات المنزل.. كان رجلاً مثالياً، وتمت الزيجة بالفعل.
هبة الآن عمرها 18 عاماً، وسعيد عمره 32 عاماً. ومرت الحياة بروتينها العادي، بالإضافة إلى الغيرة المفرطة من سعيد على زوجته. وبعد أشهر رزقهم الله بخبر حدوث الحمل، وكان سعيد يرقص فرحاً؛ أخيراً سوف يكون له ذرية، ولداً كانت أو بنت لا يهم، فكل عطايا الكريم كرم منه. وبعد 9 أشهر جاء طفل جميل جداً واسمه (محمد).
كان هو كل حياة سعيد، وبعد عام جاء سعيد وطلب منها أن تترك وسيلة منع الحمل لكي يحظى بأخ أو أخت لمحمد، وهي وافقت. وبعد أشهر لم يحدث الحمل، فذهبوا إلى الطبيب الذي أجرى الفحوصات، وقد أبلغهم أن نتيجة الفحوصات بالنسبة لهبة سليمة جداً جداً جداً جداً، أما سعيد فللأسف موضوع الإنجاب أصبح صعباً الآن بسبب تعرضه من شهرين إلى حادث في الموقع؛ كان انفجار أجهزة التحليل الجيولوجية في المعمل، وتعرض هو وآخرون إلى إصابة، وتلك الإصابة هي من عاقت الآن موضوع الخلفة. حمد سعيد الله على محمد وقال:
سعيد: "الحمد لله أنا راضي وربنا يخلي لي محمد".
وانتهت الحكاية وعادوا إلى منزلهم. ومرت السنوات إلى أن حدث شيء جعل الحياة تنقلب رأساً على عقب؛ توفي الطفل محمد عن عمر 4 سنوات في حادث سيارة وهو مع أمه.
كان هو في عمله في موقع البترول وهي لوحدها، وأثناء ذهابها إلى الكشك لتشتري حلويات لمحمد ، جاءت سيارة مسرعة دهست الطفل فقط وانصرفت.. هذا ما قالته هبة، ولكن الحقيقة هي شيء آخر! إن هبة كانت تقابل عشيقاً لها، وأخذها الضحك واللهو وتركت يد الطفل الذي كان يلعب بالكرة، وحينما كان يجري خلف الكرة لم ينتبه إلى السيارة، ولم ينتبه أيضاً سائق السيارة؛ فكان طفلاً في عمر 4 سنوات، فمن ذا الذي يترك طفلاً أمام طريق سريع لوحده؟! انصرف السائق بعد الصدمة خشية من العقاب، ولم يستطع أحد أن يلحق به أو يعلم نمرة السيارة، لأن باختصار كانت الأحداث في عام 2006.
نزل الخبر على سعيد كا الصاعقة، وكان منهاراً جداً جداً. لما خلصت الدفنة وسعيد كان شبه بيموت بالبطيء من الحزن، جه واحد راجل كبير في السن بعد تالت يوم عزا، وقابّل سعيد وقاله:
العجوز: "حقك عليا أنا والله جريت على الواد والعربية جاية بس العربية أسرع مني زي منتا عارف.. أنا عمك صبحي صاحب الكشك اللي حصلت عنده الحادثة، أنا أعرفك بس أنت متعرفنيش".
سعيد باكياً: "قدر الله وما شاء فعل".
العجوز: "وحد الله.. بس المدام مراتك غلطانة، أنا بقيت أقولها الواد بيجري الواد بيجري، بس متآخذنيش هي مكنش في دماغها غير الشاب اللي كانت واقفة تتكلم وتضحك معاه الناحية التانية، وسايبة الواد عندي قدام الكشك".
سعيد: "عندك قدام الكشك؟! وشاب مين؟! هي مش كانت واقفة تشتري حاجة والولد جري من إيدها ورها الكوره والعربية خبطته؟!".
العجوز: "محصلش يبني حد الله، هي جت عند الكشك خدت كيكة و شوكولاتة وقالت للواد خليك هنا، وعدت هي لشاب وفضلوا واقفين بتاع نص ساعة يتكلموا، وطول النص ساعة دي أنا بنادي عليها: يا بنتي الواد هيجري وأنا في كشك لوحدي، وهي تقولي حاضر وتكمل ضحك مع الشاب. ولما حصل اللي حصل الشاب ده اختفى، وهي بقت تصوت وخدت الواد وجريت بيه على المستشفى بعد ما أنا وقفتلها التاكس، وبعد كده عرفت اللي حصل.. ابنك في الجنة إن شاء الله، المهم يبني تسامحني لأني والله مكنش في إيدي حاجة.. وابقى خلي بالك من بيتك شويه.. سلام عليكم".
سعيد لم يستطع الكلام، فكم من الصدمات تأتي فوق رأسه في نفس الوقت! لم ينم سعيد في تلك الليلة ولم يستطع الكلام مع هبة ولا مع غيرها. وبعد يومين فقط جاء إلى هبة وقال لها إنه سيعود إلى العمل على الرغم من أن الشركة أعطته إجازة طويلة نظراً لما هو فيه، ولكن أصر على ذلك وعاد إلى العمل. وبعدها بيوم تفاجأت هبة وأخوات سعيد بمكالمة من موقع العمل بأن سعيد قد انتحر تحت بريمة حفر البترول!
وبعد دفن الجثة والعزاء، تفاجأ الجميع بمكالمة من شخص يدعى الأستاذ مصطفى المنسي المحامي، يقول بأنه محامي المرحوم، وأن المرحوم قد أتى إليه منذ أيام وترك له وصية وأوصى بعدم فتحها إلا أمام الأخوات والزوجة. وترك لهم العنوان وجميعاً أتوا إلى المحامي، وتأكد المحامي من شخصيتهم بالبطاقات الشخصية، وفتح الوصية وكان الآتي:*******
"بسم الله الرحمن الرحيم.. أهلي الأعزاء، لما تسمعوا الكلام ده يبقى معناه إني نفذت اللي في دماغي وانتح.رت.. خلاص أملي وزرعتي اللي كانت في الدنيا راحت، ويعلم الله إني مفرحتش في حياتي غير الكام سنة اللي عشتهم معاك يا محمد يا ابني، أنا جيلك يا حبيبي مقدرتش أبعد عنك ومقدرتش أتحمل فراقك يبني. عشت طول عمري لغيري وعمري ما عشت لنفسي، اااااه يا حرقة قلبي عليك يا نور عيني... عاوز أقولكم إني بعت كل حاجة؛ التاكس والشقق وتبرعت بفلوسها كلها صدقة جارية ليا ولي ابني في مستشفى السرطان وفي كام دار للأيتام.
أما أنتي يا هبة يا خاينة ياللي متستهليش حتى كلمة بني آدم، كان نفسي أقتلك بس إيدي مطاوعتنيش، مش ذنبي إني طيب ربنا خلقني كده أعمل إيه.. بس قررت أرجعك تاني زي ما خدتك؛ الذهب بتاعك اللي كنتي شايلاه في الدولاب أنا خدته وبعته وطلعته صدقة، وفي نفس الظرف هتلاقي ورقة طلاقك، مكنش ينفع أموت وأنتي على ذمتي. دلوقتي ارجعي تاني الحارة اللي خدتك منها، أو روحي للكلب بتاعك اللي كان سبب في موت ابني وفي إني أنا كمان أنتحر.. كان نفسي أموتك يا هبة قبل ما أموت نفسي بس مقدرتش.. ربنا ينتقم منك...
أما أنتو يا أخواتي البنات فأرجوكم ابقوا تعالوا زوروني، ولو الشركة دفنتني في مكان تاني غير المقابر بتاعتنا أرجوكم طلعوني منها وحطوني جنب محمد ابني مش عاوز أسيبه، دي وصيتي وحياة عمري اللي ضاع عليكم لحد ما جوزتكم وستتكم تحطوني جنب ابني.. أشوفكم في الجنة وابقوا افتكروني".
****************
هبة: "يعني إيه؟! أنا بقيت في الشارع؟! لا دهبي ولا فلوسي ولا حتى سقف يسترني؟!
المحامي: "الكلام قدامك ودي قسيمة الطلاق الغيابي بتاعتك.. اتفضلي".
انصرفت هبة واتصلت على عشيقها وحدثته عما جرى، وكان رده عليها:
عشيها: "طب وهتعملي إيه دلوقتي؟".
هبة: "أنا اللي بسألك هعمل إيه؟ أو أنت هتعمل عشاني إيه؟".
عشيقها: "عوزاني أعمل إيه يعني؟".
هبة: "هاتلي شقة إيجار أقعد فيها واتجوزني".
عشيقها: "أتجوزك؟! ههههههههههه أنتي بتهزري؟ هو أنا عارف أصرف على بيت واحد لما أصرف على اتنين؟ وبعدين معلش يا هبة، آمنك إزاي على شرفي؟ معلش يعني أنتي دخلتيني بيتك ونيمتني على سرير جوزك في غيابه، فمعلش يعني حطي نفسك مكاني، أمان ليكي إزاي؟ أقولك.. روحي لحد من أهلك ده أسلم حل إنما أنا مش هقدر".
هبة: "طب وكلامك ووعدك وإنك عايش مع مراتك بالعافية ومراتك وحشة وعشان خاطر العيال واللي واللي؟
عشيقها: "هو أنتي أجمل من مراتي في الشكل والجسم، بس هي محافظة على شرفي وعرضي وصايناني، إنما أنتي متآخذنيش يعني..
هبة: اه يا ابن الكلب
عشيقها: "ملوش لازمة الغلط يا هبة، روحي شوفي حالك ومصلحتك، أنا كده كده هشتري خط جديد وهرمي ده.. شوفي حالك وأنا خليني في حالي.. سلام
واتقفل الخط..
بعدها اختفت هبة لمدة 10 سنوات وانقطعت أخبارها عن الكل، وكثرت الشائعات حولها؛ اللي يقول دي سرقت واتسجنت، واللي يقول اتمسكت آداب، واللي يقول دي شغالة رقاصة.. ولكن محدش كان يعرف الحقيقة ولا حتى أهلها اللي عرفوا فضيحتها من أخوات جوزها.
وظهَرت هبة فجأة بعد 10 سنين غياب في شقة كويسة جداً في مدينة العاشر من رمضان. نركز عشان منتوّهش من بعض؛ هي اختفت من 2006 وظهرت في 2016.. كانت ساكنة في عمارة كويسة ومعاها فلوس كتير محدش عارف مصدرها، ولكن لا تعمل هبة في مجال الدعارة، إذاً فمن أين هذا الذهب ومن أين تلك العيشة السخية المرفهة؟!
ليأتي يوم 30 أكتوبر 2016 ويخبط عليها البواب، والذي اعتاد على أن يجيب لها الفطار يومياً في تمام الساعة 10 صباحاً. وحينما طرق الباب والجرس مراراً وتكراراً ولا أحد يرد، واتصل كثيراً على الموبايل وبرضو لا رد، وصوت الهاتف واضح جداً من داخل الشقة، قرر طلب النجدة فوراً.
وحينما حضرت النجدة التابعة للقسم وقاموا بكسر الباب، فإذا برائحة غريبه قادمة من غرفة النوم. وقف أمين شرطة أمام باب الشقة ليمنع الدخول، ودخل الآخر فوجدها جثة هامدة، وعلى الفور تم تبليغ وحدة المباحث الجنائية التابعة للقسم.
وها قد حضر معاون أول مباحث القسم، الرائد مراد الخواجه.. صاحب حل الألغاز المعقدة لجرائم القتل. دخل مراد في زيه الكلاسيكي البنطال الجينز الأزرق، والقميص الأبيض، والجاكت الجلد الأسود، وبجانبه طبنجة "هكلر" في جرابها البلاستيكي المقوى. كان أبيض اللون، طويل القامة، حليق الذقن والشارب، يرتدي نظارة شمس سوداء. ارتدى جوانتي طبي في يده، ودخل على أطراف أقدامه في مشية تدعى "المشية الجنائزية" تم تدريبهم عليها في كلية الشرطة في حين دخولهم مسرح الجريمة.
وقف مراد أمام الجثة في ذهول تام؛ فقد رأى أشياء غريبة وعجيبة، ولكن الأعجب والأغرب إن ما رآه مراد يدل على أن القاتل ليس شخصاً واحداً بل أكثر من شخص.. وذلك لـ...****
