رواية الاخطبوط الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم اماني سيد


 رواية الاخطبوط الفصل الواحد والعشرون 

رحيم مسك موبايله، وطلب رقم حنان. استنى ثواني، ولما سمع صوتها الملهوف في الناحية التانية، اتكلم بنبرة واثقة ومطمئنة:
ـ ألو، يا ست حنان إزاي حالك النهاردة؟
ـ رحيم بيه! والله يا ابني قلبي واكلني على زينب، مش عارفة نامت ولا لأ، ولا كلت حاجة ولا لأ.. طمني بالله عليك، هي لسه عندك؟
رحيم اتنهد ، وبدأ يرسم كلامه عشان يهديها ويقنعها في نفس الوقت:
ـ يا ست حنان، زينب بخير، وزي الفل.. وأنا كنت بكلمك عشان أقولك إننا قعدنا سوا واتكلمنا، وزينب طلعت إنسانة عاقلة جداً وعندها طموح إنها تبني نفسها بعيد عن أي وجع قلب. هي مش عايزة ترجع البلد دلوقتي، ومش عايزة ترجع الملجأ، وقررت إنها تبدأ حياة جديدة، وأنا الحقيقة لقيت عندها إصرار يخليني أساعدها.
حنان بخوف وتردد:
ـ يعني إيه يا رحيم بيه؟ طب هتروح فين؟ وأنا هطمن عليها إزاي وهي بعيدة عني؟
رحيم كمل بهدوء:
ـ هي هتكون في أمان، في مكان تبعي ومحمي، وهتشتغل هنا في الفيلا، مسؤولة عن ابني "ياسين" ومذاكرته. يعني هتكون في بيتي، قدام عيني، وفي مكان مجهز ومحترم. لا حد هيقدر يضايقها، ولا حد هيعرف يوصلها، وهتكون بتعتمد على نفسها  . أنا مش بطلب منك غير إنك تديها فرصه وأوعدك إني هكون بمقام أخوها الكبير، ومحدش هيقدر يمس شعرة منها.
سكتت حنان لحظة، كان واضح إنها بتفكر في كلامه، وبعدين قالت بصوت مخنوق:
ـ يعني هي اللي اختارت كدة يا رحيم بيه؟
ـ أيوة يا ست حنان، ده قرارها.. وهي شافت إن ده الطريق الوحيد اللي يحفظ كرامتها، وأنا شايف إنها فعلاً ذكية ومحتاجة فرصة. وافقي يا ست حنان عشان خاطرها، عشان هي محتاجة دعمك وتشجيعك مش قلقك عليها.
حنان اتنهدت تنهيدة طويلة:
ـ ربنا يبارك فيك ويجعله في ميزان حسناتك.. خلاص يا رحيم بيه، أنا تحت أمرك، .. بس أمانة عليك، خلى بالك منها. وخليها تكلمنى تطمنى عليها 
ـ حاضر هبعتلها تليفون واخليكى تكلميها براحتك 
قفل رحيم المكالمة، وحس براحة إنه قدر يسيطر على الموقف. بس في نفس الوقت، كان في باله ألف فكرة وفكرة للي جاي
في الوقت ده، زينب كانت لسه قاعدة مع ياسين في أوضة الألعاب، بس فجأة دخلت عليها الشغاله   كان في إيدها ظرف كبير وشنطة صغيرة فيها شوية حاجات شخصية.
الشغاله  بصت لزينب بجدية:
ـ أستاذة زينب، رحيم بيه أمرني أجهز الملحق اللي ورا الفيلا، وده مفتاح الأوضة، ودي شوية حاجات أساسية طلبتها ليكي عشان تستقري. الملحق منفصل تماماً، وفيه كل اللي تحتاجيه.
زينب وقفت، وأخدت منه الحاجات بإمتنان:
ـ متشكرة جداً  .
ـ رحيم بيه مهتم جداً إنك تكوني مرتاحة، 
ـ أنا عارفة، ومستعدة لكل حاجة.
بعد ما الشغاله  خرجت ، زينب بدأت تلم حاجاتها وتطلع للملحق. دخلت المكان، كان بسيط بس نضيف جداً ومريح. قعدت على السرير، وبصت للسقف وهي بتفكر في اللي فات واللي جاي. هي فعلاً خدت طريقها، بس السؤال اللي كان شاغلها  هل فعلاً رحيم هيقدر يحميها من محمد  وهتقدر تجيب حقها وهل هى عايزه تكمل مع محمد ولا خلاص كده 
زينب قعدت على السرير، الملحق كان هادي بشكل مريب، صوت نبضات قلبها كان أعلى من أي صوت تاني. بدأت تفتش في الشنطة اللي بعتهالها رحيم، لقت موبايل جديد وشريحة، فتحته وبدأت تتأمل الشاشة، وكأنها بتفكر في "محمد".
الاسم ده لوحده كان بيخلي جسمها يقشعر. افتكرت "محمد" وهو بيقولها ببرود: "إحنا جبناكي من الملجأ خدامة". الكلمة دي لسه بترن في ودانها زي جرس إنذار. هل هي عايزة تكمل معاه؟ هل كان فيه ذرة حب أصلاً؟ ولا كانت مخدوعة في صورة وهمية رسمتها لنفسها عن "بيت" و"عيلة"؟

وفجأة الموبايل الجديد اللي رحيم سابهولها بدأ يرن. زينب اتوترت في البداية، وبصت للشاشة لقيت اسم رحيم  
ردت بسرعة وهي بتحاول تضبط نبرة صوتها:
ـ ألو.. أيوه يا رحيم بيه؟
صوت رحيم جه هادي ومطمئن من الناحية التانية:
ـ أيوة يا زينب.. يا رب تكوني ارتحتي شوية في مكانك الجديد. أنا كنت بكلمك عشان أقولك إني وفرتلك التليفون ده ، تقدري دلوقتي تكلمي ست حنان وتطمنيها عليكي براحتك وماتقلقيش انا كلمتها وهى وافقت على طلبك . هة عايزه تطمن عليكى عشان  بالها مشغول عليكي، فخليها تسمع صوتك عشان تهدا.
زينب حسّت بدموع الفرحة في عينيها، صوت رحيم كان فيه حنية الأب والأخ اللي عمرها ما حستها. 
ـ ربنا يخليك  يا رحيم بيه.. بجد مش عارفة أقولك إيه، ده أحسن خبر سمعته النهاردة.
رحيم كمل بنبرة واثقة:
ـ ما تقوليش حاجة، ده واجبي. خدي وقتك في الكلام معاها، ولو احتاجتي أي حاجة تانية، تليفوني معاكي، أنا موجود.
قفل رحيم، وزينب فوراً طلبت رقم حنان. الرنة ما كملتش، وحنان ردت بصوت ملهوف:
ـ ألو؟ مين؟
زينب بصوت مخنوق من التأثر:
ـ أنا يا ماما.. أنا زينب.
صرخة فرحة مكتومة طلعت من حنان:
ـ زينب! يا بنتي.. يا حبيبة قلبي، طمنيني عليكي؟ إنتي فين؟ عملوا فيكي إيه؟
زينب بدأت تحكيلها بهدوء عن مكانها الجديد، وعن رحيم اللي وقف جنبها وحماها، وعن "مالك " الصغير اللي بدأت تحبه. حنان، وهي بتسمعها، حست إن الحمل اللي كان على قلبها بدأ ينزاح.
بعد المكالمة، زينب قعدت على السرير، وبصت للسقف وهي حاسة بنوع جديد من الأمان. لأول مرة، مكنتش خايفة من المجهول، بالعكس، حست إن رحيم فتح لها باب مش بس للسكن، ده باب للحياة من جديد.
لكن، في وسط هدوئها ده، هل يا ترى "محمد" هيسكت؟ وهل وجود زينب في بيت رحيم هيفضل سر، ولا الأخطبوط هيبدأ يحرك دراعاته عشان يوصل لها من تاني؟
رحيم كان بيتحرك بهدوء "الأخطبوط" الحقيقي؛ ما بيسيبش خيط إلا لما يمسك أوله وآخره. بعد ما اطمأن إن زينب بقت في مكانها الآمن وبدأت تطمن حنان، قعد في مكتبه، اللاب توب قدامه مفتوح، وشاشة المكتب مليانة ملفات وتقارير طبية.
خالد، ذراعه اليمين، كان واقف قدامه وبيديله التقرير النهائي اللي جابه من "المستشفى" اللي كان بيتعالج فيها محمد بعد الحادثة اللي حصلتله قبل الجواز بفترة:
ـ "كل حاجة موثقة يا رحيم بيه. التقارير الطبية، وحتى التشخيص النفسي والبدني. محمد فعلاً كان بيعاني من إصابات بالغة أثرت عليه بشكل كامل، والتقارير بتأكد إنه في وضعه الحالي لا يصلح للزواج أو الإنجاب."
رحيم بص للتقرير ببرود، ملامحه ما اتغيرتش، بس عينيه كانت بتلمع بنظرة انتصار حازم. مسك موبايله، وفتح رقم محمد، وبدأ يكتب الرسالة اللي هتقلب حياة محمد رأساً على عقب.
ما كتبش كتير، كان عارف إن "الضربة" لما تكون في الصميم، مش محتاجة مقدمات. أرفق صور التحاليل والتقارير الطبية الموثقة بختم المستشفى، وكتب تحتها رسالة واحدة بس:
"الستر اللي ربنا ستره عليك، إنت اللي خسرته لما فكرت تمد إيدك على واحدة مالهاش ضهر.. دي تقاريرك الطبية يا محمد، اللي بتثبت إنك 'لا تصلح للزواج' من قبل ما تتجوز زينب او تخطبها . فكر كويس.. لو الناس في شارعكم  عرفوا الحقيقة دي، وعرفوا إن ظلمك للبنت كان مجرد غطاء على عجزك، تفتكر شكلك هيكون ايه ؟ ومين اللي سيرته هتبقى على كل لسان؟ فكر قبل ما تتحرك، لأن المرة دي، 'انا اللى هقفلك 
رحيم ضغط على زر الإرسال، ورمى الموبايل على المكتب. قام وقف وبص من إزاز المكتب الكبير، كان بيتخيل حالة الرعب اللي هتصيب محمد لما يشوف الرسالة دي.
في الناحية التانية، محمد كان قاعد مع أمه، التليفون ادى اشعار ، وبمجرد ما عينيه وقعت على الصور والكلمات، وشه اتخطف وبقى أبيض زي الميت. إيده بدأت ترتعش والموبايل وقع منه، ونظرة الخوف اللي في عينيه كانت بتقول كل حاجة. امه بصتله باستغراب:
ـ "في إيه يا محمد؟ مالك يا ابني؟"
محمد ما عرفش ينطق، كان حاسس إن الأرض بتتشق تحت رجله. كان عارف إن لو الخبر ده اتسرب، حياته انتهت كان واقف بيتخيل نظرات الناس  وهمسهم عليه، وسمعته اللي كان بيحاول يداريها بـ "التجبر" على زينب، هتتداس بالأقدام.
رحيم في مكتبه، كان واثق إن محمد دلوقتي بيفكر في ألف طريقة عشان يداري على الفضيحة دي، والأكيد إنه مش هيجرؤ يفتح بقه بسيرة زينب تاني، ولا حتى هيجرؤ يقرب من طريقها.
محمد مسك التليفون وبعت لرحيم رساله 
ـ أنت مين وعايز ايه

؟ اطلب اللي إنت عايزه، بس الكلام ده يفضل بيننا، محدش يعرف عنه حاجة أبداً."
رحيم ابتسم ابتسامة صفرا، وبدأ يكتب الرد ببرود تام: "اللي عايزه واضح ومحدد.. ورقة طلاقها توصل لعنوان الملجأ النهاردة قبل بكرة. إنت عارف كويس إنت مين ووضعك إيه، وزينب ما تستاهلش تدفع تمن ظروفك دي ده غير تحكمات امك فيها . طلقها، واستر على نفسك، واعتبر إن اللي حصل يوم الفرح ده غلطة ومسحتها من الوجود.. غير كدة، التقارير دي هتكون في إيد كل حد فى الشارع ، ووقتها لا أنا ولا غيري هنقدر نلم الفضيحة اللي هتحصلك، وهتكون مادة لسيرة الناس اللي ما بتشبعش."
ما كملتش ثواني، ومحمد رد برد كله ذل وهزيمة: "موافق.. هعمل اللي إنت عايزه، الورقة هتكون فى الملجا . بس أمانة عليك، تمسح كل اللي عندك، ما يبقاش فيه أثر للحكاية دي."
رحيم رمى التليفون على المكتب، وخد نفس عميق. حاسس إن تقله كله انزاح، مش عشان هو اللي انتصر، بس عشان الحق رجع لأصحابه. قام من مكانه، وطلع ناحية الملحق اللي زينب قاعدة فيه. خبط خبطات هادية ومنتظمة، وزينب فتحت الباب وهي باين عليها التوتر.
رحيم بصلها بابتسامة هادية وطمّنها: "يا زينب.. اعتبري إن الجبل اللي كان كابس على صدرك انزاح. محمد وافق على كل حاجة، والطلاق هيوصل الملجأ . من اللحظة دي، مفيش حد هيقدر يفتح بقه بسيرتك تاني، ومحدش هيقدر يطالبك بأي حاجة.. إنتي من النهاردة حرة، وتقدرى تعيشى حياتك زى ماتحبى 
زينب اتسمرت في مكانها، عينيها اتملت دموع، بس المرة دي كانت دموع راحة وفرحة مش وجع. صوتها طلع مبحوح وهي بتسأل: "يعني.. يعني خلاص يا رحيم بيه؟ مفيش كلام تاني؟ مفيش حد هيجرؤ يغلط فيا تانى ولا محمد هيهدننى إنه هيجيب سيرتى بالباكل 
رحيم هز رأسه بثقة: "ولا حد هيجرؤ. إنتي دلوقتي في  حمايتي، وأنا كلمتي سيف."
زينب ما قدرتش تتمالك نفسها، سجدت لله شكر في مكانها. كانت حاسة إنها اتولدت من جديد، وإن ربنا بعت لها رحيم في طريقها عشان ينقذها. رحيم وقف بعيد شوية بيراقبها، كان عارف إن الحياة لسه مخبية تحديات، بس كان مطمن إنه قفل الباب ده وراها للأبد.
الأيام بدأت تعدي، وزينب بدأت تستقر في حياتها الجديدة في الملحق، والجو العام في الفيلا بقى أهدى بكتير. زينب من وقتها قررت إنها مش هتعيش دور الضحية، وهي أصلاً معاها دبلوم، فقررت إنها لازم تكمل تعليمها وتدخل الجامعة عشان تضمن لنفسها مستقبل ومكانة.
دخلت زينب المكتب على رحيم وهي حاسة برهبة بس جواها إصرار، قعدت وكلمته في موضوع تعليمها، وبدأت تشرح له إنها مش عايزة تعتمد على حد، وعايزة تثبت وجودها. رحيم بصلها بإعجاب، كان مقدر جداً طموحها ده، وما ترددش لحظة.
رحيم بصلها بجدية وقال: "بصي يا زينب، انا موافق  جداً على طلبك. التعليم ده هو السلاح اللي هيحميكي من أي حد، والجامعة هي اللي هتفتحلك أبواب تانية خالص. سيبي موضوع الورق والتقديم ده عليا، أنا هخلص لك كل حاجة، ولا تشيلي هم أي ورق أو إجراءات، اعتبريه خلصان."
وفعلاً، زي ما وعدها، رحيم ماضيعش وقت. كلم رجاله وخلص لها كل أوراق التقديم، وجهز لها كل المستندات المطلوبة، لدرجة إن زينب كانت مذهولة من سرعته واهتمامه.
مع مرور الوقت، علاقة زينب بـ "مالك" ابن رحيم بقت أقوى، وبقت هي اللي بتذاكر له وبتاخد بالها منه. وفي يوم، وهما في الجنينة، مالك كان بيجري وهي بتجري وراه عشان تذاكر له، وزينب من كتر الحماس وهي بتلف حوالين حمام السباحة، الأرض كانت مبلولة، رجليها اتزحلقت ووقعت جوه المية!
مالك صرخ بجدية: "زينب! زينب! بابا! الحقونا!"
رحيم، اللي كان بيتابعهم من بعيد بابتسامة، سمع صرخة مالك، وفي ثانية كان ناطط في حمام 
ـ تفتكروا علاقه رحيم وزينب هتبدأ امته 

تعليقات