رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم رشا رومية


 رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الواحد والعشرون 

#اللهم_أدخلني_مُدخل_صدق_وأخرجني_مُخرج_صدق_وإجعل_لي_من_لدُنكَ_سلطانًا_نصيرا

 «صدى متجمد»

حملت فوق ظهري أعباء الماضي فتعثرت خطاي، وددت أن أجدك ملاذًا آمنًا، تمنيت لحظة واحدة للعتاب، لم تترك لي خيارًا للوداع فقد ودعتك منذ دمعتي الأولى التي إستوطنت عيناي، لقد كنت أعيش وداعًا مؤجلًا فحضورك كغيابك، حتى تلك الصرخة التي جاهدت بها قلبي المخذول باغتها الفقد والتجمد فلا صوت ولا صدى، إن كنت قد ظننت أنك فزت فلا تعرف قواعد الزمن، الآن فقط سيخرج صدى صرخاتي المتجمدة لتصدح من جديد.
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

تنهدتُ لمئات المرات وأبث بنفسي اللهم صبرًا، وحين إرتجف قلبي وجف حلقي وإنكسر أملي تنهدت وقلت اللهم قوة.
رشا روميه 

وقفت "زهرة" بأعين أُثقِلت بتعاستها، وبقلب خُيبَت آماله، فقد تأملت بأن يفتح لها والدها ذراعيه بمحبة ولو زائفة حين يجدها أمامه منكسرة، ضائعة، تبحث عن ملاذ وسكن، لكن خذلانها هذه المرة كان عظيم، كما لو كان صوتها تجمد فلم تعد تقدر على الصراخ والبوح، حتى صداها قُتل بمنبعه فلا تقدر على الإيضاح.

تركت قدميها يتحركان ببطء نحو الدرج بعد أن رفض "خليل" و"سمية" استقبالها مرة أخرى ببيت والدها لإجبارها على العودة لزوجها وبيت زوجها.

فأي زوج هذا؟! وأي بيت يظنون أنها تقدر على البقاء فيه؟!

خطوات قليلة لتقف بأعين باهتة تنظر لباب شقة نصف قلبها الآخر ورفيقة دربها "ليلى"، لم تجد سواها ملاذًا لها، فلن تعود لبيت مكاوي، لن تقبل بأن تبدل خطأ بخطأ أكبر، رفعت قبضتها لتطرق الباب وقد تهدلت عيناها بضعف وإنهزام.

فتحت "ليلى" الباب لتجد "زهرة" تقف قبالها، شاحبة الوجه يائسة الروح، نعم كانت تقف فوق قدميها لكنها بلا حياة، تطلعت نحو حقيبتها التي تضعها أرضًا وشفتيها المقوسة تحمل كلمات حزينة لا تنطق، كما لو أن جميع حروف اللغة لم تجد كلمة لوصف بؤسها وشقائها، هيئة جعلت "ليلى" تدرك أن تلك ليست مجرد زيارة عابرة، بل أنها قد فاض بها الكيل ولم تجد سوى بابها ملجأ لها، لتهتف بتخوف على صديقتها:
- "زهرة"!!!!! معقول؟!!

ألقت "زهرة" بنفسها داخل أحضان "ليلى" لتخبرها شهقاتها أنها لم تعد تقدر على التحمل، بكاء موجع وشهقات متعالية جعلت "ليلى" تطبق ذراعيها برفق على صديقتها تمتص حزنها بلين قلبها ومحبتها:
- بس حبيبتي، إهدي يا "زهرة"، إيه إللي حصل؟!

بالكاد إستطاعت إخراج كلماتها وسط شهقاتها المتتالية:
- تعبانه أوي يا "ليلى".

كلمة كانت كفيلة بأن تترك "ليلى" ما يؤرق أفكارها جانبًا وتنصت فقط لصديقتها، سحبتها برفق لداخل الشقة ثم أغلقت الباب بإحكام لتترك الحرية لـ"زهرة" لتخرج كل ما يتصارع بداخل نفسها، كلمات مبعثرة وغير مرتبة، تشوش إحساس وأفكار، بكاء وهمس ولوم وتحسر، وقت يمر دون حساب فقط تركتها تنساب لتخرج ما لم يعد قلبها على إحتماله.

لم تقاطعها أو تلومها، لم تنصحها وتصحصح لها، فقط إستمعت بهدوء وحكمة وصمت، وبعد العديد والعديد من الكلمات المتألمة والمنفعلة أنهت "زهرة" فضفضتها بزفير قوي أخرج الهواء الحبيس بداخل صدرها، لتدرك "ليلى" أنها قد أفرغت شحنتها تمامًا لتقوس جبهتها بتأثر لما مرت به "زهرة" دونها:
- يا حبيبتي يا "زوزو"، كل ده و إنتِ بعيد عني ومش بتتكلمي!!!! 

عتاب على قدر المحبة، فكيف سمحت لنفسها أن تمر بكل تلك الضغوط دون أن تشاركها ذلك!!! ألم تقتسما معًا الحزن والفرح؟! ألا يجمعهما قدر واحد وقلب واحد؟!

نعم بنظرها قد أخطأت "زهرة"، لكن ذلك لا يهم الآن، لا داعي لإثقال نفسها بعبء جديد، لتكن مستمعة بقلب صافٍ الآن.
بقلم رشا روميه 

زمت "زهرة" شفتيها بخفة وقد أطلقت العنان لكل أحاسيسها الحزينة دون إخفاء هذه المرة:
- ما إنتِ كمان فيكِ إللي مكفيكِ، يعني هو أنا مش شايفه وعارفه إللي إنتِ فيه.

شددت "ليلى" بقوة فوق كف "زهرة"، فمن يمكنه أن يجد من يلتمس له العذر بوقت شدته دون الحاجة للتبرير، فلو كانت لها أخوة ما كانت لتجد أقرب من "زهرة" لنفسها.

رغم بسمتها المختنقة إلا أنها حرصت ألا تنجرف تجاه الخطأ حينما تغلق بوجهها السبل:
- بس برضه يا "زهرة"، خلاص، كل إللي حصل ده لازم يخلص، إوعي ترجعي هناك تاني، ولا ترجعي لـ"أنور" ولا تضعفي قصاد "محمود".

أصابت بالفعل عين الحقيقة لتومئ "زهرة" بقوة:
- ما أنا  عشان كده جيت لك، مبقاش قدامي غيرك يساعدني، أنا عايزه أقعد معاكِ هنا لحد ما عم "عزت" يطلع من المستشفى.

حان دور حقيقة أخرى، حقيقة ما يتخبط بداخل "ليلى"، حان وقت لصدى حديثها المتجمد الذي لا يخرج من صوتها أن يعلو منفثًا عن حيرته:
- ده بيتك يا "زهرة"، مفيش سؤال، ده لازم تيجي وتقعدي هنا، بس أنا كمان عايزه أقولك حاجات كتير أوي، أولها إن إحنا حنسافر بعد تسع أيام على ألمانيا أنا وبابا.

تهدلت ملامح "زهرة" بصدمة، ليس لتفكير محدود ببقائها بالشقة، بل لبُعدها عنها وغربة جديدة ستحل عليهما معًا بهذا الفراق:
- إيه؟! تسافروا!!! ده إمتى وإزاي وليه؟!

لمعت عينا "ليلى" بوميض تدركه "زهرة" وهي تجيبها بعدم وضوح:
- بابا حيتعالج، وأنا حروح بعثه، مع دكتور "نور".

مالت "زهرة" برأسها وطرأ شعور غريب حينما نطقت "ليلى" إسم هذا الطبيب، لم تكن نبرتها المعتادة، ولا جمودها حينما تتحدث عن أحد الغرباء، بل كانت كما لو أنها مبتهجة لنطقها بهذا الإسم، ورغم آلامها وضيقها إلا أنها تمعنت بملامح صديقتها التي توردت فجأة حينما قالت ذلك لتتسائل "زهرة" بفضول:
- تسافري مع دكتور "نور"، ده إللي هو مين بقـــــــى؟

سؤال "زهرة" الكاشف لإضطرابها زادها إرتباك لتجيبها بنبرة خجلة وهي تخفي إبتسامة إحتلت عيونها قبل ثغرها:
- ده دكتور جديد عندنا في المستشفى، ده هو إللي متابع حالة بابا، قدم لي معاه في البعثه وحسافر معاه أنا وبابا يكمل علاجه هناك.

إبتسمت "زهرة" لضياء شق ظلام روحها وهي ترى نصفها الآخر تخرج من مشقة وتيهة لطريق النور، ترى كيف تغرد ملامحها وكلماتها بلمحة من السعادة الهاربة منهن، هل وقعت "ليلى" ببحور الهوى؟! هل تجلى صداها المتجمد وإنطلقت كلماتها بحرية؟! 

همست "زهرة" بتساؤل أثار بنفسها بعض السعادة:
- شكلك بيقول إنه مش مجرد دكتور؟

تنهدت "ليلى" لتُحدثها بأريحية وتخرج ما تجمد بداخلها من حديث لم تقوله حتى لنفسها من قبل:
- مش عارفه ليه يا "زوزو" إللي بحسه ناحيته عمري ما حسيته ناحيه حد، ساعة ما بشوفه الدنيا كلها بتتغير، حتى أنا بتغير، ولو إني خايفه أحسن أكون حبيته ولا إيه؟!

تفاجئت "زهرة" بتصريح "ليلى" لهذا التساؤل الذي لم يمر بحياتها من قبل، لطالما "ليلى" كانت رافضة لأي شعور يجعلها تتراجع عن طريق مستقبلها الذي رسمته لنفسها، فكم حاولت أن تخرج من دائرة الضعف وقلة الحيلة بالجهد والمثابرة والجدية، لقد رفضت كل محاولات التقرب لها، فهي أقوى من مجرد مشاعر، لم تكن تظن أن تتنازل "ليلى" عن جديتها وتشبثها بطريقها العملي أخيرًا لتعترف بالفعل أنها تحب.

رفعت "زهرة" حاجبيها بإندهاش:
- أنتِ يا "ليلى"؟! معقول تقولي كده، ده إنتِ عُمرك ما عجبك حد!!

- خطف قلبي من غير ما أحس.

قالتها "ليلى" بمنتهى الهدوء لتقابلها "زهرة" بذات الود:
- طيب وهو؟

قوست "ليلى" شفتيها بعدم معرفة لنوايا "نور"، فقد لمست "زهرة" ما تتخوف منه ويسبب لها الحيرة:
- مش عارفه يا "زوزو"، مقالش حاجه خالص، أنا بحس إنه هو كمان بيحبني، بس منطقش ولا قال حاجه أبدًا، ده هو إللي حط إسمي من نفسه في البعثه.

- طيب مش يمكن عشان علاج باباكِ، ويبقى الموضوع مش أكتر من مساعده ليكم.

تنهدت "ليلى" بإيمائة واقعية:
- يمكن برضه، كمان هو بعيد أوي، واحد زيه إيه إللي يخليه يفكر في واحده زيي؟! لا من نفس تعليمه ولا مستواه خالص!!

بزهو برفيقتها وضعت "زهرة" كفها فوق كف "ليلى" تخبرها بصدق:
- إنتِ مفيش زيك يا "ليلى"، ده تبقى أمه داعيه له والله.

نكست "ليلى" نظرتها بإحباط فبالتأكيد ما قالت لها "زهرة" ذلك إلا لرفع روحها المعنوية لا أكثر، إنكسار شعرت به "زهرة" لتستكمل بتفاؤل:
- عمومًا متستعجليش، لسه الدنيا حتبين، ما يمكن جه في سكتك عشان يجمعكم قدر واحد.

- يمكن!!! المهم سيبك مني أنا، خلينا فيكِ إنتِ، ناويه على إيه؟

بذات القدر من الشفافية أجابتها "زهرة" دون إخفاء عن نفسها أو صديقتها:
- لازم أبعد لحد ما "أنور" يطلقني، وأحاول أشتغل، مش حينفع أفضل عاله على كل إللي حواليا كده، مينفعش أرجع لهم البيت تاني خلاص (لتنكس عينيها بتحسر مستكملة) فيه حاجات كتير أوي واقفه في طريقي ولازم أبعد عنها، مقدرش أكمل بالشكل ده.

أشفقت "ليلى" على حال صديقتها، ففي حياتها شقاء، وزواجها شقاء، وحبها شقاء، فكم تمنت أن تفوز بأي فرحة تنسيها شقائها الذى يتبعها في حياتها منذ طفولتها وكانت تتوقع أن تجده بعد زواجها، لكن كم من الظنون لا تقترب حتى من الواقع.

أشارت لها "ليلى" بحركة رأسها المائلة:
- تعالي بقى إدخلي إرتاحي، وأنا كمان أنام لأني هلكت طول اليوم في المستشفى وبكره نقعد نتكلم في كل حاجه.

حملت "زهرة" حقيبتها لترافق "ليلى" لغرفتها لقضاء الليلة ببيتها، هذا البيت الذي سيضمها حتى تجد ملاذ آخر دون أن تثقل على صديقتها.

تضاربت الأفكار برأسها طيلة الليل تحدث "زهرة" نفسها:
- (أنا عملت الصح، مكانش ينفع أبقى موجوده وهو كمان موجود، كل ده غلط وحرام، أنا لازم أتطلق من "أنور"، لازم، سواء كان فيه حاجه جوايا لـ"محمود" أو لأ، وجودي مع "أنور" أكبر غلط، واللي أنا عملته هو أكتر قرار صح في حياتي، حتى لو حموت من الجوع، بس كله إلا البهدلة وإني أقع في خطيئة لا يمكن ربنا يغفرها لي (ثم رفعت عينيها بدعاء لله) يا رب إنت الكريم تبعدني عن كل الشبهات وتفرجها عليا وتجبر بخاطري يا رب).
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

ليست كل الأصوات مستحبة، ولا كل الكلمات تنطق بالود، بل هناك ما يُقال يهدم ولا يبني، يقطع الأواصر وتتسع به الفجوات، فبعض الصمت إحسان، إما لنفسك أو لسواك، لعل الصدى المتجمد بحلقك ينجيك يومًا.
رشا روميه 

بيت عائلة مكاوي (شقة محمود وجميلة)...
بصباح هذا اليوم، أسرعت "جميلة" بالمغادرة كالعادة ليتصنع "محمود" النوم تجنبًا لحديث يمكن أن يجرى بينهم، ليس ضعفًا منه، بل لأن قلبه ممتلئ بالضيق مما حدث، يحمل بداخله صرخات مكتومة يمنعها من الخروج ولا يحتمل حديث مستفز جديد من "جميلة" قد لا يتحمله ويفرغ بها كل الغضب الذي يحمله بداخله.

يتقبل ويمرر ويتغاضى حتى تمر الأيام بلا أزمات، يتصنع حياة هادئة ليست موجودة، بل إن جزء ما بداخله لا يهتم بـ"جميلة" مطلقًا، إنه يعترف بذلك، لا ود ولا شغف ولا محبة، بل إن الفجوة بينهما أعمق بكثير مما قد يظنه البعض، هو لا يريدها بحياته، لا يوجد قربها على الإطلاق، لا يود مناقشتها ولا حتى عتابها ومعاقبتها، إنها غريبة ولا يهم كونها كذلك.
بقلم رشا روميه 

لكن ما آلمه حقًا هو ما ليست من حقه، بل يعجز حتى عن التفكير بها، فيجب أن يلزم نفسه بهذا البُعد فإنها تصرفت بما يتوجب عليه، لكن ضيقه وقلبه المختنق ليس بيده ليشير له بهذه للمحبة وهذه للتجنب.

تحرك "محمود" بآلية مغادرًا دون المرور بوالديه في صمت لشعوره بفقدان طاقته المزيفة وظهوره بمظهر اللا مبالي الرزين، مجبرًا نفسه على التخطى وترك الأمر بيد الله وقدره.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

الطرق المتوازية لا تتقابل مطلقًا، يمنعها القدر من التلاقي إلا إن أراد الله أن يقلبها كيفما أراد ووقتما أراد.

شقة زاهر مكاوي...
بإنهاك شديد جلست "فردوس" تمسد ساقيها المتعبتان بألم وتذمر:
- تعبت يا "أبو محمود"، البنات هدوا حيلي، هو أنا يا ربي مكتوب عليا الدوخه دي كل يوم كده، وأمهم ولا سأله، مش عارفه إيه غايتها "جميلة" في البهدله دي، وهي عارفه إني مش حمل مراعية بنات صغيره!!! طيب على الأقل لما "زهرة" كانت هنا كانت بتشيل الحمل معايا، لكن خلاص راحت لأبوها ومعدتش معانا، لازمته إيه ترميهم كده!!!

إستراح "زاهر" فوق المقعد وقد ظهرت علامات الإستياء أخيرًا على ملامحه، فيكفيه ما يخفيه عنهم من ضيق من إصرار "جميلة" على تنفيذ ما تفكر به:
- والله يا "فردوس" لولا أخويا "مصطفى" الله يرحمه كان موصيني عليها كان يبقى ليا كلام تاني، بس أعمل إيه، حِمل وإتربط في رقبتي.

مصمصت "فردوس" شفتيها بتحسر معقبة:
- وحِمل إبنك من بعدك، ما هو عشان ترضي أخوك جوزته "جميلة" وهو مبيحبهاش، ومكنش عايز يتجوزها!! ياما قالك إنه مش عايزها، وإنت إللي غصبت عليه، وهو راضي وساكت، أنا حاسه بيه وبإللي جواه، ويا حبة عيني مبينطقش، كله عشان خاطرك، من يوم ما زعلت منه وتعبت لما إتعصب عليها زمان، وهو كاتم في قلبه عشان يراضيك وميزعلكش تاني ويتعبك.

كشفت الغشاوة وظهرت حقيقة الكلمات دون تجميل أو إخفاء، ليكمل "زاهر" يلوم نفسه قبل الظروف:
- والله أنا قلت لما تتجوز حتتغير، كانت بنت صغيره وقولت حتتعلم وتفكيرها يكبر، أنا عارف إني ظلمته، بس قوليلي أعمل إيه، وهو خلاص عنده بنتين، يعني نهد بيته؟!!

- خلاص بقى مفيش منه فايده الكلام ده إللي حصل حصل، بس البنات دول محتاجين رعايه، وهي طول الوقت بره ولا هاممها جوزها ولا ولادها.

بذكاء تاجر محنك يدرك بواطن الأمور، أردف "زاهر":
- هي فاكره انها عشان خلاص مش حتقدر تجيب الولد يبقى مش حتورث فيا، فبتاخد حقها من دلوقتِ، أنا ممكن أوقف لها مشروعها ده، بس هي بقت صعبه وعنديه، وممكن تزود المشاكل ولا تاخد البنات وتمشي تروح لأمها، ما إنتِ عارفه.

- أعوذ بالله، ربنا يديك الصحه يا أخويا.

كما لو أنه قد كُتب عليهم ألا يسعد أبنائهم، ينصاعون لقدر دون فرحة أو سعادة، الكثيرون يظنون أن لا سعادة تقارن بسعادتهم ومعيشتهم الهانئة، لا يدركون أن البسمة قد إختفت من الوجوه منذ زمن بعيد.

دق هاتف "زاهر" يقطع حديثهم ليقف "زاهر" ليخرجه من جيب بنطاله وهو يتطلع لبعض الوقت بشاشته، عقد ملامحه بإستغراب:
- ده رقم غريب.

رفعت "فردوس" عينيها بفضول نحو شاشة الهاتف تتابع رد "زاهر" بإهتمام:
- السلام عليكم، أيوه أنا "الحاج زاهر" مين معايا، إيه!!!!! لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولاقـ.......

أسقط "زاهر" الهاتف من يده التي إرتخت فجأة وسط متابعة "فردوس" له بدون فهم، ليسقط بعدها مغشيًا عليه مصدرًا صوت إرتطام قوي لجسده الثقيل بالأرض.

سقوطه المفاجئ أفزع "فردوس" بشدة لتهوى جاثية إلى جواره غير عابئة بالهاتف ومن يتحدث به لتهتف بفزع:
- إسم الله عليك يا أخويا، يالهوي، إلحقونــــــــي، حد يلحقنــــــي، إلحقوني يا نــــااااس.

إنتبهت "فردوس" بأن البيت خالٍ ولن يسمعها ولن ينجدها أحد، أمسكت بهاتف زوجها الراقد بلا حراك لتنهي تلك المكالمة المعلقة لتتصل على الفور بولدها "محمود" للإستنجاد به.

إهتزت نبرتها بتخوف وقد تعلقت عيناها برفيق دربها الساكن بشكل مريب وهي تتحدث لـ"محمود":
- أيوه، إنت فين يا "محمود"؟ إلحقني، أبوك وقع من طوله مره واحده، ومش عارفه أعمل له إيه، ومفيش حد هنا!!

إنتفض "محمود" بفزع ليتحرك على الفور مستكملًا حديثه مع والدته وهو يتجه نحو السيارة دون تفكير:
- إيه؟!! إزاي ده حصل؟! أنا جاي أهو، مسافة السكه بس يا أمي، مش حتأخر.

قاد "محمود" سيارته بسرعة متجهًا نحو البيت بينما حاولت "فردوس" حث "زاهر" على الإستفاقة بشتي الطرق لحين عودة ولدها ومساعدتها.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

بداخل القلوب لكل شخص مكانه الخاص، تمامًا كبصمات الأصابع لا تتطابق مع غيرها، فإن زاد الضجيج فلا يملأ فراغك سواك، وقد ملأت قلبي ببصمة كفيك معًا.
رشا روميه 

المستشفى الأهلية...
بعد إنتصاف اليوم وإنتهاء ساعات المناوبة المحددة لـ"سامح" بمستشفى الهلال، أسرع نحو مكانه المحبب لرؤية مبهجة الروح، مجرد ساعات مضت على لقائها بالأمس، إلا أنه يشعر بغيابه الطويل عنها.

كم للوعة هذا الإشتياق من التأثير بالقلوب، كل خطوة يخطوها قُربًا من المستشفى تجعله يشعر بالحياة، كما لو أن رئتيه لا تتنفس الهواء إلا هنا، حتى دقات قلبه المتسارعة بدأت بعملها، شعور يملؤه بإحساس الحياة والسعادة معًا.
بقلم رشا روميه 

لقد أصبحت رؤيته لـ"فرح" مكافأة بعد يوم حافل ومرهق، لم تكن "فرح" بأقل منه لهفة لهذا اللقاء المتكرر يومًا بعد يوم، فقد جلست بضيق وتجهم على غير عادتها لتسأل الممرضة للمرة العاشرة بتلك الدقائق الأخيرة فقط بإحباط شديد:
- إنتِ قولتي لي الساعه كام دلوقتِ؟

إمتعض وجه الممرضة المتابعة لحالتها لتجيبها بتعجب:
- مالك النهارده يا "فرح"، دي عاشر مره تسأليني فيها عن الساعه؟!

مطت شفتيها بشكل طفولي متذمرة من هذا الإنتظار الطويل:
- مش عارفه، حاسه إن الجو ممل والوقت مش راضي يعدى كده، صح؟!

زمت الممرضة شفتيها وهي مازالت متعجبة من قلق وتملل تلك الفتاة المرحة، فقد تلاشت ضحكاتها ومزاحها اليوم، لتعقب بإستغراب:
- ما أنا قولت لك أشغل لك التليفزيون تتسلي شويه مرضيتيش!!

سخرت "فرح" رغمًا عنها من حالها ومن عرض الممرضة لها بمشاهدة التلفاز، لتعقص أنفها يتهكم ساخر:
- ده على أساس اني مفتحه و حشوف التليفزيون يعني!!!

إنتبهت الممرضة متأخرًا لما تفوهت به، لتتلجم بحرج بالغ فهي لم تقصد ذلك مطلقًا، فيا ليتها إلتزمت الصمت وتجمدت كلماتها قبل أن تقترح هذا الإقتراح الغبي:
- والله ما أقصد معلش، اااا....

حتى وإن لم تراها فقد شعرت "فرح" بحرج تلك الفتاة لتردف ببساطة وضحكة لطيفة مميزة:
- خلاص يا بنتي متزعليش نفسك كده، عادي يعني متبقيش حساسه من كلمتين، يلا إخبطيني بالقطره بتاعتك أحسن إتأخرتي معايا أوي النهارده.

إبتسمت الممرضة لتضع قطرات المحلول بعيون "فرح" قبل مغادرتها، إنتهى علاجها وبقيت وحدها بالغرفة مرة أخرى، ومازالت تحسب الدقائق التي تمر حتى دق الباب.

تلك الصدقات التي أصبحت تحفظ ترتيبها عن ظهر قلب، البعض يراها متشابهة بينما هي تدرك تمامًا أن لتلك الطرقات ترتيب مميز للغاية، دقات تعلن قدوم "سامح" المتأخر عن موعده.

إتسعت إبتسامتها المبتهجة لتردف بهمس:
- هو، أكيد ده هو، إتأخر أوي النهارده، كنت فاكره إنه زهق ومش حيجي زي ما وعدني، بس جه.

لحظات من التلهف إنتهت بصوته العذب يقطع الصمت من حولها ويتناغم صداه يحف أذنيها بأنغام طرب تريح فؤادها المتشبث بطيفه دون أن تشعر، إخترق صوته الدافئ إحساسها قائلًا:
- السلام عليكم، أخبار مريضتنا النهارده إيه؟

- الحمد لله، إتفضل، إنت واقف بعيد ليه؟!!

إقترب "سامح" ليجلس فوق المقعد ومازالت عيناه تتبعان "فرح"، ليتنحنح أولًا بخجل:
- إحم، أخبارك إيه النهارده؟

- تمام أوي أوي، إتأخرت أوي النهارده!!

لملم شفتيه يخفي حماسه وسعادته بسؤالها ليجيبها بإيضاح وتلقائية كما هو معتاد:
- أصل النهارده كان عندنا في المستشفى التحقيق إللي قولت لك عليه.

إنتبهت "فرح" لتتسائل بفضول، وربما تملأ فراغ حياتها بقصص مشتركة تستمع إليها معه:
- أيوه أيوه، إحكي لي بقى بالتفصيل الممرضه دي عملت إيه وليه؟

إنطلقت عقدة لسانه وإنفرجت أحاديثه وخرج عن صدى صوته المتجمد يخترق كل الحواجز ويتحدث بأريحية يخبرها عما حدث بالتفصيل وما فعل لإبلاغ المستشفى بما فعلته "مروة" وسط إهتمام بالغ من "فرح" وتجاوب متحمس لكل كلمة ينطق بها.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

بيت عائلة مكاوي..
طويت الأرض أسفل قدميه وهو يركض مسرعًا للحاق بوالده، دقائق قليلة تفصله عن الوصول لشقة والديه.

صعد "محمود" الدرج بعجالة ليجد والده مازال ملقى أرضًا غائبًا عن الوعي ووالدته تجلس إلى جواره تحاول إفاقته بوجه شاحب وجسد مرتجف.

هتف بتخوف وهو يدنو من والده:
- بابا!!!

ثم جثى فوق ركبتيه يرفع رأس والده بشكل أفقي مربتًا برفق فوق وجنته بينما أدنت "فردوس" زجاجة العطر التي أحضرتها قائلة بتخوف:
- من ساعة ما كلمتك وهو مغمى عليه!!!!

تعجب "محمود" مما أصاب والده بشكل مفاجئ، فتلك الحالة أصابته من قبل حينما يرتفع ضغط دمه حين يغضب أو ينفعل:
- إيه إللي حصل يا أمي؟! ما هو كان كويس؟!

- مش عارفه يا إبني، فيه حد كلمه في التليفون، راح في ساعتها أغمى عليه!!

- شكل ضغطه علىّ تاني.

مع محاولاتهم المتكررة بدأ "زاهر" بالإستفاقة وهو يفتح عيناه المثقلتان بصعوبة، لم يكن مدرك لبعض الوقت ماذا حدث وأين هو، حتى إنتبه لتلك الوجوه المحملقة به ليميز ملامح زوجته وولده اللذان كاد القلق يقتلهما، تنفست "فردوس" براحة حين رأته بدأ يستجيب لهما:
- الحمد لله، حمد الله على سلامتك.

زفر "محمود" ببعض الراحة لرؤية والده بخير ليتسائل رغم ذلك:
- خضتنا عليك أوي يا حاج، إيه إللي حصل فجأة كده وتعبك؟!!

تهدلت ملامح "زاهر" بحزن عميق وهو يستجمع حروف الكلمة بحلقه الجاف ليخرجها بقهر من بين شفتيه:
- "أنور"!!!

حرك "محمود" رأسه بعدم فهم:
- ماله "أنور"، هو إللي إتصل بيك وزعلك كده ولا إيه؟!

حول بصره تجاه "فردوس" بقلق مما سيتفوه به ليطلقها أخيرًا من بين شفتيه، هذا الصوت الذي أبى أن يخرج صداه وتجمد بداخله منذ علم به، لكن عليه النطق بها وإن آلمه مقصده:
- واحد كلمني وقالي إن "أنور" ااا، إن "أنور"، "أنور" مات!!!

تحررت كلماته وصداها المتجمد ليجهش بعدها بالبكاء، حتى وإن كان أسوء من خُلق إلا أنه يظل إبنهم الصغير، مدللهم الذين تمنوا له الخير والصلاح، أرهقهم، أتعبهم، لكنه ولدهم وحزنهم عليه فطرة بالقلوب.
بقلم رشا روميه 

كلمات وقع صداها جعلت "فردوس" تصارخ بقوة دون تحمل لفقدها ولدها:
- إبنــــــــــــي، "أنــــــــــــور"!!! اااه يا إبني، "أنور" مات، يا حبيبي يا إبني.

أرخي "محمود" جسده ليجلس بالأرض إلى جوار والده وقد فغر فاه بصدمه من فاجعة خبر موت أخيه، فمع كل مساوئه وتصرفاته الراعنة إلا أنه أخيه بالنهاية ولا يمكنه إنكار ذلك.

صوت بالكاد خرج من حنجرته المتيبسة بصوت خفيض موجع:
- مات، "أنور" أخويا مات!!!! مات إزاي؟!

إعتدل "زاهر" ومازال يشعر بأنه بحلم ما وأن ما حدث ما هو إلا خيال لا يمت للواقع لكنه أجاب ولده بما سمعه من مُحدثه منذ قليل:
- إللي كلمني بيقولي أخد جرعه زياده من الهباب إللي بيتعاطاه ده، راح فيها.

ضربت "فردوس" فخذيها بتحسر:
- قتل نفسه بنفسه، يا عيني عليك يا إبني، اااااه يااا إبني.

إهتزت نبرة "زاهر" معقبًا بصبر على البلاء:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله و إنا إليه راجعون.

بدأ "محمود" يفكر بعملية فإنهيار ثلاثتهم لن يجدي نفعًا، فعلى أحدهم التحرك والإمساك بزمام الأمور وإتخاذ الإجراءات اللازمة لإكرام أخيه، أردف بهدوء حزين:
- هو فين دلوقتِ يا حاج؟

- عند واحد إسمه "عمار"، إللي هو كلمني ده.

سحب "محمود" هاتف والده للإتصال برقم هذا الرجل قائلًا:
- أنا حكلمه وأروح أجيبه عشان ندفنه.

وإن لم يتمنى ذلك إلا أن هذا ما يجب أن يحدث ليومئ "زاهر" بالإيجاب:
- أيوه، أيوه.

علت شهقات تلك الأم المكلومة غير مصدقة لخسارتها:
- عيني على شبابك يا "أنور"، أه يا قلبي، ربنا يغفر لك ويسامحك يا إبني، يا ريتنا ما سبناك لنفسك، يا ريتنا دخلناك المصحه زي ما "محمود" كان عاوز.

إستند "زاهر" لينهض برفق وهو يمد يده تجاه زوجته يساعدها على النهوض من جلستها تلك:
- مفيش فايده خلاص من الكلام ده، قومي يلا وإنت يا "محمود"، قوم روح هات أخوك وظبط إجراءات الدفن والغُسل، لا حول ولا قوة إلا بالله.

ترك "محمود" والديه ليغادر نحو عنوان رفيق "أنور" لإحضار جثمانه وتجهيز تصريح الدفن، بينما إتصلت "فردوس" أولًا بـ"جميلة" لإبلاغها، ثم دقت بـ"زهرة" لإبلاغها بهذا الخبر المشؤوم.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

ولو علمت مراد الله وحكمته حين تطيع لأغمضت عينيك وإنصعت لمشيئته دون تفكير، فقط أراد إشارة منك بأن تخطو خطوة تجاه الصواب، فقد يكون بُعدك عن الخطيئة هو إشارة لفك كربك.
رشا روميه 

بيت ليلى الحناوي...
بغياب "ليلى" أثناء مناوبتها بالمستشفى جلست "زهرة" تعيد برأسها مشاهد لا يمكنها نسيانها منذ زواجها من "أنور"، كيف إرتضت بهذا الزواج هربًا من جحيم حياتها ببيت والدها، أُجبرت على هذا الزواج بحلم الهروب لحياة أفضل، يومًا بعد يوم رأت زوج مغيب مدمن يبغضها، لم تلقى منه سوى إهانة ودونية وضرب وأخيرًا خسة وحقارة، تمنت مجرد بيت دافئ وزوج حنون، لم تتطلب غنى وثروة، لم تتطلع لما لا يمكنها الوصول إليه، كانت سترضى به إن نطق مجرد كلمة حانية أو نظرة عطوفة، لكن القدر أبى أن يرزقها بذلك لتقع بمستنقع خطيئة إن بقيت بهذا البيت، ورغم أنها وجدت به أم حنون وأب عطوف، إلا أنها ضحت بكل ذلك لترضي الله ليرضى عنها.

فحتى وإن مال قلبها بهوى مُحرم إلا أنها تخلت عنه لوجه الله، فلن تخطئ ولن تعود لمجرد شبهة ببقائها، فما يريده قلبها يستحيل أن يجمعها به القدر.
بقلم رشا روميه 

فرت دمعة هاربة لتلتقطها بأصابعها على الفور قائلة لنفسها:
- أنا عملت الصح، لا يمكن أتراجع، وإللي ربنا كاتبه هو إللي حيكون (ثم تضرعت بالدعاء بقلب صافٍ لله) يا رب، إرحم ضعفي وقلة حيلتي، وجهني لطريق الصواب، خفف ألمي وإرحمني برحمتك، يا رب أجبر قلبي يا جبار يا رحيم.

فور أن أنهت دعائها دق هاتفها قاطعًا الصمت من حولها، نظرت لهذا الإسم الذي إشتاقت لصاحبته "ماما فردوس"، أجابت بتلهف لسماع صوتها الحنون:
- إزيك يا ماما، عامله إيه؟

بصوت متحشرج ونبرة متقطعة أجابتها "فردوس" بحزن مرتجف:
- إلحقيني يا "زهرة"، "أنور" خلاص، راح مني، "أنور" مات يا "زهرة"، مــــــــــات.

فغرت "زهرة" فاها وهي تجلس بحركة بطيئة لا تصدق ما تسمعه أذنيها، ذهول غريب أصابها ليس حزنًا لفراقه، فقد خلف بمشاعرها فراغ غريب، تجمد بحلقها صوتها وصداه، وقعت بين ذهول ورفض وقبول بشكل محير، جزء منها سعيد لخلاصها وجزء آخر مهيب لفقدان نفس كان بينها وبينه عشرة ولو بغيضة، هوت جالسة لا تدرك حقيقة مشاعرها التي تشعر بها الآن لكن بداخلها رجفة وصدمة.

زاد عليهما تحسر لفقدان شاب بمقتبل عمره حياته بسبب إدمانه لهذا المخدر دون وعي أن هذا المخدر يسلبه روحه وحياته سواء على قيد الحياة أو مسببًا بهلاكه، بداخل حزن بالتأكيد على روح زهقت وعادت إلى بارئها.

همست بصدمة:
- مات!!!

لم تميز الكثير من كلمات تلك الأم المكلومة لتومئ بآلية فعليها الذهاب الآن لبيت العائلة لحضور الجنازة والعزاء فهذا واجب لن تتملص منه.

حملت حقيبتها الصغيرة بعد أن بلغت "ليلى" بما حدث لتعود للبيت الذي غادرته منذ ساعات، فبعد أن إتخذت طريق الصواب وبعدها عن الشبهات، أعادها الله بخلاص لم تكن تتخيل حدوثه.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

المستشفى الأهلية...
تعجب وإندهاش من تلك الممرضة التي أخبرها عنها "سامح" منذ قليل، فكيف يمكن لإنسان أن يؤذي متعمدًا بهذا الشكل الغير إنساني بالمرة، إمتعض وجه "فرح" قائلة:
- ياااه، أعوذ بالله، ممكن يبقى فيه كده في الدنيا، تأذيه للدرجه دي؟!! مفيش رحمه في قلبها خالص!!!

- عشان كده لازم تاخد عقابها.

بإيمائة خفيفة أكملت "فرح":
- أيوه طبعًا، عارف، أنا كمان ماما كانت شغاله ممرضه في المستشفى العام.

إتسعت عينا "سامح" بدهشة فهل تذكرت "فرح"؟
- بجد!!! إنتِ إفتكرتي حاجات أهو؟

حركت "فرح" رأسها بنفي وهي تمط شفتيها بطفولية:
- لأ لأ، دي واحده ممرضه هنا قالتلي إن مكتوب كده في بطاقة ماما، كان مكتوب إنها كانت ممرضه بالمستشفى العام سابقًا.

- ااااه.

بثقة زائفة في سمعها وإدراكها بالخطوات الذي تدربت عليه بشكل يومي وقفت "فرح" تجاه منضدة صغيرة وضع عليها علبة عصير كانت قد حضرتها لحين مجيئه، حركتها الغير محسوبة جعلتها تتخبط وتصطدم بحافة السرير الذي بدوره جعل المنضدة تهتز وتسقط العبوة أرضًا.
بقلم رشا روميه 

سقطت علبة العصير ليخترق صدى صوتها المؤلم بقلبها، فقد فشلت بأمر صغير كهذا، فكيف ستكمل حياتها المتخبطة بما هو أعقد من علبة عصير؟!

مجرد أمر صغير جعلها تجهش بالبكاء وهي تغطي وجهها بكفيها، فبعض البكاء يكون من تراكم المشاعر وليس لإنسكاب عابر لعلبة عصير، لقد جاهدت نفسها الهشة وإصابتها بالعمى ووحدتها المفروضة عليها ببعض الضحكات التي أخفت خلفها أوجاعها ونفسها المضطربة، حتى جاء هذا الأمر البسيط الذي كان بمثابة قشة كسرت ظهر البعير.

بكائها المفاجئ جعل "سامح" يحزن بشدة لرؤيتها حزينة منكسرة بهذا الشكل، دنا منها ليتقوس حاجباه بتأثر لضيقها وبكائها:
- مالك بس، إيه إللي زعلك أوي كده؟!

- مش قادره خلاص، أنا حعيش إزاي بالصوره دي؟!! ده أنا حتى مش قادره أخرج من المستشفى، دنيتي كلها واقفه،
عاجزه اني أعمل أي حاجه.

أخرجت إحساسها الصادق ليتبعها "سامح" بإسلوبه السلس الهادئ الذي يبعث إستكانة بالنفس:
- ده كلام برضه!! إنتِ حتيأسي من رحمة ربنا ولا إيه؟! وبعدين لازم نحمد ربنا إن حادثه زي دي كان ممكن لا قدر الله تتصابي بأي شكل تاني، لكن إللي إنتِ فيه مجرد عارض وحيروح إن شاء الله، ومش لازم يبقى عائق، لازم تعيشي حياتك وتتمتعي بالدنيا.

مالت فمها بتهكم ساخرة من حالها:
- أتمتع بالدنيا!!! طب ازاي؟!! حفرح وأستمتع بالدنيا إزاي وأنا عاميه، كفيفه، عاجزه اني حتى أخدم نفسي؟!!

تطلع بوجهها الذي سرقت بملامحه البريئة قلبه وبحسنها الذي أرجف دقاته ليتلعثم بكلماته محاولًا إخراجها من داخله، تلك الكلمات التي تجمدت صداها من قبل ليردف بنبرة خجولة:
- و..و، وليه لأ، إنتِ إنسانه جميله، وأي حد يتمناكِ، إحم، بجد.

إبتلعت ريقها بألم لتجيب بذات التهكم من حالها:
- ومين ده اللي يبلي نفسه ببلوه زيي؟! مين ده اللي حيحكم على نفسه يعيش ويتجوز واحده بحالتي دي؟! خلينا واقعين يا دكتور.

- والله لو الشخص ده عايز خدامه فدول كتير أوي، لكن إللي عايز إنسانه تشاركه روحه وتونس حياته ويحبها وتحبه، دي حاجه تانيه، وبعدين ممكن بلاش تشاؤم بقى، و ااا،  أكيد إن شاء الله حتلاقى البني آدم ده.

حين ذكر "سامح" بأنها يمكنها أن تقابل شخصًا ما يتقبلها بهذا الشكل، إنتبهت على الفور كما لو أن ذلك طرأ بعقلها للتو لتهتف بإندهاش:
- صحيح!! ده بيقولوا إن كان فيه شاب معانا في الحادثه، قالولى إننا مش قرايب ولا أخوات، تفتكر يكون ااااا؟!!

فكرة صادمة لم يفكر بها "سامح" من قبل، ذلك التخوف الذي مر بعقله ورفض التفكر به، فلم لم يدرك أن فتاة كـ"فرح" بالتأكيد مرتبطة بشخص ما، وربما هذا الشاب ما هو إلا خطيبها أو زوجها.

بهتت ملامحه على الفور مُحدثًا نفسه:
- (معقول يكون خطيبها أو جوزها، جوزها؟؟!!! معقول تكون متجوزه!!! ).

شب بقلبه إحساس فريد مؤلم لم يشعر به من قبل، إنها الغيرة التي تنهش بالقلوب وتخطف الروح،  غصة علقت بحلقه وهو يطالعها بأعين يملؤها الصدمة والرفض، تهدج صدره بقوة يود الصراخ لكنه أجبر صوته على التجمد بداخله، فإن كانت مرتبطة من قبل لن ينسيه ذلك دوره كطبيب، إبتلع غصته محاولًا أن يسألها بموضوعية بالغة رغم الضيق الذي حاول إخفائه بنبرة صوته:
- هو ..ااا، ممكن، يكون يعني، يكون، خطيبك أو، أو جوزك!!! أنتِ مش فاكره أي حاجه خالص عنه؟

- لا مش فاكره أي حاجه خالص، أنا نفسي بجد أعرف أي حاجه عني أو شخص ممكن يدلني عن أي معلومه عني.

لم يتحمل "سامح" تفكيره لأكثر من ذلك ليردد بضيق رغم محاولته ألا يظهر تأثره:
- أنا، ااا،  إتأخرت ولازم أمشي.

- بسرعه كده!!

- بكره، إن شاء الله آجي لك بكره.

إستأذن منها "سامح"مغادرًا غرفتها ليتجه صوب مكان واحد لعله يجد إجابه لهذا الصراع الجديد الذي إحتل قلبه وعقله معًا، إتجه لغرفة هذا الشاب بعد السؤال عن غرفته فربما يستطع معرفة ما يريح قلبه.

دلف "سامح" لغرفة الشاب يتطل نحوه بنظرات مقتضبة وأنفاس متهدجة، شاب مقبول الملامح مضمد بأربطة وجبائر، يستلقى بهدوء فوق الفراش دون حراك وقد توصلت أسلاك أجهزة المتابعة الحيوية بيديه وصدره.

لوهلة شعر بغيرة من هذا المخلوق الذي لاحول له ولا قوة، لظنه أنه ربما خطيب "فرح" أو زوجها، ليهمس بضيق نفس:
- إزاي راح عن بالي الموضوع ده، بنت زي "فرح" إستحاله تكون مش مرتبطه، أنا فعلًا مغفل!!!

تقدمت نحوه إحدى الممرضات متسائلة:
- دكتور "سامح"، حضرتك عاوز حاجه؟

-كنت عايز أعرف حالة الشاب ده إيه؟ ولو حد من أهله هنا عايز أقابلهم؟

- ده في غيبوبه من ساعة الحادثه، أهله لسه نازلين، لو كنت جيت بدري شويه كنت قابلتهم.

غادر "سامح" الغرفة وهو يمني نفسه بإنتظار الغد لمعرفة من يكون هذا الشاب ومدى إرتباطه بـ"فرح"، ولماذا كانت معه هي وأمها بالسيارة.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

بيت عائلة مكاوي...
ساعات حزينة متوالية لم يمر مثلها على بيت هذه العائلة، فبعد محاولات كادت تكون غاية بالصعوبة إستطاع "محمود" الإتيان بجثمان أخيه وإستخراج التصاريح اللازمة لدفنه، فقد توجب توقيع الكشف عليه أولًا بعد هرب رفيقه حتى لا يعاقب ولا يسأل عن إدمانهم للمخدرات، لكن بالنهاية تم ما يجب وأكرم مثواه وقد سادت أجواء حزينة ببيت عائلة مكاوي لفقدانهم شاب في ريعان شبابه هوى بمستنقع الإدمان وإنجرف خلف أصحاب السوء حتى كانت نهايته حتمية بهذا الطريق المهلك.

جلس الرجال بسرادق العزاء أمام البيت يتلقون التعازي، الكل حزين بصمت يستمعون لترتيل بعض الآيات القرآنية التي تهدئ النفس وتسكنها من هذا الحزن المنصب عليهم، تصدر "محمود" ووالده العزاء بقوةِ تحمُل لهذه الصدمة القاسية.

بينما أعلن السواد حضوره الحزين بين السيدات وسط دموع وآلام الجميع لفقدان "أنور" حياته في مقتبل عمره.

ساعات متشابهة وحزن متجدد حتى حل الليل وإنصرف الجميع ليتعاظم إحساس الحزن والفقدان بأصحاب المصاب، أغلق باب البيت وتجمع أصحابه بشقة "زاهر".

طأطأت الرؤوس وغيمت الدموع محاجر الجميع بحزن عميق، دلف "زاهر" بخطوات محطمة لداخل غرفته دون التفوه بكلمة رغم القوة الظاهرة لتحمل فقدان ولده الأصغر.

لم تكن "فردوس" أفضل حالًا من زوجها لكنها أمسكت بمرفق "زهرة" قائلة بتوسل:
- أقعدي يا "زهرة" معانا أيام العزا، مش معقول تمشي تروحي عند أبوكِ كل يوم.

نكست "زهرة" عينيها بإستجابة ومازال إستيعابها برحيل "أنور" يشوش أفكارها، فهي لم تحظى بفرصة لتخبره بأنه لم يكن لها كما أملت به، لم تحظى بفرصة القصاص منه لما فعله بها، رحل دون وداع لكن رحيله لم يكن بغريب، فقد رحل وغادر قلبها منذ أن رأت الكراهية بعينيه، رحل من كان غائب حاضر.

أشارت "فردوس" تجاه غرفة "أنور" القديمة:
- إدخلي إرتاحي في أوضة "أنور" دلوقتِ، وأنا كمان حدخل أطمن على عمك "زاهر".

بإيمائة خفيفة إنصاعت "زهرة" لطلب "فردوس" لتدلف لغرفة "أنور" القديمة وسط نظرات تشتعل كاللهيب من أعين "جميلة" التي ظنت أنها ربحت تلك المعركة وخرجت تلك المتلونة من حياتها، لتفاجئ بموت "أنور" الذي أعادها مرة أخرى لهذا البيت، لكن هذه المرة بحجة أقوى وطريق ممهد لسحب البساط من تحت قدميها، لتهمس بصوت لا يسمعه سواها:
- لأ بقى، أنا مش حخلص منك ولا إيه؟! وجودك هنا يعني نهايتي، وطالما كده يبقى نهايتك إنتِ إللي حتبقى على إيدي يا بنت "خليل زيدان"!!!!!

تعليقات