رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثاني والعشرون بقلم رشا رومية
خطوات تائهة بين كلمات منمقة وبين عهود مكتوبة، لكن ثمة لحظة فارقة تزال بها الغشاوة، كظهور الفجر قاطعًا سواد الليل، حينما تتجرد الكلمات من الأقنعة الزائفة وتُحدد المصير بوضع النقاط فوق حروفها، بتلك اللحظة التي تزداد بها الكلمات وضوحًا.
كم هي مظلومة تلك الأوراق التي يُحمَّل عليها عبء قطرات الماء التي تمحي الحبر لتخفى الحقائق، فالحياة جميعها حبر على ورق، إحداهما لا يتعدى كونه كذلك فلا أثر ولا تأثير، والأخرى هي الخرائط التي ترسم لنا طريق الأمل وشتان بين كلاهما.
فـ ورقة كالعهد تُنقش على الحجر، وورقة يختفي حبرها كما تكتب على الماء، فبيدك الإختيار بين مجرد حبر على ورق أو عهد محفوظ.
رشا روميه
❈-❈-❈ــ
دروس مجانية بتلك الحياة تعلمك وإن لم تسعى لذلك، فلا تظن أن مجرد لقاء صادف هو أمر عبثي، بل لكل لقاء مر بك لديه ما يعلمك إياه.
سامح الحداد...
ليل طويل قضاه "سامح" وهو يعبث بقلمه يدون فوق صفحة هذا الدفتر إسم (فرح) وهو يخطط بعشوائية ودون وعي بخطوط ودوائر وأسهم حول إسمها، كما لو أنه يحدد أفكاره بتلك الخطوط الغير منتظمة من الحبر.
يهيم بعدة أفكار ثم يعود لينظر ما صنعته يده من مخطوطة الحبر الذي يحيط بإسم "فرح" يريد لو يجد إجابه لتلك التساؤلات التي إقتحمت تفكيره منذ أن إنتبه لوجود هذا الشاب، وضع دائرة أخرى مدونًا بها إسم الشاب "أحمد" محاولًا رسم خط متصل بين إسمه وإسم "فرح"، خط واصل يتمنى لو كان مجرد حبر على ورق، لكن ليس لديه أي معرفة بتلك الصلة بينهم، ومجبر على إنتظار إنقضاء ساعات الليل ليعود للمستشفى ومقابلة أهل هذا الشاب ليقطع شكه باليقين.
بقلم رشا روميه
وما أن مرت الساعات وأشرقت شمس صباح جديد كان "سامح" يسارع بالتوجه للمستشفى الأهلية لمقابلة والدي الشاب فهو لا يريد خسارة إحساسه بالحياة والعفوية برفقة "فرح"، لا يريد التخلي عن أمل جعله يشعر بأن الحياة قيمة وسعادة بوجودها.
وجهة معلومة أخذت خطواته نحوها ليقف أمام باب الغرفة وهو يلاحظ رجل وإمرأة على وشك الدخول، لم يكن الأمر يحتاج لفراسة لمعرفة أنهما والدي هذا الشاب فيكفي ملامح الحزن التي تغطي وجوههم لإدراك ذلك.
تقدم "سامح" نحوهم بخطوات رزينة، فرغم تلهفه لمعرفة الحقيقة إلا أنه تعامل مع الأمر بحنكة وذكاء دون إظهار أن تساؤله لغرض شخصي بداخل نفسه.
أومأ "سامح" تجاههم بخفة ليبدأ حديثه معهم:
- السلام عليكم، أنا الدكتور "سامح"، كنت جاي أطمن على حالة إبنكم، هو حالته إيه بالضبط؟
بنبرة محبطة حزينة أجابه الرجل:
- والله يا دكتور، إحنا من ساعة ما سمعنا بالخبر وإحنا مش عارفين إمتى حيقدر يفوق للدنيا تاني!!
بالتأكيد له قلب نقي إستثنائي، فإن كان يتمنى أن تكون "فرح" غير مرتبطة بهذا الشاب؛ إلا أنه لا يتمنى له الأذى بل لا يمكن أن يتخيل الأذى لأي شخص مهما كانت أعماله وأخطائه ونوايا من حوله، لهذا أجاب بقلب صافٍ:
- بإذن الله ربنا يقومهولكم بالسلامه، هو ساكن معاكم ولا في السويس؟
- "أحمد" إبني طالب في جامعة السويس وعايش هناك، بس كان نازل اجازه.
زاغت عينا "سامح" وهو يحاول السؤال بذكاء:
- إن شاء الله يقوم بالسلامه هو و، وخطيبته على ما أظن؟!
إندهش الرجل بشدة حين ذكر "سامح" كلمة خطيبته:
- خطيبته!!!! بس "أحمد" مش خاطب.
لوهلة لو كان الرجل ينتبه لملامح "سامح" التي إبتهجت بتلك اللحظة لكان رد فعله سيصبح قاسيًا، لكن "سامح" تدارك نفسه على الفور متحليًا بضبط نفسه لكنه أكمل تساؤله بطريقته اللطيفة:
- بجد!! أصل كان معاه في العربيه وقت الحادثه واحده ست وبنتها.
قوس الرجل شفته السفلية بعدم معرفة لهوياتهم مجيبًا الطبيب بنوع من التلقائية وعدم التركيز بمغزى تلك الأسئلة:
- لا، البنت مش خطيبته ولا نعرف هم مين، يمكن ركبوا معاه من السكه ولا حاجه، أصل إبني قلبه طيب وبيحب يساعد الناس كلها.
حرك "سامح" رأسه بالتفهم بينما كان قلبه يتراقص من فرط سعادته، فيبدو أن "فرح" لا يربطها أي صلة بهذا الشاب، وهو ما كان يود الوصول إليه، عقب بالنهاية قبل تركهم:
- بإذن الله يقوم بالسلامه، بعد إذنكم.
شكوكه كانت مجرد حبر على ورق، فلم يكن لها أي جانب من الصحة، مجرد خرابيش لا تدنو من الحقيقة والواقع، بل هي مجرد أوهام ظنها لا أكثر.
بقلم رشا روميه
إنطلق بخطواته السريعة تساوي دقات قلبه المبتهجة نحو تلك الغرفة التي تضم شمس حياته القادمة، دق فوق الباب بطرقته المميزة ليجعل "فرح" تستدير بتفاجئ وهي تستمع للدالف بإبتسامة عريضة لإدراكها صاحب الدقات:
- إتفضل.
حماسه لمعرفته بأنها غير مرتبطة بهذا الشاب جعله يخبرها مباشرة حتى أنه نسي تمامًا أن يلقي السلام عند دخوله:
- إنتِ مش مخطوبه للشاب ده.
إنتبهت "فرح" بشدة لتسأله بفضول:
- قول والله!!! طيب عرفت إزاي؟
- قابلت أهله وهم إللي قالوا لي.
ضمت شفتيها بفطنة حين أدركت أنه قد أتي خصيصًا للبحث بهذا الموضوع، لكن شقاوتها التي لا تنتهي جعلتها تسأله بمكر:
- ده بقى إللي جابك بدري أوي كده؟!
كالهائم يتجول ببحور الأحلام دون أن يدري كيف يتصرف ويتكلم ثم أفاق فجأة على واقع إندهش وتفاجئ من نفسه، هل هو نفس الشخص الخجول الذي يخشى إظهار إهتمامه وأفكاره؟! لقد بحث وإنفعل وأظهر إهتمامه وشغفه وحماسه بما توصل إليه، لقد أصبح تصرفه ظاهرًا بشكل واضح أمامها، أمر جعله يشعر بالخجل فهو لم يصبر حتى المساء بموعدهم المعتاد ليخبرها.
تلعثمت كلماته الخجولة:
- إحم، أيوه، قولت يعني ااا، أطمنك.
حركت "فرح" رأسها وهي تميل به جهة اليمين بحركة شقية تظهر كشفها له لتجيب بكلمات ماكرة:
- شكرًا، عشان إنت يهمك إنك، تطمني.
إزدادت حمرة وجنتيه بخجل وقد أصابه إضطراب له لذة من نوع خاص جعلته يبتسم بقوة، تلك المشاعر التي يشعر بها ليست مزيفة على الإطلاق، ليست مجرد حبر على ورق، بل هي حقيقية بشكل لا يمكنه تخيله.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
ليس كل من مر عبر، فهناك من يتركون آثارهم وندوبهم في نفوسنا، تلك الندوب التي لم نتعافى منها بعد، وربما ستترك آثارها لوقت طويل.
رشا روميه
لم يمر يومًا واحدًا بل تلاحقت الأيام واحد يلو الآخر، إنتهت أيام العزاء وأُغلق الباب على أصحاب البيت يضمدون جراحهم وحدهم، يجففون دموع حزنهم على فقيدهم دون مشاركة، فلكل دنيا دار بداخل رحاياها وعليهم ذلك.
بيت عائلة مكاوي...
تجمع الجميع بهذا الصباح بشقة "زاهر" كالمعتاد، وضعت أطباق الطعام الذي لا يشتهيه أحدهم فوق الطاولة ويغلف الصمت الأجواء من حولهم.
نعم الجميع يجلس، لكن بداخل رؤوسهم الكثير من الحديث الصامت، عيون باهتة وقلوب حزينة وألسنة صامتة، قطع الصمت صوت "زاهر" الرخيم:
- مش حتفتح المحلات يا إبني، بقالنا ثلاث أيام قافلين؟ ده رزق ناس مش عايزين نقطعه.
ضئيلة هي الدنيا أمام مصابنا، فبين لحظة وأخرى تتبدل الأحاسيس بقلوبنا، بالتأكيد كان "محمود" يشعر بالضيق من تصرفات أخيه وأخطائه، لكن فقدانه مؤلم، يكسر القلب والنفس، فخلال تلك الأيام الماضية عبر "محمود" بإهتزاز نفسي رغم قوته وصلابته، فمن فقده عزيز حقًا، نعم كان يود إصلاحه، قسي عليه لكن ليس غلظة منه، بل محاولة لحثه للطريق القويم.
تنهد "محمود" بحزن قبل أن يجيب والده:
- بكره يا حاج، إن شاء الله نفتح بكره حاضر.
- بإذن الله.
فَقدنا وعلينا إستكمال دوائرها، فهي لا تقف بسريانها، يُعلَّق الحزن بالقلب وتُستكمل الحياة بكامل وتيرتها، تلك سنة الحياة وعلينا تَقبُلها.
رشا روميه
بضع كلمات بسيطة بينهم ثم عاد الصمت لموضعه مرة أخرى، لكن هناك من يتربص بإنتظار تلك اللحظة، لحظة إعلان عودة الحياة كما كانت، تحفزت "جميلة" لحديثها فقد إنتظرت طيلة ثلاثة أيام حتى إنقضاء العزاء، وعلى كل الأوضاع المقلوبة أن تُعدل، هتفت بكلماتها الحادة وإسلوبها الجاف تسأل "زهرة" بصيغة آمرة تدفعها لما تريده هي:
- وإنتِ يا "زهرة"، أظن إنك حتروحي النهارده مش كده؟
تفاجئت "زهرة" بتساؤل "جميلة" الذي يشبه طردها من البيت، لتجيبها برضوخ فما عاد لها مكان بهذا البيت بعد الآن، وهي بالفعل كان تنوي الرحيل، لتجيبها بإرتباك لطريقتها الجافة:
- أيوه يا "جميلة"، أنا حــ.....
منذ وفاة "أنور" كانت "فردوس" بالكاد تتحدث، فغياب ولدها وفقدانه هشم قلبها الحزين، ورغم مُصابها إلا أنها إنفعلت بشدة لما أثارته "جميلة" للتو، لتهتف بحدة وإنفعال بغير طبعها الحنون الهادئ تقطع رد "زهرة" على "جميلة":
- تمشي تروح فين يا "جميلة"؟!!!!! "زهرة" لازم تقعد هنا تقضي عِدتها الأول!!!
صُعقت "جميلة" من رد "فردوس" وإصرارها على بقاء "زهرة" بالبيت بعد وفاة "أنور" لتهتف بغضب تخرج غيظها وإحتقانها من بقائها هنا بدون داعي:
- إزاي ده!!! "زهرة" خلاص معادش ليها مكان في البيت، جوزها وخلاص مات، يبقى لازم ترجع بيت أبوها و تقضي عدتها هناك.
تخلت "فردوس" عن حِلمها ولينها، وقفت بحزم تنهي الأمر بإصرار شديد:
- أنا قولت حتقعد تقضي عدتها هنا يا "جميلة"، في بيت جوزها، و الوحيد إللي له يقول مين إللي يقعد ومين إللي يمشي هو صاحب البيت ده، مش إنتِ يا "جميلة" (ثم إلتفت نحو زوجها تحثه على تأكيد حديثها) ولا إيه يا حاج؟!
وما كان رأي "زاهر" يختلف عن رأي زوجته، فيكفيه خسارته لولده ولن يخسر زوجته أيضًا ليردف بضيق حازم:
- أكيد يا "أم محمود"، وهي دي عايزه كلام(ثم وجه حديثه نحو "زهرة" المندهشة) ده بيتك يا "زهرة" يا بنتي، إقعدي براحتك ولا حد فينا يقدر يطلعك منه، وتقضي عدتك في بيتك.
أزمة أخرى كانت هي السبب بها، ألن تكتفي بكونها سببًا لكل المشكلات بهذا البيت؟! إحساس بالضيق والإختناق أصابها وهي تجيب والد زوجها:
- إللي تشوفوه حاضر، بعد إذنكم أنا داخله الأوضه شويه.
تركتهم لتدلف لغرفة "أنور" القديمة لتبتعد عن تلك الأجواء المتوترة، وربما هاربة مما ظنت أنها سبب به، لكن "جميلة" لم تستطع تحمل رفض الجميع لرحيل "زهرة"، وإصرارهم على بقاء غريمتها بالبيت دون سبب مُقنع لذلك، لتتحرك بعصبية تاركة إياهم لتصعد إلى شقتها وقد تملكها الغضب من ذلك.
تعامل "محمود" مع الأمر كافة بصمت، كما لو كان لا يهتم أو تاركًا لوالديه التصرف بما هو واجب ومُلزم ببقاء "زهرة" بالبيت، فقد فضل أن يتعاملا والديه فلا داعي لأن يكون هو سبب هذا التوتر حتى يتجنب الخطأ.
تركهم "زاهر" بعد ذلك ليصلي الضحى بينما تطلعت "فردوس" نحو "محمود" تبرر له إصرارها على بقاء "زهرة" بالبيت:
- "زهرة" كان لازم تقعد يا "محمود"، لازم تقضي عدتها هنا، حتى مع إللي عملته "جميلة"، بس كان لازم "زهرة" تقعد.
بحديثها الغير مفهوم إستطاعت "فردوس" إخراج "محمود" عن صمته ليضيق جبهته بدون فهم متسائلًا طالبًا إيضاح لذلك:
- عملته "جميلة"!!! عملت إيه؟ أنا مش فاهم حاجه وضحي يا أمي، هي إيه الحكايه؟!
تناست "فردوس" تمامًا أن "محمود" لم يعلم بما فعلته "جميلة" مع "زهرة" لهذا هي على يقين بأن "زهرة" لا يجب عليها البقاء هنا:
- هو إنت متعرفش إن "جميلة" كانت مخليه "زهرة" تاخد حبوب منع الحمل ومفهماها إن الحبوب دي حتساعدها إنها تِحمل بسرعه!!
إنتفض "محمود" بغضب من أفعالها التي تزيد يومًا بعد يوم:
- إيه؟! "جميلة" عملت كده، طيب ليه؟!
- مش عايزاها تجيب ولاد، شوفت سودا إزاي من جواها، بقى تضحك على البنت الغلبانه، وتحرمها من الخلفه عشان الورث، عشان كده هى متأكده إن "زهرة" مش حامل، ومش عايزاها تقعد العِده هنا.
مسح "محمود" جبهته يكظم غيظه بنفاذ صبر من أفعال "جميلة" التي لا تنتهي:
- بقى كده، مـــــــاشي يا "جميلة"، الصبر عليكِ نفذ والله.
حاولت "فردوس" تلطيف الأمر حتى لا تتسبب بخلاف جديد بين "محمود" و"جميلة":
- طيب خلاص يا إبني، وخليها بيني وبينك لو ليا غلاوه عندك، متعملش مشكله معاها، ربنا يهديها، أنا إفتكرت إنك كنت عارف إللي حصل، أصل كمان "زهرة" غلبانه، وأبوها ومرات أبوها حيمرمطوها، خليها معانا لحد ما العده تخلص.
رغم أنه كان بالفعل لن يمرر ما فعلته "جميلة" إلا أنه كظم غضبه منها لأجل خاطر والدته، ليردف بإيمائة خفيفة:
- عملتِ طيب يا أمي.
غادر "محمود" البيت ليزيح هذا الضيق عن صدره، وقت مستقطع يلتمس به بعض الهدوء لنفسه ليضع قناع التقبل مرة أخرى، فقد أوشك تحمله على النفاذ حقًا وبالكاد يستطيع تمالك قوته وسيطرته على ألا ينفعل ثائرًا بتلك القبيحة "جميلة".
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
توالت عدة أيام هدأت بهم الأوراق المتناثرة لتهدأ معها النفوس، تحمل بعض الترقب الحذر ومزيج من التخوف والحماس.
خلال تلك الأيام إستعد "نور" للسفر فلم يعد يتبقى على موعد سفرهم إلى ألمانيا سوى يوم واحد فقط.
أنهى بالفعل جميع الأوراق الخاصة بسفر "ليلى" و"عزت" أيضًا وذلك من خلال مسؤولة البعثة "هيلدا" لإنشغال "كريم" بذلك المؤتمر الذي أخبره عنه.
ليلة واحدة تفصله عن سفرة يتأمل بها تحقيق أحلامه التي خُطت كحبر على ورق طوال سنوات، وربما تلك هي الفرصة المناسبة لتحقيق ذلك، فمن الممكن أن يكون القدر قد رتب كل تلك الأحداث لبداية جديدة تتوق لها.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
كل ساعة مرت خلال تلك الأيام زادت من تعلق "سامح" بـ"فرح"، ساعة يراها بها وساعات لا يفكر بسواها، أصبحت كالحلم الذي كاد أن يتحقق، الراحة التي يسعى إليها قلبه المُنهك.
حتى "فرح" أصبحت تنتظر بتلهف لتلك الطرقات المميزة التي تبهج قلبها عند مروره بها، أمل جديد يضئ عتمة ليلها بسماع صوته ووجوده الذي سلب تفكيرها ودقات قلبها معًا.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
أعتذر لنفسي عن كل ما مررت به، لكن ليت الإعتذار ينهي كل شئ، لم أنتظر إعتذار منهم على ما إقترفوه بحقي، ليتني أستطيع أن أعاملهم بالمثل فحين حاولت أنبني ضميري آلاف المرات.
رشا روميه
في صباح اليوم التالي...
بيت عائلة مكاوي(شقة زاهر)..
قضت "زهرة" معظم الوقت بغرفة "أنور" القديمة تجنبًا للمشاكل، تود أن تمر شهور عدتها حتى تعود لشقة "ليلى" أو شقة والدها، لكنها لا تعلم بعد إلى أين ستذهب، لكن كل ما تريده الآن هو أن تمر الأيام وتبتعد عن هذا البيت الذي أحبته بصدق، فيكفي ما حدث به.
بقلم رشا روميه
تجمعت العائلة لتناول طعام الإفطار الذي غابت عنه "زهرة" وفضلت البقاء بغرفتها لبعض الوقت حتى مغادرة الجميع.
جلس "محمود" بإنتظار تحضير "جميلة" للطعام يداعب إبنته الكبيرة "إسراء" لبقة الحديث رغم حداثة عمرها، شددت الطفلة من أكمام والدها تستكمل حديثها الثرثار اللطيف لتقص ما أخبرتها به جدتها:
- عارف يا بابا، تيته كمان قالتلي لو صليت زيها حتجيب لي سجاده ليا لوحدي.
أب حنون محب بالتأكيد هو ذلك الذي أنصت بإهتمام لصغيرته ليحاورها بإبتسامة، فهاتان الطفلتين هما البسمة الوحيدة بحياته، هم السعادة الحقيقية وليسا مجرد حبر على ورق.
حمل صغيرته فوق ساقه قائلًا بمحبة:
- بجد، تيته قالت كده.
أوسعت "إسراء" فمها لتستكمل كلماتها الطفولية اللطيفة حين قاطعتها "جميلة" وهي تجذب يد "إسراء" في عجالة:
- اووه، إنتِ مش بتشبعي رغي!!! إللي يشوفك يقول عندك مية سنه، مش تلاته ونص!!!! يلا تعالي إفطري مع أختك قبل ما أنزل، حتأخروني.
ضمها "محمود" بين أحضانه يحميها من جذب "جميلة" لها وهو يستنكر طريقتها الجافة مع إبنتها وقد إمتعض وجهه بضيق بالغ:
- بالراحه شويه على البنت يا "جميلة"، سيبها تتكلم، الله أكبر عليها، ده بدل ما تقولي ما شاء الله عليها سابقه سنها!!!
مصمصت "جميلة" شفتيها وهي تلوي فمها بإستهزاء من "محمود":
- يا ســـــــلام!!! ليه بقى، هو أنا ححسدها!!!!! عمومًا براحتك، خليها معاك، وفطرها إنت بقى عشان أنا إتأخرت.
ضحك "محمود" ساخرًا منها ثم أردف بلا مبالاة:
- وإنتِ من إمتى بيهمك، سيبيها أنا حفطرها قبل ما أروح المحل (ثم أكمل بإستهزاء) مش عايزين نعطل جنابك!!!
ورقة كُتبت وسجلت بربط كلًا منهما ببعضهما تجمعهما المودة والرحمة، فأين المودة والرحمة، أين السعادة والهناء، لقد كانت مجرد أماني حالمة، لقد كانت حبر على ورق.
لم تكترث "جميلة" لإستنكار زوجها أو للإهتمام ببناتها ولم تفكر سوى بأمر واحد هو شاغلها هذه الفترة فقط، أن عليها إستكمال هذا التحدي وإثبات أنها الأذكي والأمهر، والأقوى أيضًا، لتغادر البيت وتتجه نحو مشروعها الجديد لتستكمل أعمال التوضيب المعطلة بسبب موت "أنور".
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
لم تعد مجرد أحلام فاليوم سيحقق الحلم وتحقيق الآمال، لم تعد الحياة مجرد كلمات خُطت بحبر على ورق، فما أجمل الحقيقة وتحقيقها.
رشا روميه
مستشفى الهلال المركزي...
لأول مرة دلفت "ليلى" لداخل المستشفى بدون الإتجاه لغرفة التمريض لتبديل ملابسها، بل إنها لن تناوب ولن تعمل بعد اليوم، ستسافر بعد ساعات للبعثة وتحقق حلمها الذي كان والدها دائمًا يرفضه، تلك الحالة من الإنتشاء والسعادة لم تكن ستزورها إلا بوجوده فقط، ليس لأنه الوحيد الذي ساعدها بالقبول بالبعثة، بل لأن هناك دافع آخر بداخلها تشعر به تجاه "نور"، إحساس يخطف قلبها ويبهج روحها رغم أنه لم يصرح لها بمشاعره بعد.
بقلم رشا روميه
بذات الوقت كان "نور" يرتب كل الأوراق الخاصة به إستعدادًا للسفر اليوم، تملكه إحساس بالإبتهاج وضحكة يرسُمها القدر بوجهه لأول مرة، فيكفيه شعور الحرية والخلاص من "نسرين" الذي ظن أن السفر حلًا لصفاء نفسه ونسيان تلك المرحلة من حياته.
بقلم رشا روميه
تم تجهيز جميع التحاليل الخاصة بـ"عزت" قبل سفره اليوم، أقبلت "ليلى" لتوديع صديقاتها الآتي أخفين عنها أن "مروة" هي من تسببت بمرض والدها وأنها من حقنته بالفيروس، كما أخفوا تحويلها التحقيق بسبب ذلك.
إتجهت نحو غرفة "عزت" لتساعده أثناء مغادرتهم المستشفى وتحركهم صوب المطار بصحبة "نور" الذي كان ينتظرهم خارج المستشفى، جلس "عزت" إلى جوار "ليلى" بالمقعد الخلفي بينما إنتظر "نور" لبضعة دقائق خارج السيارة.
وافاهم "سامح" بحركة متعجلة ليقف بصحبة "نور" للحظات قليلة قبل أن يجلس بمقعد السائق و"نور" بالمقعد المجاور له، إستدار "نور" برأسه نحو "ليلى" و"عزت" موضحًا:
- الدكتور "سامح" حيوصلنا المطار.
أومأ كلاهما بالإيجاب إمتنانًا لمعروف كلًا منهما، بينما أكمل "نور" محدثًا "سامح":
- خلي العربية معاك يا "سامح" لحد ما أرجع إن شاء الله، حكون مطمن وهي معاك.
أدار "سامح" محرك السيارة قائلًا:
- في الحفظ والصون لحد ما ترجعوا بالسلامه.
رغم أن الوقت مازال مبكرًا إلا أن طريقهم نحو المطار كان غاية في السلاسة كما لو أن الطريق بكامله ممهد لتحركهم، فحين يشاء الله تفتح كل الأبواب المغلقة أمام أقدار الله ومشيئته.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
الجميع يقف بصف الحسابات المؤجلة، بحبر لا ينمحي تكتب كل المظالم حتى يحين الرد، فلا تظن أنك قد أفلتت بعقابك، فقط لم يأتي دورك بعد، فالله يمهل ولا يهمل.
رشا روميه
بدأ يوم البعض وإقترب يوم الآخرين ينتهي، فهناك أوضاع مقلوبة وحياة تعيش ليلًا كالوطواط تحيا على إمتصاص دماء ضحاياهم بالظلام.
رفع "رضا" حاجبيه يشير بهما تجاه القادمة نحوهم وهو يحدث رفيقه الساهر منذ الأمس:
- وأهي "سارة" جت.
مط "منصور" شفتيه بضجر:
- ماشي.
تجولت "سارة" بعينيها تجاه كل منهما لوهلة قبل أن تردف بنبرة يملؤها الضيق منهما:
- ها...
رفع "منصور" جذعه المائل ليعقص أنفه بإستهزاء:
- هو إيه إللي (ها)!!!! مالك بقيتي ممله كده الأيام دي؟!
دارت بمقلتيها بتملل لتهتف بتملل:
- أوووف، مفيش حاجه!!!
- براحتك.
لوت "سارة" شفتيها وهي تجلس فوق الأريكة تعبث بخصلات شعرها الأسود تستمع لحديث "رضا" و"منصور" دون التدخل به.
دق هاتف "منصور" بنغمة رسالة واردة ليتسائل "رضا" بإستفهام:
- الرساله دي عندك ولا عندي؟
رفع "منصور" هاتفه يطالع شاشته ليجيبه:
- ده عندي أنا، شات.
عقب "رضا" بمزاح ممزوج بسخرية متوارية:
- يا خبر يا "مايسترو"، إنت لسه في مرحلة الشات، أمال حنوصل لمرحلة الهات إمتى!!!
علت ضحكة "رضا" الخبيثة ليجيبه "منصور" بثقة مخيفة:
- هانت أوي.
- إمتى يعني؟
مال "رضا" يهمس بأذن رفيقه حتى لا تستمع إليه "سارة":
- أصل بيني وبينك جبت أخري من البوز إللي إسمها "سارة" دي بقى!! عايزين الجديد.
إبتسم "منصور" إبتسامته الماكرة قائلًا:
- خلاص أنا حتصدر لها النهارده، ولازم تقابلني يا نفض القصة دي.
صفق "رضا" بكفيه بسعادة وخيلاء:
- هو ده "المايسترو" إللي على حق.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
بيت نسرين الحناوي...
حياة تسير على وتيرة واحدة، لا إختلاف ولا تجديد، فقط أيام تتوالى دون أي هدف أو غاية، كما لو أنها قد أحبت تلك الرتابة والفراغ الذي يملأ نفسها قبل حياتها.
بعض الأعمال رغم شقائها وضجر أصحابها إلا أنها تُشعر صاحبها بقيمة الحياة، تدفعه للبحث عن هدف وجوده حتى وإن لم يلاحظ ذلك بنفسه أو حتى يعترف بذلك، فبالتأكيد الفراغ يخلف جوف وضمور بالروح، يدفعها للبحث عن الذات بطريق مختلف، لكن ضئآلة الفكر وخواء الروح يختار طريق الملذات الزائفة عوضًا عن عمل ينجي الروح والبدن ويعلي الشأن والرفعة.
رشا روميه
بعد مغادرة والدتها وأخويها لم تجد "نسرين" سوى هاتفها مؤنسًا لها لتبدأ بالنقر على صفحة المحادثة تكتب رسالتها إلى "خالد" حبيبها الوحيد:
-[ صباح الخير].
أجابها بجفاء:
-[ أهلًا].
تعجبت "نسرين" من طريقته الجافة:
-[مالك شكلك متضايق!!].
-[ أنا مش فاهم يا "نسرين"، إنتِ عماله تهربي مني كده ليه؟! للدرجه دي مش واثقه فيا!!].
تخوفت "نسرين" من ضيقه فهي لا تود ذلك حقًا:
-[ لا، خالص مقصدش كدة].
أجابها بإقتضاب:
-[ عمومًا براحتك يا "نسرين"، معلش أنا حقفل دلوقتِ].
كعازف ماهر يلعب بحرفية وجدارة على أوتار تلك الهائمة بغير إدراك في ملذات العشق المبهم من شخصية غير معلومة، تمامًا ككلمة كُتبت بحبر على ورق بالي يسهل تمزقه، أسرعت "نسرين" تتشبث بأمل بحثها عن محبة خالصة وتقدير لها:
-[ "خالد"، إستنى، خلاص موافقه].
- [موافقه على إيه بالضبط؟!].
بمكر ثعلب أخذ يتسلل لعمق نفسها المهترئة لتنصاع لرغباته كما لو أنها هي من تقرر، لا تدرى أنها كالشاه تنساق لهلاكها بكلمات تعبث بها من صياد ماكر.
إستسلمت "نسرين" من الضغطة الأولى لتصرح بتلهف:
-[موافقه أقابلك].
- [بجد، إنتِ مش عارفه أنا سعيد قد إيه اني أخيرًا حقابلك و أقعد معاكِ].
نشوة زائفة تظن أنها تلك السعادة الحقيقية لتسأله "نسرين" بشوق:
-[حشوفك فين؟].
-[ فيه كافيه إسمه "تيمو"].
-[ أيوة عارفاه].
وقعت بالشباك دون أدنى مقاومة، بل وسعيدة بالفعل لذلك، كذلك هذا الصياد الماهر الذي تبدلت نبرة صوته بحنان ومحبة تتوقت "نسرين" لسماعها:
-[ خلاص أشوفك هناك بكره يا قلبي، على الساعه سته، حبقى لابس تيشرت أبيض، زي قلبي يا قلبي، تمام].
-[خلاص تمام على الساعه سته حكون هناك].
كادت تقفز فرحًا لهذا اللقاء الذي تمنته منذ وقت طويل، وها هو الحلم أوشك على التحقق.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
شقة منصور ورضا...
إنتهت الحفلة التنكرية وقد سقطت الأقنعة، تجلت الوجوه الحقيقية وإتضحت الحيلة، فالحيلة وسيلة ضعاف النفوس.
رشا روميه
رفع "منصور" ساقه الطويلة يضعها فوق الأخرى بغرور لا متناهي فخورًا بأفعاله قائلًا بنبرة إنتصار:
- خلاص يا سيدي، حشوفها بكره في "تيمو".
أطلق "رضا" صافرة إعجاب بصديقه عازف الأوركسترا الذي يدق بمهارة فوق قلوب الفتيات قائلًا:
- يا "مايسترو" يا عالمي، هو ده الكلام يا جدع.
- مبسوط بقى.
داعبه "رضا" بحركة حاجبيه يمجد بأفعاله:
- إلا مبسوط، أيوه كده خلي الدنيا تلعب، وناوي تجيبها الشقه هنا إمتى؟
- بكره مع "صلاح" في "تيمو" حرتب معاه نجيبها هنا، يعني بالكتير الساعه سابعه تكون مشرفه المضيفه بتاعتنا.
بدون عناء للتفكير كما لو أن الأمر ليس بالجديد وقد إعتادوا على تلك الحيل والدهاء من قبل.
- هو ده اللعب الصح.
تابعت "سارة" حديثهم وهي تطالعهم بتقزز فقد سئمت و إشمئزت من أفعالهم وتكرار إغوائهم لفتيات بريئات لإسقاطهم ببحور الرذيلة كما فعلوا معها.
مئات الضحايا والنتيجة واحدة، تصوير بأوضاع مشينة وإبتزاز مالهن وإجبارهن على تنفيذ كل ما يطلبونه خوفًا من الفضيحة والتشهير بهن.
بقلم رشا روميه
وقفت "سارة" بوجه ممتعض للمغادرة حين تشبث "منصور" بمرفقها قائلًا بنبرة تميل للتهديد:
- على فين ياااااا، سكره؟!
إبتلعت "سارة" ريقها بتخوف من نظرات "منصور" المزعجة:
- حروح أجيب حاجه نشربها.
- طب متتأخريش.
أومأت بخفة لتتحرك مجبرة على العودة فليس لديها سبيل آخر، وجودها معهم ومساعدتهم أمر مفروض عليها ويجب الإنصياع له، لقد كُتب عليها ذلك كالنقش على الحجر لا يمكن محوه ولا إخفائه.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
كلمات تكتب بالعقل وأخرى تكتب بالقلب والقليل يكتبها الضمير، لكن كيف تُقرأ؟ فحتى وإن صدقت تلك الكلمات بإحساسك فعليك أن تُحكم عقلك وضميرك أيضًا، حتى لا تكون الكلمات مجرد حبر على ورق لا قيمة لها.
المستشفى الأهلية...
بعد أن قام "سامح" بإيصال "نور" و"ليلى" ووالدها للمطار عاد بسيارة "نور" نحو المستشفى الأهلية للمرور بـ"فرح"، فهذا هو موعده معها لهذا اليوم.
بقلم رشا روميه
تقدم "سامح" بإتجاه غرفه "فرح" مبتهجًا كعادته، ليطرق الباب بطريقته المميزة منتظرًا دعوتها بصوتها المفعم بالحيوية للدخول، لكن طال إنتظاره ولا رد.
أعاد طرق الباب عدة مرات؛ لكن النتيجة واحدة، تملكه القلق على "فرح" فهي تنتظره دومًا بتلهف، فما الذي حدث اليوم!!
فتح باب غرفتها بهدوء لتتسع حدقتيه بصدمة، فالغرفة خاوية صامتة للغاية، تهدج صدره برجفة وفُغر فاهه بقلق ليدور حول نفسه متسائلًا:
- الله، "فرح"، "فرح"، إنتِ فين؟ حتكون راحت فين بس؟!!
برودة قاسية مرت بجسده حتى أنه شعر بإنسحاب الدم من عروقه وهو يطالع الغرفة وغيابها الغريب والمفاجئ.
أين ذهبت؟! وكيف؟! فحالتها لا تسمح لها إطلاقًا بالمغادرة بمفردها، فلم تذهب دون أن تخبره، أم أن هناك أمر آخر لا يعرفه؟!
تساؤلات عدة وظنون من الشياطين تسللت لنفسه المطمئنة تهئ له ضيقها منه أو من تصرف قام به دون أن يعي ذلك، أو ربما تمللت من خجله وتطفله عليها طيلة الوقت!!
مسح فوق رأسه بتوتر وهو يزدرد ريقه المتحجر ليغادر الغرفة كالتائه لا يدري أين يذهب ومن يسأل.
وقف أمام مكتب الإستقبال ليجد إحدى الممرضات التي يراها لأول مرة ليسألها بصوت متحشرج وغصة علقت بصدره لرحيلها:
- هي ااا، آنسه "فرح" راحت فين؟! هي مش في أوضتها؟!
تطلعت الممرضة بـ"سامح" بإستنكار وهي تضيق عينيها بإستغراب:
- معلش، هو حضرتك مين؟ إنت تقرب لها؟
سحب زفيرًا متقطعًا ليحاول السيطرة على هذا القلق الذي إنتابه، ليجيبها بنبرة جادة:
- أنا دكتور "سامح"، دكتور العيون بتاع "فرح" من المستشفى المركزي.
- ااه، معلش يا دكتور أصل أنا كنت في اجازه ولسه راجعه النهارده، أسفه إني معرفش حضرتك.
كاد "سامح" أن يفقد أعصابه لأول مرة، فلم يعد يقدر على التحمل لأكثر من ذلك، ليعيد سؤاله مرة أخرى:
- أيوه يعني آنسه "فرح" راحت فين دلوقتِ؟!!!!
- الآنسه "فرح" سابت المستشفى.
بُهت تمامًا من هول الصدمة ليشعر بأن قدميه لا تحملانه فوق الأرض، ولولا محاولته ألا يظهر تأثره لكان إنهياره وشيكًا بالفعل، لكنه حاول فهم سبب ذلك:
- سابت المستشفى، إزاي بس، راحت فين؟!!
رفعت الممرضة رأسها بتفهم وهي تثرثر لتسرد أمر هام قد يوضح سبب مغادرة "فرح" للمستشفى:
- أصل أنا يا دكتور كنت موجوده هنا يوم الحادثه، وكانت "فرح" وإحنا مدخلينها الطوارئ كانت ماسكه في إيدها ورقه، دي كانت مسكاها جامد أوي، أنا بقى يومها أخدت الورقة دي منها، ونسيت خـــــالص إنها معايا، وبعد كده أنا أخدت اجازه، ولما رجعت النهارده إفتكرت الورقه ورحت أديهالها، بس كده، هي بقى أول ما عرفت إيه المكتوب في الورقه دي سابت المستشفى ومشيت على طـــــــــول.
عقد "سامح" حاجبيه بقوة ليحاول الإستفهام عن محتوى تلك الورقة التي جعلتها تترك المستشفى بتلك الصورة وبهذا التعجل:
-كان مكتوب فيها إيه الورقه دي؟!
مطت الممرضة شفتيها أولًا ثم إجابته بدون توضيح كبير:
- كان عنوان، عنوان المستشفى المركزي، وكان مكتوب إسم في الورقه، بس مش فاكراه خالص.
لم ينتظر "سامح" لأكثر من ذلك ليسرع إلى خارج المستشفى مستقلًا سيارة "نور" ليتجه على الفور نحو مستشفى الهلال المركزي للبحث عن "فرح"، فيبدو أنها ذهبت إلى هناك للبحث عن أحدهم، لكن بحالتها تلك وفقدانها لبصرها سيصبح الأمر غاية بالصعوبة ولن تستطيع الوصول بمفردها لمن تبحث عنه.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
قبل ساعة من الآن...
إنتظرت "فرح" قدوم "سامح" فقد إقترب موعده، كما لو أنها حياتها قد حُصرت بوجود "سامح" فقط، فلا أهل أو أصدقاء، فقط هو، حتى أنها إعتادت على أن يكون هو فقط من تعرفه بالدنيا كلها.
طرقات خفيفة دقت باب الغرفة لتجيب برتابة فبالتأكيد أحد أفراد الأطقم الطبية أتى لأي سبب:
- إتفضل.
طلت "ريم" تلك الممرضة الجديدة التي لم تميز "فرح" صوتها من قبل:
- صباح الخير، أخبارك إيه النهارده؟
- الحمد لله، أنتِ مين؟ أنا أول مرة أسمع صوتك؟
إقتربت "ريم" من "فرح" موضحة:
- أنا "ريم"، ممرضه هنا بالمستشفى كنت في أجازه، وأول ما رجعت قولت أجيلك على طول، لأن فيه عندي أمانه ليكِ.
- ليا أنا!!!
بثرثرتها المعتادة بدأت "ريم" بإجابة "فرح" بإستفاضة:
- أيوه ليكِ، عارفه، بعد الحادثه لما جيتِ الطوارئ، كنتِ ماسكه ورقه في إيدك، كنتِ ماسكه فيها جامد أوي، أنا أخدت الورقه دي وشيلتها معايا، بس طلعت أجازه، وأول ما رجعت جيت لك على طول أهو عشان أديهالك.
مالت "فرح" برقبتها بإستغراب، فهي لا تتذكر شيئًا عن هذا الأمر، وما الجديد فهي لا تتذكر شيئًا عن الحادث وما قبله:
- ورقه!!!! ورقه إيه؟ مكتوب فيها إيه؟
قوست "ريم" شفتيها وهي ترفع أكتافها وتهدلهم بمعنى لا أدري، فيما أخرجت الورقة تخبرها بفحواها، ثم أكملت ثرثتها:
- ده عنوان مستشفى الهلال المركزي، ومكتوب إسم جنبه، يمكن حد من قرايبك ولا حاجه!!
أمل جديد يطرق بابها لتتمكن من معرفة أي شئ يخصها عن نفسها وأقاربها، هتفت "فرح" بتلهف وتشبث بهذا الأمل الجديد الذي يلوح في الأفق:
- معقول بجد!!! تفتكرى ممكن يكون حد يعرفني أو حد من قرايبي(ثم وقفت متخذة قرارها بالتوجه لهذا العنوان لعلها تجد إجابة عن كل تلك الأسئلة التي لا إجابة لها برأسها) أنا لازم أروح له دلوقتِ.
- طيب حتروحي إزاي كده؟!
أشفقت "ريم" على حالتها، فمن الصعب أن تقدر على الذهاب بمفردها، بينما أصرت "فرح" على ذلك، فلن تفقد أول الخيط الذي ربما يوصلها لمعرفة الحقيقة، لم تترك فرصتها الوحيدة بظهور تلك الورقة التي دون عليها بحبر الحقيقة، لن تضيع فرصتها هباء وتترك ما كتب كحبر على ورق.
- بلغي بس الدكتور اني عايزه أخرج ضروري الأول وأنا حتصرف.
على الفور أوصلت الممرضة من الطبيب المتابع لحالة "فرح" رغبتها بالخروج من المستشفى لأمر ضروري، كما ساعدتها على إستقلال سيارة مستأجرة لإيصالها للمستشفى.
بقلم رشا روميه
حماس وتوتر وخوف من معرفة هذا الشخص، لكن ربما الحلول تكون متمسكة بيده ويدلها لأول الطريق الذي عليها أن تسلكه.
ترجلت "فرح" بصعوبة وتخبط أمام المستشفى لكن فقدانها لبصرها كان يعوقها خاصة وأن تلك أول مرة تخرج من غرفتها بالمستشفى لمكان جديد تمامًا عليها.
ساعدتها إحدى الممرضات للدخول للمستشفى حينما رأتها تتلمس طريقها بتيهة، لتقف أمام مكتب الإستقبال كالطفلة التائهة لا تعلم ماذا تفعل ومن أين تبدأ، وبداخلها تساؤل عن هذا الشخص هل يعمل هنا، أم أنه مجرد مريض؟ ولم معها إسم المستشفى وإسمه بالخصوص؟!!!
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مخزن السكة الحديد...
جميلة حسناء لها قوة تتباهى بها، لكن ليست كل النوايا تشبه أشكال أصحابها، فلا تُحسن الظن بالأفعى فطبعها يغلب نعومة جلودها.
رشا روميه
تشتت "جميلة" بأفكارها بعد إصرار "فردوس" على بقاء "زهرة" بالبيت لإستكمال عدة موت زوجها، لم تنتبه للأعمال من حولها لتقطب جبينها بقوة تغمغم بسخط:
- بقى أنا "جميلة" بنت "مصطفى مكاوي" تيجى حتة بت جربوعه زي دي تاخد مكاني في البيت!!! يا ترى مقعدينها ليه؟! عايزينها ليه موجوده هناك؟!! دي تبقى مصيبه لو بيفكروا يدوها حاجه من نصيب "أنور"! البت دي لازم أخلص منها بأي شكل، لازم أحطها في قبرها بإيدي.
لم تشعر بنفسها وهي تضغط بكفها بقوة حتى كادت تمزق قطعة الورق التي طوتها بيدها من شدة الغيظ.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
بيت عائلة مكاوي (شقة زاهر)...
خرجت "فردوس" من غرفتها ومازال الحزن يكسو وجهها فقد كانت تتمنى أن يعود "أنور" مثلما كان قبل إدمانه لهذا المخدر لا أن تفقده إلى الأبد.
جلست على المقعد الخاص بها حين أقبلت "زهرة" نحوها بهدوء:
- عامله ايه دلوقتِ يا ماما؟!!
تنهدت "فردوس" بألم وهي تجيبها بنبرة مختنقة ومازالت العبرات تغيم بعينيها حزنًا على ولدها:
- لسه مش قادره أصدق أنه راح مني خالص كده!
ربتت "زهرة" برفق فوق كتف "فردوس" فهي تشعر بحزنها ومأساتها:
- ربنا يصبر قلبك يا رب (ثم سحبت نفسًا طويلًا قبل أن تستكمل فيجب عليها أن تخبرها بما قررت بعد تفكير عميق بوضعها الحالي) ماما، أنا عايزه أقولك حاجه ضروري، أنا بصراحه كده عاوزه أمشي، أنتى فاهمه كويس أني مش شرط أقعد هنا في العده، ممكن أقضيها في بيت بابا عادي برضه.
تطلعت بها "فردوس" بأعين يملؤها الندم وهي تحرك رأسها بالنفي:
- لا يا بنتي، مش حتتشحططي هنا وهنا، كفايه اني ظلمتك وظلمت "أنور" بجوازكم، خلينى أكفر عن ظلمي ده، يا ريت أقدر أغير حاجات كتير أوي عملناها، بس والله كنا فاكرين ده لمصلحتهم!!!!!
- بلاش تعملي في نفسك كده، كل واحد بياخد نصيبه.
تنهدت "فردوس" بألم ثم قالت بصبر وإحتساب فقدها عند الله:
- ونعم بالله، بس مش قادره أتخيل إننا لو كنا سمعنا كلام "محمود" من الأول ودخلناه المصحه، يمكن كان كل حاجه إتغيرت.
بنفس راضية بقضاء الله وقدره أجابتها "زهرة" بإيمان قوي:
- حتى لو كنتِ عملتي كده، ربنا كاتب إن عمره ينتهي في اللحظه دي وبالشكل ده، لا مبدل لكلمات الله ولا راد لقضائه، إنتِ مؤمنه، ومهما كنا عملنا مكناش حنغير القدر.
بإيمائة إنصياع لقضاء الله ورضا بما قدر الله لهم:
- عندك حق يا بنتي، أستغفر الله العظيم، الحمد لله على ما أعطى وما أخذ، يلا، قومي إنتِ إعملي الغدا وأكيد إن شاء الله ربنا حيراضينا.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
قول الحق منوطًا بإستفادتك من الباطل، فلا يقدر عليه سوى أقوياء النفوس، فعجبًا لمن يسير أعوجًا ويطلب من الناس أن تستقيم.
رشا روميه
بيت خليل زيدان..
بين خبث ثعبان أملس ولدغة خائنة من العقرب يقع السوء والشرور، فحتى الثعبان يمكنك تجنب لدغته، وكل الخوف من عقرب يترصد لك في الخفاء.
بدأت "سمية" حديثها تبث السُم بنفس "خليل" لتحركه كيفما شاءت حين تبحث عن مصلحتها:
- يا "خليل" إسمعني، هي مش بنتك دي لها ورث في جوزها ولا إيه؟!! ما تصحصح معايا كده، ما هم أكيد أكيد مخلينها هناك عشان يضحكوا عليها وميدوهاش الفلوس، أمال يعني حيقعدوها ليه في البيت بعد ما جوزها مـــــــــــــات!!!
إستطاعت اللعب على نفسه المهترئة لتتسع حدقتاه بذهول مصدقًا لما تبثه في نفسه، ليقتنع تمامًا أن أهل "أنور" يسيطرون على "زهرة" للإستيلاء على ميراثها منه، ليهتف "خليل" بدهشة:
- تفتكري يا "سمية"؟!! دول قادرين ويعملوها!!!
- إنت لازم تجيبها هنا وتبقى تحت عنينا لحد ما ناخد الورث، الله، مش بيت أبوها أولى بيها ولا إيه!!
- أيوه صح، لازم أرجعها.
ضعيف منساق لرغبات زوجته دون تفكير، أليست تلك من طُردت مرات ومرات من هذا البيت، لكن اليوم لها قيمة تفوق ما كانت عليه، الآن فقط لها فائدة ويجب الحصول عليها.
إبتسمت "سمية" بدهاء وهي تستكمل:
- ومتخفش، بعد ما تخلص عدتها، عندي ليها عريس إنما إيه، ميتسابش.
إمتعض وجه "خليل" بدون فهم:
- عريس، عريس إيه!!! هي لحقت؟!
بسمة ساخرة لاحت بوجه "سمية" لا تدري هل هذا من حظها الحسن أم العثر، فتلك الوضيعة يتهافت عليها الخاطبين رغم كل ما ينقصها:
- حقولك إيه، بنتك دي حظها نار، "أبو نصار" صاحب أبويا ما إنت عارفه، شافها وعجبته ودخلت مزاجه، ولما عرف من كام يوم إن جوزها مات عاوزها، ده ناوى يدفع مهر شئ وشويات بس إحنا نرضى.
إندهش "خليل" مرة أخرى، ثم إستنكر ذلك تمامًا:
- "أبو نصار"!!! بس ده أكبر مني يا "سميه"!!
رفعت حاجبها الأيمن بإستهزاء وحِدة بذات الوقت ثم هتفت بصوت حاد تستنكر حديثه بنوع من الجدال:
- يا سلااااااام!!!! طيب ما أنت أكبر مني وأنا رضيت بيك، ولا هو حلال عليا وحرام على بنتك!!!!! وبعدين هو يعيبه إيه؟!! ده راجل مقتدر وحيعيش بنتك في عيشه مكانتش تحلم بيها( ثم مصمصت شفتيها بإستخفاف) حقاه، ناس مبيعجبهاش العجب.
غضبها وحدتها جعلاه يرضخ بخنوع ونبرة تحايل لإستجداء رضاها:
- خلاص يا "سمية" إللي تشوفيه، أهي "زهرة" زي بنتك برضه.
بحركة مستهزأة حين جفلت بعينيها قليلًا قبل أن تردف بتهكم:
- بنتي!!! ماشي، المهم إسمع إنت بس كلامي والأمور حتبقى تمام التمام.
- خلاص، بكره أروح أجيبها وبعدين نشوف.
إبتسمت "سمية" بإنتصار قائلة:
- الله ينور عليـــــــك، هو ده الكلام.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مستشفى الهلال المركزى...
من حسن حظه أن "نور" ترك له سيارته ليستقلها بعجالة ويتجه للمستشفى للحاق بـ"فرح"، دلف على الفور للداخل وهو يدور بعينيه كالمجنون باحثًا عنها يتمنى أن تكون قد وصلت بالفعل ولم تتعرض لأي سوء.
صعد للدور العلوي حيث مكتب الإستقبال ليزفر براحة حينما وجدها مازالت واقفة بين مجموعة من الممرضات.
ذلك الإحساس بالأمان والسكينة لم يشعر به إلا بعد رؤيتها، فقد أصبحت هي مصدر لهما، ولا يريد أن يتخلى عن ذلك بعد الآن
تقدم نحوها بلهفة ظاهرة بنبرته القلقة:
- "فرح"!!! بتعملي إيه هنا دوختيني عليكِ؟
إستطاعت "فرح" تمييز "سامح" من صوته المميز بالنسبه إليها لتبتسم براحة وتفاجئ بنفس الوقت:
- دكتور "سامح"!! انت بتعمل إيه هنا؟؟
ضحك "سامح" بخفة، لا يعلم هل لشعوره بالراحة بعد أن وجدها، أم أن سؤالها بالفعل سبب له الضحك:
- بعمل إيه هنا؟؟ أنا بشتغل هنا، إنتِ نسيتِ، إنتِ إللي بتعملي إيه هنا؟!! روحت لك المستشفى هناك قالولي إنك جيتي هنا، جيتي هنا ليه؟!
- جيت أسأل عن حد هنا الظاهر كده اني كنت جياله أصلًا من السويس، قولت يمكن يكون يعرفني، أو حد من قرايبي، أول ما "ريم" قالت لي على الورقه دي، جيت على هنا على طول ما قدرتش أصبر.
مدت "فرح" بقصاصة الورق تجاه "سامح" الذي نظر بها بتمعن ليقرأ الإسم المدون بها وهو يرفع عيناه بذهول يناظر "فرح" وهو يهتف بعدم تصديق:
- معقول ده، إنتِ جايه عشان......................
