رواية صياد النايا آل حانا الفصل السابع والعشرون
لا تبحثي عن وجهي المشرق ليلا، ولا تحاولي نزع العصبة عن عيني، دعيني أغار كما أريد، ودعيني أتخبط بين النار والجليد.
حرريني من لومك الآن، لأطلق لوحوشي العنان.
أحبيني بظلامي وأنواري، ورحبي بغيرتي كما ترحبي بدلالي؛
فلا أنا رجل يشتهي العذاب، ولا أنت امرأة ترغب في الغياب، تمهلي قليلا.. وأعدك أنك ستستسلمين بكل حب للعقاب
بقلم آية العربي
في سيارته، يقود ويقبض على كفها، تارة يقبله وتارة يحتضنه.
يصطحبها إلى قصر عائلتها بعدما أكد لهما المحامي أن ذلك الصغير هو بالفعل ابن مؤمن
شاردة تفكر، لم يمر تأكيد الخبر عليها مرور الكرام، بل أعاد لها ذكرياتها مع شقيقها، سنوات تشتاق له والآن يمكنها بث كل هذا الاشتياق لصغيره، ذلك الصغير الذي تحمد ربها أنهم لحقوا به في الوقت المناسب، سيربي بين عائلتها في بيئة صالحة، وستحاول رؤيته باستمرار ستراعيه بالقدر المستطاع.
قبل كفها فوجدها شاردة عنه لذا تساءل باهتمام :
مشغولة عني بإيه يا فرحتي .
انتبهت له ولفت وجهها تبتسم وتنطق :
- كنت بفكر في نور ولد مؤمن أني كان جلبي حاسس من غير أي تحليل، الواد تحس روح مؤمن لبساه يا عمار .
أومأ مؤيدا يناقشها :
- كان معاك حج، بس لازمن الأول نخلي المحامي يرفع دعوى نفي نسب عشان نجدر نسچله باسم مؤمن الله يرحمه
اهتمامه بالتفاصيل التي تخصها يرفرف فؤادها ويزيد من حبها له، ابتسمت له ثم التفتت تنظر إلى حدود قصر آل حامد وتستعيد ذكريات قسوتها وحدتها وتصميمها على قتل ابن آل حانا الذي يجاورها الآن
كم شهدت هذه الجدران على غضبها وكرهها، وها هي تشهد الآن على استسلامها وحبها لهذا العدو.
عبرا من البوابة وتوقف عمار يترجل ويلتفت يمد لها كفه لتترجل وتخطو نحوه وتمد له يدها على استحياء، فربما أغلبية البشر هنا لا يفضلون هذه التصرفات، يرونها مبالغا فيها، يعتقدون أن قسوة الرجل وصلابته دليلا على رجولته
حاولت سحب يدها حينما لاحظت نظرات الحراس نحوها
ولكنه شدد عليها وقربها منه أكثر وقصد بوابة القصر يتقدم منها ويطرق الباب لتفتح لهما أسماء على الفور مرحبة بسعادة حينما وجدتهما في هذا التناسق سويًا
استقبلتهما منصورة بحفاوة، وجلسا سويًا يتساءل عمار باشتياق :
- أومال نوارة لساتها نايمة ولا إيه
. جيت أهو للناس اللي نسياني ولا بجت بتسأل
نطقتها نوارة بنبرة تعاتب بها شقيقها وهي تنزل الدرج حتى وصلت إليهم فنهض يعانقها ويجيبها بصدق :
- معاكي حج من اهنة للصبح بس مهواش ذنبي، ذنب مرات أخوكي، هي اللي مارضياش اخرج برا الجصر غير لما رجلي تطيب ع الآخر
تذكرت أمر ساقه فابتعد عنه ورحبت بفرحة ثم جلست تجاور منصورة وتساءلت بترقب :
صوح رجلك عاملة إيه دلوك؟
أومأ يطمئنها ثم تساءل وهو يوزع نظراته :
- الحمد لله، أومال فين الرجالة؟
أجابته منصورة :
زمانتهم على وصول
لتسألها فرحة بترقب :
ونور فين يا مرت عمي ؟
نظرت منصورة إلى نوارة التي أجابتها:
نور نايم في أوضتي كنت وخداه في حضني طول الليل، كان خايف يا حبيبي بعد ما شاف كابوس وأخدته نيمته چاري، لما اجوم اصحيه
نطقت منصورة باهتمام وهي تثبتها بيدها :
- خليكي انت ما تطلعيش السلم وتنزلي تاني، اسماء حتصحيه
نهضت تحضر الضيافة وتنادي على أسماء لتوقظه، بينما انشغل عمار وفرحة في الحديث مع نوارة إلى أن يأتون الرجال ويخبرانهم بنتيجة التحليل
جلست متجمدة تطالعه باندهاش، إذا كان يقصدها حينما أخبر شقيقها أنه على وشك الدخول في علاقة، إذا يكن لها مشاعر الإعجاب، إذا لم تكن وحدها من انشغلت به؟ إذا البعد عن الشركة جعله يعترف ؟
دقق النظر فيها، وبرغم بريق عيناها إلا أنه خشى أن ترفض حبه، ليتساءل والتوتر يلتهمه :
- إيه يا ريم جولتي إيه ؟
تحمحمت تنظف حلقها وحاولت النطق لتتلعثم :
- جابر إنت فاجئتني، يعني
- طب مفاجأة زينة ولا حزينة؟
قاطعها يتساءل بلهفة لم يكن يظن أنها ستنال منه، ولكنه يخشى رفضها، إن رفضت لا يعلم ردة فعله ولا يتوقعها وإن قبلت سيهبها حبا هو نفسه لا يدرك مهيته كل ما يريده أن تطمئنه بكلمة.
خجلت وتورد وجهها وهي تهز منكبيها وتنطق :
لاء مش كدة بس مفاجأة غريبة، يعني خبط لزق كدة!
حاول تقدير صدمتها فنطق يوضح :
صوح، بس مهواش خبط لزج بالنسبالي، الجرار ده أني بفكر فيه من وجت اللي حصل، ولما اتأكدت من اللي جوايا ليكي جولت لازمن اتحدت وياكي، إنت ما عرفاش غيابك عن الشركة مخليها كئيبة كيف، لدرجة إني فكرت ابعد شوية أني كمان بس مافيش ورايا حد يسد زين مش حيبجي أني وانت
السعادة التي تفشت داخلها ارتسمت على ملامحها أمامه فجعلت الأمل يعشش داخله، بينهما هي سعيدة بأن الحظ حالفها في الحب أيضًا ، حيث أن الوحيد الذي نبض قلبها له ها هو أمامها ويعترف أنه يبادلها المشاعر ذاتها ، ولكنها لن تعترف له بل ستلتزم بالثقل حتى يصبح كل شيء رسمي، لذا نطقت بترو ظاهري :
تمام ، بس للاسف دلوقتي مش حينفع، عشان الفرحبكرة وبعدها نوح حيسافر شوية، يعني ممكن نأجل الموضوع ده لما نوح يرجع .
انتعش واستكان داخله ليبتسم لها غامزا يردد :
- للأسف ؟ أممم، إكدة الواحد يستنى وهو مطمن مافيش مشكلة، بس بردك ما حجبلش إنك تبعدي عن الشركة حترجعي مكانك بعد الفرح علطول، وأي حد يضايجك حيلاجيني واجفله، وده يعتبر أمر
ظنته يمزح فابتسمت وتنهدت مطولا تفكر، ثم قررت أن تعيش التجربة معه دون أن تتخلى عن مبادئها، لذا أومأت تجيبه :
تمام حرجع بعد الفرح علطول إن شاء الله .
شعر بأنه يود احتضانها، ولكن هذا ضرب من ضروب المستحيل الآن، لذا ابتسم وتساءل :
- إيوة إكدة، جوليلي بجى تحبي تشربي إيه؟
هزت رأسها بلا حينما تذكرت مودة لذا أردفت وهي تنهض :
- لا معلش مش حينفع، مودة معايا ولسة ورانا حاجات نشتريها، عن اذنك.
تفهم رغبتها، لذا نهض يوميء وعيناه تطالعها بنظرة تزعزع ثباتها وينطق :
- تمام، يبجى نتجابل في الفرح إن شاء الله
في غرفتهما ليلا
يجلسان سويا داخل حوض الاستحمام، تخفي الرغوة تفاصيلهما إلا رأسيهما.
مغمضة العينين، ومستمتعة باحتوائه لها وسط المياة الدافئة، ظنت أن هذه الأفعال من درب الخيال، أو يكتبها الكتاب الحالمون في رواياتهم.
لم تكن تتوقع أن تعيشها، خاصةً بهذه المشاعر العابرة للسعادة، مسترخية تمامًا لا تفكر سوا بهذا الرجل المراعي لها لأبعد الحدود.
- بتفكري في إيه.
تساءل بها ليرى هل تشاركه أفكاره؟ ويده تطوف على طول ذراعيها، لتبتسم وتتساءل بترقب :
بفكر لو مر علينا سنة ولا اتنين مثلا حتفضل تدلعني إكدة بردك ولا ده في الاول بس؟
نطق بصدق وهو يجمع في قبضته حفنة من الماء الدافيء ويضعها فوق كتفيها :
- بالنسبالي حفضل ادلعك لآخر يوم في عمري
التفتت قليلا تطالعه بتعمق ثم نطقت مستفسرة :
بس إهنة الراحل اللي بيدلع مرته عمال على بطال بيتجال في حجه حديت عفش.
قرص وجنتها بخفة يوضح بثقة :
- سيبك من حديث الناس دي يا فرحة، الخلج اللي بيتحدتو اكدة مهماش فاهمين حاجة بيضيعوا عمرهم في الجسوة ووجع الجلب، أني بعمل كيف ما سيد الخلج كان بيعمل، يبجوا مين هما دول اللي حتأثر بحديتهم! أني ادلعك واحبك واشيلك في حبابي عينيا وماعيزش منك غير إنك تحبيني وماتزعليش اهلي وبس إكدة
رنت تقبل صدغه وابتعدت قليلا تهمس بنبرة شرسة تنافي لمعان مقلتيها :
أصلا اللي يجدر يتحدث عنك بكلمة عفشة حاكلو باسناني ما تغركش اللي جدامك دي، أني عند اللزوم ماحدش يجدر عليا
ابتسم يوميء وهو يحاوط خصرها وينطق متذكرا :
- إنت حتجوليلي! ده الخنجر يشهد.
نطقها وانحنى يقبلها لبرهة ثم ابتعد يزفر بقوة وعادا يسترخيان ليتساءل مسترسلا :
- إيه رأيك لو نسافر برا كام يوم؟
فكرت قليلا، ربما هذا حلم مثيلتها، ولكنها بيتوتية بعض الشيء ، لا تحب السفر، طوال حياتها لم تغادر الأقصر إلا حينما ذهبت لقضاء رحلة عمرة مع شقيقها مؤمن حينما كانت في الثامنة عشر، لذا نطقت بترقب وهي تستند برأسها على صدره :
- اللي تحبه يا عمار ، بس لو عايز رأيي إهنة في لوجصر أماكن كتير زينة جوي ممكن نغير جو فيها .
تزمر واعترض يردف :
- يا فرحة لوجصر ع العين والراس بس أني رايد اخدك ونطلع برا شوية ماتنسيش إني لافف إهنة حتة حتة نغیر جو اسبوعين إكدة برا مصر ونرجع تاني .
طرأ على عقلها الصغير الذي كانت تود التقرب منه، والذهاب إليه بشكل متكرر حتى يعتاد عليها، ولكنها أخفت ما تفكر به حينما ابتسمت تنطق :
- اللي تشوفه يا حبيبي
- يا إيه ؟
استفسر بمشاعر متضخمة، يهمس عند عنقها صعودًا وهبوطا، فابتسمت ومالت عليه تغلق عينيها بعدما نالت الدغدغات من معدتها لتؤكد له بهمس ناعم سيطر على حواسه :
حبيبي روحي نور عيوني، وجلبي كله
كلماتها كانت مفتاح المملكة عشقهما، لتفتح الأبواب أمام هذا الفارس المغوار الذي أتى بأسلحته وجواده، فاستقبلته بقلبة ثم أطلقت العنان لشعبها يحتفي به كما يجب .
كانت تتواصل مع صديقتها عبر المحادثة، يتمدد بجانبها ويواليها ظهره وينام بعمق، وهي تعبث في الهاتف بحذر حيث فعلت وضعه الصامت والإضاءة خافتة، تحاول بشكل غير مباشر معرفة أي خبر عن ذلك الشاب فدونت :
(ألا تعرفين أي أخبار عن أصدقائنا؟ الحياة هنا مملة ولا استطيع تكوين صداقات، زوجي لا يتقبل فكرة الصداقة
بين الرجل والمرأة، والنساء هنا لسن على المستوى المماثل لي )
دونت الأخرى بعدما قرأت رسالتها حيث يقطن خلف تدوينتها الكثير من المكر :
( أمم، ألهذا السبب تواصلتي معي إذا، حسنًا لا بأس تيا، أنا في النهاية سعيدة بعودة التواصل بيننا، ولكن حقا لا أعلم شيء عن أصدقائنا القدامى، لقد تعرفت على صديق جديد من ولاية أخرى، تعرفين أنني لست اجتماعية كثيرا ، ولكنه صديقًا رائعًا، انتظري سأرسل لك صورته )
وبالفعل أرسلت الصورة إليها وأكلمتا تواصلهما سويًا.
أما عن مهران فهو كان يعيش حلمًا خاصًا به، حيث يهيء له عقله الباطن مشهدًا بينه وبين نهال جعله لا يود الاستيقاظ أبدًا
دلف القصر يبحث عنها متلهفا ، سأل والدته عنها فأخبرته أنها في الأعلى، كانت تحمل صغيره فقبله وصعد إليها ليزف لها هذا الخبر السعيد، يشعر أنه في أفضل حالته، صدره منشرحًا، ومزاجه صافيًا، وقلبه ينبض بحبها، هذه المرة هو من يرغب بها، ولا يخجل أن يظهر ذلك أمام الجميع .
فتح الباب ليتفاجأ بها تنام على الأريكة كعادتها، ترتدي
قميصا أبيضًا حريريًا يتطاير فيكشف عن أجزاء مغرية منها ، كذلك تفاصيل وجهها وملامحها الجميلة ووداعتها الجذابة.
التقط أنفاسه الضائعة، يهدأها ، يطمئنها، يرتبها فيتنفس بتهمل وهو يخطو نحوها، أخيرًا عادت إليه، ولن يفصل بينهما شيئًا مجددًا، جلس على ركبيته يواجهها ثم نادى بصوت هامس وهو يتلمس وجنتها :
- نهاد؟
فتحت عيونها تطالعه فنطق معاتبا :
- مش إحنا اتفجنا ماتناميش إهنة مرة تانية ؟
لم تجبه بل تطلع عليه بنظرات مستفسرة، كأنها كانت
تنتظر منه خبرًا ، لذا أوماً ينطق بارتياح :
- خصل، طلجتها يا نهاد، ودلوك مافيش أي حاجة حتجف بينا، أني خلاص عرفت غلطتي وإحنا الاتنين اتعلمنا الدرس زين من إهنة ورايح حنبدأ صفحة جديدة وحنرمي كل اللي حصل ورا ظهرنا
انتفضت من نومها تطالعه بمقلتين لامعتين وسعادة بالغة فنهض يجاورها ويقبض على كفيها بين يديه لتنطق :
- طلجتها صوح يا مهران؟ ولا بتضحك عليا زي كل مرة؟
هز رأسها بلا يؤكد بابتسامة عاطفية :
- لاء طلجتها، أني دلوك ماعيزش غيرك في حياتي، كنت تایه یا نهاد، ماكنتش فاهم أني رايد إيه زين، وبعدك عني وطلاجك مني خلوني رسيت وعرفت إن الحياة من غيرك ملهاش ملامح ولا ألوان أني دلوك عارف أني عايز إيه...
شدد من قبضته على ذراعيها ونطق :
- إنت وولدنا وبس كانت غلطة وما حكررهاش تاني.
رأى تلك النظرة التي سعى لها بعد ضياع، ليهلل قلبه فرحًا بعودتها، وتتضخم مشاعره حينما نطقت وهي ترنو إليه وتعانقه :
- أني بحبك جوي يا مهران، وأني كمان حياتي ملهاش أي عازة من غيرك، كنت مستنياك ترجعلي وتبجى ليا لحالي وصوح هي غلطة وراحت لحالها
احتواها يلف ذراعيه حول جسدها ويعانقها بقوة، ثم ابتعد قليلا يسافر عبر ملامحها باشتياق ولم يستوعب بعد أنها أمامه وبين يديه، وليتأكد من ذلك نزل بنظره إلى شفتيها ثم اقترب يقبلها ويعبر لها عن حبه فحاولت التملل من بين يديه ونطقت بخجل :
- مهران استنی
لم ينتظر بل همس وهو ينهض ويحملها بين يديه متجها
بها إلى فراشهما :
- ماجدرش، أني استنيت كتير جوي، وإنت عجابك ليا كان جاسي جوي، خلينا نرتاح بجي.
قضمت شفتيها بخجل، وارتاحت على صدره حتى وصل إلى السرير ووضعها عليه بتهمل ثم حاوطها ونزل يقبلها لتكن شرارة اندماجه معها في مشاعر يفتقدها كثيرا
ولكنه استيقظ قبل أن يكمل ما يريده، فتح عينيه يستوعب حالته، إنه حلم؟؟؟
لعن تحت أنفاسه على عدم اكتماله، ولم يحرك ساكنا بعد، بل حاول أن يغفو مجددًا عله يكمل ما بدأه ولكن عبثا، لذا تماطأ يكبح زمامه ويسيطر على نفسه، فشعر بحركة تجاوره لذا التفت يزدرد ريقه حينها لمح تيا تتقلب وتبدو نائمة ، حيث أسرعت تغلق الهاتف حينما شعرت به يستيقظ..
وشعر بها هو كذلك، كأنها لم تكن نائمة، هل نطق أمامها كلمات معينة بصوت مسموع ؟
زفر بقوة وخيبة أمل، حتى حلمه لم يكتمل، لينهض بعد ذلك ويخطو نحو الحمام، وفي طريقه لفت نظره إضاءة هاتف تيا من أسفل وسادتها، حيث لم تخفيه بشكل جيد
اقترب منه ومد يده يسحبه ويتطلع على وجهها ليشعر
بأعصاب فكها تتحرك، لذا نظر للهاتف ليجد مجددًا رسالة من الفتاة نفسها بري يدل على أنها كانت تتواصل معها، إذا لماذا تخفي عنه ذلك ؟ ماذا هناك إن كانت تتواصل مع صديقة قديمة ؟
عاد يضع الهاتف بجانبها ثم تركها والتفت يكمل خطاه نحو الحمام ليستحم بمياة باردة تطفيء مشاعره المحبطة، هل حقًا سيظلم تيا حينما يطلقها، أم أنه يظلمها بالفعل ويظلم نفسه بهذه الحالة المشتتة ؟
خرج بعد دقائق، تحرك وعيناه عليها بترقب، ثم لف نحو الكومود واستل هاتفه وخطى خارج الغرفة بعدما أغلق الباب عليها.
اتجه يرتد على الأريكة في الصالة، والتقط علبة سجائره ينتشل منها واحدة ويشعلها، ثم قرر استعادة تفاصيل حلمه، ليرجع رأسه للخلف ويغمض عينيه وهو يزفر دخان أولى أنفاث لفافة تبغه....
) أولم تكن بين يديك يا مهران؟ ماذا استفدت من هذا الانحراف الغير مجدي ؟ ما الشيء الجيد الذي فعلته بحق نفسك يا رجل ؟ أنت فشلت في البحث عن السعادة لأنك نظرت عاليًا بينما هي كانت بين يديك ، ولكن لا يجب أن تعترف بفشلك، يكفي أن تصحح الأوضاع )
عاد يزفر بقوة مجددًا، واعتدل يلتقط هاتفه ويطلب رقمها حيث شعر برغبته في الحديث معها الآن...
رن هاتفها وانتظرها لتجيب، ولم تفعل، حتى انتهى وقت اتصاله.
ليفكر هل هي نائمة ؟ أم لا ترغب في مكالمته ؟
تذكر حينما كانت تهاتفه آنذاك، وكان يشعر بثقل في الرد عليها والانغماس معها في أي حديث، يبدو أن الدنيا تدور حقا، وأنه سيشعر بما شعرت به.
هب على عقله زواجه من تيا وانكاره لاختيارها، وتملكه الخوف من تجربة هذا الشعور بشكل أو بآخر، ليسرع في إشغال عقله بإعادة الاتصال بها كدرع حماية كي يبعد هذه الأفكار عنه، وبالفعل رن هاتفها مرة اثنتنان ثلاثة لتجيب بعد ذلك وتنطق بنبرة خافتة :
- سلام عليكم ، في حاجة يا مهران؟
لا يبدو النعاس في صوتها، هل كانت مستيقظة الآن؟ إذا لماذا لم تجب ؟
نطق يرد السلام ثم استفسر بترقب :
- صحيتك ولا كنت صاحية ؟
أجابته ببرود برغم تعجبها من اتصاله الآن :
- حمزة صحي وكان جعان و صحیت اوکله
أومأ بتفهم، ثم نطق بنبرة مباشرة يستهدف حدثها :
- أني حلمت بيكي
صمتت فظن أن صمتها يخفي فضولا لمعرفة تفاصيل حلمه لذا تنهد ثم استطرد يسرد بجرأة متعمدة :
- حلمت إننا رجعنا لبعض، وإنك سامحتيني وفتحنا صفحة جديدة، وجربنا من بعض جوي، ورجعتك تنامي على سريرك و.
- كفاية يا مهران
أوقفته بجملتها فتعجب، لتتابع باختناق كأن أنفاسها مقيدة بسلاسل غدره وخذلانه :
- روح لمرتك وبزياداك لحد إهنة.
شعر بالإحباط، فصمت لثانتين، ثم ارتشف من سيجارته ونفثها يردف بتملك مهيمن :
- إنت على اسمي يا نهاد، وأني ما معترفش بالطلاج اللي حصل بينا ده لإنك عارفة زين إني ما موافجش عليه، ولولا إني وجتها فكرت اريحك ماكنتش طلجت أني ما عايزش اضغط عليكي واصل، ووافجت على سفرك لاجل ما تريحي عجلك شوية، بس في الاول وفي الآخر إنت مرات مهران وام ابنه والدنيا كلها عارفة إكدة ومافيش سبيل تاني غير إكدة
لم تجبه، برغم أنها تمنت لو تستطيع أن تؤلمه، تصفعه بالكلمات، وتحرم النوم عليه، ولكنها تدرك أن أول ما سيفعله هو منعها من السفر، أو ابتزازها بالصغير، وهي لم تعد تحتمل البقاء وسط أفعاله هذه، لذا تمالكت وتعاملت معه كأن كلماته عبئًا، لتبتسم وتردف بهدوء :
- تمام، بس أني دلوك بفكر لو رجع بيا الزمن كنت ححبك واختارك بردك ولا مكانتش وافجت
انزعج وهو يتخيلها ترفضه، ليفكر قليلا في هذا السيناريو لذا ابتسم يجاريها :
حتى لو مارايدانيش كانو حيغصبوكي عليا، ووجتها كنت حعرف زين اخليكي تحبيني.
ابتسمت بسخرية مؤلمة وأومأت تستفسر :
صوح كانو غصبوني بس جولي كنت حتخليني احبك كيف وانت ما عندكش صبر وتصميم ع اللي رايده؟
شرد قليلا يستجمع تفاصيل سؤالها، هي تسقط هذا السيناريو على واقعهما وتبدل الأدوار ليشعر بها، وبالفعل هو يدرك أنها حاولت بالقدر المستطاع، وهو حقا لا يمتلك صبرًا، ولكنه نطق بعناد :
- الراجل غير الست يا نهاد الراجل عنده دراية كيف يخلي الست اللي معاه تحبه وتعشجه، ولو ماعملش إكدة ما يبجاش راچل زین
صوح
نطقتها حيث تتفق معه تمامًا في هذه الإجابة، وكلمتها جعلته يفكر قليلا قبل أن يتابع بثقة :
- أني حعرف كيف ارجع حبك وثجتك فيا تاني، أني فاهمك زين، وعارف إنك دلوك مش مطمنة وحاسة أني واكل حجك، بس يشهد ربنا عليا إني لاجصدت اوجعك ولا أاذيكي، ما حسبتهاش إكدة لما فكرت اتجوز ، بس اوعدك إني حصلح كل حاجة وحنرجع تاني واحسن من لاول كمان
أطلقت العنان لأنفاسها التي كانت تقيدها بعدما استمعت لكلماته، ولم تعد تحتمل المزيد من هيمنته وعبثية كلماته التي لا جدوى لها الآن، لذا نطقت مختصرة :
- إن شاء الله تصبح على خير
أغلقت معه وجلست تفكر إلى متى سيظل موهوما بالسيطرة؟ يخبرها أنه رآها في حلمه وهو يجاور أخرى؟ ما هذا العبث ؟
نظرت لصغيرها النائم، ربما من الجيد بالنسبة له عودتها إلى والده لاستقراره وسلامه النفسي، خاصةً وأن الاختيار الثاني سيعرضه للتشتت معها، ولكنها يجب أن تضمن أيضًا سلامها النفسي كي تحافظ عليه، وسلامها النفسي لن يتحقق بعودتها إلى ذلك الرجل الذي يبرر أخطاءه ويستصغرها بشكل يثير غضبها، لذا فالابتعاد الآن هو
الحل ، وكلما تحدث يثبت لها ذلك
ما إن أغلق معها حتى نهض يتحرك ولكنه تفاجأ بتيا تستند على زاوية الحائط، تتكتف وتطالعه بغضب وضيق بعدما استمعت لآخر كلماته ، لتتساءل بتهكم :
- ممكن تفهمني إيه ده؟
وقف مكانه لثوان يطالعها، ولم يكن يود أن تسمع ما قاله ولكن حدث ما حدث .
تقدم منها وأجابها وهو يتعمق في مقلتيها :
- زي ما سمعتي يا تيا، أني حرجع نهاد
تخلت عن تكتفها ونطقت بهياج منفعل :
- يبقى تطلقني يا مهران
صدم من طلبها برغم أنه أراد أن يصدر منها، ولكنه يفهم طبيعة شخصيتها ، ويدرك أنها لا تهتم بالمشاعر بقدر اهتمامها بالماديات، لذا تساءل بشك :
- عايزة إكدة صوح ؟
تراجعت سريعًا حينما تأكدت من سهولة تخليه عنها،
وأسرعت ترتمي عليه، تعانقه بقوة وتنطق برفض :
لاء مش عايزة كدة، أنا ماقدرش استغنى عنك يا مهران إنت بتعمل معايا ليه كدة ؟ معقول تخلف وعودك ليا ؟ معقول بطلت تحبني ؟ أنا لو بعدت عنك ممكن يجرالي حاجة، ما تعملش فيا كدة مهران حرام عليك .
ظل كما هو لثوان، ينهر نفسه على حالة التأرجح التي تكلبشه عنوةً ، ليزفر بقوة ويردف وهو يبعدها ببطء :
- اسمعيني يا تيا أني حرجع نهاد لعصمتي لأني من الأساس ماكنتش حطلجها اللي بيني وبين نهاد عشرة ودم وطفل، وأني ظلمتها لما ما فهمتهاش صوح مع أول خناجة بينا، وبردك ما حخلفش وعدي ليكي وحتفضلي اهنة معززة مكرمة وليكي كل اللي تطلبيه، حتى لو رايدة الطلاج أني ما حسبش واحدة مهياش ريداني على ذمتي غصب.
إذا سيعيدها حقا، وستشاركها كل شيء، بعدما ظنت أنها ربحت وتخلصت منها، لترتدي قناع الشراسة والهياج حيث ابتعدت خطوة صغيرة ونطقت بنبرة تعنيفية وهو تلوح بيدها :
- لاء الطريقة دي مش معايا يا مهران، ومش حسمحلك تستغلني وبعد ما تزهق مني ترميني، أنا مش واحدة جايبها من الشارع، دلوقتي بتقولي مش هتبقى مع واحدة مش عيزاك وانت عارف كويس جدا إني بحبك أنا كان لازم افهم إنك انسان ما عندكش قرار وبياع فعلا زي
ما قولت قبل كدة، ولعلمك بقى رجوعها ليك انتقام مش محبة، اسألني أنا...
عادت تلتهم الخطوة وتقف أمامه مباشرة تسترسل وهي تشير بسبابتها على صدرها :
- أنا ست زيها وفاهمة كويس إن مافيش واحدة هتفضل تحب واحد عمل فيها اللي إنت عملته ، ولمس واحدة تانية غيرها، يعني ماتفرحش أوي برجوعها ليك لإنك لازم تدفع التمن واهلك نفسهم هيشجعوها على كدة، وساعتها مش هتلاقي حد جنبك غير تيا يا مهران، وبكرة تشوف وتتأكد إن كلامي صح .
اندفعت بعد ذلك إلى غرفتها وتركته يقف يتطلع على أثرها بعدما عكرت كلماتها صفوه، ولكنها ليست ذات خبرة جيدة لتعرف نهاد، هو من يعرف نهاد ويدرك أنها أرقى من أي انتقام ، وكلمات تيا ما هي إلا هراء ناتجا عن صدمتها
في اليوم التالي مساءً..
في قاعة الزفاف الفاخرة، التي تهيأت للحفل، وجاء المدعوون يملؤون المكان ويجلسون بحماسهم الرؤية العروسين
كان نوح يستقل السيارة التي يقودها صديقه، تستقل ريم
المقعد الأمامي وتصفق بسعادة، بينما تجاوره خلفًا هذه الحورية الفاتنة، التي تبتسم وتنظر إليه بسعادة بلغت عنان السماء
جميلة وكلما نظر إليها كلما وجدها أكثر جمالا كأن فتنتها تزداد شيئًا فشيء، مال عليها يهمس بفرحة عارمة :
- القمر النهاردة نزل من السما و چه قعد چنبي نورتي حياتي كلها يا مودة.
نطقها ورفع كفها يلثمه ثم تنهد بحرارة وعاد يتطلع أمامه حيث صديقه يغمز له عبر المرآة، وريم التفتت إلى مودة تبتسم لها وتردد لها كلمات الأغنية الصادحة لتنزعها من توترها وخجلها المسيطران عليها
وصلت السيارات أمام القاعة، وترجل نوح وتبعته ريم التي التفتت لتساعدها في النزول، وبالفعل ترجلت وتمسك نوح بكفها
وللحظة شعرت برغبتها في البكاء حينما تذكرت والدها، وتمنت لو أتى شقيقها ووهبها القليل من الفرحة ، حيث أن المراسم هنا تبدأ بدخول العريس أولا بمفرده ثم انتظاره واستقباله للعروس مع والدها أو شقيقها أو عمها أو خالها ، أيا كان يسلمها إليه ، ولكنها اليوم بدون عائلة
تنهدت وحاولت أن تركز فقط مع النصف الممتليء، حيث أن نوح يحاول سد أي فجوة داخلها، يقوم بدور الأب والأخ والعم والصديق والزوج، جميعهم هذا الرجل الذي
يبتسم ويغمز لها لتبتهج.
ولكنها تفاجأت بعميد الجامعة يقف أمامهما ويردف بنبرة أبوية :
- اسبقنا إنت على جوة يا دكتور عشان اسلمك بنتي
نطقها ونظر إلى مودة التي رفرف قلبها وتوسعت ابتسامتها توميء له، فحررها نوح مجبرا بسعادة حيث أن هذا طلبه للعميد..
تحرك يدخل أولا، ووقفت مودة تجاورها ريم على اليمين والعميد على اليسار مستعدًا لتأيدة دور الأب الروحي لها
بعد دقائق داخل القاعة صدحت أغنية استقبال العروس وتأهبوا الضيوف لرؤيتها حيث تسلطت أنظارهم نحو المدخل، ووقف نوح ينتظر فتح الباب ليراها، لم يكن يتوقع أن يشتاق إليها خلال هذه الدقائق المعدودة
فتح الباب وظهرت تتشبك يد العميد الذي دخل معها بوقاره، يتقدمان بخطوات متهملة من نوح وكلمات الأغنية يسمع صداها بالقلوب قبل الأذان
سلمها له وسط التصفيقات الحارة، وتركهما واتجه يجلس مع دكاترة الجامعة وبدأت فقرة رقصتهما سويًا على أغنية أخرى
اتجهت ريم إلى والدتها التي كانت تجلس مع جيرانها وأقاربها، وما أن رأتها حتى نطقت مبتهجة :
- بسم الله ماشاء الله تبارك الرحمن.
ابتسمت لها ريم، فهي تتزين هكذا للمرة الأولى، وكم بدت جميلة، جمالها ملفتا للأنظار من حولها، ترتدي فستانا محتشما ولكنه لاق بها بشكل رائع، وحجابًا مهندما جعلها ملكة متوجة
جلست بجانب نجلاء، التفتت بعض العيون عليها وعيناها على العروسين تعيش معهما اللحظة، ليهب جابر على عقلها، وتتخيلهما في هذا المشهد، بعدما باتت على مشارف الارتباط به
بعد مرور عشرون دقيقة، دلف جابر القاعة، ومعه صديقيه كمال وأحمد، يرتدون ملابس أنيقة، ولكن أكثرهم أناقة كان هو بالطبع
عيناه تبحث عنها حتى توقف عندها وهي تتحدث باندماج مع والدتها، ما هذا الجمال كله ؟
في هذه اللحظة شعر برغبة قوية في تخبئتها، لفتت أنظاره وأنظار من معه بزينتها وفستانها وابتسامتها الفاتنة فلم يبتهج بقدر ما انزعج، وزاد انزعاجه أضعافا حينما توقف أمامها شابًا لا يعرف هويته، يتحدث إليها بتودد كأنه يعرفها جيدًا، لتشتغل النار في قلب جابر الذي تحولت نظرته لولا تدخل كمال الذي نطق وهو يربت على
ظهره :
تعالی یا چابر لما نسلم ع العريس.
تحرك معهما مجبرًا نحو نوح الذي نهض يستقبلهم مرحبا ليلتفت جابر إليها مجددًا ويجدها ما زالت تتحدث مع ذلك الشاب، لذا بارك لنوح وتحرك نحوهما يرسم ابتسامة مزيفة وداخله ينصهر حتى توقف أمامهما ونطق حينما لاحظته :
- مساء الخير
ثم نظر إلى الشاب واستطرد بنبرة ثاقبة تختفي وراء
ابتسامة حنق :
بعد اذنك
تعجب الشاب ولكنه ابتعد ونظرت ريم إلى جابر تبتسم وتنطق مرحبة :
- أهلا يا چابر نورت
حدق فيها كليًا بنظرة ملهمة ثم نطق بهدوء :
- بنورك
لاحظت جديته ولم تفهم سببه، ولكنها تجاهلته حينما لف نظره نحو والدتها وابتسم يمد يده إليها ويستطرد ببشاشة
وجه تنافي نظرته لها :
- ألف مبروك يا نجلاء هانم
بادلته نجلاء السلام وابتسمت تجيبه :
- الله يبارك فيك اتفضل..
قالتها وأشارت نحو طاولة مجاورة فاتجه يجلس عندها وتعمد أن يكون قريبًا من مجلس ريم، وتبعه صديقيه بعدما باركا لها ولوالدتها
توالت فقرات الحفل، وكلما نهضت ريم من مكانها وتحركت ترحب بالأقارب أو تتجه إلى العروس تهمس لها وتضحك معها كلما زاد احتراق جابر داخليا، غيرته مبالغا بها، يفترض أن هذا الوضع طبيعي، ولكنه لا يعلم لماذا يشعر بألا عليها أن تفعل ذلك
اعترافه لها أمس يعطيه الحق ليغار، ليحجب جمالها عن الأعين، ليمنعها من التبسم في وجوه الأغراب، ومن التعامل بهذا الود مع الجنس الآخر حتى لو كانوا أقاربها...
مر الوقت عليه يتمالك نفسه بصعوبة، حتى أنه لم يعر صدیقیه ترکیز، فتركيزه كاملاً مصوبا نحوها، ليوشك الحفل على الانتهاء، ويهدأ قليلا، قبل أن يقتحم مسعود المكان، وتحدث بلبلة في قلوب كلا من ريم ومودة بعدما رأتاه
أسرع نوح ينهض ويتجه نحوه يحاصره قبل أن يصل إلى مودة، ليردف بتأهب :
- إيه اللي جابك يا مسعود
طالعه مستنكرًا ونطق وهو يشير نحو مودة المنكمشة بتوتر بالغ :
- وه ؟ يعني يبجى فرح اختي وماجيش؟
حدق به نوح محذرًا إياه :
لو چاي تبارك ماشي ، غير كدة يبقى فيها كلام تاني .
ابتسم وتجاوزه برأسه ينظر نحو شقيقته التي تطالعه برهبة، فطالعها بنظرة توعد مخفية ثم عاد ينظر إلى نوحويردف :
ولا تاني ولا تالت، أني لازمن احضر فرح اختي، الاصول ما تفوتنيش بردك.
تحرك بعدها يتجه نحو مودة ليسرع نوح إليها يأمنها منه فوقف أمامها يطالعهما لبرهة ثم فتح ذراعيه يردف :
- تعالي تعالي، مهما حصل بردك ماتهونيش عليا.
تفاجأت ونظرت إلى نوح الذي لم يصدقه، ولكنه يخشى إفساد الحفل لذا أومأ لها فاقتربت منه تعانقه بخوف
ليبادلها بقوة حاقدة تختفي وراء تهنئة أخوية ويردد :
- ألف مبروك ياختي.
ابتعدت عنه سريعًا حيث لم تشعر بمثقال ذرة من عطف بينما هو التفت إلى نوح يستطرد بمكر :
- خد بالك منها ، وبردك أني من إهنة ورايح ماحبعدش عنيكم
نبرته مبطنة بالتهديد قبل أن يلتفت ليغادر موقعه ويتحرك نحو إحدى الطاولات، ولكنه لمح ريم فوقف يحدق بها، لتبادله بكره ورهبة تحت أنظار جابر الذي كاد أن ينهض ويلقنه درسًا ولكن منعه أحمد وكمال من ذلك، حتى تحرك مسعود يجلس ويوزع نظراته حولهم بحقد وتوعد .
انتهى الحفل وغادروا الضيوف وتحركا العروسين نحو الخارج يستقلان السيارة ويودعان الجميع وخلفهما ريم ونجلاء في سيارة الأولى ...
تنفست مودة بارتياح بعدما رحل مسعود ، فقد كانت تخشى أن يفتعل المشاكل، بينما ضيق نوح لم يزل، خاصةً وأنه قرأ تهديده جيدًا، ولم يتوقع ماذا ممكن أن يفعل .
الحمد لله يا نوح عدت على خير كنت مرعوبة المسعود يعمل حاجة إكدة ولا إكدة.
نطقتها ريم لينتبه لها التفت يحدق بها ثم شدد من احتضان كفها ينطق بنبرة عاطفية يواري بها قلقه :
- لاء يا مندولينة ماتخافيش أبدا وانا جنبك .
مالت تستكين برأسها على صدره وأكملا طريقهما يقود بتهمل، ويتطلع خلفه على سيارة شقيقته ليطمئن قبل أن يقرر ترك هذا الأمر الليلة، ويعيش سعادته دون تعكر ...
وصل عبد الله وولديه إلى شقتهما في الاسكندرية.
دلف يضع الحقائب جانبًا وخطى يرتد على الأريكة وتبعه ابنه عمر وابنته ندا يجاورانه ولتتساءل الثانية بترقب بعدما لاحظا انزعاج والدهما :
- مش المفروض كنا نيجي الأسبوع الجاي يا بابا؟ هو حصل حاجة ؟
نظر لهما يخفي عنهما ما حدث بينه وبين مهران أمس، فقد أخبره بوضوح تام أن نهاد ستمارس عملها هنا لفترة بعدما اتفقا على العودة لبعضهما، وأنه سيزورها دوما، وألا يكلفها بأي عمل خارج الشركة، وأنه لم يكن يتوقع منه أن ينفذ طلبها حينما لجأت إليه، بل ينتظر منه أن يبتعد تماما
عن أي شيء خاص بها .
يدرك أن مهران ليس غبيا، ولكنه يستعمل ذكاءه بشكل خطأ، وبرغم ذلك يجد نفسه يتساءل، إن كانا اتفقا على العودة فلما لجأت نهاد إليه وطلبت مساعدته ؟ أم أنه يخدعه بسبب غيرته التي لا داعي لها ... هل حقا لا داعي لها ؟
تحمحم يجيب ابنته بهدوء ظاهري :
- عادي يا بابا شغلي خلص هناك وقولت كفاية كدة .
تساءل عمر بترقب :
- طب هي خالتو نهاد حتيجي امتى .
تطلع على ابنه بثقب ثم أجابه قبل أن ينهض ويدعي انشغاله :
مش عارف يا عمر يالا الوقت اتأخر، خلونا نقوم نطلع الهدوم ونرصها وانا حطلب اكل من برا لحد ما تخلصوا
دلفت غرفتها بعدما ودعت والدتها، وبدأت تخلع حجابها وفستانها واتجهت تغسل وجهها وترتدي ملابس بيتية
مريحة وعقلها يفكر به بنظراته الغريبة والجديدة عليها بجملته قبل أن يغادر حيث أكد عليها أن تهاتفه عند عودتها إلى المنزل ، ولكنها لم تفعل خاصة والوقت قد تأخر، وليس عليها أن تنفذ مطلبه .
انتهت وأدت فرضها وتحركت نحو السرير تتمدد عليه وتتنفس مطولاً، اليوم كان مجهدًا وممتعًا في آن، لذا هي بحاجة ملحة للنوم
أغمضت عيناها وكادت أن تغفو لولا رنين هاتفها الذي التقطته من فوق الكومود لتجده هو زفرت وحاولت تجاهل اتصاله، ولكن فضولها جعلها تجيبه وتنطق :
- سلام عليكم
بدا الغضب في نبرته حينما نطق :
- مارنتيش عليا ليه يا ريم زي ما جولتلك ؟ إنت زينة؟
از دردت ريقها وتنفست تهديء من حنقها، وأجابته بنبرة واضحة :
- أنا كويسة، ومارنتش لان الوقت اتأخر وكنت هنام وبعدين أنا راجعة مع ماما ونوح يعني مافيش داعي تقلق
أجابها وهو يقف في شرفة غرفته ويجاهد ليبدو هادئًا ولكنه ليس كذلك بعدما رأى النظرات عليها اليوم خاصةً
مسعود :
- لا فيه داعي يا ريم، إنت ما شوفتيش العيون عليكي كانت كيف ياريتك كنت ورتيني الفستان جبلها وكنا اتفجنا تلبسي حاجة تانية.
قطبت بتعجب ونطقت مستنكرة على الفور :
جابر إنت كويس ؟ إيه الطريقة دي؟ دي غيرة مش مبررة، النهاردة فرح أخويا وفستاني كان كويس جدا وأنا مقتنعة بيه ومن حقي اظهر بالشكل اللي يعجبني
يشعر بالضيق ولم يقتنع بحديثها ولكنه نطق بترو انتشله بصعوبة لتبدو كلماته رومانسية بعدما قرر التمهل :
- ياست البنات من حجك ماجولناش حاجة، بس بصراحة اول ما شوفتك كان بودي اخبيكي من العيون كلها، وبعدين أني جولتلك تطمنيني لما توصلي عشان كان نفسي اسمع صوتك على العموم حصل خير وماتزعليش مني ، دي حاجة غصب عني، يمكن تشوفيها تحكم بس أني اعتبرتها حب، أني الليلة اتاكدت إني بحبك يا ريم، وحجيجي لو كان ينفع اخبيكي كنت عملتها
توترت كليًا وتبخر انزعاجها منه لتحل محله مشاعر بكرية لا تستوعب أنه يعترف بحبه الآن، وهي على وشك النوم وعبر الهاتف، لتصمت ولا تعلم بماذا تجيبه لولا أنه نطق يرحم دهشتها :
نامي دلوك ونبجى نتحدت الصبح، بس رني عليا بجى اول ماتصحي، تصبحي على خير .
أغلقت وتركها تتخبط بين مشاعرها واعترافه، ولكن على ما يبدو أن جابر المهندس لا يشبه جابر العاشق على الإطلاق، فهل يصبح عشقه قيدا لها ؟
في شقة نوح
وقف ينزع عنها حجابها ثم لفها إليه يحدق بها لثوان قبل أن ينطق بحب :
- بحبك .
- وأني كمان..
نطقتها بلمعان يضيء مقلتيها سعادة وخجلا، ليستطرد مطمئنا وهو يحاوط كتفيها :
- مش عايزك بقى تفكري في أي حاجة ممكن تضايقك ارمي أي حاجة تزعلك ورا ضهرك، وفكري بس في لحظتنا دي، أنا وانت مافيش أي حاجة تقدر تفرق بينا مهما حصل، حنفضل ماسكين ايد بعض دايما يا مودة، أوعي تفلتي إيدي في يوم من الأيام.
هزت رأسها بلا تجيبه بصدق :
مش حيحصل .
ابتسم لها ثم رفع يدها يلفها بحب ودلال قبل أن يتنهد بحرارة وينطق :
- طيب سبيني بقى اطلعك من الفستان ده ونتوضى ونصلي ركعتين الأول
بعد وقت
ابدلا فيه ثيابهما وأديا ركعتي الزواج وتناولا وجبة خفيفة
وضعها بخفة على الفراش، ثم اعتدل ينزع التيشيرت الخاص به ليطالع توترها وخوفها لذا انحنى يقبل جبينها وينطق بحنان كبير :
اهدى يا حبيبي ، ثواني وراجعلك.
تحرك صوب الحمام، وسمعته يفتح صنبور المياة، ثم عاد لها ليجدها تحاول النهوض وتسأله بتلعثم :
- بتعمل إيه يا نوح ؟
هششششش
نطقها وهو يحاوطها بعرضه ويرنو منها ويهمس حينما سبحت يده على طول ذراعها تسبب لها ارتعاشة خفيفة :
حتعرفي دلوقتي بس عايزك تسترخي خالص وماتتوتريش، أنا مستحيل أأذيكي بأي شكل.
هزت رأسها توميء بثقة ، وبالفعل كان أستاذا في إرخاء حواسها، ينزع العوائق عنهما بتهمل شديد يصيبها مراكزها الحسية ، ثم يدرسها جيدًا من خلال شفتيها ومعالم وجهها، ويشرح لها كلمات مفعمة بالعشق والرغبة لتحفظها عن ظهر قلب، ثم يعطيها درسًا خاصة في إثارة المشاعر حتى أخذها في تجربة عملية جديدة كليا على كليهما.
تأوهت بخفة فالتهم همسها وهو في قمة سعادته بها، ثم تحكم في مفاتيح رغباته وابتعد يتنفس بحرارة، ونهض يحملها بين يديه فشهقت فهمس لها عند أذنيها مطمئنا :
سيبي نفسك ليا وماتقلقيش خالص
سكنت خمائل قلبه، واستراحت عليه تشعر كأنها داخل غيمة في حلم لا ترغب في الخروج منه.
خطى بها نحو الحمام ومنه إلى حوض الاستحمام يضعها داخل المياة الدافئة بتهمل فتعلقت برقبته خجلا ورهبة مما يحدث ليتركها تفعل، وجلس يتكيء أرضًا خارجه يملس عليها ويهمس لها بكلمات مرطبة للروح وهي مازالت معلقة به بجزئها العلوي لبعض الوقت يسرد لها كم يعشقها، حتى عاد يرفعها ويضمها إليه بعد دقائق ويخطو بها عائدًا يريحها ويرنو منها مستفسرا بهمس مثير :
- أحسن شوية
أومأت له شاعرة بأنها منعمة ومدللة بشكل لا مثيل له، ليبتسم عليها ويستطرد شعرًا غزليا لعمر بن القارض وهو يوزع همسه بين أذنها وعنقها :
- زدني بفرط الحب فيك تحيرا، وارحم حشا بلظى هواك تسعرا، وإذا سألتك أن أراك حقيقةً، فاسمح ولا تجعل جوابي "لن ترى"
قبلها قبلة ناعمة ثم ابتعد يسترسل هائما:
- تسمحيلي بقى أذوب عشقا ؟
صباحًا .
فتح باب سيارة شقيقه واستقلها حيث هاتفه منذ ساعة وناداه في أمر هام
جلس يتساءل :
- خير يا مهران؟ وإيه المجابلة الغريبة اللي ع الصبح دي ؟ حصل حاجة ولا إيه ؟
كان ينظر أمامه ويرتدي نظارته، يفكر كيف سيطلب منه هذا الطلب ولكنه يجب أن يتتبع حدثه، لذا زفر والتفت يطالعه لبرهة ثم نطق بترقب :
حجولك بس لازمن الموضوع ده بالذات ماحدش يعرف عنه أي حاجة واصل، وبالخصوصي أبوك.
تعجب جابر وعاد يستفسر :
- موضوع إيه ؟
نطق بعد ثوان من التردد :
- أني عايز اهكر موبايل تيا مرتي
ألجم التعجب جابر الذي تكالبت الأفكار على عقله، وتذكر حينما طلب منه عمار هذا الأمر ولكنه رفض أن يفعلها، أما الآن فزوجها هو من يرغب بذلك، وبرغم أن هذا ينافي مبادئ مهنته إلا في الضرورات ، لذا تساءل بترقب :
- ينفع تجولي السبب لاول ؟ اصل طلبك ده مهواش سهل ولا قدر الله ييجي من وراه حوارات كتير، فهمني وأني مساعدك
أردف يرفض تلميحات شقيقه في حق تيا ويوضح :
- مهواش اللي في دماغك ده واصل، الموضوع مختلف اعمل بس اللي جولتلك عليه يا جابر ومن غير ما أي حد يعرف، وما تجلجش مافيش حوارات ولا حاجة حتحصل أني اعجل من إكدة
- تمام
