رواية صياد النايا آل حانا الفصل الثامن والعشرون
لم يكن الرحيلي صوتا أودعه، بل كان هدوءًا غريبا تسلل إلى أركان غرفتي كالغبار الناعم، كأن الأشياء التي اعتدت وجودها قررت فجأة أن تنفض عن نفسها غبار البقاء، كأن الألم الخامد في الأركان قرر فجأة أن يثور.
لم يكن رحيلي رحلة بدأتها ، بل هو بقايا رحلة انتهت في قلبي، هو تلك اللحظة التي توقفت فيها الساعة عن دقاتها المألوفة، حينها سمعت دقات قلبي وهو يحاول التأقلم مع إيقاع الفراغ الجديد الذي خلفته الخيبات .
لم أرغب في الرحيل عن الأماكن بل رحلت لأبتعد عن نسخة من نفسي لم أعد أطيقها ، نسخة باهتة معلقة على جدران واهية ، أو مخبأة في تفاصيل كلمات لم تكتمل.
يقولون إن الرحيل يداوي، لكنه في الحقيقة يُعري يكشف لنا كم كنا مرتبطين بظلال الأشياء لا بصلبها، ومع ذلك يظل الرحيل ذاك الجرح الجميل؛ لأنه
الدليل الوحيد على أننا أحببنا بعمق، لدرجة أننا لم نعد نحتمل فكرة الغياب لكننا اضطررنا أن نحمله في حقائب أرواحنا.. ونمضي للبحث عن نسخة أفضل منا.
بقلم آية العربي
بعد مرور أسبوع
لم يكن هيئا على نوح السفر لقضاء عطلته وترك والدته وشقيقته بمفردهما خاصة بعد عودة ظهور مسعود في الفرح والتي وترت الأجواء، برغم أنه لم يبد توتره إلى مودة التي كان يعاملها بكل الحب والاحتواء والدلال الذي لم تره سوا معه..
توتره جعله يؤجل سفره، وهذا ما اعترضتا عليه نجلاء وريم، وصممتا على ذهابه مع زوجته لرحلة شهر العسل، وبعد إلحاح منهما والتأكيد على أنهما سيكونان بخير قرر الذهاب في عطلة قصيرة والعودة سريعًا...
سافر منذ يومين، حينها تعاظم اهتمام جابر، وغيرته، وحرصه المبالغ به على ريم، يتبعها كالظل فتجده أمامها صباحًا يقود خلفها إلى أن تصل الشركة، ثم يتبعها كذلك عند العودة إلى أن يطمئن لصعودها، حتى أنه عين أحد الحراس لحراستها خوفا من تعرض ذلك المسعود لها، فمنذ أن أخبرته صدفة أن نوحلم يرغب بالسفر خوفًا عليهما وقد تبنى هو ذلك الخوف، مما جعلها تختنق من أفعاله، وتعترض بحدة، وتضع الحدود، حتى أنها كادت أن ترفض هذه العلاقة، فلا مبرر لديها لتحكماته، خاصة وهما في البداية، ولكنه يمتلك طريقة معقدة في الامتثال لتجد نفسها مستسلمة بعد محاولات مرهقة لها
وحدها، وممتعة لسيطرته
لم يكن السفر خيارًا لنوح ومودة وحدهما، بل اتخذ عمار قراره في سفره إلى جزيرة "باماليكان".
ولأن مجال عمله يتيح له سهولة الحجز فقد تعاقد مع شركة سياحية على معرفة مسبقة بها لتنظم له كل شيء، ولكن الأمر سيستغرق القليل من الوقت للانتهاء من إجراءات وأواراق السفر ، وهذا ما كانت تريده فرحة، برغم حماسها الذي ولد حينما رأت الصور الخاصة بتلك الجزيرة وسمعت حديث عمار عنها، ولكنها أرادت وقتا تقضيه مع نور الصغير الذي تعلقت به كثيرا ، لذا سينتظران بعض الوقت ...
وأحيانًا لا يبدو الرحيل للاستمتاع فقط، بل قرارًا للنجاة، اختارته نهاد بمحض إرادتها ومجبرة في آن .
برغم اعتراض صابحة، وصعوبة تقلبها لبعدهما عنها، وبرغم رؤيتها لعدم تقبل عبد الوهاب لهذا الرحيل وقبوله على مضض، وبرغم خوفها من المجهول وتبدل الأمور رأسا على عقب، إلا أنها لم تتراجع عن قرارها....
وها هي تودعهما وتستقل السيارة التي ستنقلها إلى المطار مع صغيرها، لم يكن وداعًا مريخا، خاصةً حينما حزنت صابحة واندفعت للداخل دون إضافة حرف، بعدما ترجتها لأيام بألا تفعل، وها هي تحصد انزعاجها منها ...
وقف عمها ومهران يتابعان ما يحدث بصمت، لم يستطع عبد الوهاب تقديم الدعم لها على حساب مشاعر زوجته، فقد ظن أنها ستقدر تعلقهما ومحبتهما لها وللصغير، وربما تتراجع، إلا أنها ظلت على موقفها بطريقة أثارت تعجبهما حيث أنهما عاهداها هيئة لينة، ترى ماذا أحل بها؟
هكذا تساءل عبد الوهاب وهو يقبل الصغير ويعانقه ويودعهما، بينما أغلق مهران حقيبة السيارة ونطق وهو يتجه مكان القيادة :
- يالا يا نهاد .
صدمت حينما استقل مكانه ونطقت معترضة :
إنت رايح فين ؟ مش السواج هو اللي حيوصلني ؟
نطق وهو يجهز نفسه دون أن يرفع رأسه لها :
لاء أني اللي حوصلك
از دردت ريقها، وتحلت بالهدوء، فلم يعد هناك سوا خطوات قليلة على حريتها، حيث ظنته سيوصلها إلى المطار، لذا زفرت واحتضنت صغيرها واستقلت بجانبه وأغلقت الباب ثم التفتت تودع القصر بنظرات مبهمة، فهي تعلم أنها ربما لن تعود إليه ثانية.
غصة تلازمها وهو يتحرك بالسيارة، واستقرت عيناها على عمها الذي يناديها بنظراته علها تستجيب، إلى أن عبرت حدود القصر، وغابت عنه، لتلتفت إلى الطريق، كأنها تراه للمرة الأولى، برغم عبورها اليومي منه، إلا أن الآن بدا كل شيء مختلف، والرحيل أضحى مؤلما بقدر البقاء .
عانقت صغيرها بقوة، وتهاوى قلبها بالخوف من الفشل وحدها، بالحيرة من أمرها بالصراع مما تركته لتوها، وما هي مقبلة عليه، وبالطبع لم تنس والدها وشقيقها، والأحمال المثقولة عليها، لتعاند كل هذا وتنظر للأمام نظرة تحدي لن تفعل شيئا خاطئا، هي تختار نفسها فقط بعدما فشلت في اختيار رجل عمرها الوحيد
يجاورها وعقله منشغلا في حالة والديه التي حفزته ليرفض سفرها، ولكنه التزم بوعده لها، لا ينكر أن ثقته تزعزعت منذ أن نجح جابر في الربط بين هاتفه وهاتف تيا ليجد محادثات بينها وبين صديقتها لم كان يتوقعها، حيث تتباهى بالزواج من رجل ثري، ولكن مالم يكن يتوقعه أن لديها ماضي تخفيه ربما أخبرته من قبل عن ذلك الشاب زميلها، ولكن مازال هناك أمورًا لم تكشف بعد، وإلا فلما تتحدث عن إخفاء الماضي ! ...
حاول استدراجها بشكل غامض من قبل ولكنها لم تقع في فخه، ليظل مراقبا لهاتفها، ومصممًا على تتبع ما تخفيه عنه، حتى لو اضطر للسفر ومقابلة تلك الصديقة ..
ولكن تجربة تيا جعلته يشكك في نوايا نهاد، ويخشى أن رغبتها الملحة للسفر ما هي إلا فخ للخلاص منه، لذا قرر أن يضاعف حيطته حولها دون أن ينبهها
التفت يطالعها ليجدها تجلس صامتة وتعانق الصغير، دقق النظر فيها، وتمنى لو باستطاعته معرفة ما يدور بخلدها الآن وما تخطط له.
نجح في تهكير هاتف تيا ولم يرغب بفعلها مع نهاد، بل تمنى لو يستطيع تهكير عقلها ورؤية خطتها القادمة...
عاد ينظر أمامه ونطق ليشتت تفكيرها :
- لو تحبي افردلك الكرسي وتريحي شوية لحد ما نوصل للمطار
هزت رأسها بلا ونطقت بهدوء :
- لا أني تمام
حاوطها بنظرات سريعة، ثم عاد ينظر للطريق ويسترسل :
- خدي بالك زين مهواش سهل على أبوي وامي بعد حمزة عنهم، ومهواش سهل عليا، ده حفيدهم الوحيد بردك والجرار اللي إنت صممتي عليه ده غريب عن عوايدنا، ولولا تجتهم فيكي وبالخصوص أبوي مكانش وافج بيه واصل، بس بردك أني وعدتك، واديني أهو وفيت بوعدي، ودلوك أني عايز وعد منك إنت كمان
نهشها الخوف فالتفتت تطالعه وتتساءل بثبات وهمي :
- وعد إيه ؟
نطق وهو يوزع نظراته بينما وبين الطريق :
إن سفرك ده ما يطولش، وما تفجئنيش بجرار يزعلنا، اديكي شوفتي حالة امي وابوي وزعلهم، روجي حالك واجعديلك شهر ولا حاجة اكدة وترجعي تاني طوالي
ابتسمت ونطقت وهي تطالعه بنظرة ثاقبة :
- هو ده اللي حيحصل
أوماً يبتسم بارتياح، ولكنه عاد سريعًا يشرد ويفكر ماذا إن كانت تخدعه؟ هل يعقل أن تفعل هي؟
تساءلت بترقب لتشتته :
- هو فيه حد حيستناني هناك؟
طالعها بنظرة سريعة ولكنها ثاقبة ثم نطق وهو يعود لطريقه :
أني چاي معاكي ماحسبكيش غير وانت في اسكندرية.
شعرت بثقل مبالغ فيه يقبض على صدرها، ونطقت معترضة :
- كيف يعني ؟ لزومه إيه ؟ مش هناك الحارس اللي عينته والست اللي حتساعدني ؟ لازمتها إيه تيجي معايا؟
نطق بنبرة لا تقبل النقاش :
حوصلك وارجع ما عنديش أي مشكلة في ده، إلا لو خايفة عليا؟
نطقها والتفت يدقق بها ولكنها لم تنظر نحوه بل تردد داخلها جول للزمان يرجع)
ترجلت من سيارتها أمام الشركة والتفتت تطالعه وهو يترجل ويتقدم منها مبتسما حتى وصل إليها فنطقت متذمرة :
بردو یا جابر؟ قولتلك مالوش أي لزوم مشيك ورايا ده، إنت كدة بتضغط عليا.
سافر عبر ملامحها ونطق بهدوء استفزازي :
مافيش ضغط ولا حاجة يا ريم كلها كان يوم ونوح يرجع واطلبك رسمي وارفع الضغط من عليكي، ومن دلوك لوجتها سبيني اعمل اللي يريحني
كالعادة مؤخرًا تتنفس وتصمت لإدراكها أن اعتراضها لم يبد نفقا معه، لذا التفتت تتقدم نحو الداخل وتبعها بخطوات سريعة حتى بات أمامها وصعدا سويًا تحت أنظار الجميع التي لم يعد يهتم لها بمقدار ذرة، هي من تعطيها اهتمام لذا تحلت بالجدية وتحركت صوب غرفتها مباشرة، إلا أن أحمد كان يراهما في الأسفل من خلال النافذة، ويدرك أن علاقتهما تتخذ مسارا جادًا بدلا من أن تخرب، يجب أن يتدخل وإلا فستستحوذ هذه الريم على الشركة وصديقه وكل شيء .
لم تنفعه علا في شيء، ولم يحصل على ما أراده من خلالها، لذا يجب أن يتدخل هو بشكل مباشر
تحرك خارج مكتبه يندفع نحو مكتب جابر، ودلف دون استئذان يردف :
لا زمن نتكلم یا چابر
التفت له جابر الذي كان يعلق جاكيته للتو، وأدرك ما يود قوله، لذا جلس بهدوء وشبك كفيه يتساءل بخبث :
- خیر یا احمد؟
جلس أمامه ونطق باندفاع أهوج :
- المفروض اننا شركا في كل حاجة، ضح الشركة ليك وانت اللي أسست بس بردك إحنا اخترناك وصد جناك واستنيناك لما ترجع من سفرك لاجل من نبجى كلنا يد واحدة، بس دلوك أني شايف إن الوضع بجى غير وانت بجيت تدور على مصلحتك لحالك...
- إزاي؟ ما فهمش يا احمد جول اللي عندك دوغري
نطقها جابر بترقب ليستطرد أحمد بوضوح :
ریم یا چابر من البداية جولت إنك حتاخدها من معتز لاجل مصلحتنا كلنا وحصل واني ساعدتك في ده وجولت خير لينا وللشركة اللي بجالنا ياما بنحلم بيها، لكن اللي أني شايفه دلوك غير كل اللي خطتناله بعد ما خليتها شريكة ويانا وكلمتها بتمشي علينا .
استمع له بإنصات ثم تساءل متأهبا :
- وإيه اللي انت شايفه ؟
- شايف إنك بتحبها، ومش دي مشكلتي مشكلتي أنها أثرت عليك وعلى عجلك وبدل ما كنت تلفها لاجل مصلحة الشركة دلوك هي اللي بتلفك لاجل مصلحتها، وانت ماشي وراها بدون أي تفكير، ما حطتش في حسابك إن معتز يكون وراها؟ مهي سابته وجيتلك واللي زي دي مالهاش أمان، فوج یا چابر وما تخليهاش تاكل عجلك وتضحك عليك...
تحكم جابر في غضبه، بل أنه تحلى بالبرود فابتسم ونطق بنبرة ثابتة :
وانت مالك؟ ماتضحك عليا وتاكل عجلي وتلفني لاجل مصلحتها، دخلك إيه؟ هو أني كنت ادخلت في حياتك لما روحت اتجوزت عرفي؟
صدم أحمد وعم التوتر جسده، يطالعه لبرهة بصمت قبل أن ينطق مراوغا :
- حديث إيه اللي بتجوله ده؟ أني ما فهمش حاجة.
ضحك جابر وأرجع ظهره الخلف ينطق موضحًا :
لاء فاهم زين علا اللي اتجوزتها لاجل ما تطفش ريم من إهنة وتخوض في سمعتها، أوعى تفكر أني مش واعيلك يا ابو حميد، عيب عليك يا صاحبي داني چابر بردك وليا بدل العيون عشرة، ومن غير حتى ما اطلب، يعني مافيش حد يجدر يلفني ولا يستغفلني.
نهض من مكانه ولف باتجاهه ثم جلس على المقعد المقابل له ومال عليه يستطرد بنظرات ثابتة :
من الآخر اكدة يابو حميد ريم تخصني، وكلها كام يوم وموضوعنا يبجى رسمي، وإيوة كلمتها اهنة مسموعة عليك وعلى غيرك، ولو الوضع ده مهواش لادد عليك يبجى نفضها وكل واحد يروح لحاله، وتاخد مرتك معاك، ويبجى عداني العيب جوي إني حتغافل على اللي عملته من ورايا .
تفاجأ أحمد من تخليه عنه لذا نطق :
- بسهولة إكدة يا صاحبي ؟ حتبيعني بعد السنين دي كلها ؟ وبسبب واحدة؟
اعتدل جابر وجلس يتطلع عليه لثوان قبل أن يردف :
- أني ما يبعش يا احمد، أني بشتري اللي يشتريني ويخلص لي، غير اكدة ما يلزمنيش، شوف اللي إنت رايده وأني معاك فيه
نهض يغادر وهو يدرك أنه خسر ثقة جابر، وتخلى عنه الآخر بسهولة، والسبب ريم
كيف علم بزواجه العرفي ؟ وكيف علم بخطته مع علا؟ وماذا سيحدث بعد ذلك ؟ عليه أن يفكر جيدا، ويختار نفسه فقط.
تجلس بأريحية خلف مكتبها لا تمارس عملها، فقط تعبث بهاتفها حيث تشعر بالملل والضيق كعادتها دائما.
لتأتيها رسالة من صديقتها جعلتها تنتفض حينما قرأت :
( تيا، حزري، أنا الآن في مصر )
كانت هذه صديقتها تخبرها بوصولها إلى مصر، مما جعلها تتعجب وتتساءل مدونة :
) هل تمزحين ؟)
لتجيبها الأخرى مؤكدة :
( لا، حقا أنا الآن في القاهرة وأحدثك من فندق *** )
از دردت ريقها ولم تدون ردا سريعا بل جلست تفكر ماذا أن جاءت إلى هنا؟ يجب أن تبعدها عن محيطها؟
أتتها رسالة أخرى فنظرت تقرأ :
( يبدو أنك انزعجت يا تيا، لا تقلقي لن آتي إليك)
دونت تتجمل :
) لا بالطبع لم انزعج، بل فقط تفاجأت، وفي كل الأحوال أنرت مصر )
اصطحبها إلى الطبيبة النسائية للاطمئنان على الجنين في زيارة روتينية للمرة الثانية
جلست الطبيبة تعاينها تحت انظارهما، تنظر عبر شاشة السونار وتشرح لهما حالة الجنين قائلة:
- أمورنا كلها تمام الجنين دلوقتي في الأسبوع الحداشر، حجمه كويس جدا.
تساءل يونس وهو يدقق النظر في الشاشة :
هو فين يا دكتورة؟
ابتسمت تشير لهما نحو قطعة سوداء صغيرة :
- هو ده .
استنكر بمزاح ينظر إلى نوارة وينطق :
وه ؟ هو ده اللي حجمه كويس ؟ ده جد اللمونة.
أومأت مؤيدة تنطق بمهنية :
- هو فعلا حجمه بيبقى أد الليمونة، وكدة عدينا مرحلة تكوين الأعضاء المرحلة اللي بعد كدة هي النمو، حيبدأ يتحرك حركات خفيفة بس مش حتحسي بيها دلوقتي.
ظلا يشاهدان صغيرهما ويستمعان لكلمات الطبيبة التي انتهت من الفحص ونهضت تنزع المحارم الورقية وتناولها إياها مسترسلة بتأكيد :
المرة الجاية نسمع نبضه وممكن نعرف النوع بإذن الله، بس أهم حاجة يا مدام نوارة تمشي على المكملات الغذائية زي مانت وطبقا لازمن تشربي سوائل كتير وتتغذي كويس ع البروتينات والكالسيوم لان ده مهم لصحتك وصحة الجنين الفترة دي.
جلست خلف مكتبها، بينما وقف يونس يساعد نوارة في النهوض وهندمة ملابسها، والسعادة تعم تقاسيم وجهه للاطمئنان عليهما ورؤية صغيره، ثم تحركا يجلسان أمامها ليتساءل يونس بترقب :
وبالنسبة للمجهود البدني يا دكتورة؟ جوللها حاجة الله يباركلك لإنها ما بتريحش حالها.
نطقت الطبيبة محذرة :
لاء طبعا ما ينفعش يا مدام نوارة، لازمن نحافظ الفترة دي جدا وما ينفعش تشيلي أي حاجة تقيلة أو تعملي مجهود بدني عنيف
نطقت مستنكرة توضح :
- مافيش الحديت ده يا دكتورة يونس ماعيز نيش اتحرك من السرير واصل
المجهود البدني اللي بيجولك عليه ده لو وجفت شوية في المطبخ ولا حاجة.
ضحكت الطبيبة ونظرت إلى يونس متعجبة توضح :
لاء لو كدة يبقى هي صح يا شيخ يونس، وبالعكس ده لازم تتحرك وتواصل نظامها بشكل طبيعي، بس كل حاجة في المعقول حلوة
تنهد يوميء ثم نظر إلى نوارة ينطق بتأكيد وحب حينما لاحظ نظرات الانتصار والتحدي عندها :
بردك ما حتعمليش اللي في راسك
ابتسمت الطبيبة عليهما وأحبت علاقتهما، خاصة وأنها نادرا ما ترى أزواج مثل يونس يمرون عليها مع زوجاتهن، لذا نطقت وهي تشبك كفيها وتشاركهما
المزاح :
- خلاص يا مدام نوارة اسمعي كلامه، حد يلاقي الدلع وما يتدلعش
ودعاها وغادرا يستقلان السيارة ويقود معبرا عن سعادته :
- الحمد لله يا بجلاوة أمورنا كلها تمام واديكي سمعتي حديث الدكتورة تتغذي زين وماتشليش حاجة من ع الأرض.
نطقت معترضة بعبوس ظاهري ينافي سعادتها بحبه واهتمامه :
- ماجلتش اكدة يا يونس، أني اكدة حتخنج لو فضلت جاعدة من غير لا شغلة ولا مشغلة.
غمزها ينطق بمرح وخبث :
- أني شغلك ومشغلتك يا جلب الشيخ طلعي كل زهجك فيا وعلى جلبي كيف العسل الابيض.
تنهدت مستسلمة ثم وجدته يقود باتجاه معاكس فتساءلت بترقب :
- إحنا رايحين فين؟
- حنتغدا برا اني وانت تحبي تاكلي أسماك ولا لحوم؟
كأنه لا يعرف ولكنه انتظرها تهتف بحماس :
- أسماك طبقا .
نطقتها بتأكيد، حيث مؤخرًا باتت تشتهي الأسماك بكثرة، وهي بالأساس تحبها ، لذا قاد إلى ذلك المطعم الذي تناولا فيه من قبل ، ليهب على عقله ذلك الأمر الذي ناقشته به والدته منذ يومان يجب أن يخبرها به، ويحاول إقناعها دون أي توتر أو ضيق
وقفت فرحة في المطبخ تعد الطعام مع مروة وحسناء، وعلى غير عادة لم تشاركهن صابحة التحضير، حيث تمكث في غرفتها حزينة على رحيل نهاد وحمزة
جلست سجود على الطاولة التي تتوسط المطبخ تطالعهن دون أن تشاركهن في التحضيرات، حيث أنها تتمادى حينما تغيب عنها صابحة لذا نطقت
بتبجح :
- أني ما عرفاش إزاي خالي يجبل بالمزلة دي ؟ هو إحنا عندينا الحديث ده؟ ده لو خالي حسنين عرف حيطربج الدنيا
لم تعرها فرحة اهتمام، حيث أنها تدرك رغبتها في افتعال المشاكل، كذلك مروة التي تجاهلتها، إلا حسناء التي شاركتها مطمئنة لعدم وجود رتيبة أو صابحة :
- معاكي حج يا سجود اللي الست نهاد عملته ما يصحش واصل، وبأمانة هي زودتها جوي مع مهران بيه دي لو لفت الدنيا إكدة ماحتجبش راچل کیفه اتجوز صوح بس ماكنش حيجصر وياها في أي حاجة، وكانت تجدر ترجعه ليها وتخليه يطلج الثانية دي بس هي اللي خايبة طلاج إيه وسفر إيه اللي عملته دي احنا اهنة في الصعيد وهي كسرت العادات ولما الحاج حسنين يعرف حتبجي مصيبة سودا، وبأمانة ياريت يعرف عشان الحاج عبد الوهاب ماكنش لازمن يوافجها ع الغلط ده.
التفتت مروة تحدجها بحدة ونطقت معنفة فلم تعد تحتمل :
وانت دخلك إيه بالحديت ده يا حسناء؟ إنت ناسية اللي عملتيه ؟ مالكيش صالح واصل بدل ما الحاجة صابحة تسمع وتجطع عيشك من إهنة.
اعترضتا حسناء وسجود واهتاجت الثانية تصيح :
وانت دخلك إيه انت كمان هي بتتحدت وياكي ولا ويايا؟ اجفلي ودنك وما تسمعيش.
لتسترسل حسناء متأهبة بدفاع سجود عنها :
وأني كنت عملت إيه يا مروة؟ مش هي اللي طلبت مني واني جولت اساعدها بطيب خاطر وكنت رايدالها الخير هي اللي عملت الغلط واني ماليش صالح
لم تعد فرحة تحتمل حديثهما، صمتت لتتجاهلهما ولكن عقلها لا يتقبل تدخلهما وحديثهما الفج لذا التفتت تطالعهما ورفعت سبابتها تنطق بعيون شرسة محذرة :
- يمين عظيم لو ما تكتمتيش منك ليها دلوك لكون وخداكو عند الحاج وجيلالو على حديتكو العفش ده، إيه جلة الحيا اللي عندك انت وهي دي ؟ مالكو انتو ومال نهاد ولا عملت ولا سوت؟
التفتت تباغت حسناء بحدة واسترسلت :
- شوفي شغلك ومرة تانية ماتدخليش في اللي مالكيش فيه احسن اني اللي حجفلك وحخلي عيشتك سواد، إنت لسة ما تعرفنيش زين..
لتلتفت إلى سجود وتعطيها نصيبها قائلة بنبرة صلدة :
- وانت عيب عليكي ماتبجيش ناكرة للجميل وما تتحدتيش عن أهل البيت اللي آويكي اكدة يا تجولي خير يا تسكتي خالص
لم تصمت بل صاحت تجاببها بجرأة :
- الحديت ده تجوليه لحالك مش ليا أني من أهل البيت، إنما لا إنت ولا نهاد من أهله، هي اتطلجت واختارت تبجى غريبة، وانت بنت الحوامدية مهما خصل، إنما أني بجى ابجى بنت الحنانوة وعبد الوهاب يبجى خالي، يعني اجول اللي أني رايداه ومش من حجك تكلميني ربع كلمة
نظرت مروة إلى فرحة التي احتقن وجهها بالغضب وكادت أن تهجم عليها لولا احترامها لزوجها وأهله، ولكنها نطقت بدلا عن ذلك وهي تبتسم ثقة :
ومالو، يبجى زي الشاطرة اكدة تاخدي بعضك وتروحي تجولي الحديث ده
جدام خالك ونشوف حيجول إيه يالا جومي من اهنة
استشاطت غيظًا ونطقت متشبثة :
- ماجيماش أني اجعد ماطرح ما اعوز.
ابتسمت فرحة والتفتت تنظر إلى إبريق المياه الموضوع فوق رخامة المطبخ لتحمله وتلتفت تدفع محتواه نحوها بشكل مفاجيء جعلها تشهق وتجحظ بعدما غمرتها المياه وابتسلت ملابسها رفعت نظرها تطالعها بعداء لتنطق فرحة بلا مبالاة :
- احمدي ربك إنها مية باردة، المرة الجاية ما ضمناش نفسي، أصل ربنا يكفيكي شري لما اللي جدامي بيكون جليل الأدب، ما بعرفش امسك حالي .
نهضت من مكانها والغل يقطر من عينيها وهي تنطق قبل أن تندفع نحو
الخارج :
- ماشي يا فرحة
غادرت وتركتهن لتنكمش حسناء وتتمنى لو تتركها فرحة، ولكنها لم تفعل حيث نظرت لها ونطقت محذرة بنظرات ثاقبة :
- اديكي شوفتي اللي عملته في بنت الحنانوة نفسها، رايداكي بجى تتخيلي اللي ممكن اعمله فيكي لو دخلتي حالك في اللي مالكيش فيه، فهمتي.
أومأت مرارًا فزفرت فرحة والتفتت تنظر إلى مروة التي تبتسم لها وتوميء مؤيدة لما فعلته، لتعودان إلى عملهما وتعود حسناء كذلك وهي ترى الوجه الآخر لفرحة التي ظنتها طيبة، ولكن يبدو أنهما اغضبتا الحليم......
جلسا سويا ينتظران الطعام، لتردف نوارة وهي تلتفت حول المكان بإعجاب :
المكان إهنة جميل جوي، هما غيرو في الديكور شوية بس الجاعدة دي ترد الروح.
أوماً مؤيدا ثم التفت ينظر إلى النهر وهو يفكر هل يفتح معها الحوار الآن أم ينتظر إلى أن تأكل؟
ولكنها تلاحظه وتفهمه جيدا لذا تساءلت :
- إنت عايز تجول لي حاجة يا يونس صوح؟
طالعها قاطبًا جبينه بتعجب يستفسر :
- عرفتي كيف ؟
ابتسمت تميل قليلا عليه وتنطق بخفوت وحب :
- جلب الحبيب بيحس بحبيبه يالا جول اللي عندك، وماتخافش ما حد ايجش
رفع حاجبه ومط شفتيه عليها ثم نطق باستنتاج :
وكمان عرفتي إنها حاجة ممكن تدايج؟ دانت ولية بجى
ضحكت تجيبه بفخر :
مرات الشيخ يونس
ابتسم وتنهد مطولاً ثم دقق النظر فيها ينطق بتريث :
- ياستي أمي من كام يوم لجيتها بتشور عليا يعني لو چيبنا سجود تجعد عندينا شوية هي حاسة بالتجصير ومحملة حالها مسؤوليتها بعد موت خالتي، وشايفة إنها ظلمت بنتها وضيعت مستجبلها، ونفسها اننا نساعدها تستجيم وتجرب من ربنا بدل ما نسيبها اكدة هي طلبت مساعدتي وأني أحب من على جلبي ان ربنا يسخرني واكون سبب في هداية حد، بس طبقا لازمن يكون برضاكي لاول .
وعدته ألا تنزعج ولكنها لم تستطع، فلم تكن تتوقع أن يكون الأمر خاص بسجود تلك التي تفتعل المشاكل حتى هذه اللحظة، فقد أخبرتها فرحة أمس عنها وكيف تحاول التودد إلى عمار، ولكنهما يعلماها جيدا ولا ينجرفان لأفعالها المراهقة هذه
هي تثق في يونس وتدرك حسن نيته، ولكنها تخشى أن تسبب لهما المشاكل حيث أن إعادة ضبطها وتأهيلها سيتطلبان مجهودًا شاقا ربما لا تمتلك طاقة لتتحمله، فكيف توافق على جلب المتاعب إلى منزلها ؟
حينما لاحظ انزعاجها وعبوسها نطق مستفسرا :
- ما عيز كيش تسكتي يا نوارة اتحدتي وجولي اللي جواكي واني حسمعك واطمني عمري ما حفصبك على وضع ما عيز اهوش
از دردت ريقها ونطقت توضح :
- أني خايفة منها على حياتنا يا يونس، سجود بتاعة حوارات ومشاكل، ولسة امبارح فرحة بتجول إنها ما مريحاش حالها هناك، حتتعبنا وياها وعمتي طيبة وما حتجدر لهاش
أومأ بتفهم ونطق يحاول احتواء قلقها :
عارف وفاهم خوفك زين، وهو ده السبب اللي مخليني ادور على حل للبنت دي بدل ماهي تاعبة اللي حواليها إكدة، إنت عارفة إن ربنا رزجني بشوية علم يخلوني اجدر اتعامل مع اللي زيها اكدة، وماعيزش ابخل ولا اجصر لو في يدي حاجة اعملها بدل ماهي عمالة تدايج في خلج الله اكدة وتعمل مشاكل يمكن ربنا يصلح حالها على يدنا ويهديها وناخد الثواب، ويمكن يتجدم لها واحد ابن حلال وتتجوز وساعتها الكل حيرتاح
ما يقوله هذا لا يعد واقعيا بالنسبة لها، ولا يبدو مستحيلا كذلك، ولكنه يجمل الأمور كما يراها، بينما هي لا ترى سوا المتاعب التي تخشاها، لتنطق بتردد وضيق :
- ما عرفاش يا يونس، جلبي ما مطمنش، أني شايفة إن وجودها مع أبويا افضل، اتحدت وياه وخليه هو يعمل اللي إنت بتجول عليه ده، إنما تيجي تعيش عندينا لاء، أني ماعنديش ثجة فيها واصل
زفر ولم يرد الضغط عليها أكثر برغم عدم اقتناعه بما قالته، ولكنه أيضا يتفهم رغبتها، برغم يقينه بأن كل انسان يستحق فرصة، ويكفيه شقيقها الذي اختفى بعدما فعل ما فعله، وهو لا يريد أن تصل تلك الفتاة إلى سد ولا تستطيع العودة، بما أنها ابنة خالته التي ارتكبت إحدى الكبائر وماتت دون توبة، فهو يرى أن فرصة إصلاحها والأخذ بيدها واجبة عليه.
ابتسم بهدوء ونطق ينهي الحوار :
- خلاص يا نوارة خليها على الله وماتديجيش حالك أني حشوف حل تاني.
- حل تاني زي إيه ؟
تساءلت بها بتوتر فنظر لها لبرهة ثم أردف :
- أني ممكن صوح اتحدت ويا خالي واستأذنه ابجى اروح واجعد وياها بعض مرة ولو جبلت احاول اوجهها وربنا يجدم اللي فيه الخير
انزعجت من هذا الاقتراح أيضًا، لذا نطقت محاولة إقناعه :
- يا يونس ربنا بيجول "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء" لو هي رايدة الهداية ربنا حياخد بيدها، إنما هي ماريداش
لم يرحب بحديثها بل نطق يعبر عن قناعاته :
- مين جالك إنها مارايداش ؟ فيه ناس كتير من جواها بتبجي نفسها تتغير وتستجيم وينصلح حالها بس مش جادرة تعمل اكدة ، بيبجو عايزين حد ياخد بيدهم ويفهمهم زين ويعرف يوجههم صوح من غير ما يحسسهم إنهم مكروهين أو غير مرغوب فيهم، وبعدين أني مهمتي مش هدايتها، مهمتي اخليها تسمع لصوت ضميرها المكتوم جواها زيها زي ناس كتير، ولعلمك ربنا انعم عليا بالحاجة دي وجربتها مع شباب كتير والحمد لله ربنا هداهم بعد ماكانو ضايعين، وده مش فضل مني، هما نفسهم اللي كانو رايدين إكدة وللاسف اللي حواليهم كانو جافلين باب التوبة في وشهم، وماخليينهم يحسوا ان ربنا ما حيجبلهمش مهما عملوا، وده ذنب كبير يا نوارة الرسول صل الله عليه وسلم جال ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ". وطبغا الهداية لازمن تكون نابعة من جواة الشخص نفسه بس بردك ربنا جال بسم الله الرحمن الرحيم" وَلتَكُن مِنْكُمْ أُمَّةً يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " فهماني ؟
از دردت ريقها وأومأت وهي تشعر أنها على وشك الاقتناع بوجهة نظره، ربما بالفعل تلك السجود تتمنى في قرارة نفسها لو تستقيم وينظر لها بفخر، ولكنها مازالت تخشى المشكلات، لذا صمتت ولم تجبه، ليتدخل النادل حينما جاء يضع أطباق الطعام أمامهما ليبدأن في تناوله ويتناقشان في حوار آخر يحاول فيه يونس أن ينزع عنها خوفها وضيقها
في فندق صن رايز رومانس" في منطقة سهل حشيش بالغردقة.
تحركا يغادران غرفتهما ليشاهدان الغروب من خلال المشي عند الممشى البحري مستمتعان كثيرا بعطلتهما هنا، حيث يعرف هذا الفندق بالهدوء والخصوصية المناسبان للمثالية التي يبحثان عنهما كعروسين
تلاحظ شروده في بعض الأحيان وقلقه منذ أن أتيا، وتدرك سببهما، برغم أنه يحاول ألا يظهر لها ذلك، لذا نطقت وهما في طريقهما :
ما تكلم ماما يا نوح تطمن عليها
كأنه يتلهف لذلك حيث استل هاتفه وحاول الاتصال بها لتجيبه بعد ثواني :
سلام عليكم، أزيك يا نوح.
أردف بترقب :
- الله يسلمك يا ماما عاملين إيه؟ أموركم تمام ؟
طمأنته معنفة بلطف :
يابني إحنا زي الفل ماتقلقش انبسط انت مع مراتك، ينفع كدة كل شوية تقلقها !
نطق يواري قلقه وهو ينظر إلى مودة ويبتسم :
- مش عايزاني اطمن عليكو ولا إيه يا نجلاء هانم؟ على فكرة مودة اللي قايلالي.
نطقت نجلاء بحنان :
سلملي عليها كثير، وماتقلقوش إحنا زي الفل وريم زمانها على وصول
أومأ بارتياح ونطق بنبرة مبهمة :
تمام لو احتاجتو حاجة رنو عليا، أنا حعرف اتصرف واكلم حد ماشي يا أمي ؟
أرادها أن تطمأنه، خاصة إن حاول مسعود افتعال أي مشكلة، لتردف بهدوء :
حاضر يا حبيبي ربنا يصلح الحال، خدو بالكو انتو من نفسكو وانبسطو وسلملي على مودة.
أغلق معها واحتوى مودة يحيط خصرها وينحني يقبل رأسها قائلا بامتنان:
- ربنا يخليكي ليا.
انکمشت داخله بدفء وابتسمت، ولكنها تعلم أن هذا القلق والتوتر تسبب فيهما شقيقها منذ حفل الزفاف، وتخشى أن يفعل أي شيء خاصة إن حاول التعرض إلى ريم، حينها لا تعلم ماذا ستفعل حقا وكيف ستواجه نوح ووالدته لذا تتمنى وتدعو ربها ألا يفعل مالا يحمد عقباه
في مكتب ريم .
تفاجأت بجابر يقتحمه بعدما طرق الباب طرقتين وقبل أن تعطيه الإذن رفعت انظارها تطالعه وهو ينطق بنبرة بدت آمرة :
يالا يا ريم عشان اوصلك
تجهمت واغتاظت لذا نطقت بجدية مطلقة :
- ما ينفعش تدخل غير لما اسمح لك، ده أولا، ثانيا تقدر تمشي انت أنا لسة ورايا شغل، ثالثا لو سمحت يا چابر ما تتصرفش كإنك واصي عليا، لو سمحت خلي بينا حدود.
أدرك أن تصرفه أزعجها، وبالفعل قد تسرع حينما اقتحم مكتبها، ولكنه بات يتعامل معها كأنها تنتمي له بالفعل، لا يود وضع حدود، ولا يهتم لكلمات من حوله، خاصةً بعدما عرف مصدرها، لذا تحرك يجلس أمامها ونطق وهو يطالعها مبتسما :
- أول هام صوح كان لازمن استنى لما تسمحيلي ادخل، وثانيا لاء ماجدرش
امشي من غيرك، وثالثًا بجى أني ما بتصرفش كاني واصي عليكي، أني بترصف بدافع حبي ليكي، وبالنسبة للحدود ما عرفش انت كيف مش شيفاها بس اني عن نفسي شايف بيني وبينك حدود كتير جوي لسة حشيلهم حد حد لحد ما نبجى تحت سجف واحد.
لا تعلم كيف يبرع كل مرة في امتصاص غضبها برغم عدم تقبلها لأفعاله، لذا تنفست مطولاً تستغفر وتلف وجهها عنه ثم عادت تطالعه وتنطق بنبرة أقل
حدة :
یا چابر لو سمحت اظن إنك مش محتاج اشرحلك قصدي، إنت لسة حتى ما تكلمتش مع نوح، والمفروض إنك على الاقل تخاف على شكلي قدام الناس.
نطق بنبرة بدت متعصبة برغم وداعة ملامحه :
اللي يجيب سيرتك بكلمة حجطع لسانه.
چابوها يا جابر وانت عارف اللي حصل قبل كدة .
نطقتها بضيق ليجيبها بثبات :
- غلطة وماحتتكررش، واللي جابت سيرتك اخدت آخر تحذير ليها، لو فكرت بس مجرد تفکیر ملهاش شغل إهنة جبل ما ترجعي الشركة وأني حذرت الكل اللي حيجول في حجك حرف مالوش جعاد عندي، لازمن الكل يعرف زین مين هي ريم البسيوني اللي جابت چابر آل حانا على بوزه وخلته يفتحجلبه اللي كان مجفول بالضبة والمفتاح مهواش بالساهل إكدة يا ريم وسيبك من الناس وحديتهم مادام بينك وبين ربنا عمار، ولا اني غلطان؟
أسوأ ما في الأمر أنه محق، وهذا يجعلها ترضخ دون أن تشعر بالراحة، ولأول مرة لا تستطيع تحديد هذه المشاعر المتناقضة، نعم وقعت في حبه، وترفض تصرفاته، وتتقبل كلماته وتنزعج من بعض أفعاله، وتحب البعض منها؟ ماذا يحدث معها
از دردت ريقها و نظرت له دون إضافة حرف ليستطرد :
- عيونك بتجول ان حديتي زين الزين يا بنت الأكابر، يالا بجى بزياداكي شغل النهاردة وجومي نمشي لاحسن حبيبك مطبج بجاله ليلتين ونغسه ينام
أومأت وبالفعل انهت عملها وأغلقت الحاسوب ونهضت تجمع أغراضها وتخطو نحوه مردفة
- يالا
نهض يخطو ويفتح الباب ويغادران تحت أنظار الجميع وخاصة أحمد الذي على ما يبدو سيتخذ خطوة لم يكن يود اتخاذها
هبطت طائرتهما في مطار برج العرب .
كانت منزعجة من وجوده معها، ولكنها لم تستطع معارضته، خاصة الآن، لذا التزمت الصمت وانتهت إجراءات الوصول وخرجا من المطار يستقلان السيارة حيث كان الحارس في انتظارهما
طوال الطريق صامتة تنظر نحوه خلسة لترى صغيرها الذي ينام في حضنه ثم تعاود النظر أمامها وتشرد
نطق بمغزى حينما لاحظ نظراتها نحو حمزة :
- ماتخافيش عليه نايم مرتاح اهو في حضن ابوه.
أومأت فتابع مسترسلا بخفوت :
- هو ده الصوح يا نهاد، ولدنا لازمن يتربى في حضننا أني وانت مافيش حد فينا احنا الثلاثة حيرتاح طول ما احنا اكدة بعاد عن بعض، ولولا إني شايفك مصممة على السفرية دي ماكنتش سمحتلك واصل، بس أني اهم حاجة عندي تبجي راجعة وانت مطمنة وتعرفي إننا حنفتح صفحة جديدة ونرمي كل اللي فات ورا ظهرنا
اغمضت عيناها تبتلع حديثه غصبًا، أناني لدرجة يظن أن النسيان وإلقاء كل الآلام والانكسارات التي تلقتها منه خلف ظهرها أمرًا يسيرًا، لا يرى سوا ما يريد أن يراه، يفتقد للإحساس بمشاعرها، إلى الآن لم يدرك أنه دهس خاطرها ونحر روحها حينما تزوج ولمس غيرها، يظنها هيئة...
- نهاد؟
ناداها حينما لم تشاركه الحديث ففتحت عينيها والتفتت تطالعه بترقب لبرهة ثم ابتسمت تنطق بما لا تشرحه عيناها :
شكرا يا مهران، شكرا إنك وافجت على سفري، وشكرا إنك رايد تطمني شكرا على كل حاجة عملتها معايا .
تماطأ الصغير فأسرعت تلتقطه وتوقظه لتشغل نفسها عنه، فاستيقظ ينظر لوالديه بعبوس لذيذ، ثم بدأ مزاجه يتحسن فبدأ مهران يندمج معه ويتجاوز شكرها الذي لم يستشعره مطلقا، بل شعر كأنها تتهمه بإفساد كل شيء
بعد قليل وصلا وترجلا سويا، فحمل عنها الصغير ونطق وهو يتحرك :
- يالا
نطقت معترضة وهي تحاول أخذ الصغير منه بعدما فاض كيلها :
- خليك إنت عشان تلحج ترجع وأني حطلع هي في الدور الرابع صوح ؟
نطق وهو يدخل إلى المبنى متجاهلا اعتراضها :
ماتخافيش حوصلك وانزل
استقلا المصعد وأوصلها بالفعل وعرفها على المساعدة التي أتى بها منذ يومين لتنظف الشقة، ثم غادر وتركها تغلق الباب خلفه، وتدخل ترتد على أقرب أريكة، وصغيرها يركض حولها ويستكشف المكان، بينما هي تبحث عن الطمأنينة في كل فكرة تراودها وفي كل ركن ، ولم تجدها بعد....
أوصى حارس العقار عليهما وصاية مشددة، واستقل السيارة وطلب من الحارس أن يوصله إلى المطار ليعود إلى هنا
استل هاتفه وعبث به لیري جديد تيا، ليتفاجأ مما قرأه، إذا قد جاءت صديقتها إلى هنا واختصرت الطريق عليه.
فکر سريعًا، وقرر أن يبقى هنا حتى الغد ثم يتحرك إلى القاهرة ويحاول
العثور عليها وكشف الحقائق قبل أن يعود ...
