رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الثامن والعشرون
دخلت مها عليهم غاضبه فجأة واقتربت بغضب... كده يا عامر؟ تسيبني هناك لوحدي وتيجي هنا وواخد الغرب.
تسببت المفاجأة في انتفاض جسد ملوك وابتعد عامر عنها فورا وهو يقف على قدميه وعروقه قد بدأت تبرز من شدة الغضب لتخريب هذه اللحظة. تحول عامر في ثوان إلى كتلة من اللهب واندفع يصرخ في مها بصوت جهوري هز أركان الغرفة...
أنتِ إزاي تخشي هنا من غير إذن مين سمحلك تدفعي الباب بالطريجة دي داخله علي مين انت ؟
حاولت مها التحدث والصدمة تكسو وجهها لكنه لم يعطها الفرصة بل زاد صياحه وغضبه وهو يتذكر موقفها في الحنه مما جن جنون فهاج عليها وصاح ووجهه المحتقن...
وكمان ليكي عين تتكلمي وتتحكمي أنتِ إزاي تسيبي أصحابك الزفت هناك يجفلوا على ملك بهدومهم واجفة تتفرجي وتضحكي معاهم؟
ارتعبت مها وحاولت أن تبرر وتتعلثم في الكلام بدموع متحجرة...
عامر.. أنا ماكنش قصدي.. هما بس كانوا...
قاطعها عامر بصفعه مدويه فشهقت ملوك واكمل بصياح مرعب أخرسها تماما بينما كانت ملوك تتابع الموقف بدهشة واهتمام شديد لم تكن تتخيل أن يثور عامر لأجلها ويأخذ حقها بهذه الشراسة .
أكمل عامر بفحيح واندفع ومسكها من شعرها فصرخت .... مش امانه معاكي دول هاه تاخدي الامانه وتبهدليها. إيه خسيسة مابترغيش لحم جرايبك.. أزاي تسيبي أصحابك يجفلو عليهم وإلا إنت اللي جفلتي انطجي دانا هطلع روحك.
انفجرت مها بالبكاء.... لا والله هقفل ليه ماعرفش مين قفل. ماعرفش ماعملتش حاجه.
صرخ هو بغضب لا ينتهي... ماتعرفش أمال مين إللي يعرف هاه.. مين دخلهم مندره الرجاله. مين فيهم.. فيه حريم بيخشو مندره الرجاله من ميته ويخشو بالوضع ده الا لو مات مغرز عايزه تفضحينا ياللي ماشفتي ترابي ...
صرخت وهيا تنتحب... ماعرفش مين انا مالي. انت بتضربني عشان دول ِ.
هنا هاج أكثر وصفعها عدة صفعات متتاليه لم يعد يري امامه وهيا تصرخ بنجيب من شدة الضرب ...
اخرسي كمان ليكي عين. أما أتكلم تجفي كيف الحيطه ماتنطجيش. دول امانتي فاهمه واللي يمس طرفهم أكله بسناني.. آخر مره آخر مره تاخديهم في حتة إنت وآحده مابتصونش فاهمه.
ظل يصرخ فيها ويهينها وفي عز ثورته اقتربت ملوك منه بخطوات بطيئة ومدت يدها برفق تلمس ذراعه وهتفت بنبرة ناعمة محاولة تهدئته...
خلاص.. اهدى يا عامر عشان خاطري.
بمجرد أن استمع لصوتها هدأ قليلا وتنهد بعمق ثم التفت بكامل جسده نحو مها وصرح بنبرة قاطعة وحاسمة تشبه طلقات الرصاص...
اسمعي الفيزا هتتسحب منك فاهمه وأي حاجه هتتمنعي منها لحد مانا أقرر. خروج مافيش لمده شهر بره عتبه الجصر. كيف اللي اتعمل في غيرك هيتعمل فيكي هما اتحبسوا في المندره عشر دجايج إنت هتتحبس في دارك شهر وفوجيها أصحابك ممنوع ييجو برضك. عشان تعرفي اني مابهزرش بطلي تبقي حربايه لأني ماهسمحش بده .
بره.. مش عايز أشوف وشك هنا وإياكِ. إياكِ تبقي تعملي حاجة زي دي تاني واصل وإلا حسابك معايا هيكون عسير.
انفجرت مها باكية من قسوته وإهانته لها أمام ملوك واستدارت تجر أذيال الخيبة والدموع تنهنر منها وما كادت تخطي عتبه الباب حتي صرخ بها مجددا... إستني عندك.
لتتجمد مها برعب واستدارت منهاره فهتف بغضب... اعتذري من ملك.
نظرت اليه مها بقهر ولم تتحرك وملوك مذهوله فصرخ سمعتي وإلا اجي أسمعك بطريجتي.
أقتربت مها منهاره ترتجف من منظر عامر ... انا انا اسفه يا ملك.
نظر عامر لملوك بلين... تجبلي اسفها وإلا لأه.
وإبتلعت ملوك ريقها رهبه من تصرفاته فهمست اقبله طبعا خلاص مافيش حاجه.
نظر لمها وأشار بيده باستهانه اة تخرح استدارت منهاره وخرجت باكية بره الغرفة وهي تخفي وجهها بيدها.
بمجرد خروجها التفت عامر نحو ملوك واقترب منها بهدوء وهو يحاول يهدئ من روعه ونظر بعيونها مباشرة بنظرة طويلة دافئة جعلت ملامحه المتصلبة تلين فورا.
لم تستطع ملوك منع نفسها من الابتسام أمام طيبة قلبه الظاهرة خلف قسوته فابتسمت برقة وهتفت بنبرة ممتنة...
شكرًا يا عامر...
مد يده وأمسك إيدها مرة أخرى بين كفيه وربت عليها بحنان وهو يتأملها ثم قال بنبرة هادئة وصوت منخفض...
الشكر لله يا ملك أنا ماعملتش إلا الواجب واللي غلط يتحاسب .
أمسكت ملوك يدها بلطف من بين كفيه مالت برأسها قليلا وهي تنظر إليه بنظرة مشاكسة وقالت بابتسامة....
كل اللي بيغلط؟
عقد عامر حاجبيه قليلا ونظر إليها بعدم فهم تام لقصدها. فما كان منها إلا أن أطلقت ضحكة رقيقة، ورفعت إصبعها تشير إليه قائلة...
ومين بيحاسب سيادة المستشار بقى؟
تنهد بعمق واسترخت ملامحه الجادة لتتحول إلى مزيج من العتاب والنفس اللائمة ثم قال بنبرة هادئة تحمل الكثير من الحيرة والصدق...
أنا اللي بحاسب نفسي يا ملك.. وفي كل مرة بغلط فيها في حجك بجلد نفسي وبحاسبها أكتر من أي حد تاني.. ومش عارف بجد أنا ليه بنفعل بالشكل ده معاكي.
لم تدعه ملوك يكمل حيرته بل تابعت بنبرة هادئة امتلأت بلمحة من الخزن الخفي وهي تنظر لعينيه..
جايز عشان أنت من جواك لسه رافض وجودي.. عشان كده بتنفعل أول ما...
لم يتركها تكمل جملتها بل قاطعها على الفور بنبرة حاسمة استنكرت كلماتها...
ومين جال إن رافض وجودك؟
حاولت التمسك برأيها وهزت رأسها قائلة بعناد...
مهما كان.. أكيد جواك حاجة من ناحيتي.
اقترب منها عامر خطوة أخرى وتغيرت نبرته لتصبح أكثر حدة وجدية لكنها حملت عتابا صادقا من أعماقه وهو يقول...
ماتفرضيش حاجة مش جوايا يا ملك.. أنتِ لسه ما تعرفنيش واصل عشان تحكمي على اللي في جلبي.
نظرت اليه كانت نظراته تحمل بريق مختلف بريق جعل قلبها يدق فارتبكت وهمست... طب طب همشي بقه.
اندفع ومسك يدها بلهفة....
طب يدك بقت أحسن دلوقتي؟
لمعت عيناه بنظرة حنونة وهو يرى ارتباكها الجميل فتمسك بأصابعها برفق أكبر ولم يتركها بل مال برأسه قليلا وهو يحاول أن يقول لها بنبرة دافئة وخفيضة....
استني خليني أدلكهالك كمان شوية عشان الوجع يروح خالص أنا مش عارف طور أنا وإلا إيه كيف بس عملت اكدة.
تغيرت ملامح ملوك تماما وضربت دقات قلبها بعنف من قربه الزائد ونظراته التي اخترقتها فارتكبت بشدة وسحبت يدها من بين كفيه بسرعة وهي تحاول إخفاء حمرت وجنتيها وتراجعت خطوة للخلف وهتفت بصوت متلعثم يهرب من حصاره..
لا.. خلاص بقت كويسه والوجع راح.. تصبح على خير .
الا انه وقف امامها هامسا بلين... ممكن طلب.
نظرت إليه باستغراب ودهشة لاحظ عامر علامات الحيرة المرتسمة على وجهها فتنحنح برفق وحاول تهدئة نبرته وتحدث بأدب ولين وهو يحاول اخفاء تلك النيران التي ما زالت تواجه صعوبة في الانطفاء داخل صدره كلما تذكر موقف المندرة ...
ممكن توعديني يا ملك.. ما تخلعيش واصل ولا تغيري خلجاتك عند حد تاني برة؟ دارك بس.. ومجعدك بس اللي تجعدي فيه براحتك.. مش عشان حاجة والله بس عشان ما يصحش عاد ويمكن يحصل أي ظرف طارئ كيف اللي حصل الليلة يبقى إحنا في الأمان...
حركت رأسها بعدم استيعاب ورفعت عينيها وهي تحاول مجادلته ببراءة...
بس دي كانت حنة بنات وكل البنات هناك بيلبسوا ويهيصوا مع بعضهم يعني مفيش رجالة.
تنهد عامر بعمق واقترب منها خطوة صغيرة أظهرت نبرة غيرة حارقة لم يستطع إخفاءها تماما خلف قناع الرزانة وقال بصوت منخفض ومقنع...
برضه غلط وما ينفعش.. ما ينفعش بنت زيك زينة وعفيفة تلبس كده حتة لو وسط بنات بس.. دلوقتي الزمن اتغير يا ملك ممكن حد يصور حد من غير ما يجصد ممكن أي واكل ناسه يدخل فجأة من غير إذن والرجالة برة بتتراشج وتتلصص على أي حس.. انتو مفكرينها أمان بس فيه رجاله من أهل البيت يتسحبو ويبصو ويجعدو يحكو يعني مابترساش علي بنات بس.. حتي لو بنات برضك الستر كيف ما الشرع جال برضك ماتخليش بىه دارك واصل . الدنيا مأمانش عاد..
وقفت ملوك تستمع إلى كلماته العقلانية المغلفة بخوف حقيقي عليها ولمحت في بريق عينيه تلك الغيرة الفطرية التي جعلت قلبها يدق بدقات دافئة.. التمعت عيناها بفهم وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة وهتفت بنبرة هادئة...
عندك حق.. فعلا الدنيا مابقاش فيها أمان.
في تلك اللحظة استغل عامر لين جانبها وقرب المسافة بينهما أكثر حتى شعرت بأنفاسه الدافئة تلفح وجهها وانخفض صوته بنبره اخترقت حصونها وهو يتأمل ملامحها بامتلاك...
طب اوعديني.. اوعديني إن ما حد واصل يلمح طرفك برة مجعدك.. ولا عين غريبة تلمح زينك ده عاد.
أمام هذا القرب المفاجئ وتلك النبرة ارتبكت ملوك بشدة وسرت في جسدها رعدة قوية جعلت أنفاسها تتسارع وعجزت عن النطق.
ابتسمت برقة وهزت رأسها بالموافقة وهي تحاول التقاط أنفاسها المتمردة وقالت بصوت خافت..
خلاص.. أوعدك يا.....
اقترب وهمس بلين ... يا ايه انت نادرا لما تنطجي إسمي.
ارتبكت واشتغلت وجنتاها احنت راسها وهمست.... اوعدك يا عامر.
استدارت ملوك بسرعة لتفر من أمامه وتخرج من هذا الحصار الدافئ وخطت خطواتها نحو الباب والارتباك يسبقها ولكن قبل أن تفتح الباب وتغادر استوقفها صوته الناعم الذي خرج بنبرة عميقة هز كيانها بالكامل وجعلها تتسمر في مكانها حيث قال...
وماتزعليش من وعيد وغضب قاضي الأرض عاد كل شويه .. لو ماكنتش ليكي جيمة كبيرة ما كانش مستشار الصعيد كله وجف الليلة دي على رجله ونص يترجى منك وعد بالصون .. ملك... من الليلة دي أنتِ عاد في حمايتي. واللي يتجرأ يلمح طرفك برة يبقى بيكتب نهايته بيده حتى لو كان أنا.
تسمرت ملوك مكانها وشعرت برعدة عنيفة من أثر كلماته القاطعة التي خرجت بعفوية وظلت واقفة تعطي ظهرها له عاجزة عن الالتفات أو النطق.
بينما ساد الصمت في الحجره وهو يراقب أثر كلماته عليها غير مدرك بعد أن تلك الغيرة الشرسة ليست مجرد واجب حماية بل هي بداية شباك عشق لم يستوعب أنه غرق فيه حتى النخاع.
استدارت بسرعة لتفر بقلبها النابض من أمامه تاركة عامر يقف مكانه يتابع أثرها بابتسامة هادئة لم تفارق شفتيه.
انصرفت مسرعة وأغلقت الباب خلفها ليبقى عامر وحيدا مع الجلباب وملمس يدها مازال يحس به .. أغلق الباب وعاد بخطوات ثقيلة ونظر إلى العباءة الواسعة في يده.. وبلا وعي منه رفعه نحو وجهه ودفن ملامحه الرجولية بين طيات القماش وظل يستنشق بعمق وجنون عبيرها الأنثوي الطاغي وعطرها الرقيق الذي التصق بنسيج الجلباب ولم يذهب منه.
شعر بنبضات قلبه تتسارع بعنف وتملكه ضعف غريب لم يعهده في حياته فارتدى الجلباب عليه وكأنه يطوق جسده بروحها.. ذهب وجلس على طرف السرير والهدوء يلف الغرفة لكن عقله كان يغلي حيث انفتحت أمامه ذكريات المخزن وراحت صورة وجهها المحمر وعيونها الباكية تتردد أمامه.
لتقفز إلى عقله تلك القبلة العنيفة الحارقة التي أخذها من شفتيها رغما عنها.
شعر عامر بمشاعر غريبة تتدفق في عروقه وخفقات صدره تزلزل ضلوعه.. انتفض في مكانه ونهر نفسه بغضب وجفاء وهدر في سره ........
جرى لك إيه عاد يا ولد الراوي انخبلت في عجلك وإلا إيه واصل.. دي حريم وعيب تفكر أكدة. انت عجلك راح أو لسع هتخيب والا ايه.
حاول بكل كبريائه وجبروته الصعيدي أن ينفض صورتها من مخيلته وأن يطرد طيفها عن عينه لكنه وجد نفسه ينهار غصبا عنه ويعود ليفكر فيها وفي تفاصيل جسدها الوردي ونعومتها.. القبله تابي ان تختفي من باله وكأن شفتيها طبعتا وشما من نار على روحه لا يمحوه الندم.
تسطح عامر على سريره وهو يرتدي جلبابها المعطر وضغط على وسادته وعيونه معلقة بالسقف وظل طوال الليل يتقلب بحرقة وهو يشعر بنيران مجهولة تلتهم جوفه وتأكل أخضره ويابسه نيران غيرة ورغبة وتملك لا يعلم لها اسما ولا يعرف كيف يطفئها حتى غلبه النوم وصورتها هي آخر ما لمس جفونه المتعبة.
اندفعت مها عبر عتبة الباب وهي في حالة من الانهيار التام جسدها يرتجف بشدة ودموعها تفيض بلا انقطاع لتلقي بنفسها بين ذراعي شقيقتها وهي تشهق بصعوبة وكأن الهواء هرب من صدرها. وبصوت باك بدأت تحكي كلمات متقاطعة تحرق قلب شقيقتها... عامر ضربني يا ندي.. مد إيده عليا وكسر نفسي.. ومش بس كده داس على كرامتي وخلاّني أعتذر غصب عني للزباله جرابيع الشوارع.
ما إن استقرت الكلمات في مسامع ندي حتى تحولت ملامحها تماما واشتعلت عيناها بنظرات قاتمة تفيض بالغل والانتقام. ضغطت على أسنانها بقوة حتى كادت تتهشم وتوعدت لهما بنبرة حادة وصوت منخفض يقطر سمّا... هيا حصلت الهوانم تربيه السريات يعتذرو للخدامين وحط كل دمعة نزلت منكِ يا مها وحج الكسرة اللي في عينك دي.. لأدفعهم التمن غالي أوي. عامر واللي معاه مش هيشوفوا مني غير السواد وندمهم هيكون على يدي أنا بس اصبري ماشي يابن عمي بتبقي علينا الزباله ماشي.
كان عمار يجلس بمفرده في غرفته السكون يلف المكان من حوله بعد تلك المعركة الطاحنة التي دارت بينهم رفع كفه ببطء وراحت عيناه تتأملان أثر أسنان مليكه المطبوعة بعمق على لحمه ابتسم رغما عنه وهمس.. مجرمه والله حد يعمل اكده.
مرر أصابعه ببطء فوق الكدمة المحمرة ولمسها برفق فسرى ألم طفيف جعله يبتسم تلقائيا رغما عنه. تذكر شراستها وهجومها القططي عليه وكيف كانت عيناها تلمعان بالعناد والتحدي. وجد نفسه وبدافع غامض ورغما عنه يرفع يده نحو وجهه وقرب موضع العضة من شفتيه ليلثمها برقة ونعومة في قبلة طويلة خفيضة كأنه يداوي جرحه بروحها التي تركت أثرها في جسده.
خرج عمار من غرفته ووقف في الممر الخارجي وعقله لا يتوقف عن التفكير فيها. في تلك اللحظة لمح بطرف عينه خروج مليكه من غرفتها بحذر فدار جسده سريعا وأعطاها ظهره يتصنع عدم الانتباه وتعمد أن يمسك يده المصابة ويمسد عليها وهو يتأوه بصوت مسموع...
آه... العضة هتولع في يدي إيه سنانها دي.
وقفت مليكه مكانها ونظرت إليه فلان قلبها فجأة وشعرت بوخزة من الندم وهي تؤنب نفسها في سرها... هو ماسك إيده كده ليه؟ هي بتوجعه قوي شكلك عضيتيه جامد قوي يا مليكه...
تنهدت بعمق وقررت التقرب منه بينما كان عمار مستمرا في تمثيله يوهمها آنة لا يراها. خطت خطوات بطيئة حتى أصبحت خلفه تماما وتنحنحت.
الا انعا لم تجد منه رد فعل مدت رأسها من جنبه تنظر اليه من تحت لفوق بعيون واسعة مليانة شقاوة وفكاهة وهتفت...
إيه واقف كده ليه مستني حد تزعقله صح؟
التفت إليها عمار وتصنع الجمود التام وضغط على يده المصابة وأدار جسده ليمشي ويغادر المكان.
بهتت مليكه من هذا الجفاء فاندفعت بسرعة ووقفت امامه تحجب طريقه وهي ترفع حاجبيها وتعاتبه بطفولية...
إيه وجعتك دي؟ على فكرة إنت تستاهل.. إنت إللي شديت شعري الأول وكان هيطلع في ايدك.
لم يتكلم عمار وظل متمسكا ببروده وهو يمسك معصمه فنقرت بأصابعها على صدره وتابعت بعناد...
وكمان قولت عليا عبيطة وهبلة قدامهم.. وقولت علي ماما عضاضه. وقولت كل حاجه وحشه أعمل إيه يعني. انت وحش كل شويه تزعق. إنت تستاهل بقه إللي جرى لك.
عندما رأته لا يرد ويستمر في الإمساك بيده رق قلبها آكتر وتلاشت نبرة العناد فمدت يدها بخوف حقيقي وقالت...
طب وريني طيب.. إيه بتتصلبت عليا كده ليه وريني أيدك ماسكها ليه انت ...
شد عمار يده منها بخشونة مصطنعة وهو يقول...
اوعي.. مالكيش دعوة بيا واصل.
لم تستسلم مليكه بل قبضت على كفه بقوة وشدتها نحوها وهي تهتف بإصرار مضحك...
اوعي إيه سيب أنا إللي عضيت يبقى أنا إللي أشوف.
أمسكت يده ورفعتها لتتأملها فلاحظت أن العضة جامدة وقوية والجلد محتقن للغاية وقفت أمامه برقة وهي تلمس الكدمة بحنان وتهمس بوجع حقيقي ظهر في عيونها...
بتوجعك قوي؟
في تلك اللحظة نسى عمار الدنيا وما فيها.. نسى العضة والألم والخناق وسرح في عيونها وفي رقتها المفاجئة التي خطفت أنفاسه.
قعدت مليكه تدلك له يده بأصابعها الناعمة بحركات دائرية خفيفة وقربت كفه الصغير من فمها وبدأت تنفخ فيها بنعومة لتخفف عنه الحرارة. وهو يقف كيف الصنم قلبه اصبح بمكان اخر ومش قادر ينطق بكلمة من فرط مشاعره.
لمعت عينا عمار ببريق مشاكس ومحبب فجأة وأراد أن يستغل ارتباكها الجميل ليداعبها فمال نحوها قليلا وقال بنبرة مليانة غزل مبطن...
وعايزه إيه دلوقتي عاد؟ مش عضيتيني وخدتي حقك ؟
لوت مليكه شفتيها بضيق طفولي وهتفت تذكره بفعلته...
ما أنت إللي قولت عليا هبلة أنا هبلة يا عمار؟
نظر عمار في عينيها مباشرة وبدأت ملامحه تتسع بابتسامة دافئة وهو يراها تكشر بطفولية وعناد يأسر قلبه فقرب وجهه منها آكتر وهو يهمس بمشاكسة...
وأنتِ شايفه إيه بالظبط؟
حركت رأسها بـ لا ونظرت إليه بتحد رقيق ...
لا.. أنا حلوة وعاقلة ومش هبلة.
اتسعت ابتسامة عمار العذبة وانخفض صوته ليصبح ناعما للغاية وهو يقول...
خلاص.. تبطلي تعضي دلوقتي وتبقي قمر...
تهللت أسارير مليكه وابتسمت برقة وعفوية وقالت...
صحيح يعني أنا مش هبلة؟
لم يرد عمار بالكلمات بل مد يده ببطء ونعومة شديدة ولمس خدها بأطراف أصابعه برقة بالغة في لمسة دافئة جعلت الزمن يتوقف بينهما.
نظرت إليه بعينين تفيضان بالدفيء والحنان وقالت بنبرة رجاء ...
استنى ما تمشيش.. اتجهت للحجره ثم عادت مره اخري بخوف... اوعي تمشي أنا هعالجها لك.
تحركت بخفة مبتعدة عنه لتجلب ما تحتاجه بينما ظل هو واقفا في مكانه غارقا في ملامحها وسرحانا في تفاصيلها غير قادر على التحرك أو الابتعاد كما طلبت منه.هامسا... امشي فين عاد بس.
عادت إليه بعد لحظات وفي يدها مرهم طبي اقتربت منه وبدأت تدهن موضع الألم برقة متناهية وهو مستسلم تماما للمساتها الحانية . بعد أن انتهت أخرجت لاصقة طبية ووضعتها بتمهل فوق الجرح.
تراجع خطوة وخفض نظره ليتفحص اللاصقة وفجأة انفجر ضاحكا من قلبه فنظرت إليه بغرابة . كانت اللاصقة الطبية مغطاة برسومات كرتونية ملونة باللون الوردي. هتف بنبرة مرحة وضاحكة..
إيه دي منين دي.
ابتسمت بنعومة وداعبته قائلة..
مالها؟ لازقه إيه.. وحشة؟
نظر إلى عينيها مباشرة وقال بنبرة مغازلة...
لأ وحشة إيه.. دي تاخد العجل.
اقتربت منه خطوة إضافية لتثبت أطراف اللاصقة جيدا على بشرته ومع هذا الاقتراب المفاجئ مال نحوها غريزيا يستنشق عبير شعرها بينما كانت دقات قلبه تتسارع وتضرب في صدره بقوة وعنفوان.
وفي عز هذه اللحظة الرومانسية الدافئة انشق الأرض وخرجت آم غل....
....
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
اندفعت ندي محمد نحوهم وهي تبرق عيونها بغل وقبضت على ذراع مليكه تشدها بعيدا وهي تصرخ برداحة...
ماسكة إيده ليه ياختي؟ ليكي عنده إيه يا بنت البندر أنتِ؟ مخليها تمسك يدك ليه ياسي عمار نسيت إللي عملته سمر فيك وجله حياهم وخيانتهم مادي زيهم وانت طولت الف مره انها زيهم مكشوفه. هو دايما بيخاف منكم ومن مكركم.
انتفضت مليكه وسحبت يدها بسرعة وتحولت نظرتها الحنونة لـ غضب عارم وهي تنظر لعمار الذي لم يدافع عن اللحظة وظنت أنه يوافق ندي الرأي كعادته فانتفضت واقفة وهتفت بغيظ وكسرة...
ليه بنعض ياختي؟ اوعي كده.. ظرت لعمار بغضب. أحسن يارب توجعك وتورم وتتدلى من كتفك يا عمار.
تركتهم مليكه ومشت بسرعة وهي بتبرطم بغضب بينما وقف عمار مكانه يشتعل نارا فلم يتاح له مجال للرد وعيونه تنظر لندي بغل وعماه الغضب تماما لأنها دمرت أجمل لحظة عاشها قلبه.
لم يتمالك عمار نفسه فاندفع نحو ندي وقبض على دراعها بعنف ولواه وراء ظهرها لتطلق ندي صرخة وجع هزت المكان.
همس عمار ف وشها بفحيح أفعى وعروقه طاقة...
أنتِ يا بت خِلفة إبليس مالك أنتِ؟ مالك ومال الزفت على دماغ أهلك؟ ربنا يأخدك ويريحني من وشك العفش ده. مالك مين عمل بتجيبي سيره سمر ليه هاه مالك بحياتي هاه تحفي وتدخلي ليه انت مابتحرميش
صرخت ندي بدموع وعياط عالي وهي بتحاول تتملص منه...
إيدي يا عمار.. آآآه إيدي هتنكسر في يدك سيبني.
زاد عمار من لوي دراعها بغلو بقوة وصاح...
عشان تحرمي تدخلي في اللي مالكيش فيه واصل. مسك معصمها واعتصره فصرخت قاصدا لويه فبكت.... أيدي آه أيدي اتلوت اااه أيدي طقت حرام عليك ااااه نااار.
رزعها في الحيطة بقوة ليرتطم جسدها بالجدار بقسوة وتتعور في كتفها وتصرخ بوجع.. ووقف امامها يصرخ بغضب... تجفي في سكتي هدوسك برحلي إنت عارفاني صوح وعارفه إني غشيم المرة الجايه بيها رجبتك..
فتركها عمار دون أن ينظر خلفه ومشى وهو حزين ومحسور من وجع قلبه على اللحظة الجميلة إللي انسرقت منه ومن مليكه.
مرت الأيام والأسابيع وبدأت مليكة تعمل بهمة مع سليم في البازارات واستقبال الأفواج السياحية بينما ملوك انغمست في عملها مع أدهم .. وكانت مليكة طوال هذه الفترة تتجنب عمار تماما وتختفي من أمامه فـهي شعرت من كلماته أنه ينظر إليها نظرة دونية كفتاة بندر منفلتة فقررت أن تختفي من أمامه نهائيا حتى لا تؤذي مشاعرها الرقيقة التي بدأت تفكر فيه وتشتاق إليه بلا سبب واضح.
وفي يوم من الأيام كانت مليكة تقف في البازار الكبير برفقة سليم وهما يراجعان حسابات الأفواج الأجنبية وكانت تضحك بعفوية ورقة وتبتسم لكلام سليم الذي كان يعاملها بنعومه كفهد يخطط الايقاع بها .
في هذه اللحظة دخل عمار بخطواته الثقيلة وهيبته الطاغية وما إن رأى ضحكتها التي خطفت قلبه حتى اشتعلت النيران في جوفه وعروق وجهه برزت غيرة وغضبا.لمح سليم دخول عمار وعلم بالنيران التي تقيد في صدره فـأراد أن يلطف الجو ويحمي مليكة من جفاف عمار فهتف بابتسامة مرحبة تحمل الكثير من الخبث........
أهلا يا ولد الغالي.. كيفك يا عمار؟ انت اهنه ليه.. أكيد جاي تجابل.
سمعته مليكه فاشتعل غضبها ولكنها صلبت نظراتها في الأوراق وتجاهلت وجود عمار تماما ولم ترفع عينها له ولو لبرهة واحدة كأنه هواء.
في تلك الأثناء دخلت فتاة من اللائي يترددن على البازار وكانت تعرف عمار جيدا فاندفعت نحوه بتمايل ودلال وبدأت تتدلل عليه قائلة......أهلا يا عمار.. عاش من شافك منور الدنيا كلها والله.
وقفت مليكة في مكانها وشعرت بنغزة قهر حارقة في صدرها وغلت الدماء في عروقها وهي ترى الفتاة تتدلل عليه بينما عمار كان يغلي ويموت في جلده فهو لم يكن يريد أن يظهر أمام مليكة بهذا المظهر المنفلت أو يُحسب على مغامرات النساء وكان يتمنى الأرض تنشق وتبلعه ولا ترى مليكة هذا المشهد المنفلت.
لم تتحمل مليكة أكثر فـلفت بجسدها من غير ما تنطق بكلمة واحدة مع عمار والتفتت إلى سليم وعلت وجهها ابتسامة رقيقة عن عمد وهتفت بصوت مسموع.......
سليم أنا ماشيه عايز حاجه خلي الغدا بعدين سلام أشوفك بعدين.
استدارت ومشت لحق بها عمار في الممر المعزول وفي لقطة خاطفة ومجنونة مسك كفها بعنف وقبض عليه بقوة وهتف بصوت جهوري مكتوم تخرج منه أنفاسه ........
أنتِ رايحة فين عاد.. أنا اللي هوصلك للدار .. وواكل إيه وزفت إيه اللي عتتزفتيه وتطفحيه مع الزفت سليم ده هاه انطجي.
لم تنظر إليه مليكة بل أشاحت بوجهها بعيدا عنه وهي تحاول سحب يدها من قبضته فجن جنون عمار وصوته ارتفع وصاح فيها بقهر مكتوم........
أنتِ ما بتبصليش ليه عاد ارفعي عينك دي وبصيلي وأنا بأكلمك.. أنتِ مابتبصليش ليه هاه.
دفعت مليكة صدره العريض بيدها الأخرى بكل ما أوتيت من قوة وقهر ونظرت لعينيه أخيرا بعيون دامعة غاضبة وهتفت بنبرة متهكمة حارقة أخرسته تماما.......
أظن أنا حره ابص مابصش أنا حره مالكش عليا كلمه زي ملك ماقالت واتغدي أكل اطفح انا خره برده مابحاسبكش عالبنات اللي بتتغدي وتتمايع معاهم هاه.. ومعلش يا ابن الراوي.. ما يرضاش مقامك الرفيع إنك توصل بنات بندر مفلوتين وما يعرفوش الخشا .سيبني في حالي وروح اتساير واتدلع مع اللي كنت واقفة تتمايع عليك برة دي هتفرح بيك قوي .
سحبت يدها منه بعنف وتركته واقفا في مكانه مبهوتا كأن صاعقة ضربت عقله وشلت أطرافه والنار تأكل جوفه وروحه هتموت من فرط الغيرة والندم لأنه جعلها تراه مع اخري ورفضت قربه من كثره كلامه علي بنات المدن.
مرت أيام وأيام وهو لا يكاد يرى طيفها وإذا صودف وتقابلت عيونهما كانت تختفي فورا وتنسحب بهدوء فـهي شعرت من كلماته السابقة أنه ينظر إليها نظرة دونية كفتاة بندر منفلتة فقررت أن تختفي من أمامه نهائيا حتى لا تؤذي مشاعرها الرقيقة التي بدأت تفكر فيه وتشتاق لجفافه ولينه بلا سبب واضح أو مبرر تفهمه
أما عامر فـأصبح الغليان بداخل صدره قد وصل إلى أقصاه ونيران الغيرة نهشت رجولته وكبرياءه بالكامل. فأدهم بدأ يتقرب من ملوك بشكل علني ويهتم بتفاصيلها بطريقة حركت النيران في قلب عامر فـكان يهرب من البيت ومن الدار كلها لساعات طويلة حتى لا يرتكب جناية أو يفتعل مصيبة تنهي كل شيء أو لين سابق ولكنه لم يكن يعلم إلى متى سيحتمل هذا الوضع وجسده يشتعل غيظا.
كان اللقاء في باحة البيت الكبير وقفت مها أمام عامر وبدأت تتصنع الرقة والدلال وهي تقترب منه بخطوات بطيئة مالت بجسدها نحوه وقالت بنبرة صوت ناعمة ومستعطفة...
خلاص بقى يا عامر.. أنت اللي لينا في الدنيا دي وكبير البيت كله.. إيه اللي حصل يعني لكل ده؟ إحنا أولاد عم في الأول والآخر والدم عمره ما يبقى مية.
ولم تكتفِ بالكلمات بل مدت يدها برقة مبالغ فيها لتمسك بيده وتشدد من قبضتها مقتربة من وجهه بجرأة واضحة.
في هذه اللحظة بالذات انفتح الباب وخرجت ملوك لتتجمد في مكانها فور رؤيتهما في هذا الوضع القريب والمقزز. يد مها تشتبك بيده والمسافة بينهما تكاد تنعدم. شعرت ملوك بوخزة حادة ومفاجئة طعنت قلبها. وجع كبير وغريب لم تفهم سببه أو مصدره. حاولت التظاهر بالبرود ومرت من جانبهما بخطوات سريعة دون أن تنطق بكلمة لكن عينيها كانت تشي بكل ذلك البركان المشتعل.
شعر عامر بمرور ملوك وكأن جمرة مست جسده فانتفض فورا وسحب يده بعنف وقسوة من بين يدي مها. ونظر إليها بنظرات حادة وصارمة وهو يقول بنبرة تهديد منخفضة...
يدكِ دي تخلي بالك منها وتفضل جنبك بعد كده.. فاهمة ولا لأ؟ ما تتخطيش حدودك معايا واصحي لنفسك.
تركها واستدار ليهبط درجات السلم بخطوات غاضبة بينما وقفت مها في مكانها والغيظ يأكل قلبها تشتعل ملامحها بالحقد وهي تهمس لنفسها بتحد....
ماشي يا عامر.. اتنطط براحتك بس برضه في الآخر مش هتميل غير ليا وأخرتك هتكون معايا أنا.
هبط عامر إلى الطابق السفلي ليتفاجأ بـ أدهم يجلس بـأريحية تامة مع ملوك ووالدتها ونجوان. وكان أدهم يتبادل الحديث والضحكات مع ملوك بطريقة استفزت عامر وأشعلت غيرته المدفونة.
في تلك الأثناء نزلت مها خلفه بخطوات متبخترة وتعمدت أن تتوجه مباشرة نحو عامر لتجلس بدلال مستفز على طرف المقعد الذي يجلس عليه ملتصقة به تماما أمام الجميع.
لم تعد ملوك قادرة على تحمل رؤيتهما بهذا الشكل شعرت باختناق شديد وضيق لم تعهده من قبل، ولم تكن تفهم لمَ تحترق هكذا برؤية مها بالقرب منه. في هذه الأثناء قطعت الحاجة فؤادة الصمت وهي تنظر لـ عامر وقول:
.. أجوم أعملك فنجان طهوة يعدل دماغك يا ادهم يا ابني؟»
التفتت ملوك سريعا.... خليكِ مرتاحة يا طنط.. أنا هقوم أعملها له حالا.
تحركت ملوك نحو المطبخ والتفتت مها بطرف عينيها نحو أدهم وغمزت له بخبث وتهكم قائلة بصوت مسموع... ماشي يا عم.. الله يسهلو ناس ليها الجهوة مخصوص وناس مالهاش.
هنا لم يعد عامر يطيق هذا القرف وضاقت روحه من حركاتها المستفزة فمد يده ودفعها من على طرف الكرسي بقوة وجفاء وهو يهتف بحدة....
ما بلاش خنجة وحرف بقى اعدلي يومك واجعدي زي الناس.
سقطت مها على الأرض وسط ذهول الجالسين فاشتعلت غضبا وشعرت بالإهانة لكنها كتمت غيظها وقامت سريعا توجهت مباشرة نحو المطبخ خلف ملوك لتكيدها وتفسد عليها خلوتها. وقفت عند عتبة المطبخ وقالت بنبرة متعالية ومستفزة...
على فكرة بقى أنا اللي جاية أعمل الجهوة لعموري.. هو اللي طلبها مني أنا بالذات ماهو صالحني تاني بعد الخناجة اللي حصلت وعموري ما يجدرش يستغنى عني ولا يبعد عني واصل.
في تلك اللحظة دخل عامر المطبخ فجأة ليقطع كلمات مها فالتفتت إليه ملوك بنظرة مليئة بالغضب. ثم صبت القهوة في الفنجان بعنف وتأهبت للخروج وهي تكتم أنفاسها.
اقترب عامر بخطوات واسعة من مها وأمسكها من ذراعها بقوة وضغط عليها وهو يهمس بفحيح غاضب...
«جولتيلها إيه يا زفتة أنتِ اخلصي.
تصنعت مها البراءة وفتحت عينيها بذهول زائف قائلة... مفيش يا عامر هجول إيه يعني أنا كنت بجولها إنها عملت لأدهم جهوة وأنا أهو جاية أعملك جهوتك بنفسي.
دفعها عامر عنه باشمئزاز وهو يقول... كت طلبت منك زفت هاه.. ماعايزش منكِ زفت غوري من وشي.
خرج عامر من المطبخ وعاد إلى المجلس وعيناه تدوران في المكان كالجمر وجلس على أعصابه. فملامح وجه ملوك متجهمة تماما .
قالت الحاجة فؤادة بترحاب: اتفضلو الجهوة يا جماعة.. تسلم يدكِ يا ملوك.
وقبل أن يمد أدهم يده اندفع عامر وقام من مكانه وتخطى الجميع ليأخذ الفنجان الذي صنعته ملوك خصيصا وجلس مكانه متمسكا به كان شيىا لم يكن . وقفت مها مغتاظة تشتعل من الداخل بينما نظرت ملوك إليه بدهشة واستغراب من تصرفه الغريب.
نظر إليه أدهم بنصف ابتسامة مستنكرة وقال... جرى إيه يا عم أنت؟ دي جهوتي أنا اللي طلبتها.
ابتسم عامر بسماجة وبرود مستفز ونظر لـ أدهم بتحد وهو يرتشف رشفة من الفنجان قائلا... معلش.. خد أنت بتاعة مها تنفعك إنما دي.. دي تنفع لي أنا بالذات.ماتنفعكش
واصل.
وجلس يرتشفها بعناد ظاهر مستمتعاً بنكهة القهوة التي صنعتها يدا ملوك شاعرا بانتصار داخلي بعد أن أبعدها عن قرب أدهم ومسامرته المستفزة التي كانت تشتعل في صدره كالنار.
لم تطق ملوك البقاء في هذا الجو المشحون فتحركت لتمشي من جانب عامر فما كان منه إلا أن قام فورا وتبعها بخطوات سريعة ليلحق بها في الممر الخارجي. وقف خلفها وقال بنبرة دافئة وصوت منخفض...
تسلم يدكِ على الجهوة.. مظبوطة ومش أي حد واصل بيعرف يظبطها كدة.
التفتت إليه ملوك ونظرت في عينيه برهبة وارتجاف حاولت إخفاءه فتابع عامر بلهفة وهو يحاول توضيح الصورة المشوهة في ذهنها....
على فكرة.. مها كانت واجفة بتعتذر لي تاني وتتأسف على اللي حصل منها الصبح.. يعني ما فيش أي حاجة تانية واصل ما تفهميش غلط.
نظرت إليه ملوك لثوان ثم ابتسمت له بجفاء وبرود قائلة... انا مافهمتش غلط بنت عمك ومشبكه إيدها في أيدك عادي انتو ولاد عم والاخر مالوش الا بعض انت تعمل اللي يعجبك انا مايخصنيش.
ودارت وجهها وتابعت مشيتها تاركة إياه في حيرته بينما عاد عامر وجلس في مكانه وهو يتنهد بعمق وتعب ممزقا ما بين غيظه المشتعل من أدهم وبين ابنة عمه مها التي تتعمد بـ ألاعيبها الخبيثة أن تضعه في صورة سيئة ومهينة أمامها.
بعد أن تركت ملوك عامر في الممر الخارجي وابتعدت عنه صعدت إلى غرفتها بخطوات متسارعة والأنفاس تكاد تخنقها. دلفت إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها ثم ارتمت على فراشها وجلست سرحانة عيناها تراقبان الفراغ بغيظ شديد ونيران تشتعل في صدرها.
كانت تفرك يديها بتوتر وتحدث نفسها بضيق ، فهي حتى تلك اللحظة لا تفهم سبب هذا الغيظ الحارق الذي يجتاحها ولا تدري لمَ يهمها أمره إلى هذا الحد.
حاولت جاهدة أن تستجمع ثباتها وتطرد طيفه من مخيلتها فنهرت نفسها هامسة بحدة وعتاب داخليِ...
جرى إيه يا ملوك؟ مالك مشعللة كدة ليه ومش على بعضك؟ ما تمسك إيده ولا تقعد جنبه.. أنتِ مالك وماله يتفلقوا هما الاتنين إيه اللي حارق دمكِ في الموضوع.
لكن رغم كل محاولاتها لإقناع نفسها باللامبالاة كان صوت قلبها النابض بالغيرة الغامضة أقوى من كل مبرراتها لتظل عاجزة عن تفسير ذلك الطوفان الذي يجتاح روحها بمجرد رؤية ابنة عمه بالقرب منه.
رحل ادهم وجلست فؤادة بالبهو الكبير حيث اتي الجد يجلس بهيبته المعهودة وعامر وعمار يجلسان أمامه والوجوم يلف ملامحهما.. تنحنحت فؤادة بابتسامة مدارية وقالت بنبرة تحمل المفاجأة........
يا حج.. مش أسكت عاد مش جاي عرسان للبنات انهارده في الدار اهنه.
في ثانية واحدة انتفض عامر من مكانه كمن لدغه ثعبان. بينما هب عمار هو الآخر كالإعصار وعيونه تطق شررا وهتف بصوت جهوري رج جدران المكان........
بتجولي إيه يا أمة مين دول اللي جاي لهم عرسان عاد مها وندي صوح؟
ابتسمت فؤادة بروقان على منظرهما وهزت رأسها وقالت بنبرة ذات مغزى........
لاه يا حزين أنت وهو. مش رفضت ياسي عمار إنت قابل بقه.. دا ملك ومليكة اللي جاي لهم الحديت.
عند هذه الكلمة قبض عامر على يده بقوة حديدية وتحولت عيونه الصقرية إلى غضب جحيمي أعمى، وصار يتنفس بسرعة ونيران الغيرة تحرق جوفه.. أما عمار فلم يعد يعرف كيف يمسك نفسه أو يكبح جماح ثورته فصاح بهدير مرعب تملأه الغيرة الواعرة........
مين ده اللي جاي يتجدم عاد دا يبقى ليلته سودة ومنيلة بطين ووقعتوا مهببة معاي مين ده.
هنا التفت الجد بطرف عينه ونظر إلى عامر مليا بـفراسة الشيوخ الصعيدية الأصيلة ودقق في ملامحه المشتعلة ثم وجه حديثه لعامر وهتف بنبرة هادئة لكنها تخترق الصدور........
إيه يا معالي المستشار.. أخوك ماله عاد غضبان وداير كيف الطور الأعمى أكدة ليه؟ وهو ماله بالبنات وسالفتهم واصل؟
جاهد عامر بكل ما أوتي من ثبات انفعالي وقوة وبلع غيظه الحارق وحاول أن يخرج نبرة صوته هادئة ورزينة أمام نظرات جده الفاحصة فتنحنح وهتف........
ماهو.. ماهو مش كل شوية الحديت العفش ده يتفتح في الدار ونجعد نساير فيه.. البنات ضيوفنا .
قطعت فؤادة كلامه وهتفت بـتفاصيل فجرت بركان الساحة قائلة........
إيه المشكلة آنتو عاملين جصة.. دا فواز .. فواز اللي كتو مع بعض في الفرح الليلة إياها.. أمه جت وجعدت معانا اهنه في المندرة وشافت البنات بزينهم وحكت لي وجالت لي إيه جولكم عاد في السالفة دي ورايدين الحلال للراجلين؟
هب عمار واشتعل الدم في عروقه كالبارود وصاح بغل حارق وعيون حمراء كالدّم........
ابن الجزمة عشان شافهم مكشوفين في المندرة ليلتها حِلو في عينه عاد واصل؟ يمين الله أروح دلوك أخزج له عينه دي وأطير نفوخه من فوج جتته.
أحنى عامر رأسه للأرض والبركان بداخله يتصاعد بقوة وأنفاسه أصبحت مسموعة من فرط الغيظ والغيرة. فـفكرة أن فواز أو غيره يتخيل ملوك ملكا له أو يلمس طرف جلبابها كانت كفيلة بجعله يرتكب جناية قتـل ولكنه كتم غيظه ولم ينطق بحرف واحد.. بينما كان الجد يتابع المشهد بصمت وينظر إلى أحفاده وعيونهم المشتعلة بفراسة وذكاء شديد يعلم به ما وراء العيون.
التفتت فؤادة للجد وهتفت بحيرة مصطنعة تفحص بها ردود أفعالهم........
ها يا حج.. أعمل إيه عاد دلوك مع الناس ونرد عليهم بنعم وإلا لاه؟
هنا لم يحتمل عامر الصمت أكثر وتدخل أخيرا بنبرة قاطعة حاسمة كالسيف وعيونه تثبتت في عيون أمه وهتف بـجبروت المستشار........
ما فيش عمايل يا أمي.. السيرة دي تـجفلوا عليها واصل وما تتفتحش عاد تاني في الدار اهنه وجفلناها وخلاص.. وأنا بنفسي هتصرف مع فواز وأعرفه مجامه وينسى الحديت ده خالص.
استدار عامر بجسده ليرحل وينهي الحوار ولكنه تجمد في خطوته وأصابه الرعب والريبة عندما هتف الجد بصوت وقور حاسم هدر في البهو قائلا........
عموما الموضوع ده ما عادش ينفع يُتسكت عليه واصل يا ولد الراوي.
التفت إليه عامر بريبة وخوف مكتوم من نوايا الجد العجوز وتلاقت أعينهما فهتف عامر بنبرة متحشرجة مستفسرة........
يعني إيه يا جدي جصدك إيه بالحديت ده واصل؟
نظر الجد إليه مليا بنظرة عميقة هزت ثبات عامر بالكامل وابتسم بـغموض صعيدي واعر وهتف بقوة وزلزال أحرق هدوءه........
هتشوف يا عامر.الاول أروح أزور أخوك بالمجابر واتحدت معاه ساعتها هجولكو هتشوف أنا هعمل إيه عاد.. والأيام بيناتنا.
وقف عامر مبهوتا يشعر برهبه غريبه من كلام جدة وتسلل بداخله ذعر خفي من نواياه.
انصرف الجد بخطواته الوقورة وثيابه الصعيدية المهيبة، تاركا خلفه بركانا مشتعلا في صدر عامر . كانت فكرة زيارة المقابر والتحدث مع شقيقه الراحل عمر تدور في عقله كالعاصفة تثير في نفسه آلاف الشكوك والظنون.
لم يكن الجد العجوز يخطط لمجرد زيارة عابرة بل كان ينسج في عقله خطط مصيرية لترتيب الدار وحمايتها دون أن ينطق بحرف واحد ليجمع شمل العائلة ويضع حدا لكل هذه الصراعات لكنه آثر الصمت التام ليكون التنفيذ مباغتا كالصاعقة للجميع.
لم يحتمل عامر الانتظار فقطع الصالة بخطوات واسعة ولحق بجده قبل أن يغادر عتبة الدار ووقف أمامه حائلا يمنعه من التقدم وهتف بنبرة مستميتة يملؤها القلق والريبة....
لأ واصل يا جدي.. حديتك عاد فيه لغز كبير أنا مش جادر أفهمه. جصدك إيه بزيارة أخوي الله يرحمه. وفيه إيه بخصوص الدار والبنات أنت بتخطط له من ورايا.. ريحني جبل ما تخطي عتبة الباب. انا متوكد انك بتخطط لحاجه كبيره.
توقف الجد ونظر إلى عامر ببرود صعيدي قاتل ملامحه لم تهتز بل اقترب منه خطوة واحدة وهبط بصوته الوقور ليصبح شديد العمق وهو يرمقه بنظرة غامضة...
أنا هريح جلب الكل يا عامر.. واصل للكل حجهم وهخليهم يناموا متبلغين راضيين.. وأولهم هريح ده.
ورفع الجد إصبعه ليشير مباشرة وبقوة نحو قلب عامر ثم تابع بنبرة حاسمة كالسيف...
بس أخوك الأول يتراضى في تربته.. عمر ليه حِج عليا وعليك والزيارة دي هي أول الخيط.
احتد عامر بشدة واشتعلت عيناه بجموح حاول كبحه فضغط على أسنانها وهتف بصوت جهوري متحشرج....
فيه ايه يا جدي الله يرحمه ويغفر ليه بس إيه صلة الميت بالحيين دلوك. وإيه دخل جلب عامر في الحديت. أنت بتلعب بأعصابي وبتتحدت بالألغاز واشمعنى السيرة دي انفتحت دلوك.. ناوي علي إيه عاد جولي وريحني الدار دي داري وأنا كبيرها بعديك ومن حجي أعرف أنت ناوي على إيه واصل.
حافظ الجد على بروده التام الذي لا تشوبه شائبة ورمقه بنظرة أخيرة اخترقت حصون عامر وأذابت كل ملامح الجبروت والمستشار في وجهه. ثم ربت على كتفه بجفاء وهتف بنبرة قاطعة أنهت النقاش تماما..
كبيرها بكرة يعرف كل حاجة في وجتها.. وسع من طريجي عاد الحديت جِفل أنا رايح لاخوك أخد كلامي منه الأخير.
تركه الجد ومشى بخطواته الثابتة تاركا خلفه الفراغ. في تلك اللحظة لجم عامر تماما تراجعت خطواته للخلف ببطء وهو يقف مقهورا عاجزا عن الحركة أو اللحاق به مجددا. انطفأت حدته وحل محلها وجوم تام وهو ينظر في أثر جده الراحل.
كان هناك خوف خفي وكبير يتسلل إلى أعماق قلبه لأول مرة خوف من نوايا هذا العجوز ومن القادم الذي لا يعلم عنه شيئا بينما يجهل تماماً أن جده قد عقد العزم بالفعل بطريقته الصعيدية الخاصة علي إنهاء ذلك الصراع .تركه الجد ومشى بخطواته الثابتة بينما تدافعت الأسئلة في عقله كأمواج مظلمة ما الذي ينوي العجوز انتزاعه منه وأي مصير ينتظر هذا البيت وبناته خلف جدار هذا الصمت المخيف؟ ظل واقفا مكانه والخوف الخفي ينهش صدره من قادم مجهول لا تلوح له أي ملامح ولا يعلم أن نوايا الجد واضحه وضوح الشمس.
أتى يوم كانت مليكة تعمل فيه بهمة مع سليم و أنهت عملها مع أحد الأفواج السياحية الأجنبية بنجاح لياتي لها سليم بخطوات معتذرة ونبرة آسفة قائلاً........
مليكة معلش والله مش هعرف أوصلك لعتبة الدار انهارده خالص جالي مشوار طارئ في المديرية وسامحيني .
ابتسمت مليكة برقة وود وهزت رأسها قائلة بعفوية........
لاه أبداً يا سليم ولا يهمك أنا هركب أي مواصلة وأنزل أول البلد عادي خالص.
خرجت مليكة واتجهت لتركب مواصلات عامة حتى وصلت إلى أول حدود البلدة وقررت أن تمشي على قدميها المسافة الباقية إلى البيت فـدخلت وسط الأراضي الزراعية الكثيفة وظلت تمشي بهدوء وهي ساهمة مع نفسها وتفكر في حالها وتجنبها لعمار.
وبينما هي غارقة في أفكارها سمعت فجأة صوت عمار الجهوري والوقور يأتي من خلفها بنبرة حادة تملأها الغيرة والخوف المكتوم قاصداً إياها........
أنتِ إيه اللي ممشيكي لوحدك وسط الزروع في ساعة متأخرة زي دي عاد؟
نظرت إليه وتجمدت دقات قلبها لتجده يقترب منها بهيبته الطاغية وعيونه المثبتة عليها فـقطبت جبينها بغضب و كبرياء وأسرعت في خطاها تهرول هربا منه حتى لا تقترب منه أو تسمح له بإهانتها مجددا فـهي لها فترة طويلة لا تكلمه .
شعر عمار بغليان مرعب في عروقه جراء بعدُها عنه وهروبها المتعمد من أمامه طوال الأيام السابقة كأنه وباء. ليندفع نحوها كالإعصار ويمسك يدها بعنف وقوة جذبها بها إليه لتصطدم بصدره العريض فصرخ بنبرة تفيض بالقهر والشوق الحارق المكبوت في صدره لأسابيع........
أنتِ رايحة فين عاد وسيباني إزاي تهربي مني أكدة؟
دفعته بغضب... اوعي عايز إيه إنت مالكش دعوه جاي ورا المفلوته ليه مش انا زي الست سمر المفلوته بنت البندر اللي غدرت بيك. خلاص اوعي.
اشتعل بهياج واندفع وشدها.. لاه مانتش زيها واصل إنت غير وبطلي أنا ماجولتش إللي ندي جالته وبسببه ليكي ايام بتبعدي والبت اللي في الفندج دي معرفه جديمه و..
دفعته بحرقه فسليم ملاء راسها بالكثير عنه.. ... .. اوعي يا كداب.. علي رأي سليم بس انا أنا مالي بطل ده خليك في حالك انت كل شويه إهانات إيه واقعه أنا ليك اوعي والله أقول لملك وامشي من هنا.
اهتاج من الكلمه واحتضنها بشدة وعنفوان يملؤه التملك وحاوط خصرها الصغير بكلتا يديه بقوة حديدية حتى لا تبتعد عنه أو تفلت من بين أصابعه وظل ينظر لوجهها المحمر وعيونها المصدومة وهو ينهج بـأنفاس حارقة لاهثة وبداخله ألف سؤال وسؤال... لماذا يحترق قلبه لبعدها ولماذا يموت غيرة عليها وهو كاره النساء؟
شدد عمار قبضته عليها وحاوطها بكلتا يديه يضمها لضلوعه كأنه يخبئها من الدنيا ماهتفارحيش اهنه واصل...
وبينما هو يحتضنها ملتصقا بها في وضع يوحي بالحميمية ليسمع فجأة صوتا خشنا وغريبا يتحمحم خلفه مباشرة في وسط الظلام الكاحل للأراضي الزراعية.
استدار عمار ليرتعب لأول مرة في حياته ويشد مليكة إلى صدره أكثر يداري جسدها بالكامل وراء ظهره العريض ويشعر بالذعر الشديد والخطورة عندما لمح في عتمة الليل...
