رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم ميفو السلطان


 رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل التاسع والعشرون 

  كان عمار يحتضنها بين يديه يشعر بحرقة أنها تتفاداه ومشاعر مدفونة تتصاعد للعلن لا يعلم أحد بوجودها. كانت ترتجف من لين مشاعره وهو لا يفلتها لينتفضا فجأة عندما سمع صوتا غاضبا ومتهكما يأتي من خلفهما... 
إيه ده واه عملت العيبة في الغيطان يا ابن الراوي؟

هنا انتفض عمار ولف جسده بسرعة فكان أمام اثنين من الشباب المعروف عنهم بسوء الأخلاق والبلطجة في الكفر. شد عمار مليكة بقوة ليخفيها وراء ظهره لتكلبش هي في ثيابه برعب حقيقي وجسدها يرتعد بالكامل.

هتف الشاب الآخر بنظرات خبيثة وجريئة... 
جايب واحده تحضن فيها في الزراعية؟ طب واه.. اللي ياكل لوحده يزور يا ابن الأكابر. 

اشتعلت عينا عمار بشرر الغضب وفاض به الكيل فهتف بنبرة زلزلت المكان.. 
ابعد من هنا يا إبراهيم بدل ما أفلجك نصين.. وإنت خابر زين أنا مين وإيه اللي ممكن أعمله فيك. 

ضحك الشاب بسخرية ولم يتراجع بل تقدم خطوة وهو يقول بتبجح.. 
وليك عين تتكلم كمان؟ ما إحنا برضك ولاد ناس وكبار في البلد زيك ولينا هيبه كبيره جوي .. طب لاغينا وسيب البت دي ناخدها لفة واصل.

صرخت مليكة برعب وكلبشت في ظهره بأصابع مرتجفة وهي تبكي فهمس لها عمار بيقين وقوة وهو وعينه لا تفارق الشابين.. 
ما تخافيش.. بروحي وفدا عمري حد يلمس منك شعرة طول ما أنا عايش.

ثم التفت بكامل جسده موجها حديثه لإبراهيم بنبرة حاسمة وصوت كالفولاذ.. 
احترم حالك يا إبراهيم والزم حدودك.. دي ضيفة جية في حمانا وبعدين إنت خابر زين مين هو عمار الراوي واللعب معايا آخره الموت. 

ضحك الشاب إبراهيم بوقاحة وهو يلوح بيده مستنكرا كلام عمار وقال بنبرة مليئة بالخبث.. 
ضيفة.. مش دي البندرية أخت مرت أخوك؟ إيه.. جلبتوها مرَدخَة يا ولاد الراوي... إذا كنت بتعمل اكده في الخلا أمال في داركو بتعملو ايه تحت بالمتغطي لاه.. بتخوفنا كنك ضابط يعني. طب مانا أبويا مجلس شعب كبير وجوي عنك وعن اللي بتشد لك. هات البت نتسامروا معاها شوية يا إما وعز جلال الله لأخلي اللي ما يشتري يتفرج ويفضحكم في الدنيا كلها. انتو صيتكم مسمع في الناحيه بالشرف أما نشوف هيتجال اية. 

هنا اشتعلت عينا عمار بغضب أعمى ووقف أمامها سداً منيعا وهو يهتف بصوت زلزل الأرض تحت قدامهم... 
عشان تلمحها بس وتوصلها.. لازم تعدي على جتتي الأول يا إبراهيم. 

تداخل صديق إبراهيم في الحديث ضاحكا بتبجح وهتف وهو يتقدم خطوة.. 
ما تجصر الشر يا عمار ولافينا البت.. وإلا هو التحسيس والبوس ليك أنت وبس؟ إيه.. جايب واحده مفلوتة وخايف عليها إكده ليه؟

صرخ عمار بكل ما أوتي من قوة وجسده ينتفض من شدة الغضب... 
اخرس يا حيوان أنت وهو جطع لسانك ولسان اللي يلمسها بكلمة. 

وفي لمح البصر اندفع إبراهيم هاجما على عمار ليشغله بينما تحرك الصديق الآخر ب خسة نحو مليكة التي دخلت في حالة رعب شديد وبدأت تتشنج وتصرخ بأعلى صوتها وهي تحاول التراجع للخلف.

هنا هاج عمار بالكامل وتملكه جنون غاضب وغيره وحميه عليها. اندفع يضرب إبراهيم بلكمات متتالية وعنيفة أطاحت بتوازنه. لكن عينه كانت على الشاب الآخر الذي يحاول الإمساك بمليكة وهي تصرخ وتدافع عن نفسها بذعر. 

هذا المشهد جعل عمار يزداد عنفا ووحشية سدد ضربة قاضية أطاحت بالشاب الأول أرضا ثم هجم كالنمر المفترس على الشاب الثاني الذي يحاول لمس مليكة.

شعر الشاب بالخطر فسحب سريعا سكينا من طيات ثيابه وحاول أن يضرب بها عمار وهو يهتف بأنفاس متلاحقة.. 
أنت إكده عامل ليها جيمة دي اللي بتتحضن في الغيطان يا عيب الشوم عالرجالة.. والله لأفرّج البلد كلها عليكم وعلى عمايلكم يا ولاد الراوي. 

هجم عليه عمار ولم يبالِ بالسلاح في يده بل صرخ فيه بوجه محتقن... 
اخرس يا واكل ناسك هيا مين دي اللي بتتحضن يا زبالة دي هتبقى مرتي.. جرينا فاتحتنا وهكتب عليها جريب جوي. مرت عمار الراوي شرفها حبل عمار وروح عمار. 

صرخ الشاب.... بتكدب عشان تفلت بعملتم هيا مين اللي مرتك دانت بتكره النسوان وفوج اكده فلاتي وبتاع حريم هات البت مفلوته زي اللي تعرفهم أكيد اللي تجفلك تحضن فيها فين ماشفناش أي حزن أفراح ولا كلام هتضحك عليا يابن الرواي. هات البت بجوالك. 

صرخ عمار بهياج... عارف لو جربت سنتي هطلع روحك إحنا مخطوبين وكتب الكتاب جريب جوي واللي يمس شرف عمار يمس روحه. 

هنا اندفع يضربه بكل غله فحاول الشاب الدفاع عن نفسه وجرح عمار في يده بالسكين إلا أن عمار لم يهتم بالجرح ولا بالدم الذي سال بل استمر في كيل اللكمات والضربات للشاب بحنق حتى تهالك تماما وسقط على الأرض فاقدا للوعي بجانب صديقه.

ظل عمار واقفا مكانه يشعر بالهياج والأنفاس المتلاحقة لثوان وعيناه تدوران بحمرة الدم. ثم التفت سريعا نحو مليكة واندفع إليها. لم تتردد هي الأخرى بل اندفعت نحو صدره وتحتضنه بعنف شديد تبكي بحرارة وجسدها ينتفض بين يديه كعصفور بلله المطر.

حاوطها عمار بحنان جارف وضغط عليها يطمئنها وهو يهمس لها بنبرة دافئة قريبة من أذنها... 
خلاص.. خلاص اهدي عاد خلاص ما تخافيش.. أنا معاكي.

ابتعد عنها قليلا ونظر إلى وجهها المستكين كانت عيناها دامعتين بشدة فهمس بحنان بالغ... 
خلاص والله.. ما كنت هسيب حد يمسك واصل طول ما فيا نفس.

رجف قلب مليكة من كلماته ونظراته مد يده  ومسح دموعها برفق لكن نظرها وقع فجأة على يده الأخرى المصابة. مسحت بقايا دموعها بسرعة وهتفت بقلق حقيقي... 
أنت... أنت اتعورت. 

تنهد عمار محاولا طمأنتها وهتف بهدوء.. 
حاجة بسيطة.. ما تشغليش بالك.

همست بنبرة لائمة ومشفقة وهي تكاد تبكي مجددا... 
لا حاجة بسيطة إيه أنت اتبهدلت خالص عشاني..

وبحركة سريعة مدت يدها وشَدت وشاحا ناعما كانت تربطه حول رقبتها واقتربت منه تبدأ في لف الجرح بعناية. كانت قريبة منه للغاية لدرجة أن أنفاسها الدافئة كانت تلفح وجهه بينما كانت عيناه منصبة بالكامل على تفاصيل وجهها المذعور والجميل في آن واحد.

رفعت مليكة وجهها إليه فجأة وهمست برقة.. 
إيه.. حاسس بوجع؟

سهم عمار في عينيها وضاع في سحرهما وهتف بغير وعي.. 
هاه؟ وجع؟

ملست بأصابعها الرقيقة على يده فوق الوشاح وهمست.. 
آه هنا.. بيوجعك.. والله أسفه خالص؟
سهم عمار في عينيها القريبتين منه وتاه تماما في سحرهما. أنفاسها الدافئة التي تلفح وجهه جعلت قلبه يدق بعنف لم يعهده من قبل. شعر برغبة عارمة في أن يطيل هذه اللحظة وأن يظل قريبا منها هكذا دون أي فواصل.

لم يكن عمار يفهم طبيعة المشاعر التي تجتاحه الآن هو رجل صعيدي نشأ على الشهامة والواجب ولم يختبر الحب يوما. لذلك كان يُفسر كل هذا الاندفاع نحوها بأنه مجرد خوف عليها ورغبة في حمايتها دون أن يدري أن قلبه قد غرق في هواها بالفعل.

مسح على وجهه بيده السليمة وتنهد بعفوية محاولا الهروب من نظراتها التي تُربكه وقال بصوت خفيض غلفته لوعته المكتومة.. 
لاه.. ما فيش وجع واصل يا مليكة. الوجع الحجيجي هو إني كنت أشوف حد يمسك بسوء وأنا واجف عاجز.  ما تجولييش آسفة تاني

كانت دموعها تسيل بعفويه اقترب منها عمار خطوة إضافية وتلاشت كل الحواجز في تلك اللحظة رفع يده السليمة برفق شديد وبتلقائية  وضع إبهامه على وجنتها يمسح دموعها الساخنة بنعومة فائقة وكأنه يهدئ طفلة صغيرة خائفة. همس بصوت دافئ وخفيض يحمل حنانا لم يعهده هو نفسه من قبل... 
ششش.. اهدِي  أنا بخير  أهو جِصادك.. طول ما أنا فِيا النفس ما عاش ولا كان اللي يلمس شعرة منك . دموعك دي امسحيها لجل خاطري مامتحملهاش.

نظرت ليده التي تمسح دموعها فالتقت عينُها بعينيه في نظرة طويلة امتزج فيها الخوف الشديد بالأمان الذي لا تجده إلا معه. همست بعفوية وهي تشد على الوشاح حول جرحه
مش قادرة يا عمار.. أنت اتبهدلت خالص عشاني وجرحك ده بيوجعني أنا في قلبي.

ابتسم عمار بخفة وعيناه غارقتان في تفاصيل وجهها الجميل والمذعور وقال بنبرة صادقة تمامًا وهو لا يدرك بعد أن هذا الخوف والاندفاع هو الحب بعينه... 
يا ستي لو جرحي ده هو اللي هيخلّيكي بخير ويمسح الخوف من عيونك فأنا راضي بيه وبعشج وجعه.. ما تشغليش بالك واصل ما تِبكيش بقه خلاص .

مسحت بقايا دموعها  نظرت إليه  بامتنان كبير ولمست براءتها وعفويتها جرحه بلطف وهي ما زالت ممسكة بطرف الوشاح وقالت بنبرة خرجت من أعماق قلبها المتألم لأجله.. 
غصب عني يا عمار.. أنا حاسة إني بليتك معايا  ولما شفتك وأنت بتتعارك وبتتوجع بسببي قلبي وجعني مسكت يده بحنان... حقك عليا والله ممكن تسامحني .
كانت تمسك يده وهو ينظر اليها بحنان وقلبه يدق بعنف. 

ثم تنهدت بقلة حيلة وبراءة شديدة وقالت بعفوية ودون أن تحسب عواقب كلماتها.. 
أنا بس.. أنا قلت في نفسي يا ريتني استنيت سليم.. لو كان هو اللي جالي ما كانش حصل كل ده ولا كنت أنت اتبهدلت بسببي واضطريت تحارب علشاني.

في ثانية واحدة تبخرت كل المشاعر الدافئة التي كانت تملأ المكان.

تسمر عمار في مكانه وتصلبت ملامحه فجأة وكأن صاعقة قد ضربته. الكلمة وقعت على مسامعه كالجمر المشتعل.. سليم.
كيف لها وهي في هذا القرب منه أن تنطق باسمه كيف تفكر في غيره وهو الذي كاد يودي بحياته من أجلها؟

تراجع خطوة إلى الخلف ببطء وعيناه اللتان كانتا تفيضان حنانا منذ ثوان اشتعلت فيهما نيران غيرة عمياء غطت على كل شيء. تحولت نبرته الدافئة إلى هدوء ما قبل العاصفة، وهتف بصوت أجش يرتجف من شدة الغضب المكتوم.. 
عتجولي مين؟ سليم..

ابتسمت بحنان دافئ خفف من توتر الموقف وهمست بخفوت... 
آه طبعا.. أنا آسفة إني عرضتك لكل ده.. مابحبش حد يتأذى بسببي يا ريتني كنت استنيت سليم احسن  .

وما إن نطق اسم سليم حتى اشتعل عمار مجددا وهب  بغيرة واضحة وعصبية. ثارت شياطينه وضاق صدره بشدة فجذب يده من بين يديها بعنف  وعلا صوته جهوريا غاضبا وهو يلتفت إليها وعيناه تطاير منهما الشرر.. 
يعني وأنا جايد صوابعي العشرة شمع وواجف بدمي بوجع جِصادهم لجل ما أحميكي أنتِ جلبك وعجلك مع سليم و يا ريتك استنيتيه يا مليكة . دي تصيبه ليه دي 

لا سليم ولا طين وتاني.. دي آخر مرة تمشي لحالك واصل في أي مكان أنا اللي هاجي آخدك بنفسي. 

نظرت إليه بدهشة من تحوله المفاجئ وهتفت ببراءة.. 
طب أنت متعصب ليه دلوقتي؟

هتف عمار بنفاد صبر وضيق وهو يمسح على وجهه بيده السليمة.. 
يعني تفورّيني وتجولي متعصب ليه ده مرار إيه ده.. أنتِ ما بتفهميش واصل؟

هبت مليكة قائمة في مواجهته وعيناها تلمعان بالغيظ من تحوله المفاجئ وهتفت بنبرة حانقة.... 
أنت إيه؟ مش بتعرف تبقى طيب لدقيقة واحدة؟ على طول جواك حاجة شر. وابور شغال كدة. يا ساتر إيه ده قعدتك غم كدة علطول أوعى من وشي. 

وقامت وابتعدت عنه خطوات وهي تجر  خيبتها فيه وغضبها. 

ليندفع عمار خلفها كالإعصار ويهتف بصوت جهوري هز أرجاء المكان... 
أنا جعدتي غم صوح..  والبيه بقى قعدته إيه حلوة وبفيونكة ما هو طور والكل عارف وخابر زين. 

تابع وهو يقترب منها وعيناه تشتعلان غيرة.. 
عشان كدة ما اتصلتيش بيا ومستنياه هو يوصلك.. بيتنحنح صح عاجبك النحنحة؟

التفتت إليه مليكة وهتفت بتحد وهي ترفع حاجبها.. 
وتجيلي ليه أنت أصلا كنت هتعبرني ما أنت مشغول مع الهوانم اللي بتتمايع وتِصَرمَح معاهم. 

هتف بانفعال شديد أفقده السيطرة على نبرته.. 
هوانم مين يا مهبوله  أنتِ ما فيش زفت واصل..

صرخت بها مليكة وهي تندفع نحوه بوجع وقهر لم تعد تحتمله ورفعت يدها وهوت بها فوق كتفه  بخبطة قوية بكل ما أوتيت من عصبية وألم وهي تتذكر مشهد تلك الفتاة التي رأتها تقترب منه سابقًا. أكملت بغضب وصراخ وعبراتها تسيل بحرقة... 
ما فيش اكدب بقه والهانم اللي كت متشعلقة في إيدك والّ إيه.. ابقى اسأل يا عمار.. وحشتنا يا عمار.. أنا عارفة عنك كل بلاويك.. أوعى من وشي واقف تتمايع معاها وجاي تعض فيّ أنا وتعملي فيها بطل؟ وتعض فيا لما اقول سليم. 

قبض عمار على ذراعها وصاح بأعلى صوته بقلب محروق وعينين تشتعلان بالغيظ.. 
أنا ماتمَايعتش هي اللي لزجت في إنتِ دماغك دي خربانة وما عتفهمش واصل.. جولتلك ما فيش حاجة. واياك تنطحي اسم سي زفت ده. 

اشتعلت الغيرة في صدر مليكة هي الأخرى واندفعت بعصبية تهاجمه بمرارة وقهر وهي تتذكر ما سمعته عنه فهتفت بصوت يرتجف.. 
لا هقول سليم.. على الأقل سليم ما لوش سوابق زيك. مش داير يعرف بنات بحري وقبلي.. نسيت هنادي.. ولا نادية.. ولا ست الحسن والجمال هند.. إنت فاكرني غبية ومش عارفة مغامراتك وبلاويك كلها ؟

تسمر عمار في مكانه واندفعت الدماء في عروقه بغضب عارم وهياج شديد فتقدم منها بخطوات هادرة كالإعصار وصاح فيها وهو يكاد يجن.. 
عرفتي دول منين إنتِ بتجيبي الكلام ده منين واصل انطجي. 

ردت عليه بهياج مماثل وعيناها تتحديان غضبه.. 
سليم اللي حكالي يا فلاتي سليم قالي على كل تاريخك المشرف مع البنات. 

جن جنون عمار واقترب منها أكثر وهو ينفض يديه في الهواء بحدة وصوت جهوري زلزل المكان.. 
دول زمان كانوا زمان وسالفتهم جُطعت من سنين دلوك ما فيش واصل.. افهمي بقه يا غبية ما فيش في حياتي حد مجنونة إياكِ. والله العظيم سليم ده أول ما أشوفه لأجطع وشه نصين واعرفه إزاي يجول اكده وإزاي يسيبك لوحدك كت هتزفت هاجي أمال أسيبك في الليل تاجي لوحدك في طريج مجطوع.... طب يا سليم الكلب. 

هتفت مليكة تدافع تلقائيا بنبرة مستفزة.. 
ومالك بيه أنت ما تقربش منه بقولك أهوه. 

اقترب منها عمار بغضب أعمى وقبض على ذراعها بقوة وعيناه تطلقان شررا وهتف بفحيح غاضب.. 
وبتدافعي عنه ليه أنتِ دلوك و واجفة في وشي عشان خاطره. 

هتفت وهي تحاول سحب ذراعها بتمرد.. 
عشان حد لطيف.. مش زي ناس ناشفة. 

شدد من قبضته بعنف وهو يشعر ببركان يغلي في صدره وقال بنبرة متهكمة قاسية.. 
جصدك إني مش إكده صوح.. أصلي مش نحنوح وما بسبسبش للهوانم زيه. 

دفعت يده عن ذراعها بكل قوتها وهتفت بصوت مرتجف من الغيظ.. 
أوعى كدة أنت إيه قلة أدبك دي مالك؟ بقالي فترة كبيرة ما بجيش جنبك ولا بكلمك.. هو في إيه بالظبط. 

شعر بالاحتراق الكامل داخل صدره وكأن الكلمات أشعلت عود ثقاب في حطب روحه فجذبها إليه مرة أخرى وهتف بصوت متحشرج من شدة الغيظ.. 
آه.. الهانم بقى مستخبية مني ليها عشر أيام بالعند.. صوح جاصدة تفوريلي دمي وعمالة تِتجِلي بروحك عليا. 

صرخت في وجهه والدموع تحتقن في عينيها.. 
وأفورلك دمك ليه مش أنا البندرية المكشوفة اللي مش عاجباك أهو برحمك مني ومن شوفي.. أوعى بقى سيب إيدي.. أنت وحش قوي

هتف بغيظ قاتل وهو يضغط على أسنانه.. 
كِني وحش.. وسليم لطيف.. مش إكده؟

رفعت وجهها بعناد طفولي ممتزج بالقهر وهتفت لتزيد من اشتعاله
آه.. لطيف وحبوب وأنا حبيته خالص.. إيش جاب لجاب بقى. 

اشتعل عمار عن آخره وتلاشت كل ذرة تعقل في رأسه شدها بقوة جارفة إلى أحضانه حتى التصق جسدها بصدره العريض. وطوقها بذراعيه كالسجن الحديدي وهو يهتف بأنفاس لاهبة تلفح وجهها.. 
كِنه حبوب وحبتيه وإيش جاب لجاب ليه؟ بيسبسبلك الطور ده صوح وأنا ما بنعرفش السَبسبة دي واصل.. صوح عفريت انا بعض والبيه حنين. 

كان الغضب يعتمل في صدر عمار كالبركان الهادر فكلمات مليكة عن سليم ووصفها له بالرقة والحب كانت كالملح على الجرح النازف في كبريائه. اكمل بصوت هادر وعيناه تشعان بشرر الغضب.. 
وحب.. حب كِيف البيه الحلوف ده بيفهم في الحب عايزة إيه؟ أجف أسبسبلك عشان تجفي تتكلمي معايا عدل زي البيه يا بت البندر؟!"

دفعت مليكة صدره بغضب  والدموع تغرق عينيها المقهورتين وصاحت بنبرة مكسورة.. 
الله يخربيت بت البندر أنت إيه؟ ربنا ياخدني عشان أرتاح بقى.. إيه ده؟ أوعى.. أنت أوحش واحد شفته في حياتي. 

دفعته بكل قوتها والتفتت تجري مبتعدة عنه تجر أذيال خيبتها وقهرها من معاملته القاسية تاركة إياه يغلي في  غضبه وحيرته.

وقف عمار مكانه يغلي غضبا وصوت مليكة يتردد في أذنيه أوحش واحد..... صرخ بعنف... الهانم عايزة السبسبة والنحنحة.

قبض على قبضته حتى ابيضت مفاصله وراح يحدث نفسه بقهر.. 
أوحش واحد صوح أكيد سي طين بيسبسب ويلاغي الهانم بيعرف منه لله ربنا ياخده. البت بتجول بيحب أروح أموته دلوك. 

توقف فجأة  محاولا السيطرة على أفكاره المتضاربة... 
طب إيه أني باكل حالي ليه أني مالي بيها؟ إيه المرار ده؟ ما عايزهاش تتهبب تكلم زفت. وأني مش طايج روحي من أساسه مالك مخبول؟ أنت بتكره النسوان فيك إيه. عليك وعلى اللي جابك يا أخي ما تسيبها تتكلم وإلا تطين على دماغها. كيف ما جالت خيتها ماليش كلمة أني؟

لكن صرخة مكتومة خرجت من حنجرته ممتزجة بإصرار وعناد.. 
لا ليا كلمة... الحرمة بداري تحترم نفسها.. والله لأسود عيشتها تكلم مين؟ أني هروح لسليم وأجف له بس خلاص. هو إيه اسيبه ياخد البت واجف أتفرج لأه دي..... دي هبله وكمان أمانه لا مايجربلهاش طب يا سليم الكلب والله لأوريك. 

ضغط على يده المصابة بغضب غير عابئ بالألم واستدار يطحن الأرض بخطواته الثقيلة والشرارات تحرق قلبه لا يعلم مكنونها ولكن ما وقر في القلب يتصاعد رغماً عن إرادة أي أحد.

جلست ملوك فؤادة ونجوان يتسامرون في ركن من أركان الردهة الواسعة ليدخل عليهن فجأة صوت سعدات الممتزج بالنبرة المألوفة التي تحمل خلفها الكثير  وبصحبتها ابنتاها. دارت الأحاديث بين الجميع ولم تضيع سعدات فرصة إلا وألمحت فيها بكلمات مبطنة تشير إلى أن عامر هو السند الذي يلم شملهم وأن ابنتها مها هي الأقرب والأنسب له. 

كانت ملوك تستمع والضيق يعتصر صدرها تشعر بغصة خفية تنبت في أعماقها وإحساس لا تعرف له سببا يرفض تلك الفتاة ولا يطيق سماع سيرة ارتباطها بعامر.

تنهدت سعدات برياء وقالت وهي تلوح بيديها... 
أمتى بقى نفرح دا الدار بقت شكلها يحزن وناجصاها لِمتنا وفرحتنا الكبيرة.

هتفت فؤادة بنبرة هادئة تحاول تلطيف الأجواء وهيا تعلم ماتقصد.. 
هيجي يوم ونفرح كلياتنا يا سعدات.. هو بس النصيب لما يأذن ربنا وكل شيء بأوانه.

قطع حديثهن دخول عامر ومعه عمه مكرم والد ادهم وسليم . القي العم السلام وجلس في صدر القاعة بينما تقدم الجد سعفان بخطواته الوقورة ليستقبلهم.

هب العم مكرم واقفا يحيي الجد... 
كيفك يا أبا سعفان إني جاي أطمن عليك.. عامر لجيته في طريجي وجولت آجي أشوفك وأتطمن على صحتك بنفسي.

هتف سعفان بابتسامة دافئة.. 
بخير يا ولدي.. شوفتك بقيت زين والحمد لله.
وسط هذا الجمع التفت العم مكرم بجسده نحو عانر وارتسمت على وجهه أمارات الجدية وهو يضع عصاه جانبا ثم قال بصوت جهوري يحمل نبرة الرجاء والطلب... 
الرواية والبلد كلياتها عايزينك تترشح لمجلس الشعب يا ولدي.. عِندنا ناس واصل مش لاجية اللي يجف لجل مصلحتها وعايزين حد من عندينا من دمنا ولحمنا يخش المجلس ويجيب حِج الناس دي.

تنهد عامر وارتسمت على ثغره ابتسامة هادئة تحمل الكثير من الاعتذار ثم عدل من جلسته ونظر إلى عمه مكرم قائلا.... 
لاه يا عمي أنت خابر زين إني مش فاضي واصل.. شغلي في الأراضي والمصالح وأحكام القضا واخد كل وجتي. والمجلس ده عايز حد متفرغ لطلبات الناس ومشاكلهم وأنا يدوب مجسم نفسي بالعافية.

ضرب العم مكرم كفا بكف وهتف بنبرة مشجعة وقوية لا تقبل التراجع... 
لاه.. أنت أدها يا ولدي وأدود كمان. البلد كلياتها بتهابك وبتعملك ألف حساب. والكل هيجف في ضهرك لجل ما تكتسح الانتخابات دي ما تصغرش حلمنا يا عامر.

في تلك اللحظة لمعت عيون سعدات ببريق الطمع والفرحة فقالت بصوت متهلل.... 
يا مرار طافح ده هيبقى نصر كبير ل عامر وللعيلة كلياتها.. السلطة دي يد واصلة والنايب بيبقى كلمته مسموعة في كل مراكز الدولة ومحدش يجدر يجف جِصادنا واصل بعد اليوم. 

أما مها فلم تسعها الدنيا من الفرحة واندفعت تتحدث  متلهفة  وقالت وهي تنظر لعامر بدلال وإعجاب مكشوف.. 
آه والنبي يا عانر.. وافق لجل خاطري ده أنت هتبقى سيادة النايب بهيبتك دي. تخيل كده لما الكل يعملنا حساب ويق
جولوا جناب النايب دخل... جناب النايب خرج. 
وكانت مها في داخلها تطير من السعادة وتتخيل نفسها بالفعل زوجة رجل ذو سلطة ونفوذ تتباهى بلقب مرات النايب أمام نساء البلدة كلياتها.

التفتت الأم فؤادة نحو ابنها ونظرت إليه بعينين تملؤهما عين الرضا والفخر وقالت بنبرة حنونة ومشجعة... 
وليه لأ يا ولدي؟ أنت طول عمرك شايل هم الصغير جبل الكبير ودخولك المجلس ده طاجة فرج لناس كتير غلابة ملهاش ضهر.

رد عليها عمار بنبرة دافئة يقبل يدها.. 
يا أُمي الحمل تجيل والمجلس ده مسؤولية قدام ربنا جبل العباد، وأنا مش عايز أجصر في حج حد ولا في حح بيتي وشغلي.

هنا تدخل الجد بصوته  الحكيم  وقال بنبرة حازمة تنم عن خبرة السنين... 
لاه.. بلاش منيها السيرة دي عاد. عامر مشغول بالقضا وفض النزاعات بين الناس. والمنصب ده وراه حوارات ومصالح عتِشغل باله عن الحج. 

في تلك الأثناء كانت ملوم تجلس  متجهمة الوجه وعيناها تدوران بين الحاضرين بنظرات قلقة.. لم تكن تشعر أبداً أن هذا المنصب شيء جيد بل أحست بانقباض في قلبها وكأن هذه السلطة ستجلب معها المتاعب.

فجأة ووسط صخب النقاش التفت عامر بنظراته نحو ملوك متجاهلا كلام الجميع وسألها بنبرة هادئة ومهتمة للغاية... 
إيه رأيك أنتِ يا ملك؟

نظرت إليه ملوك باستغراب شديد ولم تتوقع أن يستشيرها هو بالذات وسط كبار العائلة. فاتسعت عيناها بدهشة بينما لم يستطع عامر منع نفسه من الابتسام برقة وهو يتأمل ملامحها المستغربة.

في هذه اللحظة انقبض قلب مها واشتعلت مقهورة من الغيرة وهي ترى كيف ترك عمار كلامها وتوددها ليري رأي ملوك ويهتم به.

صمتت ملوك لثوانٍ  وقالت بنبرة هادئة ورزينة جذبت انتباه الجميع.... 
أنا رأيي بلاش  المنصب والسلطة مع القضا وفض مشاكل الناس مش هيجتمعوا صح. السلطة دي ليها حسابات تانية مهما كان الإنسان قوي وعادل النفوذ والمصالح عتأثر عليه وعلى أحكامه غصب عنه. القضا ده بينك وبين ربنا ومالوش شريك والسياسة والمجلس ليهم شركا كتير ومصالح بتتشابك.. بلاش تدخل نفسك في السكة دي وتظلم عدلك.

قالت  كلماتها بوعي فخيم الصمت على المندرة.. أما عامر فقد تلاشت ملامح التعب والتشكك من وجهه وظل ينظر إليها بمنتهى الانبهار والإعجاب فهذا داخله اللذي يقول ذلك. وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة وعميقة وهو يرى في عينيها الحكمة والعقل الذي تفتقده كل النساء من حوله.

اشتعلت مها غيظا من نظرات الانبهار التي رمق بها عامر ملوك ولم تتحمل أن تسرق الأخيرة الأضواء  فلوت فمها بامتعاض والتفتت لملوم قائلة بنبرة حادة تحاول فيها التقليل من شأن كلامها.... 
جرى إيه يا ملك؟ إيه كلامك ده  أنتِ بتكبري الموضوع ليه وتعمليها جضية؟ ده مجلس الشعب  يعني وجاهة وعز للعيلة إيش فهمك أنتِ في السياسة ومصالح البلد لجل ما تجعدي تجوليلي النفوذ والمصالح عتأثر. 

وقبل أن تسترسل مها في هجومها وتكمل تقليلها من رأي ملوك رفع عمار يده بحسم ونظر إليها بنظرة حازمة جعلت الكلمات تجف في حلقها وقال بصوت جهوري قاطع:
لاه يا مها.. واجفي عندك وخلي بالك من كلامك  هي صوح.. كلام ملك صوح وزين العجل كمان دي أصلا كلامي وحاسس إنه من جوايا .

التفت ط بكليته نحو عمه مكرم وجده وبدت على ملامحه القناعة التامة بعد أن صاغت ملوك مخاوفه في كلمات دقيقة فهتف بنبرة صادقة وقوية... 
الرد يا عمي كيف ما جالت ملك بالظبط. السياسة ما تنفعش واصل مع العدل ومستحيل يجتمعوا في جلب راجل واحد. السياسة دي ليها أساليب وطرج وساعات كتير الأساليب دي ما عتكونش صوح ولا حلال وعتجرجرني لِحتة مش بتاعتي ولا شبهي.. وأنا راجل بحكم بين الناس بالحج وبما يرضي الله فِيبقى ليه أدخل نفسي في صراع أنا غني عنه. 

هز الجد رأسه بالموافقة وهو ينظر لعامر بفخر بينما ساد الصمت المندرة وظلت عينا عانر معلقتين بملوم بنظرة تحمل الكثير من الامتنان والدعم وسط قهر مها التي كادت تنفجر من الغيرة.

التفت العم مكرم بنظراته  وقال بتقدير وود... ماشي يا ولدي أجول ليه بس كان نفسنا عموما نشوف حد تآني... ثم نظر لملوك.... 
كلامك زين دايما يا بتي... كيفك... أدهم ابني بيكلمني عليكي كتير جوي.. بيجول إنك شاطرة وذكية كيف الدكاترة الكبار.

تنهدت ملوك وحاولت رسم ابتسامة رقيقة رغم الغيظ المكتوم في صدرها من سيرة عامر السابقة وهتفت.. 
تسلم يا حاج.. ده من ذوق أدهم هو بجد حد لطيف ومحترم جدا.

هنا لم تفوت سعدات الفرصة لتتدخل بكبرياء فهتفت على الفور... . 
أدهم ما فيش منه واصل.. كيف عامر ولدي وما يتخيرش عنه في حاجة البنته كلها بتتمناه وبتريد قربه.

ضحك الرجل بصفاء وقال.. 
على جولك يا سعدات.. بكره نفرح ببتك ونرتاح.. ونظر لعامر مكملا بغمزة.. ولا إيه يا ولدي؟

في تلك اللحظة اشتعل عامر بالكامل وخرجت من عينيه نظرات لاهبة صوب ملوك التي أحنت رأسها بسرعة هربا من عينيه بينما كان الوجع والغيرة ينهشان أحشاءها من كثرة ما تسمع عن ارتباطه بمها دون أن تعي ماهيه وجعها.

قامت مها من مكانها مدعية الخجل والتحسيس على وجنتيها... 
الله ما تكسفنيش بقى يا عمي.

ثم أسرعت وصعدت درجات السلم للأعلى بدلال  لتعقب سعدات بابتسامة عريضة.. 
جريب جوي عامر يتهنى بعروسته يا حاج مكرم والدار تنور بيهم.

هنا لم تعد ملوك تحتمل البقاء ثانية واحدة فشعرت بالأنفاس تضيق في صدرها وهتفت وهي تقف متذرعة بالرحيل... 
طب.. أستأذنكم أنا دلوقتي.

هتف الرجل بترحيب وتمسك.. 
طب هنعوزك كمان هبابة يا شابة اجعدي معانا واصلي.
لكنها خرجت متحجحه سريعا وهي تغلي من داخلها والدموع تكاد تفر من عينيها من شدة القهر.

بمجرد خروجها التفت الرجل إلى الجد وسعفان وعامر وقال بنبرة جادة وحاسمة... 
اسمع يا حاج.. إني جاي أطلب ملك لولدي أدهم رسمي أهو قدام الكل. هو رإيدها وهنشيلها في عنينا ومش هنجصر معاها  واصل والدار جنب الدار وولدكم بعنينا. شوارها ودهبها ودارها هيتعمل كيف أجدعها صبيه ولدي بيحبها ورإيدها..  أدهم ولدي راجل وسيد الرجال متعلم وناجح وسابق سنه ومن حطت ملك اهِنه وهو عينه منيها وكان بيلمحلي ودلوك عاد جه الوجت اللي يستجر فيه ويفتح بيته مع الصبية اللي خطفت جلبه.. إحنا أولى ببعض يا ولدي والجمال ده كله ملوش مكان يصونه غير دار أدهم. ونادم عليها يلا ناخد رايها انا متوكد انها هتوافج ادهم ليه ياما بيجرب منها ولما اتوكد من لينها بعتني.... 

تسمر عامر في مكانه وكأن صاعقة هبطت فوق رأسه شعر بنيران الغيرة والحنق تحرق عروقه وجف ريقه تماما بينما قبضته انغلقت بقوة وعنف حتى ابيضت مفاصيله. لم يحتمل فكرة أن يُذكر اسم ملوك مقترنا برجل آخر فكيف بطلب زواج رسمي ومن. 

شعر عامر بضيق شديد في تنفسه ونظراته تحولت إلى جمر مستعر يوجهه نحو عمه  ملامحه الغاضبة وجسده المتشنج كانا يصرخان برفض قاطع وعنيف. 
هب عامر واقفا كالملسوع وجسده ينتفض من الغضب وصوته هدر كالرعد... 

.........
كده أظن خلاص بقه يا باشا  إنت في مزنق اما نشوف هتعمل إيه نفسي مها الزرقه تنقهر...

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

شعر عامر بضيق شديد في تنفسه ونظراته تحولت إلى جمر مستعر يوجهه نحو عمه  ملامحه الغاضبة وجسده المتشنج كانا يصرخان برفض قاطع وعنيف. 
هب عامر واقفا كالملسوع وجسده ينتفض من الغضب وصوته هدر كالرعد... 

نعم... مش جفلنا الجصة دي يا عمي وتكلمنا فيها جبل سابق؟

هتف الرجل بتعجب واستنكار لردة فعله.. 
ونجفلها ليه يا ولدي عيبة إياك. الواد رايدها وشاريها وإحنا ولاد عم وأولى ببعض.

هتف عمار بعصبية أعمى وجنون وغيرة لا يستطيع مداراتها... 
أيوه عيبة دي حريمنا.. وما حدش ياخدها واصل. 

هتف الرجل بضيق من تحكمه... 
حريمك كيف يعني ما أنت هتاخد بت عمك مها ومكتوبالك ودا كلام البلد كلياتها.. يبقى إيه اللي جد دلوك عشان تجف في سوج الواد؟

صرخ عامر بصوت زلزل جدران المضافة وعيناه تشتعلان  من الغيظ... 
إني ما واخدش هباب عليا. وبطلو تجولو الكلام ده وتجيبوا السيرة دي ع لسانكم أني مش هاخد حد. 

هتفت سعدات بلطم على صدرها وصدمة حقيقية... 
يا مري!ط... مش البت لواد عمها في إيه يا عامر؟ بتخلي ببتي وتصغرنا قدام الناس إكده ليه؟

التفت إليها عامر بغضب عارم يكاد يحرق الأخضر واليابس وهتف فيها بحدة... 
أخلي بإيه هو أنا كنت نطجت وإلا طلبتها من أساسه. انتو بتعملو حدوتة وتعيشوا. لما يبقى واد عمها رايدها يبقى تتكلمي.. وجفلي على الكصة دي خالص ومتفتحيهاش تاني واصل.. شوفي لبتك راجل غيري يشيلها.. أني برا الموضوع ده. 

هتف الرجل مكرم بضيق وهو يعتدل في جلسته مستنكراً تحكم عامر... 
برضك ماليش صلح بكل ده واصل.. إني بطلبها من كبيرها والبت هي اللي تجول رأيها ده حجها الشرعي ولا لاه يا حاج سعفان؟

هنا تدخل الجد سعفان أخيرا بوقاره وهيبته المعهودة لينهي هذا الجدا، فهتف بنبرة حاسمة... 
طب يا مكرم.. سيب الموضوع ده دلوك يا ولدي وإني بنفسي هشوف البت وأجيبلك الرد .

انتفض عامر مجددا وعيناه تشتعلان بجنون الغيرة وهتف بحدة وعصبية وهو ينظر لجده بذهول... 
بتجول إيه يا جدي رد إيه ده أنت هتديهالهم ييجوا ياخدوها إكده ببساطة ده بعينهم واصل. 

ضرب الجد عصاه بالأرض وهتف بلهجة آمرة لا تقبل النقاش.. 
اسكت يا عامر الزم حدك وهنتكلمو في الموضوع ده بعدين.. مش قدام الضيوف. 

قام مكرم من مكانه وهو يشعر بالحرج والضيق من ردة فعل عامر وهتف وهو يتجه نحو الباب.. 
طب يا حاج.. إني هستني الرد منيك أنت..
وقام وتركهم وغادر  وعلامات الاستياء واضحة على وجهه.

بمجرد خروجه وقفت سعدات في منتصف القاعة تصرخ بقهر وغل وتلطم على صدرها... 
يعني دي آخرتها.. بناتي الاتنين ما يبقوش لولاد عمهم.. واحد اتجوز والتانس مش رايد إيه العيبة والكسرة دي اللي بتعملوها فينا.. أنتوا فاكرينا إيه واصل ماليناش جيمة في الدار دي؟

هتفت فؤادة بنبرة هادئة محاولةً تهدئتها ومواساتها.. 
اهدي يا سعدات واذكري الله.. الجلب وما يريد والزواج ده ما فيهوش غصب واصل.

صرخت سعدات بعيون حانقة ونبرة مرتجفة.. 
وإني بناتي ما يتسابوش إكده يا حجة.. مها ما يتجالهاش لاه.. وإلا إيه يا حاج سعفان. ساكت لولَدك وهو بيكسر ببت عمها؟

هتف عامر غاضبا بصوت ك الرعد وهو يتقدم منها وعيناه تتشحان بالسواد... 
بجولك إيه يا مرت عمي.. هيا الشغلة تلزيق. واخلي بنين وليه اني مت معاها عشان اخلي بيها. اكسر بت عمي لما اكون طلبتها. انا ماكلبتش حد ومش وأخد حد. إني ما هخدش حد إلا بكيفي وبمزاجي ومحدش يملي عليا فاهمه. 

صرخت سعدات بأعلى صوتها وهي تشير إليه بإصبعها.. 
ومين هي بكيفك دي يا باشا جولنا إيه اللي جد دلوك ما طول عمرنا بنجول مها ليك وأنت ساكت وموافج.. إيه اللي غيرك واصل من ناحيتها؟

هتف بحدة بالغة وجسده ينتفض من الغيظ... 
لو كت جولتيها جدامي وسكت يبقي ليكي الكلام انما جعده الحريم ورط النسوان انا ماعرفوش.. تجولي.. تطلعي.. تنزلي.. ده شيء يخصك أنتِ وما يخصني في حاجة إنما اللي يخصني اللي جولته وخلصت. ويمين الله لو اتفتحت السيرة دي تاني في الدار هتلاجي قدامك حد ما تعرفهوش لسة فاهمة واصل.. الكلمة لِمت واتجطمت.. إني مش لبتك والموضوع ده اِجفِلبها ضبة ومفتاح.. فاهمة؟

ولم ينتظر سماع رد آخر منها بل استدار بكامل جسده وخرج  وهو مشتعل ككتلة من اللهب وعيناه تدوران في أنحاء الدار يبحث بعقدة حاجبيه وجنونه عن ملوك.

كانت ملوك تقف في شرفة المندره مشتعلة والغضب يأكل أحشاءها.. تروح وتجيء بأنفاس لاهثة وهي تحدث نفسها بحنق... 
كل شوية البت لواد عمها إيه القرف ده ما بيتكسفوش. قلة أدب كدة ما شفتش في حياتي والتاني يعني ما بينطقش. كل شوية يقولي ما فيش بينا حاجة وشوية ألاقيه يقرب منها وتمسك إيده وهو واقف على السلم يقولو يتنحنحوا وتعمله قهوة وهو واقف ما بينطقش ولا بيكسر الكلمة. وقاعداله عالمسند إيه القرف ده مابتتكسفش ست زفته دي لا شكله ولا زيه أصلا . بس أكيد بينهم حاجة وعلاقة كبيرة وبيحن ليها بنت عمه . إنما أنا لو عملت أي حاجة غلط يفضل يعض فيا ويتحكم وخلاص. 

تنهدت بقهر ووضعت يدها على صدرها الذي كان يعلو ويهبط وقالت بصوت مكسور... 
أنا مالي إيه الغلب وحرقة القلب دي أنا زعلانة ليه مالي بيه ما يتجوز اللي يتجوزها. 

سهمت قليلا وشردت في كلماته ونظراته لها وتابعت بحيرة وقلبها ينغزها .. 
طب ليه قالي مافيش بينهم حاجة ليه حلفلي؟

قطع حبل أفكارها رنين هاتفها سحبته بنفاد صبر لتجده أدهم فتنهدت بضيق وهمست.. 
أنت إيه حكايتك أنت كمان؟ مش مرتحالك .. كل شوية كلام وسهوكه أنا تعبت يا رب تعبت. 

فتحت الخط وحاولت جاهدة رسم نبرة طبيعية وظلت تتكلم معه لثوانٍ حتى سمعته يسألها عن أبيه الحاج مكرم وإن كان ما زال في البيت فهتفت ملوك.. 
آه جوة معاهم في المضيفة بس أنا خرجت وسِبتهم وبتمشى . لا ما سمعتوش وما عرفش قال إيه بالظبط.... بكره تفرحوا بإيه مش فاهمة أنت بتتكلم عن فرح مين؟ يكونش قصدك فرح عامر ومها؟

صمتت تستمع لرد أدهم على الطرف الآخر ثم عقبت بنبرة تحمل غيرة خفية تحاول مداراتها.. 
بس يا أدهم هو بيقول ما فيش بينهم حاجة.. بتقول اية  بيخبي؟ بيخبي عشان هي بنت وسمعة وبنات الأصول وكدة؟ إيه ده ما عرفش بيحبوا بعض من زمان. بس أنا ما بشوفهمش يتكلموا  يا أدهم. عامر شكله أصلا مالهوش في الحب ولا السيرة دي. مها بقى هي اللي بتدلع معاه يعني وبيلاغوا بعض من ورا الناس؟

لم تكد تنهي جملتها وتنتظر رد أدهم على الهاتف حتى شعرت بظل ضخم ينسحب على المكان وجاءها صوت جهوري حارق قاطع أنفاسها. لتلتفت بذعر وتجد عامر واقفا خلفها وعيناه تقطران غضبا وعروق عنقه بارزة من شدة الغيظ وهو يهتف بفحيح مرعب.. 
ليه.. كُنتي شفتيني بتنحنح قدامك معاها واصل عشان تتحدتي في ضهري إكده؟

ارتبكت ملوك وتلعثمت الكلمات في فمها شعرت بالخزي فأنزلت الهاتف بسرعة وهتفت بأنفاس متلاحقة... 
طب.. طب يا أدهم أكلمك بعدين مع السلامة.

أغلقت الخط ونظرت إليه وعيناها تتسعان  كان عامر يقف أمامها كالجبل الثائر والغضب الأعمى يملأ عينيه. استدارت ملوك في محاولة منها للمشي والهروب من نظراته الحارقة خجلا إلا أنه لم يمهلها اندفع يمسك ذراعها بقوة وجذبها إليه وهتف بفحيح هادر.. 
كان بيجولك إيه عليا الزفت ده؟ انطجي.. كان بيجول إيه؟

هتفت وهي تحاول مداراة توترها وصوتها يرتجف... 
ما فيش ما بيقولش حاجة  عنك. 

هتف غاضبا بصوت زلزل جدران المكان... 
أمال إيه عامر شكله مالهوش في الحب دي ليه.. شايفاني طور ما بيحسش واصل قدامك؟

رجف قلبها بشدة من نبرته وابتلعت غصتها وهتفت بعناد ... 
لا أبداً ما فيش حاجة. أنت زعلان ومحروق دمك كده ليه دلوقتي؟

صرخ فيها وعيناه تطلقان شررا... 
عشان أني مش بهيمة ما بتحسش لاه أني بحس وبعرف أحب وبعرف أسبسب كمان كيف البيه وأكتر. 

أحست ملوك بنغزة حارقة في قلبها وعلمت في قرارة نفسها أنه يتحدث عن علاقته بمها وأن كلام أدهم كان صحيحا فهمست بوجوم وانكسار وهي تخفض عينيها... 
طب.. ربنا يسعدكم ويهنيكم.

واستدارت لتمشي وهي تشعر بالألم ينهش روحها لكنه قبض على يدها بعنف وصرخ بنبرة هادرة... 
هما مين دول اللي ربنا يسعدهم انطجي. 

نظرت إليه مندهشة من ثورته وجنونه وهتفت بضيق وقهر... 
في إيه أوعى إيدك دي سيبني. 

صرخ بجنون وهو يشدد على يدها... 
لاه.. ما هواعاش ومش هسيبك إلا لما تجوليلي هما مين اللي يتهببوا ينسعدوا دول؟

ابتلعت ريقها بصعوبة ونظرت لعينيه المتحديتين وهتفت بنبرة مخنوقة... 
أنت.. أنت و..

قاطعها صوته الصارخ كالرعد... 
مها صوح أنسعد أني معاها وأدهم جالك إيه تاني عليا وعلى الهبابة دي. 

هتفت ملوك بقهر طفح به الكيل... 
قال إنكم بتحبوا بعض من زمان وإنها مكتوبالك وهتتجوزها زي ما الكل في  هنا بيقول علطول. 

هنا اشتعل عامر عن آخره وتملكه جنون أعمى فمسكها بعنف من كتفيها وقربها إليه حتى لفحت أنفاسه الغاضبة وجهها وهتف بصوت متحشرج من الغيظ... 
وطبعا صدجتيهم صوح صدجتي إني هتهبب وأتجوز مها. 

هتفت وهي تحاول دفعه بضعف وغضب... 
في إيه أنت غضبان وعروقك هتطق ليه كده أنت حر في حياتك. 

صرخ في وجهها بغيرة قاتلة.. 
لاه.. مش حر وأني مش متهبب معاها ولا هكون ليها واصل حولت الف مرة .. فاهمة ولا لاه؟

هزت رأسها بغرابة وعدم تصديق لإنكاره المستمر فصرخ مجددا وهو يهز كتفيها برفق غاضب.. 
بجولك ما بيناش حاجة واصل اجطعي السيرة دي. 

تنهدت ملوك بحسرة وقهر وهتفت بلوم لاذع... 
عيب على فكرة تكدب كده. كل شوية تقول ما فيش بينكم وأنتوا بينكم كل حاجة والكل عارف. أنت حر تحب ما تحبش دي حاجتك بس ما تقولش على حبيبتك كده من وراها عيب في حقك كراجل. 

هنا استشاط عامر غضبا وتملكه الغيظ حتى خرج عن طوره بالكامل التفت وضرب أحد الكراسي الخشبية القريبة بقدمه ضربة عنيفة رشقته في الحائط ليتحطم وصرخ بصوت زلزل أرجاء المكان وهو يقترب منها وعيناه حمراوان كالجمر... 
جولتك ما هياش ولا هتكون طين على أيامي واصل. 

اندفعت ملوك بغضب عارم والغيرة تنهش قلبها وتكاد تمزقه دون أن تعلم كنه هذا الشعور وهتفت بصوت مخنوق ... 
بطل بقى أمال كنتوا ماسكين إيد بعض ليه هاه.. مقربين من بعض قوي كده ليه؟ بتكدب ليه بطل بقى كدب ونازلة نحنحة عليك وتحط إيدها على إيدك وتقعد جنبك كدة عالمسند لازقه فيك . فاكرني هبله هصدقك لا يا أستاذ بيا عنين بشوف بيها الهانم وانت مخبية ليه هاه هنحسدمو مثلا وكل شويه تقولي مافيش.. فعلا ما فيش بينكم حاجة دا أنت بينكم وبينكم بس ما عرفش بتخبي ليه أنت. 

واستدارت غاضبة والحرقة تأكل أحشاءها وهي تحاول الفرار من أمامه فاندفع عامر خلفها كالإعصار ومسكها بجنون وهزها برفق وهو يهتف بأنفاس لاهثة وصوت خرج من أعماق قلبه... 
افهمي بقى ما رايدهاش أني ما بحبهاش والله العظيم ما بحبها يمين الله ما في جلبي ليها واصل ورحمة ابوي واخوي مافيه ليها في جلبي حته مسه مشاعر . 

نظرت إليه بدهشة عارمة وتجمدت الدموع في عينيها بينما بدأت دقات قلبها تدق بعنف شديد زلزل كيانها من صدق نبرته وقسمه.

هتف عامر بلين وهو ينظر في عينيها مباشرة:
أني ما بحبهاش وحولت انهارده لمرت عمي تشوف لبنها راجل يصونها أنا مش عايزها واتعاركت معاها علي أساس البت لابن عمها بس اني مش رايدها.  وما بحبش حد من أساسه أنا أنا خالي خالص. 

فتحت عيونها بذهول وصدمة وتمتمت بشفتين مرتعشتين... 
بس.. بس هما.. الكل بيقول..

لم يدعها تكمل بل اندفع وشدها بقوة لترتطم بصدره العريض فوضعت يديها تلقائياً على صدره الذي كان يرجف ويعلو ويهبط بعنف شديد، ليهتف هو بفحيح لاهب وقريب جداً من وجهها.... 
اللي يِجول يِجول يولع وأني بس اللي أحدد مين اللي رايدها ومين اللي تكون ليا فاهمة ما تصدجيش حد واصل. أني ومها استحالة نكون لبعض في يوم من الأيام. 

ابتلعت ريقها بصعوبة ودقات قلبها تضاعفت حتى أحست أن صوتهما المرتفع سيسمعه هو من شدة قوته وعنفوانه. هتف عامر أخيراً بنبرة حملت رجاءً خفيا... 
ما تسمعيش لأي حد وتصدجي فيا أني ماليش حرمة في بالي واصل فاهمة؟

كان يريدها أن تصدق بشدة وبأي ثمن أنه ليس في علاقة مع مها أو حتى يمر طيفها في تفكيره. تنهد بعمق واسترخت ملامحه الحادة ليتطلع إلى عينيها الملتمعتين وهمس بلين دافئ لم تعهده منه من قبل... 
صدجتيني دلوك؟

تداركت ملوك نفسها فجأة وشعرت بمدى قربهما الذي يخطف الأنفاس فابتعدت عنه خطوات وهي تهتف بارتباك شديد وتشتت عينيها في أركان المكان... 
يعني أصدق ما صدقش ما أعتقدش إن الموضوع ده يهم أي حد في حاجة. 

خطا نحوها خطوة ومد يده ورفع وجهها تنظر ابيه وهتف بنبرة جادة... 
لاه يهمني يهمني أنتِ بالذات تصدجي. 

نظرت إليه بغرابة وحيرة وسألته بنبرة خافتة... 
ليه ليه يهمك رأيي أنا بالذات؟

تحمحم وحاول استعادة جموده الثابت وهتف:
عشان أني ما بحبش حد يفكر فيا غير في حجيجتي ما بحبش الظلم واصل.

هزت رأسها وتنهدت قائلة... 
آه.. قصدك إنك مالكش في الحب والحاجات دي وإنك ناشف علطول يعني.

شعر بالغيظ الشديد من كلماتها التي أعادت إلى ذهنه سيرة ادهن ونحنحته  وهتف بنبرة حانقة.. 
هو أني لازم أتنحنح قدامك وأسبسب عشان تصدجي إن ليا في الحب إيه.. عايزاني أتمسخر قدامك كيف البيه عشان أرضيكي؟

نظرت إليه بغضب عارم وقد اشتعلت وجنتاها حماماً، وهتفت بصدمة... 
أنت بتقول إيه أنت تتمسخر إيه وبتاع إيه؟ عيب كدة على فكرة. وبيه مين انت فيه ايه. 

لم يستمع  بل اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسه الحارقة تلفح وجهها وتحدث بصوت جهوري مكتوم وعيناه تطاير منهما الشرر بغضب أعمى... 
إيه كلامك  مع أدهم بيه مبسوطة عاد باللي عيحصل  البيه ما بيبطلش نحنحة معاكي وكل شوية يكلمك ويلاغيكي وعينه عليكي ورايحة وجاية وأخرتها إيه تليني ليه. 

اتسعت عينا مليوك بصدمة وذهول من اتهامه الباطل وهجومه المفاجئ وشعرت بالإهانة من كلماته القاسية فصرخت فيه بحدة ودموعها تقفز من عينيها.. 
أنت مجنون مين دي اللي تلين أنت في وعيك جرى لك إيه عشان تقول لي كلام زي ده أدهم ما بيني وبينهوش حاجة. 

قبض على يدها بقوة أكبر واقترب أكثر وعيناه تلمعان بنار غيرة كادت تحرقه هو شخصيا قبل أن تحرقها وهتف بنبرة مكسورة ومشتعلة خرجت كالحمم من جوف قلبه.. 
اللي ما بيسيبكيش  وعينه عليكي في الرايحة والجاية. نظراته ليكي وإنتِ واجفة ولا همك عتحسبي إني أعمى ومش شايف الملاغية اللي بينكم وال ايه لينتي وموافجه انطجي انت موافجه. 

دفعته بعنف.. موافقه لي إيه يا مجنون انت اوعي والله ماواقفالك تقل أدبك... استدارت بغضب كاسح لترحل وتتركه فاندفع عامر بسرعة البرق ووقف أمامها مباشرة يسد عليها الطريق بكفيه وهتف بأنفاس لاهثة وعينين تلتمعان بمشاعر عجز عن كتمانها... 
رايحة فين أني.. أني لسة ما خلصتش كلامي واصل . 

هتفت ملوك وعيناها تلتمعان ببريق من الكبرياء المجروح وهي تحاول دفعه عن طريقها.. 
ابعد من وشي الساعه دي احسنلك.. وتاني مرة  تنقي كلامك كويس بدل ما تصرف تصرف يهينك . أنا مش هقبل أبداً تقولي كدة وكمان أنا لا مستنية نحنحة منك ولا عايزة أتكلم معاك من أساسه. 

ودفعته بكل قوتها من صدره ومرت من جانبه بسرعة تاركة إياه يقف في مكانه يغلي كمرجل من النار.

راح عامر يضرب كفا بكف ويزفر بأنفاس حارقة، محدثاً نفسه بغيظ شديد... 
أنت حلوف صوح بتاكل في حالك ليه وعشان إيه. ومالك ملهوف عليها إكده وكأنها هتهرب من يدك منك لله يا مرت عمي وانت يا أدهم يبتليك بنصيبه .. ايه هتوافج عليه هتوافج آه. طلع بيسبسب ليه ياما يوجعها من ورايا وأنا جولت الجصه خلصت اتاريه رايح جاي يحب ويلاغي أعمل إيه لاه ماهتجوزوش طول مانا عايش لاه طب يا ادهم هنشوف. 

دخلت ملوك إلى ردهة الدار وهي تحاول التقاط أنفاسها وتهدئة ضربات قلبها ليقترب منها أحد رجال الدار بوقار قائلا... 
ملك هانم.. في حد بره في الجنينة عايزك  وطالب يشوفك.

تنهدت بضيق وحيرة واتجهت نحو الحديقة الخارجية لتتفاجأ تماما بالشخص الواقف هناك. اتسعت عيناها وهتفت بدهشة... 
أمجد إزيك إنت إنت هنا بتعمل إيه. 

تحركت معه خطوات مبتعدة عن مدخل الدار. في هذه الأثناء كان عامر قد خرج ووقف من بعيد لتقع عيناه عليهما ف شعر بقلبه يأكله ونار الغيرة تنهش جوفه مجددا. تطلع إلى أمجد بعقدة حاجبين مرعبة وفحيح غاضب... 
ودا جاي ليه ده كمان. نهارهم طين  هو في إيه بالظبط في البلد دي. هما بيحلجوا عليها أدهم من ناحية ويطلعلي زفت ده من ناحية تانية. عايز إيه ابن الجزمة ده منيها. 

اشتعل بالكامل وهو يراها تتمشى معه في الحديقة ولم يحتمل رؤية ابتسامتها الرقيقة التي تلاشت أمامه منذ قليل وهي ترتسم الآن لأمجد. شعر بنار تأكل أحشاءه فلم يتمالك نفسه واندفع بخطوات هادئه. وقاسية يقترب منهما متخفيا بين شجيرات الحديقة الكثيفة ليقف على مسافة قريبة.

كان أمجد يتحدث معها بنبرة خفيضة وتحمل اهتماماً كبيرا... 
إزيك يا ملوك عاملة إيه أنا جيت بنفسي هنا عشان أجف جنبك أنتِ ما ينفعش تكملي في المكان ده كدة واصل. دول ناس غُرب عنك ولو عرفوا الحجيجة هتبقى سواد عليكي . 

هتفت ملوك بنبرة يملؤها القهر والقلة الحيلة... 
ما فيش في إيدي حاجة أعملها يا أمجد.. الحج قالي لو مش أمه هنا وبقيت من أهل الدار هيمشيني أنت عارف البير وغطاه. وأنا واخدة عهد وكلمة على نفسي لأختي الله يرحمها إني مش هسيب لحمها لو بموت.

هز أمجد رأسه بتفهم وهتف يحاول طمأنتها... 
يبقى خلاص نحلها من جدرها ويكون ليكي حد جَارك وسند يقف جنبك ويحاميكي من الكل وعارف بيكي إيه ماحد يتحمل اكده لحالة .

تنهدت ملوك بتعب حقيقي وضياع وتمتمت... 
أعمل إيه بس يا أمجد .

هنا كان عامر قد اقترب كالفهد القناص يحبس أنفاسه الغاضبة خلف الشجيرات وعيناه متسعتان وعروقه بارزة من شدة القهر وبدا يستمع لكل كلمة.

لم يتردد أمجد بل أخذ خطوة نحوها وقال بنبرة صادقة وجادة... 
أنا عايز أتجوزك.

ااوعي وشك نقاله وعالانعاش يا ريس...

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

لم يتردد أمجد بل أخذ خطوة نحوها وقال بنبرة صادقة وجادة... 
أنا عايز أتجوزك. 

رجفت ملوك وتراجعت خطوة برهبة صدمتها وعيناها تتسعان بذهول... 
إيه يا  أمجد.. أنت بتتكلم بجد عايز تتجوزني بجد كلامك ده ولا إيه إنت يا أمجد عايز تتجوزني . 

هتف أمجد بلهفة ومشاعر فاضت منه أخيرا... 
من زمان وأنا بحبك. من زمان جوي وأنا بريدك وعيني منيكي ومشاعري ناحيتك كبرت وبقت فوج ما تتخيلي كنت مستني اللحظه إللي ينفع أتكلم لأني كنت خابرك من قبل . بس دلوك لازمن أتكلم هو عيب يعني إني أطلب الحلال؟

تنهدت ملوك وهي تحاول استيعاب المفاجأة وقالت بنبرة حائرة... 
لا مش عيب ما قولتش عيب  بس أنت أول مرة تحسسني بحاجة زي دي إيه بتحبني دي؟ أنت عمرك ما قولتها وأنت عارفني كويس وعارف ظروفي.

اقترب بخفة وهتف بإصرار... 
أنا عايز أتجوزك وأخدك ونبعد عن هنا خالص. البلد دي وناسها مش كويسين ليكي أنا عارفهم كويس. أولاد عيلة الراوي دول ناس جافيين وما يتعاشروش واصل والعيشة وسطيهم هتاكلك إنت مش أدهم أنا هبقي سندك . 

لم يعد عامر يحتمل ثانية واحدة أخرى فقد تخطت الكلمات كل خطوطه الحمراء. اندفع من بين الشجيرات كالإعصار الهائج وعيناه تشعان شررا وجنونا وقبض على تلابيب قميص أمجد بعنف هز جسد الآخر وهو يهتف بصوت رعدي زلزل أرجاء الحديقة.... 
هما مين يا جدع أنت اللي ما يتعاشروش  وإيه جلة الحيا والمسخرة اللي عاد تِجولها في داري دي؟

تفاجأ أمجد من هجومه وحاول  تخليص نفسه من قبضة عامر القوية وهتف بنبرة يحاول جعلها صلبة رغم ارتباكه... 
مالك بيا يا عامر إني بكلم ملك مش بكلمك أنت واصل. 

صرخ عامر في وجهه وهو يقربه منه بعنف أشد... 
وأنت مالكش كلام معاها ولا عاد تلمح طيفها واصل فاهم ولا لاه؟

هتفت ملوك بصدمة وذعر من هجومه المفاجئ وحاولت التدخل قائلة بصوت مرتجف... 
في إيه أنت بتعمل كدة ليه  دا ضيفي سيبه. 

التفت أمجد برأسه نحو ملوك وهتف بنبرة مستفزة وهو ينظر لعامر بتحد... 
ما عرفش مالك بيها بتتحكم فيها كدة ليه ومين يتكلم ومين لاه ليك عندها إيه أنت عشان تعمل كدة؟

اندفع عامر بهياج أعمى وجذب أمجد من قميصه بقوة كادت تمزقه وهتف بفحيح حارق وقاتل... 
اسمع بقى يابن السباعي دي آخر مرة تِيجى هنا وتتكلم فيها مع ملك هاه وإلا ويمين الله هتلاجيني قدامك في حتة تانية خالص. وشغل النحنحة والسبسبة ده ما يتعملش على حريمنا واصل. 

صرخت ملوك بوجه محتقن بالدموع والغيظ... 
أنت اتجننت عيب كدة في إيه ده ضيفي وأنا حرة سيبه عيب كده إيه كلامك ده . 

ومدت يدها تحاول دفع ذراع عامر ليترك امجد فدفع يدها بخشونة وعيناه معلقة بأمجد.

هنا هتف أمجد بتهكم ليزيد النار اشتعالا... 
لاه باين البيه مش معتبرك من أهل البيت واصل ومتحكم فيكي ماتضيفيش حد وماتجابليش حد تجعدي تاكلي وتشربي تجولي سمعا وطاعة مش اد المجام إحنا  . 

صرخ عامر فيه بصوت هز جدران الدار كالإعصار... 
ما تخلينيش أجلبها نار  عليك وعلى عيلتك كلياتها دلوك. وأنت خابر زين مين هو عامر الراوي تبعد عن ملك خالص وإلا تلاجيني قدامك وآخرتك على يدي. 

هتف أمجد بغل وهو يحاول التماسك.... وأنت مالك بيها كِت حرمتك. إني عايزها شاريها ورايد اتجوزها  مالك بيها أنت هاخدها وأمشي. هي لا من توبكم ولا شبه شكلكم الجافي ده. 

صرخ عامر بجنون وغيرة أحرقت الأخضر واليابس في صدره... 
توب مين يا أبو توب أنت وتاخد مين خدك ربنا وريحنا منك. جنازه تشيلك إنت جاي تجول اية إنت. وماليش صالح كِيف أيوه حرمتي واللي يجرب من حريمنا أدعك وشه في الأرض. ابقى وريني نفسك بقى واصل ويلا ورينا عرض أكتافك. 

صرخت ملوك وهيا نظر اليه بفضي... ايه قلت أدبك دي انت إزاي تطرد ضيفي إنت مفكرني إيه. 

نظر إليها بهياج وبحرقه.. وكمان ليكي عين تدافعي عنه وهو واجف يتمايع. 

هتف أمجد بغضب مندفعا يدافع عن نفسه... أنا ما بتمايعش انا طالب الجواز وهيا تجول وانت ماتدخلش ولا ليك كلمه عليها من أساسه انت مفكر انها زي اي حريم عرفتهم. ملك غير عاليه وجويه ماحدش يركعها ولا يجدر على وصالها اللي اللي يخش دماغها يبقي تخليك في حالك. 

دفعه عامر بعنف وصرخ بهياج  وعيناه تقطران غلا وحقدا وهز رأسه قائلا... طب بره بلا يخش دماغها بلا زفت علي دماغك  وابقي وريني هتعمل إيه مافيش حاجة كده هتحصل علي جثتي. 

نظر اليه امجد بغل وهتف بشر.. 
طب هوريك حاضر بس الكلام ما خلصش واصل لأن مش أنت اللي تتكلم وتقرر. 
ثم التفت بنظره إلى ملوك وقال بنبرة خفيضة... 
هكلمك تاني يا ملك.

واستدار وتركهم وغادر الحديقة مسرعا والشرر يخرج من عينيه.

بمجرد ابتعاده التفتت ملوك لعامر وصدرها يعلو ويهبط من شدة الغيظ والقهر وصرخت فيه بأعلى صوتها..... 
أنت ازاي تتجاوز كدة وتتدخل في حياتي و خصوصياتي أنت مفكر نفسك مين بالظبط عشان تطرد ضيوفي وتحرجني؟

هتف عامر وهو يقترب منها وعيناه تدوران بحمرة الدم وصوته لاهب.. 
مفكر نفسي راجل.... راجل بيغير على حريم داره ما يجفش يتجالها الكلام ده والمسخرة دي قدامه واصل. 

اشتعل أكثر وقبض على ذراعها بقوة وهو يتابع بهياج.. 
واجفة له وسايباه يجولك بحبك ومن زمان.. هو فيه ايه أمجد من ناحيه وادهم من ناحيه هما بيحلجو عليكي إيه المسخرة دي؟

صرخت فيه وهي تحاول سحب يدها بقهر... 
وأنت مالك أنت أنت بتتعدى حدودك معايا ليه كل شوية؟

أمسك كتفيها بهياج شديد وعيناه تطلقان شرار... 
أتعدى حدودي أمال عايزاني أجف أتفرج على البيه اللي عايز يتجوزك وياخدك ويمشي عايزاني أجف أبتسم وأبارك صوح؟

فصرخت ملوك بغضب و بعناد ... 
أنت مالك بيا أصلا كنت أنا اتدخلت في جوازتك من مها ودخلت في حياتك؟

هنا هاج عمار أكثر وتملكه جنون كاسح فهزها برفق غاضب وهو يصرخ بفحيح مرعب... 
أنتِ إيه ما بتفهميش واصل جولتلك ما فيش زفت وما فيش جواز وبتحودي من الموضوع ليه انت إزاي تسمحي لنفسك تسمعي من غريب كلام كده. 

صرخت ملوك بقهر طفح به كيل قلبها... لأخر مره إنت مالك جاي تتحكم براحتك وتهين ضيوفي أنت فعلا زي ماقال امجد  أنت أصلاً مش معتبرني من العيلة. جربوعة لا ليها تتكلم ولا أصلا مستعنيها. 

صرخ عامر وهو يقترب منها أكتر وعيونه بتلمع بصدق جارف طلع من بين ضلوعه.... 
لأه أنتِ عيلتي زيك زي الباقي  يا ملك واكتر واكتر واحدة بستعنيها وفي عيني. 

ضحكت بقهر وسخرية ... 
آه.. بأمارة إيه بأمارة تطرد ضيوفي وتتحكم فيا زي ما قال أمجد أنا مش من توبكم ولا ده بيتي.. عيلة إيه دي يا بو عيلة. 

صرخ فيها بجنون وغيرة عمت عيونه وبقى مش شايف قدامه... 
آه أطرده وزعلانة جوي إكده ليه عاد بتحبيه رايداه البيه ده وهتتجوزيه أنتِ مفكراني هسكتلك واصل وتعملي اللي في راسك؟

دفعت صدره بكفين مرتعشين وبكل غضب الدنيا اللي اتجمع في قلبها وهتفت بصوت حاد قاطع... 
اسمع بقى أنا حره أتجوز ماتجوزتش مالكش فيه.
جحظت عيناه وشعر بعروقه ستنفجر... يا نهارك اسود إنت هتتجوزيه رايداه ده دا مايتبصلوش ولا إستعني اشغله عندي. 

هتفت ملك بنبرة عالية  بالوجع وهزت راسها بذهول وهي تنظر لملامحه الثائره وقالت بقهر... 
مايتبصلوش عشان مش لابس توبكم ولا معاه ملايينكم؟ أنت بتعايره يا عامر؟ طب ما أنت شايفني زيه بالظبط.. نسخة تانية منه

اتراجعت خطوة لورا وهي بتشاور على نفسها بإيدين مرتعشة  وتحدثت بحدة... بتقول عيلتي  أنت عمرك ما شوفتني عيلتك ولا واحدة غالية زي أهل بيتك.. أنت بتبصلي من فوق من برجك العالي . بتبصلي على إني حتة ديكور في قصر الراوي. تملكها وتتحكم فيها وتحدد مين يدخل ومين يخرج من حياتها. الغرور عامي عينك لدرجة إنك فاكر طريقتك دي هتسكتني.. دي مش معامله يا ابن الراوي ده تملك وجبر .. أنت قاهرني وشايفني قليلة والراجل اللي مش عاجبك ده هو الوحيد اللي حسسني إن لييا قيمة من غير قصركم ولا فلوسكم. 

صرخت في وجهه وهي بتنهج والدموع محبوسة في عيونها... 
فوق بقى.. أنا مش جارية عندك عشان تدوس على كرامتي وتقولي عيلتي.. اللي بيقدر حد بيكبر بيه مش بيصغره ويصغر الناس في عينه. 

اقتربت خطوه منه وقالت بنبرة جليديه.. دي آخر مرة فاهم آخر مرة تتدخل في حياتي والا تقرب من أي حاجة تخصني وعيب بقى.. أنت ليه كل شوية تجاوزات وقلة قيمة أنت ما فيش فايدة فيك. كل إما أقول ههدي من ناحيتك وتتصلح نفسيتي تشعللها نار انت حد ماينطاقش. 

دفعته بغضب وتركته واقف مكانه بيغلي والنار بتاكل في جوفه وطلعت تجري  داخل الدار. 

أما هو وقف متصنما لوهله من. كلامها ثم اندفع خلفها مثل ضلها غير قادر علي تركها تنهي الحوار وهي غضباة منه بهذا الشكل. 
#######
دخلت مليكة الدار وهي تركض والدموع تغمر وجهها وجسدها لا يكاد يتوقف عن الارتجاف بعد كل ما حدث في الغيطان. لم تكد تعبر الردهة المؤدية إلى غرفتها حتى مسكها عمار الباب وعيناه تشتعلان غيرة وغضبا أعمى.

لم يبالِ بوجود أحد بل اندفع نحوها محاولا إمساك يدها بقوة وهو يهتف بأنفاس لاهثة:... 
استني اهنه اسمعيني  مش هفضل أجري وراكي في الدار كلياتها إكده. 

التفتت إليه مليكة بكل ما أوتيت من قهر ودفعته في صدره بكل قوتها وهي تصرخ بنبرة مخنوقة... 
ابعد عني ما عادش ليك دعوة بيا  أوعى تلمسني تآني. 

وتركته واقفا مكانه يغلي وركضت نحو غرفتها ثم أغلقت الباب خلفها بعنف ورزعت القفل. 

وقف عمار في الممر وصدره يعلو ويهبط وعقله يغلي من شدة الغيظ وفي تلك اللحظة ظهرت ندى من زاوية الممر وكانت تتابع المشهد بابتسامة خبيثة تملأ وجهها.

اقتربت منه وتحدثت بنبرة مليئة بالشماتة والغل المبطن وهي تضحك ... 
مالك واجف مضايج ومحروج دمك كده ليه يا ابن عمي  ما تستاهلش.. بكره كلياتنا نرتاح من الصداع ده ونرتاح منهم ومن قرفهم. 

التفت إليها عمار بنظرة حادة كالسيف وعقد حاجبيه بغضب كاد يحرقها وهو يصيح:
جصَدك إيه بالحديت ده انطجي. 

تلوت ندى بخبث وتابعت وهي تلف جسدها ب ترفع... 
أصل عمي مكرم جه جوة في المضافة مع الحاج.. وجاي ياخد ملك لادهم رسمي ومليكة كمان مكتوب الرد عليها لسليم. وهياخدهم هما الاتنين ونرتاح بقه من حسهم البندري في الدار. 

ضحكت ندى بغل واستدارت لترحل بينما وقف عمار مكانه يشعر وكأن قنبلة انفجرت في رأسه. الغيرة والجنون أعميا بصره ولم يعد يرى أمامه سوى باب غرفة مليكة. اندفع نحو الباب وظل يخبط عليه بعنف كاد يكسر الخشب وهو يصرخ بهياج... 
افتحي الباب ده! بجولك افتحي دلوك حالا. 

جاءه صوت مليكة من الداخل وهي تبكي بقهر وتصرخ...... 
مش هفتح أبعد عني وسيبني في حالي بقى. 

ضرب الباب بقدمه وصاح بصوت رعدي هز أرجاء المكان..... 
افتحي بجولك.. يمين الله لو ما فتحتي لأعمل جناية النهاردة في الدار. 

صرخت مليكة بعناد وقهر... 
والله العظيم لو ما بعدت لأنادي على ملك ومش هقعدلكم في البيت ده . أنا همشي وأغور من خلقتك دي. 

جن جنونه وسال الدم في عروق وجهه وهو يصرخ بفحيح حارق.... 
آه.. هتمشي صوح عشان تقابلي البيه؟ عشان يفضالكم الجو وياخدك خده ربنا  افتحي الباب  افتحي بد ل مادغدغه علي دماغك ... 

صاحت مليكة وهي تضرب الباب من الداخل بكفيها... 
مش فاتحة أبعد عني.. أنا همشي وأسيب البلد دي هقعد ليه هنا؟ عشان تفضل تعض فيا وتتحكم. أنت واحد ما بيعرفش يتعامل مع البنات  أنت راجل قاسي.. والله العظيم أنت عضاض وبتكره الستات كلها وأنا آه همشي. 

سمع كلماتها ف تملكه بركان غيرة لا يرحم وظل يضرب الباب ويهتف بصوت متحشرج من الغيظ:
لاه بتعامل مع الستات وبعرف كيف أقرب منهم وأشيلهم جوات عيوني. افتحي والله العظيم أموتك  واجفة تتكلمي مع البيه بلين وتلاغوا بعض من ورايا وسي طين باعت أبوه  مفكراني هسيبك تروحي  ده بعينكم كلياتكم. 

صرخت مليكة من خلف الباب وهي تبكي بحرقة:
أنت مالك أنت يا رخم عيل بومة جافي خليك عضاض بعيد عني.. سليم رقيق مش زيك  بيفهم في الأصول ومابيعرفش يقسى ويهين البنت كدة. 

صرخ عمار بهياج وجنون تخطى كل الحدود وجسده ينتفض من شدة الغيرة القاتلة... 
لاه بعرف.. وبعرف أبقى حنين وأشيلك فوج راسي مش لساتي مدافع عنك في الغيطان وضارب اللي فكروا يلمسوا طرفك بروحي. بتجولي عليه رجيج صوح عاجبك النحنحة والسبسبة يا بت البندر؟

أجابت بصوت مرتجف غاضب:
ما عاتش تدافع عني لو شفتني بموت سيبني وامشي أول ما ملك تيجي هقولها تاخدني ونمشي من هنا. 

رزع الباب برجله رقعة شديدة جعلت الخشب يتشقق وصاح بصوت لاهب يملؤه الوعيد والغيرة التي عميت بصره.. 
طب تبقي تعتبي بره باب الدار ده  إن ما كنتش جطعتلك رجلك دي ما بقاش أنا عمار الراوي. وعشان تنبسطي وتعرفي الرجة على حج هجطعلك رجبة سليم الكلب ده كمان وأرميها تحت رجليكي افتحي بجولك في يومك الطين. 

ردت بنبرة يائسة ومقهورة.. 
مش هفتح روح يلا من هنا.. أنا بكرهك بكرهك وبكره تحكمك. 

توقف عمار مكانه والأنفاس تتلاحق في صدره ك مرجل يغلي وكلمة بكرهك تتردد في عقله لتشعل نيراناً أشد وأقسى. همس بفحيح غاضب وعيناه حمراوان كالجمر... 
بتكرهني أنا.... بتكرهيني وتحبي سليم.. لاه.. والله العظيم لأقتله بيدي جبل ما يلمح طولك أني نازل لجدي دلوك أشوف إيه الحديت الماصخ ده.. ويمين الله ما هيحصل واصل طول ما فيا نفس. 

واستدار بكامل جسده يطحن الأرض بخطواته الثقيلة متجهاً نحو المضافة والشرر يخرج من عينيه لينهي هذه المهزلة ويمنع أي رجل آخر من الاقتراب مما اعتبره دفاعا عن حريم داره ولكنه في الواقع ليمنع احد من الاقتراب من ملكت قلبه وروحه رغما عنه. 
######
عند ملوك ما إن دخلت ردهة الدار والدموع في عيونها لمحها الجد سعفان وهي بالحالة دي فوقف بوقاره وهتف بنبرة حنونة بس حاسمة.. 
استني يا بتي.. عايزك في كلمتين.

نظرت إليه ملوك وهي تحاول كتم شهقاتها فقام الجد وشاور لها على أوضة المكتب وقال... 
تعالي معايا على المكتب جوة.

في اللحظة دي دخل عامر خلفها وراي جده وهو ياخذها ويدخلوا المكتب فاشتعلت النار في قلبه أكتر وعروقه برزت وحدث نفسه بغيظ... هو إيه الحكاية هما بيحلجوا عليها النهاردة من كل ناحية واصل لية؟.. هنا علم  ووقع في قلبه إن جده يتحدث معها في موضوع طلب أدهم ليدها رسمي.

لم يتمالك نفسه واندفع خلفهم ودخل المكتب عليهم دون استاذان وهتف باندفاع وجنون أعمى هز الأوضة.... . 
أدهم ما هياخدهاش لو روحها طلعت منيها سامع يا جدي على جثتي واصل. 

بهت الجد وتلجم مكانه ونظر لعامر باستغراب شديد من طريقته وجنونه الذي 
اصبح مكشوفا امام الكل. 

أما ملوك فالتفتت ونظرت لعامر بذهول ودهشة وفتحت فمها مش فاهمة حاجة وهتفت.. 
أنت بتقول إيه أدهم مين وياخد مين أنت اتجننت رسمي النهاردة هو فيه إيه إنت مافيش غيري هنا ؟

تنهد الجد بضيق وحاول يلم الموقف ونظر لملوك وقال... 
استني بس يا بتي واهدي.

ثم التفت لعامر بحدة ونهره بلهجة آمرة... 
اخرج يا عامر دلوك بره الكلام ده مش عاد يخصك. 

فصرخ عامر وهو ينظر لملوك نظرة أخيرة كلها وعيد وغيرة تحرق بلد وقال لجده.. 
لاه يخصني.... باعت عمي ليه هاه وعارف اننا خلصناها وداير وراها إنت هتسكت علي جله أدبه وياخد حريمنا اكده مش جفلتها معاه عايزني أروح اجفله واعرفه مجامه. بجولك يمين الله لو حصل لاجلبها علي ادهم نار  واصل مش هسكت. 
واستدار بعصبية ورزع الباب وراه هزه هزت الحيطة وخرج وتركهم يغلي. 

ملوك ظلت واقفة مكانها مثل الصنم لا تفهم ما دخل أدهم وما الكلام الذي قاله عامر . تنهد الجد وجلس على كرسيه واشار لها تجلس وهتف بنبرة دافئة.. 
اجعدي يا بتي واسمعي مني زين.. أنتِ ارتضيتي تجعدي اهنه وسط عيلتك وفي دارنا عشان خاطر ولدك عمر الصغير صوح؟

تنهدت ملوك بقهر ومرارة وضيق وهتفت... 
قصدك انجبرت يا حج مش ارتضيت أنت عارف قعدت عشان أحافظ علي إبني. 

هز الجد رأسه وقال بوقار.. 
ما عادش ده المجصد يا بتي.. المجصد والحجيجة إنك شابة وصغيرة وزينة البنات وعاداتنا وأصولنا وحال البلد اهنه ماينفعش تجعدي في دار فيها رجاله وانت مش حريمنا. 

نظرت اليه بذهول... يعني إيه يا حج انت بتطردني من البيت. 

تنهد الرجل وهتف... لاه يا بتي ماعاذا الله انت علي راسنا بس ماينفعش تجعدي من غير جواز وراجل يحميكي ويكون سترك.

بهتت ملوك تماما وهرب الدم  من وجهها  واتسعت عيونها بصدمة وهتفت.. 
بتقول إيه يا حج جواز إيه أنا ما بتجوزش من أساسه شيل الفكرة دي من دماغك. 

قطب الجد جبينه ونظر لها بنظرة حاسمة جعلتها تبلع ريقها بخوف فاستدركت كلامها بسرعة وهتفت بتلعثم.. 
أقصد.. أقصد إن مش هتجوز بعد عمر تاني  أنا قفلت الباب ده من حياتي.

هتف الجد سعفان وعيناه تحملان نظرة أصول صلبة لا تلين.. 
وإني يا بتي ما عرفش أجعدك اهنه لحالك من غير راجل يربط اسمك باسمه. عيبة كبيرة في حجنا وفي حج عيلتنا. انت  مَرة صِغيرة وجميلة وسط بيت ماليان رجالة وكمان رجالة غُرب داخلة وخارجة للعمل والمضافة وتخرجي والعين عليكي والست المطلجة أو المترملة في بلادنا العين عليها علطول وما بترحمش ويلتو بالسيرة ويطلع كلام عفش مانتحملوش . 

هتفت ملوك والذعر ينهش صدرها... 
أنت بتقول إيه عين إيه أنا مش عايزة أتجوز  ارحموني بقى. 

هتف الجد بنبرة حاسمة قطع بها كل جدال... 
بس ده سلو بلدنا وعُرفنا يا بتي. يا تتجوزي وتجعدي في حمانا معززة مكرمة يا تسيبي الواد وتهملي الدار خالص.. لأجل نِجطع لسان الكلام واللت والعجن في سِيرتك وسِيرتنا جعادك اهنه هو جوازك . 

هبت ملوك قائمة وصوتها يرتجف بصدمة وصرخت بقهر... 
أنت عايز تجوزني بالعافية أو تطردني وتأخد ابني مني حرام عليك. 

تنهد الجد بأسى وهتف بهدوء.. 
والله يا بتي أبدا ما عاش اللي يطردك ولا يغصبك بس ده عِرف ولازم نمشي عليه.. وأهو أدهم ولد عمهم طلبك رسمي وعايز الحلال بس إني الحجيجة مش رايد أدهم ليكي. إني رايد حد تاني خالص يصونك ويكون أحج بيكي. .

صرخت ملوك والدموع بغضب جحيمي وذعر.. 
أنت بتوزع التركة أنت بتقول إيه أدهم إيه وجواز إيه أنا مش هتجوز حد. حرام عليكم بقى هو إيه ده؟ أنتوا بتشتروا وتبيعوا فيا ليه وكأني بضاعة. أنا هاخد ابني وأمشي من البلد آنتو ليه كده ليه. 

هتف الجد بنبرة قوية حملت تحذيرا هادئا... 
أنتِ متوكدة زين إنك ما هتعرفيش تاخديه واصل من الدار دي يا ملك.. وإني بجولك وبعرض عليكي الصح اللي فيه مصلحتك ومصلحة الواد.. تتجوزي ونصونك ونحطك جوات عيونا يا ماينفعش تجعدي عازبه في دار فيها رجالة. 

وفي تلك اللحظة القاتلة انفتح الباب مرة أخرى بقوة جارفة ودخل عامر وهو يلهث فلم يقدر أن يظل بالخارج وهو يعرض عليها جوازه ادهم. وعقله يطحن الأفكار طحنا من الغيرة والخوف عليها.

نظرت إليه ملوك بعيون حمراء غارقة في القهر  وهتفت بنبرة مكسورة ومستنجدة.... 
عايزني أتجوز أدهم يا عامر..دي أخرتها  عاجبك كدة... الحج بيغصبني أتجوز ادهم أو امشي يرضي مين. هتجوزني أدهم بايدك يابن الراوي.

هب عامر كالملسوع واقترب خطوات سريعة وجسده يحترق بالكامل وصاح بصوت هادر زلزل المكتب... 
أني جولت مش هيحصل ويمين الله أدهم ده لو جرب منيكي لأكون دافنه بيدي الموضوع ده مجفول. 

نظرت ملوك للجد ثم نظرت لعامر وابتلعت ريقها بأنفاس متلاحقة تترقب القادم برعب. 

التفت الجد سعفان بكامل هيبته نحو عامر وضرب بعصاه الأرض ضربة قوية رنت في أرجاء المكتب وهتف بنبرة حاسمة وعنيفه... 
وهيجفل كيف يا ولد الراوي والناس بره وجوة بتتحدث وعمك مكرم طلبها لولده رسمي قدام رجال البلد الكلمة طلعت خلاص. 

وقف عامر في منتصف الغرفة كالجبل الثائر وجسده ينتفض بالكامل وعيناه تقطران شرا من شدة الغيظ والغيرة التي أكلت أحشاءه. اقترب من جده خطوة وهتف بصوت لاهب.. 
تتحرج الكلمة وتتحرج البلد كلياتها يا جدي بس ملك ما تتجوزش أدهم واصل يمين الله على جثتي. 

قطب الجد جبينه ونظر إليه بحدة آمرة... 
جرى إيه لعجلك يا سيادة المستشار أنت خابر زين الأعراف والأصول بتاعتنا. وبرضك ماتنفعش تجعد لحالها عازبه. وما يصحش نكسر بكلمة عمك البت شابة وصغيرة وجعدتها إكده من غير راجل يربط اسمه باسمها عيبة كبيرة في حجنا والعين عليها مابترحمش. 

صرخ عامر بقهر وجنون أعمى وعيناه معلقتان بملوك التي كانت تنظر برعب
جدي بلاش إكده بلاش الحديت الماسخ بتاع العوام ده.. دي حريمنا وفي حمانا تجعد وإللي يرط يرط. 

هتف الجد سعفان بنفاد صبر وهو يقف مواجها لعامر.. 

يرط يا فضحتنا علي آخر الزمن دار الراوي يتجال عليها العيبه. لأه حلها أنت يا فالح جولنا هنعملوا إيه الناس داخلة وخارجة على الدار والمضافة مابتفضاش من الغرب والشرج ولازمن ولابد تتجوز عشان نجطع لسان أي حد يتحدت في عرضنا مافيش حرمه بتجعد اكده ماحصلتش وهيا صغيره وعليها العين. 

صاح عامر بعناد وجنون خطف أنفاس ملوك.. 
لا ما هتتجوزش واصل وتجعد اهنه معززة مكرمة في وسطنا واللي ينطج بكلمة واحدة في حجها أجطع لسانه وأطير رجبته من فوج كتافه إنما جواز من أدهم مش هيحصل. 

ساد الصمت القاتل في المكتب لثوانٍ صمت انقطعت فيه الأنفاس ولم يُسمع فيه سوى شهقات ملوك المكتومة وأنفاس عامر الثائرة.

نظر الجد سعفان إلى عامر نظرة طويلة عميقة غلفها مكر السنين والخبرة وكأنه كان ينتظر وصول حفيده إلى هذه النقطة بالذات ليعرّي مشاعره التي يداريها خلف قناع القسوة والتحكم.

تحرك الجد ببطء ووقف أمام ملوك و أمام عامر مباشرة وثبّت عينيه الصارمتين في عيني حفيده المشتعلتين وهتف بنبرة  قاطعة وهادئة كهدوء ما قبل العاصفة.. 

طالما عاد واجف في سوج الواد وعامل فيها حامي الحِمى ومش عاجبك أدهم.. يبقى خلاص يا ولد الراوي الموضوع مالهوش غير حل واحد واليوم جبل بكره.حكمي اللي مافيهوش راجعه لو الجيامه جامت هيتنفذ .

إسمعي يا ملك طالما ما هيبقاش أدهم يبقى حد غيره أولى وأحج بيكي وبلحم أخوه.  وليكي الاختيار بينهم يا بتي واليوم قبل بكرة. الحل عشان تجعدي بولدك اهنه ومانحولكيش اتكلي علي الله شوفي حالك جدامك الخيار... الجوازه اتكتبت يا اما ... أنت يا عامر .. أو عمار خيك.. الاختيار لملك بينكم أنتوا التنين والراجل فيكم اللي هترتضيه وتختاره هيكون عريسها وكتب كتابها عليه السبوع ده . وما حدش في عيلة الراوي كلها هينطج بكلمة واصل بعد إكده. ده حكم ونفذ وإللي ماينفذوش مالوش جعاد اهنه. 

وقع الحديث على رأس عامر الصاعقة. وتجمدت الأنفاس في صدره بينما اتسعت عينا ملوك بذهول ورعب جحيمي وهي تنظر لعامر الذي تلاقت عيناه بعينيها في نظرة طويلة خرقت الروح نظرة محملة ب غيرة موت وصدمة زلزلت كيانهما معا. 

بينما تلاشت كل الكلمات من فوق شفتيه ولم يعد يسمع سوى دقات قلبه الهادرة التي فضحته أمام نفسه وأمام جده، ليعلم أن البركان الذي حاول كتمانه طويلاً قد انفجر الآن، ولم يعد هناك مفر من مواجهة النصيب الذي كُتب عليه بالدم والنار رغماً عن إرادته.
########

تعليقات